Auteur/autrice : برلمان

  • تمثيلية المسلمين في إسبانيا ومعضلة تأسيس “إسلام إسباني”

    برلمان.كوم – سعيد إدى حسن*

    تشير كل المؤشرات والمعطيات الموضوعية إلى أن الطبيب الإسباني من أصل سوري، أيمن إدلبي، سيتقلد منصب الرئيس الجديد للمفوضية الإسلامية، وهي أعلى هيئة تمثيلية للمسلمين في إسبانيا، خلفا للرئيس الأسبق رياج ططري بكري، وهو أيضا إسباني من أصل سوري وافته المنية يوم 6 نيسان/أبريل 2020 جراء إصابته بفيروس كورونا المستجد.
    ويعتبر الدكتور أيمن إدلبي، الملقب ب”أبو عبده”، وهو طبيب أطفال متقاعد، شخصية تحظى بالاحترام وبنوع من الإجماع داخل اللجنة الدائمة للمفوضية في هذه الظرفية العصيبة، وبخاصة في ظل الصراعات التي تشهدها الساحة الإسلامية في إسبانيا بين عدة تيارات والسعي الحثيث لبعض الأطراف التي لها ارتباطات خارجية للسيطرة على هذه المؤسسة الحساسة التي تمثل مسلمي إسبانيا، والذين تخطى عددهم المليوني شخص بحلول سنة 2020.
    رحيل رياج ططري، والذي كان يحظى برضى السلطات الإسبانية وبتقدير كبير في الأوساط الرسمية بما فيها المؤسسة الملكية، أثار مخاوف الاستخبارات الإسبانية التي تخشى من انتقال قيادة المفوضية الإسلامية إلى شخصيات مقربة من جهات خارجية، وبخاصة من المغرب أو من جماعات إسلامية مثل جماعة العدل والإحسان المعارضة للنظام المغربي.
    وشكل رحيل رياج ططري المفاجئ فراغا قض مضجع السلطات الإسبانية وأفزع قيادات المفوضية على حد سواء، كما فك “عقدة الخوف من الزعيم” التي كانت تتملك بعض أعضاء اللجنة الدائمة التي تسير المفوضية، حيث خرج بعض أعضاء هذه اللجنة بتصريحات صحفية انتقدوا فيها بشدة “غياب الديمقراطية الداخلية” لانتخاب هياكل المفوضية وذهب بعضهم إلى حد التشكيك في جدوى وجود مؤسسة “ليس لها أي تأثير على أرض الواقع” و “لا تحظى بثقة أغلبية المسلمين”.
    وكان رياج ططري أبرز شخصية إسلامية في إسبانيا منذ أزيد من أربعين سنة، وهو الذي تربى في مدرسة الإخوان المسلمين في سوريا قبل الفرار إلى إسبانيا هربا من اضطهاد نظام حافظ الأسد للمسلمين السنة في سبعينيات القرن الماضي، وتقلد عدة مناصب قيادية في تنظيم الطلائع/جناح عصام العطار في أوروبا.
    وكان ططري يحظى بمكانة خاصة لدى الحكومات الإسبانية المتعاقبة على اختلاف توجهاتها، منذ وفاة الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو، حيث كانت تعتبره “رجل دولة” وشخصية معتدلة حافظت على “استقلالية” المفوضية الإسلامية وسعت إلى التأسيس ل”إسلام إسباني” مستقل عن الدول العربية والإسلامية وهو الموقف الذي جلب له تأييد السلطات الإسبانية من جهة ولكن، وفي المقابل، خلق له عداوات كثيرة مع عدة أنظمة عربية مثل السعودية والمغرب، البلد الأصل لأزيد من مليون ونصف المليون مسلم يعيشون في إسبانيا.
    العلبة السوداء للمفوضية وأمين سرها
    وحسب معطيات إدارة الشؤون الدينية، التابعة لوزارة العدل الإسبانية، يبلغ عدد الجمعيات والمراكز الإسلامية في إسبانيا حاليا إلى غاية شهر تموز/يوليو 2020 ما مجموعه 1420 جمعية ومركز تنتظم داخل اتحادات وفيدراليات تشكل بدورها اللجنة الدائمة للمفوضية الإسلامية.
    وتتكون اللجنة الدائمة للمفوضية الإسلامية من 25 عضوا، ينتمي 14 منهم إلى “اتحاد الجمعيات الإسلامية بإسبانيا”، المعروف اختصارا ب”أوسيدي” والذي يضم 830 جمعية، بينما تتوزع باقي المقاعد بين فيدراليات مختلفة أكبرها ” الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية ” [فيري] والتي تنضوي تحتها 220 جمعية وتتوفر على خمسة مقاعد داخل اللجنة الدائمة.
    وعقب وفاة رئيس المفوضية الإسلامية، رياج ططري، والذي كان يرأس أيضا اتحاد الجمعيات الإسلامية، انتخب مجلس شورى الاتحاد يوم 4 تموز/يوليو 2020 الدكتور أيمن إدلبي رئيسا جديدا له في انتظار تنصيبه رئيسا للمفوضية.
    ويعتبر إدلبي أحد المقربين من الرئيس الراحل ويعتبر بمثابة “العلبة السوداء” للمفوضية الإسلامية، بحكم تواجده في كل المحطات التاريخية لتأسيس تمثيلية المسلمين في إسبانيا منذ سبعينيات القرن الماضي.
    وولد أيمن إدلبي في العاصمة السورية دمشق سنة 1946 وتلقى فيها العلم الشرعي على يد كبار العلماء، كما انخرط في العمل السياسي وهو صغير السن وناضل في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، ثم لجأ إلى إسبانيا في بداية سبعينيات القرن الماضي إلى جانب عدد من الشباب السوريين الذين فروا من بطش نظام حافظ الأسد.
    وفور وصوله إلى إسبانيا انخرط في العمل الإسلامي بالموازاة مع دراسته للطب، حيث كان ينشط في جمعية الطلبة المسلمين، ثم في الجمعية الإسلامية بإسبانيا وهي أول هيئة تمثيلية للمسلمين، كان يرأسها القيادي في تنظيم الطلائع صلاح الدين النكدلي إلى غاية سنة 1983 واستلم بعده القيادة رياج ططري.
    وبالرغم من مشاركته الفاعلة في تسيير الجمعية الإسلامية وبعدها اتحاد الجمعيات الإسلامية ثم المفوضية الإسلامية إلا أن أيمن إدلبي فضل، ولمدة تفوق الأربعة عقود، الاشتغال في الظل والابتعاد قدر الإمكان عن الأضواء، تاركا هذه المهمة لرفيق دربه رياج ططري.

    شخصية معتدلة تمثل “تيار الوفاء” لخط رياج ططري

    ويعتبر الدكتور أيمن إدلبي من الشخصيات المعتدلة داخل المفوضية الإسلامية وكذا من المدافعين على استقلالية المؤسسة وعن مشروع تأسيس “إسلام إسباني” في منأى عن التدخلات الخارجية.
    ويسانده في هذا الطرح عضو بارز آخر في المفوضية وهو رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في منطقة إكستريمادورا، الإسباني من أصل فلسطيني عادل النجار، الذي كتب في نعي رياج ططري “أن التحدي بالنسبة إلينا هو السير بثبات على خطى” الزعيم الراحل.
    وقال النجار في مقال نشره على صفحته بالفيسبوك “فقدنا اخا حبيبا عزيزا على قلوبنا، عزاؤنا أنه في ضيافة من لا يضيع عنده أجر من أحسن عملا. ترك على عاتقنا امانة لا يجب أن تضيع، وإرثا لابد من الحفاظ عليه. هذه هي مسؤوليتنا أمام الله وأمام المسلمين”.
    واعتبر النجار أن خير تكريم للرئيس الأسبق “هو السير على خطاه والحفاظ على نهج المفوضية الإسلامية كمؤسسة مستقلة ذات مبادئ لا تقبل المساومة لأي جهة كانت، قادرة على استيعاب جميع الشرائح المسلمة دون تمييز وتتقبل جميع الآراء المختلفة وتأخذ بأيدي المسلمين إلى المساهمة الفعالة في بناء وتقدم المجتمع الإسباني كمواطنين ملتزمين بمبادئ التعايش والحوار مع باقي الشرائح الاجتماعية المختلفة”.
    واستطاع رياج ططري بالنسبة لعادل النجار “أن يرسم طريقا دعا إليه الجميع دون استثناء من المسلمين وغير المسلمين، فكنوا له الاحترام والتقدير. اعترفوا له بدوره ومساهمته في إرساء قواعد متينة للحرية الدينية في اسبانيا، كيف لا وقد انطلق فور توقيعه اتفاقية التعاون مع الدولة الاسبانية عام 1992 ليطالب بحقوق المسلمين وتنفيذ بنودها، والعمل على دعم العمل المشترك بين الأقليات الدينية”.

    ثورة من الداخل ومحاولة لقلب “النظام القائم”
    إلا أن رحيل الزعيم التاريخي للمفوضية أظهر أن أعضاء اللجنة الدائمة ليسوا على قلب رجل واحد وأن ل”إخوان المغرب” رأي يخالف تصور “إخوان الشام”.
    فلم تمضي إلا أسابيع قليلة على وفاة رئيس المفوضية الإسلامية الأسبق رياج ططري، حتى انطلقت حرب المواقع واشتدت التراشقات الإعلامية بين مختلف الأطراف من داخل المؤسسة وتصاعدت حدة التصريحات المنتقدة ل”انعدام الشفافية والديمقراطية” في انتخاب هياكل المفوضية وبخاصة منصب الرئيس الذي ظل ططري يستأثر به لعدة سنوات إلى انتزعه الموت من على كرسي الرئاسة.
    أول قذيفة من العيار الثقيل أطلقها ممثل المفوضية في منطقة بالينسيا، شرقي إسبانيا، سعيد الراتبي الذي نشر مقالا مطولا اعتبر فيه أن “غالبية المسلمين لا يعترفون بالمفوضية الإسلامية ولا يثقون بها ولا ينتظرون منها شيئا”.
    وقال الراتبي إن “هياكل المفوضية تدور حول شخص واحد يتخذ كل القرارات بشكل انفرادي ولا يعطي أية تفسيرات أو تبريرات أو تفاصيل حول هذه القرارات”، كما أكد أن “المفوضية تفتقد لأي مشروع مستقبلي وأن تأثيرها على الخطاب الديني وعلى أئمة المساجد يساوي الصفر”.
    عضو قيادي آخر في المفوضية الإسلامية وهو رئيس اتحاد الجمعيات الإسلامية في منطقة كتالونيا حيث يعيش أكثر من نصف مليون مسلم، محمد الغيدوني، أعلن في شريط فيديو انسحابه من السباق على رئاسة المفوضية الإسلامية، مؤكدا أن “أسباب شخصية ومهنية” تقف وراء هذا القرار.
    إلا أن مصادر مقربة من المفوضية الإسلامية أكدت أن “هذا القرار مفاجئ، حيث أن الغيدوني كان، وإلى غاية آخر اجتماع للجنة الدائمة بعيد وفاة الرئيس الأسبق، من أشرس المطالبين بتغيير القانون الأساسي للمفوضية، خاصة فيما يتعلق بطريقة انتخاب رئيس المفوضية وإحداث منصب نائب الرئيس”.
    أياما فقط بعد إعلان قرار الانسحاب من السباق على رئاسة المفوضية، نشر الغيدوني مقالا انتقد فيه بشدة “انعدام الآليات الديمقراطية” لاختيار هياكل المؤسسة وطالب بتأسيس “إسلام إسباني بعيدا عن التدخلات الخارجية”.
    القاسم المشترك بين سعيد الراتبي ومحمد الغيدوني هو أن كلاهما عضوان بحزب العدالة والتنمية المغربي، ذي المرجعية الإسلامية.

    العدل والإحسان والصراع مع النظام المغربي خارج الحدود
    لا يخفى على أحد من المراقبين والعاملين في الحقل الديني في إسبانيا أو في باقي الدول الأوروبية سعي جماعة العدل والإحسان لنقل صراعها مع النظام المغربي خارج حدود المملكة وتوظيف كل الوسائل التنظيمية المتاحة لديها لمقارعة النظام فوق الأراضي الأوروبية، حيث تكفل لها القوانين حرية التعبير والتنظيم والحركة والممارسة السياسية.
    واستثمرت جماعة العدل والإحسان بشكل جيد التوتر الحاد الذي ساد العلاقات بين المغرب وإسبانيا في بداية القرن الواحد والعشرين، على إثر أزمة جزيرة ليلى – أو بيريخيل/بقدونس كما يسميها الإسبان – والتي كادت تتحول إلى مواجهة مسلحة بين البلدين في شهر تموز/يوليوز 2002 لولا التدخل الأمريكي الذي حال دون ذلك.
    وتمكنت الجماعة في سنة 2012 من السيطرة على ثاني أكبر هيئة تمثيلية للمسلمين في إسبانيا وهي الفيدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية، المعروفة اختصارا ب “فيري” بدعم من إدارة الشؤون الدينية في وزارة العدل الإسبانية التي استعملت الجماعة لإجهاض محاولة المغرب السيطرة على ذات الهيئة الدينية. ولا زال أحد المنتسبين للجماعة، وهو منير بنجلون الأندلسي يرأس هذه الهيئة إلى يومنا هذا.
    أقل من شهر بعد وفاة رئيس المفوضية الإسلامية، عمم منير بنجلون بلاغا على الصحافة أكد فيه أن “القيادة الحالية للمفوضية الإسلامية تفتقد إلى الشرعية القانونية”، مذكرا بالدعوى القضائية التي رفعها ضد رئيس المفوضية سنة 2016 حيث طعن في قانونية القوانين الأساسية للمفوضية وفي تشكيلة لجنتها الدائمة التي حصل فيها فقط على خمسة مقاعد من أصل 25 مقعدا المكونين لذات اللجنة.
    وبالرغم من تسييرها فقط ل 220 جمعية ومركزا إسلاميا، تطالب الفيري ب”تقاسم السلطة” مع “اتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا” الذي يسير أزيد من 830 جمعية ومركزا إسلاميا على مجموع التراب الإسباني.

    المغرب واستنساخ “تجربة الزياني” الفاشلة والرهان على نشر “الإسلام المغربي”
    يمثل المهاجرون المغاربة والإسبان من أصل مغربي أزيد من نصف المسلمين في إسبانيا، الشيء الذي يشكل هاجسا بالنسبة للسلطات المغربية، ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجهاز الاستخبارات الخارجية المعروف اختصارا ب”لادجيد” ومجلس الجالية المغربية بالخارج، حيث تحاول هذه السلطات جاهدة “نشر الإسلام المغربي المعتدل” و”مكافحة التطرف والميول الإرهابية” بين أبناء الجالية المغربية، لكنها تفتقد، برأي العديد من المراقبين، إلى استراتيجية واضحة في هذا الشأن.
    في تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحالي دعمت السلطات المغربية شخصية إسلامية بارزة أنيطت بها مهمة تمثيل “الإسلام المغربي” بإسبانيا وهو محمد حامد علي، المنحدر من مدينة سبتة، والذي كان يرأس “فيدرالية الهيئات الدينية الإسلامية بإسبانيا” [فيري]، لكنها تخلت عنه في نصف الطريق وتركته يواجه وحيدا السلطات الإسبانية التي دعمت انقلابا ضده قاده منير بنجلون الاندلسي المحسوب على جماعة العدل والإحسان المعارضة للنظام المغربي.
    وبعد سيطرته على “فيدرالية الهيئات الدينية الإسلامية بإسبانيا”، رفع بنجلون دعوى قضائية ضد محمد حامد علي متهما إياه بتبديد المساعدات المالية التي تلقتها الفيري من المغرب إلا أن المحكمة برأت الأخير من التهم المنسوبة إليه… ولكن بعد وفاته في نوفمبر من سنة 2015.
    ولما أحست السلطات المغربية بأن أجهزة الاستخبارات الإسبانية كانت عازمة على إنهاء مشوار محمد حامد علي على رأس الفيري بسبب موقفه من ثغر سبتة الذي كان يعتبره أرضا مغربية تحتلها إسبانيا، إلى جانب ثغر مليلية، دعمت شخصية مغربية أخرى وهو نورالدين الزياني التي تمكن بفضل، الدعم السخي لسلطات الرباط، من تأسيس اتحاد المراكز الثقافية الاسلامية بمنطقة كاتالونيا، شرقي إسبانيا.
    أجهزة الاستخبارات الإسبانية لم تتردد في وأد هذه التجربة في المهد، خاصة بعد اكتشافها أن الزياني تلقى دعما ماليا بملايين الأورو من السلطات المغربية، مما أثار مخاوفها، فقامت بطرده من اسبانيا سنة 2013 واتهمته ب”التخابر مع المغرب ونشر الفكر السلفي”.
    أشهرا قليلة بعد طرد الزياني من إسبانيا، بدأت السلطات المغربية تبحث لها عن بديل لتمثيل “الإسلام المغربي” بإسبانيا فوقع الاختيار على جمعية صغيرة في بلدة فوينلابرادا، جنوبي مدريد، وتم تكليفها بتأسيس هيئة إسلامية جديدة أطلق عليها اسم “اتحاد المساجد في إسبانيا”، يرأسها مواطن مغربي يدعى عبد العزيز المودن.
    وبالرغم من تلقيها منذ سنة 2015 دعما ماليا من وزارة الأوقاف المغربية يفوق مليون يورو سنويا -حسب اعترافات وزير الأوقاف المغربي أحمد التوفيق في تصريح لوكالة الأنباء الإسبانية – وتمويلا سخيا لتشييد مسجد في الضاحية الجنوبية لمدريد وتحديدا في بلدة فوينلابرادا التي يعيش بها أزيد من ستة آلاف مهاجر مغربي -انطلقت أشغال بناءه في شهر يونيو من سنة2020 – إلا أن ذات الفيدرالية فشلت في جمع الحد الأدنى من الجمعيات المنضوية تحتها للحصول على مقعد داخل المفوضية الإسلامية.
    تمثيلية المسلمين في إسبانيا ومعضلة تأسيس “إسلام إسباني”
    تجربة محمد حامد علي وتجربة نورالدين الزياني – وربما تليها تجربة عبد العزيز المودن – تؤكد أن السلطات الإسبانية عازمة على منع أي تدخل أجنبي في الشأن الديني في إسبانيا، أو بالأحرى أي تدخل مغربي في “حقلها الديني”.
    بعض المصادر المطلعة على خبايا تسيير الشأن الإسلامي في إسبانيا تؤكد أن سلطات مدريد لن تتردد ولو لحظة واحدة في تجميد أو الانسحاب من اتفاقية التعاون لسنة 1992 بين الدولة والهيئات الدينية الإسلامية إذا أحست أن الأمور ستنفلت من بين أيديها، لكن إلى متى ستستمر في الاعتماد على جيل “رياج ططري” و “أيمن إدلبي”، وهو الجيل الذي بدأ بالانقراض؟
    التأسيس ل”إسلام إسباني” يضمن حقوق مسلمي هذا البلد الأوروبي ويشركهم في دينامية تطور المجتمع الإسباني كباقي فئات هذا المجتمع، يبدأ بفتح نقاش عمومي حول نموذج التمثيلية المؤسساتية مع اعتماد آليات ديمقراطية لانتخاب هياكل هذه المؤسسات، وإشراك الشباب والعنصر النسوي – اللذين يغيبان تماما من كل الهيئات التمثيلية – وكذا الانفتاح على المثقفين والفاعلين الاجتماعيين والكفاءات الأكاديمية والعلمية التي نأت بنفسها عن صراع المساجد.

    سعيد إدى حسن*
    باحث في جامعة كوبلوتينسي بمدريد
    مختص في قضايا التطرف والجماعات الجهادية

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تضيع الجزائر فرصة كورونا

    برلمان.كوم – محمد الخمسي *

    من المسلمات الاقتصادية للدولة الجزائرية أنها تعيش اقتصادا منهكا، مريضا يعاني من أزمة بنيوية، فهو اي هذا الاقتصاد يعتمد بنسبة تفوق 90 في المئة على قطاع المحروقات (البترول والغاز)، مع هشاشة كبيرة في القطاع الفلاحي، الذي عرف انحدارا دون صعود في المقابل للقطاع الصناعي ، قطاع صناعي انطلق زمن الراحل هواري بومديان متأثرا بالنموذج السوفياتي سابقا، صناعة لم تحقق اي أثر اقتصادي أو وقع اجتماعي، بل كانت مكلفة وغير قادرة على التنافس، أو توطين الخبرة للمجتمع الجزائري، فقد كان هذا القطاع اكبر وهم ومتخيل بعد وهم “القضية الصحراوية” هاته الكذبة السياسية في تاريخ شعوب المنطقة، و التي كلفت الجزائر إمكانات مالية هائلة، انفقتها في اربعة محاور لمحاصرة المغرب و تمثلت في:
    1- تشتيت تركيز المنطقة على بناء وتطوير وضعها الاجتماعي والاقتصادي، حيث أنفقت الجزائر ايام صعود ثمن النفط في كل اتجاه يعادي الوحدة الترابية ويعطى قدرات وكفاءات المنطقة عن الإقلاع
    2- شراء السلاح و تسليح ميليشيات البوليساريو ، إذ جزء من هذا السلاح وصل ويصل إلى جماعات متطرفة منتشرة في منطقة شاسعة بين دول الجوار – مالي – وموريتانيا – وليبيا
    3- شراء الأصوات والمواقف لكثير من الدول الإفريقية, التي كانت تعاني من كلفة الطاقة، وكانت الجزائر تجود بها بين المجانية والأسعار التفضيلية،
    4- دعم طابور من المنظمات و الصحافيين المرتزقة، بل مولت بالعملة الصعبة مكاتب الاستشارة والخبرة بملايين الدولارات، وخاصة في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، لنشر مقالات وتقارير تسيئ للمغرب، و تحرض عليه هنا أو هناك.، تارة تحت عنوان غياب الحريات وحقوق الانسان، ومرة تحت يافطة سرقة ثروات الصحراء، وأخرى من خلال الافتة المتكررة في مجال حقوق الإنسان. لا يلغي ذلك اننا كنا بين الحين والآخر سنساهم عن غير وعي في ذلك، بسبب تصرف طائش هنا أو هناك ، من خلال هذه المكاتب والصحف التي تؤدى ولازالت الجزائر لها من أموال الشعب الجزائري، وعلى حساب قوته وصحته، وتعليمه لتشويه صورة المغرب وصناعة راي عام سلبي إزاء حقوقه ومصالحه.
    .
    إن زمنا لا يستهان به أنفقته الجزائر في هدر إلامكانات المادية، والبشرية للمغرب الكبير، وكان ذلك ايام أسعار البترول المرتفعة و التي وصلت احيانا إلى ما فوق المئة دولار للبرميل، وفرت سيولة بالعملة الصعبة، انفقتها حكومات الجزائر المتعاقبة في صناعة سياسة خارجية تعتمد العداء للمغرب، وإضعاف فرصة اقلاع شمال افريقيا، بكلفة لا معنى لها ، مما عطل اوراش التنمية في الجزائر بشكل كبير، واثر على وضع الجيران ايضا، وقد كانت لافتات التظاهرات في مختلف شوارع مدن الجزائر طيلة الحراك الذي كان عدد أيامه مثل رقما قياسيا في الخروج للشارع، بنفس العزيمة والإرادة ، التي لم تتوقف الا بسبب جائحة كورونا، وهي مرحلة وبشكل قوي تظهر من جديد بعد تراجع هذا الوباء، لأن الأزمة ستزداد تعقيدا و عمقا وقساوة، ومبررات الاحتجاج زادت ولم تتوقف.

    لقد ظلت الجزائر الطرف الحاضر المختبئ في معاكسة الوحدة الترابية للمغرب، ومحاولة محاصرته جغرافيا، وعسكريا أو عزله وسياسيا، ويعتبر عودة المغرب إلى المنتظم الإفريقي، بحضور ذكي متميز، بل ان المغرب وفي عز و اوج الانانية بين الدول، حيث حرصت معظم الدول(حتى المتقدمة منها مثل ألمانيا والولايات المتحدة ) على الإجابة على تحديات كورونا دون استحضار الاخرين، وصلت حد قرصنة الكمامات و مواد التعقيم، بعث المغرب في هذه الازمة برسالة إنسانية تضامنية نحو إفريقيا قولا وعملا.
    إن ما صنعته الجزائر من جبهة في تندوف ككيان سياسي بدون مشروعية أو شرعية لم تستطع تدبير وضعه في المخيمات على خمس مستويات :
    – العجز التام في توفير الغطاء الصحي ضد الجائحة بهذه المنطقة، وهو أمر طبيعي، ففقدانه في العاصمة الجزائر يجيب على العجز في مخيمات تندوف،
    – صعوبة توفير الماء والطعام لما فرضته الجائحة من اكراهات وتحديات،
    – محاصرة المخيمات مخافة خروج الوباء منها، لمناطق من التراب الجزائري،
    – عدم تسليم المساعدات المحصل عليها باسم حاجة المخيمات لها، وتوزيعها في العاصمة، نظرا لما تأسست عليه من سماسرة ووسطاءبين الجيش الجزائري وقادة البوليساريو
    – ترك المخيمات لمصير مركب رهيب بين العطش والجائحة والمحاصرة، وهو وضع كارثي غير إنساني بكل المعايير والمقاييس.

    لقد أعطت هذه الجائحة فرصة سياسية للحد من خسارة الجزائر في هذه القضية، بسبب ضغط الجبهة الداخلية وانهيار أسعار النفط، والمطالب الصحية التي تفرضها كورونا، فالشعب الجزائر يعيش حجرا مركبا بين الحجر الصحي ، وقد سبقه حجر سياسي من خلال المؤسسة العسكرية التي عبثت بالمشهد السياسي، وصنعت ديمقراطية عسكرية ، تأتي بوجه مدني للتحرك دون حرج، والآن تعيش الحجر اقتصاديا، بسبب ما وصلت إليه أسعار الطاقة من انخفاظ،
    أن بعض المؤشرات المستقبلية والأرقام المؤكدة، توضح أن الجزائر مقبلة على ظروف جد صعبة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية، تجعلها مرشحة أن تكون دولة فاشلة، ولكنها في نفس الوقت جد مسلحة، وهنا تكمن خطورة ضياع التقارب واليد الممدودة، وتكامل المنطقة، إنها فرصة للتخلص من ملف جد مسموم للمنطقة، ملف مستنزف للمغرب الكبير، ملف معطل للإقلاع الاقتصادي والتنموي لهذه الجهة الغنية المتكاملة من افريقيا، إنها إحدى الفرص التاريخية لفتح خيار استراتيجي من أجل بناء المنطقة ومن أجل مستقبل أفضل واعد للجميع، فإذا كان قدرنا الا يستجيب حكام الجزائر لصوت التاريخ والدم المشترك والمستقبل، فإن خيار الشعب الجزائري واضح وسيكون مع خيار المغرب بعد أن يسترد دولته من العسكر ويجعلها دولة مدنية، في زمن ما بعد كورونا، وإنما هي مسألة صبح أليس الصبح بقريب!!
    *استاذ التعليم العالي فاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التنظيمات والأحزاب: العجز في فهم الذات وفهم الآخر

    برلمان.كوم – محمد الخمسي*

    عند رصد ومسح قاموس المفردات المتداولة في البنية السياسية والدينية ” بالعالم العربي “، يكتشف المهتم بهيمنة بشكل عام لأربعة تفسيرات للأحداث التاريخية لدى هذه التنظيمات، سواء كانت هذه الأخيرة جماعة وهيئات سياسية معترف بها، أو جماعات ومنظمات ممنوعة قانونا متسامح في وجودها واقعا وممارسة (يجب الفصل بين الوجود القانوني والتسامح الوجودي وهي خاصية في البيئة السياسية العربية interdit mais toléré)، أو أحزاب سياسية ضمن نسق الدولة، فعند كل انتكاسة أو اصطدام سواء داخل الدولة الوطنية من خلال صراع سياسي قد يصل حدود الدم أو الاعتقال أو التخريب والتفجير، أو في علاقتها اي هذه التنظيمات مع السياق الإقليمي أو الدولي سواء بمواجهات مسلحة أو تنظيم مظاهرات واحتجاجات تتفاوت شعاراتها وسقفها ، في هذه الظروف تظهر هذه التفسيرات والمبررات و تدور رحى معانيها بمقولات ملخصة مفادها :
    1- تعرضت وتتعرض تجربتنا و مشروعنا لمؤامرة دولية ونلاحظ التعبير بصيغة الماضي والمستقبل، وهو استشهاد يصدر من القيادات والزعامات للقواعد، مما يجعل غشاوة على عقول هذه القواعد وتمنع من التساؤل والفهم والنقد والسؤال
    2-ياتي المبرر الثاني، مسلطا الضوء على الذات في مقولة متعلقة بها اي بهذه الذات وهي، لم نرتقي بالشكل المطلوب للمعركة دون التساؤل عن ضرورة هذه المعركة أو طبيعتها أو مدخلاتها أو مخرجاتها أو نتائجها وعواقبها وينصب الجهد على التفسر، و هنا تركز التنظيمات الدينية في خطابها لقواعدها على ضعف الإيمان ولا يرتاح لهم بال حتى تسمع هذه القيادة نفد’ ويفسر عند التنظيمات الحزبية بضعف النضال أو ضعف الانخراط، وهكذا تذهب القواعد في الغرق والطقوس إلى حد العنف لتتزود وتجدد هذا الإيمان، الذي يأخذ طابع الأساطير عن الإيمان في السيرة التي عسكرتها كتابة بعض التنظيمات واستغلتها بشكل تكاد لا تتصور المجتمع المسلم الا في زي عسكري، حتى ولكأنك حين تقراهذه السيرة يختلط عليك الأمر هل انت امام رسول الوحي صلى الله عليه وسلم؟ ام أمام قائد عسكري طموحه ومشروعه بناء امبراطورية!؟ ويتم تغيب بناء مجتمع مدني انساني مبني على الرحمة والعدل والحرية؟ بل عند بعض الجماعات تعتبر ان اية السيف نسخت اكثر من ثلاثمئة اية حول العيش المشترك، أو تجد في الضفة الاخرى البطولات في عالم النضال والصراع إلى درجة أن الصورة الرمزية تصل حد التقديس لرجال عرفوا بتاريخهم الدموي مثل لينين وستالين وماو وليس القدوة والتقدير ، فقد عمر ضريح لينين زمنا طويلا قبل أن تعصف به قوة التاريخ وتزيل وهما عمر طويلا.
    3- أما المبرر الثالث مما يستعمل ويعتمد داخل هذه الانساق، فينحو باللوم على المجتمع، ويأخذ في الغالب تعبيرات منها، لازالت الأمة غافلة! وكان النسق الذي ينتمون إليه لا تشمله هذه الغفلة!، في لغة من يعتمد المرجعية الدينية، أو لازالت الجماهير دون مستوى الصراع في لغة التنظيمات السياسية بتوجه يساري وكان الجماهير عبر التاريخ لم تكن سوى أدوات الحسم بين دوائر ضيقة، أو لازال المجتمع متخلفا في التعبيرات لدى الأحزاب الليبرالية، فهي تعتبر من عارض منطقها الذي يعتمد على الوفرة والتنافس على تركيز الثروة هو اهم فكرة في التاريخ. المهم أن الفكرة المعبر عنها تتركز حول:
    ليس لدينا مجتمع مشروعنا!!
    4 -يمثل هذا المبرر مستوى عاما وهلاميا ، فيأخذ مقولات جاهزة منها على سبيل المثال:
    هذا الدين ينقصه الرجال في لغة التنظيمات الدينية، و يحتاج إلى النخب في لغة الأحزاب.

    وللحقيقة والأمانة فان هذه الافتراضات لا تمثل بمنطق الرياضيات ” عبارة ” ، بحيث نستطيع الحكم عليها بالصواب أو الخطأ، إذ المبررات الأربع يصعب نفيها أو إثباتها منطقيا، لأنها تحتوي على وجود جزء من الحقيقة والنسبية فيها، غير أن هذا العقل الذي انتج هذه المبررات خاصة في الفضاء الإسلامي أو اليساري حكمته وضعيتين:
    الاولى وهي الانغلاق التاريخي الفقهي، بحيث يستشهد بعقل تأويلي، بنى لكل موقف اية وحديثا من قبل في أحداث مشابهة عبر التاريخ، فالتصويت في الانتخابات تسحب عليه أحكام شهادة الزور، فمن صوت للغير سهد الزور، والهزيمة تقرأ ضمن سياق غزوة أحد، والنصر ضمن سياق غزوة بدر، والتردد نفاق ضمن غزوة تبوك وهكذا، فما من حدث الا وفتش في التاريخ على نموذج يقابله، حتى قصة طالوت وجالوت لم تنجو من ذلك، فتستحضر لرفع الهمم داخل التنظيمات، بشكل يقفز على سؤال من يمثل داخل مجتمع مسلم جالوت ومن يمثل طالوت؟؟ بل ذهب بعض الجماعات إلى إسقاط سورة الروم بين أبناء المجتمع الواحد وأوائل سورة القصص
    أما الوضعية الثانية فيمثلها السقف الأيديولوجي الشمولي وهو غير الشامل، فحين يبحث مناضل عن انتاج شروط ثورة اكتوبر 1917 م يمهد لها بعملية غسل دماغ عجيبة تعتمد تلخيص المجتمع الروسي قبل هذه الثورة على تقابل مضاد القيصر والشعب وان الاتحاد السوفياتي سابقا ولد من عدم فلم تكن روسيا باي وجه من الوجوه حتى روسيا التي دحرت نابليون لم توجد، او حين يستعمل حركة ماو يلغي خمسة الف سنة من الحضارة الصينية، فيكون قد نسف كل منطق في التاريخ الذي تحكم قواعدة التحديات المجتمعية التي يعرفها كل مجتمع كتجربته الخاصة.
    لقد غاب عن العقلين معا جملة من الحقائق نعرض بعضها باختصار شديد أهمها :
    1- عدم الوعي بصراع المصالح والنفوذ كثابت بين المجتمعات البشرية، وان التاريخ لا يجد تفسيره الا في اكتشاف هذه التحديات، لقد لخص توينبي هذه التحديات في ثلاثة مستويات تحد قاهر كالذي عرفه شعب الايسكيمو وتحد استرخاء كالتي عرفته الشعوب الإفريقية وتحد خلال كالذي عرفته أوربا، والعالم الإسلامي بشقه الغربي والشرقي، هذه التحديات مرتبطة بمصالح للبقاء والتوسع حتى ولو كانت باسم القيم والعدالة، فإنها سترجح نوعا من المصالح، وسيتم ترجمة قيمها بمنطق المصالح، فقد جاءت أزمنة ارتبك الخليفة المسلم فيها تاريخيا بين “الجزية” التي تملئ خزائن سلطانه، وبين الدخول في الإسلام الذي يزيد من الرعية عددا ويقلل من مداخيل الإمارة. وهكذا فمنطوق الحال يخبرنا أن المصالح اقتضت أحيانا تفضيل وضعية الجزية عن وضعية الدخول في الإسلام.
    الأمر الثاني، هو عدم اعتماد قانون ثابت بدرجة عالية داخل المجتمعات العربية ، وهو ما يسمى بنتيجة الخيارات والمسؤولية، فتفسير كل هزيمة أو انتكاسة أو اصطدام بمنطق العناصر والعوامل الخارجية، جعل المجتمعات العربيةخاصة والعالم الإسلامي بشكل عام مشلولة الفعل والإرادة الا لماما، بل غرقت في مفهوم القضاء والقدر، ويستوي في هذا الوضع كل العناوين بلغات مختلفة ظاهريا، فهي ثابتة النتيجة، حتى ولو كان ذلك مناقضا لآية غاية في الوضوح
    ” قل هو من عند انفسكم” ويتقلص علم الاجتماع وعلم السياسة داخل الصف اليساري في مقولة مخدرة للعقول وكثيفة التأويل مثل ” أمريكا عدوة الشعوب” فأمريكا الدولة الإمبراطورية التي تلتهم كل شيئ لو وجدت سبيلا لتحقيق ذلك فلن يظهر عدائها، فهيىتنظر لتصرفاتها بمنطق مصالحها ولا تطرح السؤال حول معاداة الشعوب.
    منها تبدو حقيقة أزمة التفكير سواء عند قراءة واستحضار الذات، أو معرفة واستحضار الاخر، وقد رافق هذه الأزمة العجز أيضا في القدرة على النقد ومراجعة الأفكار التأسيسية، مما حال دون الاستفادة من تجارب الأمم والشعوب، وخبراتهم في التفاعل مع الأحداث وقراءتها.
    لقد كان من ثمار الحرب العالمية الثانية أن الشعب الياباني أجاب بكل شجاعة على السؤال التالي:
    لماذا تكرهنا الأمم والشعوب؟
    وكانت الشجاعة والصراحة في الإجابة من بين أسباب عودة اليابان إلى حضيرة الأمم، ليس فقط من باب الصناعة والإنتاج، ولكن من باب نظام القيم ونظام العلاقات مع الجوار.
    أن عدم الوعي بالاختلالات التي أصابت تصورنا حول العالم والذات و عبر الزمن، وعجزنا عن إدراك طبيعة المعارك والوعي بكمية المصالح بين الأمم والشعوب، وشروط الاعداد والمشاركة، جعلنا و يجعلنا ندفع فاتورات بسب جهلنا بحجم ذواتنا وطبيعتها، وجهلنا بالآخر ولدى ما لم نربط علميا بموضوعية للبحث عن أسباب فشلنا، و اعتمادنا في تفسير الفشل بمقولات من مثل القوى الخارجية، وضعف النضال أوضعف الإيمان او بقياس مستوى الجماهير وغياب النخب ، دون معرفة طبيعة الأفكار التي نحمل عن ذواتنا ونسائلها، وطبيعة من نحمله من أحكام وأفكار عن الآخر، الذي أصبح يسكننا عبر الفن والتكنلوجيا في جزء من القيم، مع الوعي بحقيقة ما ترتب عنها وما أنتجته من اختلالات و استحضار المصالح والنفوذ لكل قوى العالم أيا كان معتقدها وقيمها، سنبقى نعيد إنتاج أخطاء الماضي وخارج السرب الحضاري، ولن ننتقل إلى وضع عنوانه: شركاء في الأرض مساهمون في الحضارة.

    * استاذ التعليم العالي بفاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • موقعة الجمل وانتكاسة تطور الفكر السياسي للمسلمين

    برامان.كوم – محمد الخمسي*

    لقد عجزت الانساق والتنظيمات الدينية في قراءة تاريخ الإسلام قراءة فعل بشري، مهما كان من صنعه أو شارك في أحداثه، وتظل معركة أو موقعة الجمل إحدى المعضلات والمعيقات التاريخية لتطور الفكر السياسي لدى المسلمين. فقد روت كتب التاريخ والسير أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومجموعة من كبار الصحابة، على رأسهم طلحة والزبير والمغيرة بن شعبة وسعيد بن العاص واخرون، وكثير من قبائل بني الضربة وبني عدي وقيس العود واخرون، خرجوا مسافة كبيرة تستغرق زمنا للتفكير والتشاور، فقد كان الانطلاق من مكة والاتجاه نحو البصرة ولهم مطلب يحمل ثلاثة قراءات:
    1- العدل من خلال القصاص المتمثل في دم عثمان بن عفان رضي الله عنه.
    2- اعتبار أن قتلة عثمان من جهة علي رضي الله وبالتالي سيكون الصراع والقتال ضده.
    3 – اصطفاف القبائل إلى جانب الصحابة المنتمين لهم، بمعنى أنه انكمش القتال وانتقل من راية الإسلام في حروب الردة، إلى قتال تحت راية الانتماء للقبائل وتحالفاتها مبكرا، وهي حقيقة أغلق باب التفكير فيها، وتناولت كتب الامر من باب صرف العقول عن ذلك اي عن مل قراءة وفهم وتحليل، وكان ذلك من باب تنزيه الصحابة وتأويل التاريخ ( كتاب العواصم من القواصم ابي بكر بن العربي نموذجا) وهكذا فقد أصبح الصراع على الخلافة ذا طابع سياسي مبكرا، يستشهد فيه عند الاصطفاف بتأويل النصوص، لحشد المواقف.
    من الحقائق أيضا أن هذه الموقعة تركت ما يقرب من 2500 من القتلى وكان القتل من بني عدي والاسود وبني الضربة وكثير من سائر الناس وهو عدد في زمانه وظروفه يعكس البأس الذي تقاتل به الفريقين؛ وسعى كل واحد أن يجهز على الآخر، وكان من النكسات السياسية لهذه الموقعة:
    1- محاولة سلب عائشة أم المؤمنين من طرف من سموا بعد ذلك بالسبئين وحاولوا قتلها مرتين، وقد نجت بأعجوبة من هذه المعركة، ويفسر هذا الحدث أن الصراع وصل حد حضور مشهد الموقعة عن قرب كبير من إحدى أمهات المؤمنين.
    أصبحت مجموعة من القيم محل اختبار مبكرا ، ومن طرف الصف الأول ممن دخلوا الإسلام.
    ظهر فقه ترشيد من طرف علي رضي الله عنه، فقد سألوه هل أخطأ أصحاب الجمل؟ وقالوا المشركون هم؟ أو أنهم من القوم لم يذكروا الله إلا قليلا؟
    فكان جواب علي المشهور هم اخواننا بغوا علينا وفي هذه اللحظة ظهرت قاعدة ذات طابع سياسي أن البغي من طائفة من المؤمنين على طائفة لا يقتضي ذلك سحب الايمان عنها أو تجربدها منه.
    أن من أهم الدروس التي وقع القفز عليها وعدم الوقوف عندها، أن مبدأ الشورى وان كان مؤكدا بالقرآن الكريم، فقد ترك الوحي للمسلمين ابداع وإيجاد آلية تنزيله، بل ترك لعقولهم وايمانهم وخلقهم التوافق على أداة سلمية لتدبير الصراع والخلاف واختيار الطرق السلمية للحسم وهو ما عجز عنه المسلمون طيلة تاريخهم.
    نستنتج أيضا من هذه المعركة أن الإسلام انتصر على الشرك في جزيرة العرب، الا أن قيم القبيلة والعصبية حضرت بقوة عند بناء النظام السياسي في هذه الجزيرة، وامتدادها مبكرا، وفي تحليل بنية الاصطفاف، سيجد المتأمل أن جدورها كانت قبل دعوة الإسلام، بمعنى أن التحالفات السياسية تحددت من خلال ما كانت قائمة عليه قبل دعوة الاسلام. ولكن الأخطر من ذلك هو ظهور حركات عقدية فكرية سياسية، ستبدأ في صناعة بعض الأحاديث وتوظيفها من أنصار هذه الفئة أو تلك، والتي لازالت مثير من الانساق والتنظيمات تستعملها لبناء التنظيم وحمايته من التصدع أو الانشقاق، وتخشى عملية النقد والسؤال، ولعل اكبر معضلات نتجت عن موقعة الجمل ثلاثة تحديات:
    التحدي الأول: اي الفريقين كان على الحق أو على الباطل، وما قد يترتب عن ذلك من جزاء في الاخرة؟
    التحدي الثاني : كيف يستطيع المسلمون إدارة الخلاف أو الصراع دون اللجوء إلى السبف؟
    التحدي الثالث: من هم ال البيت وما علاقتهم بنظام الحكم؟
    ويكفي الإشارة أن بعد هذه المعركة ظهرت مجموعة من الفرق التي انطلقت كنتيجة لهذه الموقعة و يكفي الإشارة إلى أشدها دموية وعنفا في الإسلام، وهم الخوارج الذين انشقوا عن مجموعة أعلنوا خروجهم عن علي بن أبي طالب، وأنشأوا نظرية بلغت من التطرف والغلو شيئا مرعبا دمويا، ابتداء بمصير الناس في الوعيد و قالوا بتكفير العصاة وتخليدهم في النار حسب تعريفهم للعصاة، واتخذوا من تكفير المسلمين مبررا للخروج على كل سلطة سياسية جامعة للصف أو منظمة للمجال السياسي، بل استباحوا دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم بغير حق، وقصروا الإيمان على طائفتهم، أو فرقتهم والناظر في كثير من الجماعات المسلحة المعاصرة سيجد روح هذا الفهم المنحرف مبكرا في تاريخ الاسلام تسري في إدراكهم وفهمهم.
    لحل هذه المعضلة وظفت التنظيمات الدينية والسياسية مصطلح أو أداة الحل والعقد واستعملتها بمعاني متمططة، واعتبرتها النواة التي تنوب عن الأمة في تدبير نظام الحكم وإمامهم، غير أن عبر التاريخ لم يكن المبايعة والخلع الا عبر السيف، أو الاغتيال، وبغض النظر عن الشروط التي وضعت تاريخيا، وتتراوح في الأساس بين الذكورة والحرية والعدل وبغض النظر عن قيمة هذه الشروط وبقائها أو تطورها، فإن هذه الآلية نشات فقيرة معطوبة غير قابلة للتنفيد، وذلك للأسباب التالية:
    من يختار اهل الحل والعقد؟
    كم عددهم أو وفق اي آلية يتم تحديد عددهم؟
    ما علاقتهم بالعلماء والفقهاء والوجهاء والزعماء والجيش ورجال التجارة والثراء؟
    ما هو دورهم في السلطة السياسية بعد تحديد الامام الحاكم ؟
    ماهي آلية محاسبتهم عند ارتكاب ما يترتب عليه الحساب والمسؤولية؟
    لقد وقع القفز عن أحداث تاريخية ولم تفتح جراحها ومناقشتها فترتب عن ذلك وهمين كبيرين لدى كثير من التنظيمات والانساق المغلقة:
    وجود نظام سياسي قادر على بناء الاستقرار في ظل الحرية والعدالة؟
    الخلط بين وجود قواعد عامة لنظام اجتماعي من خلال الوحي ووجود الإنسان بعقله وتجربته ومقرراته الإدراكية في بناء نظام سياسي يناسب وجوده التاريخي وحيزه الجغرافي وخصائص بنيته الثقافية والاجتماعية.
    أن عدم الوعي لما وقع في التاريخ، جعل التنظيمات الدينية تعيد إنتاج كثير من العنف سواء المادي أو الرمزي الذي عرفته دولة بني أمية ودولة العباسيين وما انتج بعدهم إلى الآن.

    * استاذ التعليم العالي فاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب-الأحزاب السياسية فقدت الشعبية والمصداقية بسبب ممارستها الحكم

    برلمان.كوم – بقلم: الطيب دكار*

    اعتبر عدد من المحللين السياسيين المغاربة ، في الأسابيع الأخيرة ، أن الأحزاب السياسية المغربية قد فشلت في مهمتها المتمثلة في تأطير المواطنين وتكوينهم وتشجيعهم على الانخراط في النشاط السياسي حتى يتمكنوا من أداء دورهم كمواطنين بشكل كامل تجاه بلدهم.
    لم تعد الأحزاب السياسية المغربية تمارس الجاذبية تجاه المواطنين ، بل لا تزال العضوية في الأحزاب متواضعة جدا ، بما في ذلك تلك الأحزاب التي تعتبر تاريخية. 200.000 شخص يتمتعون ببطاقة العضوية في حزب سياسي “تقدمي” له وجود في الساحة منذ أكثر من 50 عامًا ! هذا العدد من الأفضل عدم التباهي به علنًا.
    و الأسوأ من ذلك أن قاعدة الأحزاب السياسية قد انخفضت بشكل ملفت للنظر في السنوات الأخيرة. ليس فقط أن الالتحاق بالأحزاب شبه منعدم ، ولكن هناك أفواج من المغادرين. وبالإضافة إلى إنهاك الأحزاب بسبب ممارسة الحكم ، فإن هناك تراجع لقاعدتها واستياء للمواطنين من الأحزاب السياسية والسياسة عمومًا ، وخير دليل على ذلك ، الامتناع الواسع عن التصويت في الانتخابات التشريعية لعام 2016 ، والتي تجاوزت عتبة 50 في المائة من الناخبين. لكن الأخطر في كل ذلك هو أن ستة ملايين من مواطنينا لم تكلف نفسها عناء التوجه إلى البلديات للتسجيل في القوائم الانتخابية ، والتي يتم تحديثها بانتظام. من بين أكثر من 15 مليون ناخب مسجل ، توجه خمسة ملايين مغربي فقط ، أي الثلث ، للتصويت في الانتخابات التشريعية لعام 2016. أما العشرة ملايين الآخرين ففضلوا الذهاب إلى الصيد ، كما يقول الفرنسيون، إضافة إلى ستة ملايين آخرين ، غير مسجلين. وقد بلغ عدد المواطنين البالغين سن الانتخاب 21 مليون في عام 2016، شارك منهم في الانتخاب ثلث المسجلين فقط ، أي حوالي 5 ملايين من مواطنينا. لابد من الإشارة إلى إلغاء ما يقرب من مليون صوت لأسباب متعددة ، مما يقلل من شأن المشاركة الفعلية في هذه الاستحقاقات.

    وقد بلغ تراجع قاعدة الأحزاب مستويات متدنية للغاية في السنوات الأخيرة ، لأنه من غير المقبول وضد كل منطق أن يدعي حزب سياسي ، عمر لعدة عقود ، امتلاك قاعدة من 200.000 عضوا من أصل 34 مليون مغربي و 21 مليون مواطن بلغوا سن التصويت. بالنظر إلى هذه الأرقام ، فإن نتائج الأحزاب تعتبر هزيلة، علما أن أول هذه الأحزاب ، والتي يقال عنها الحزب “الأكثر شعبية” ، حصل على 1.500000 صوت في الانتخابات التشريعية لعام 2016 من بين 15 مليون ناخب مسجل و 21 مليون ممن بلغوا سن التصويت . تكشف هذه الأرقام الحجم والقاعدة الحقيقية والمحدودة للغاية للأحزاب السياسية المغربية ، التي لم تعد تتبارى ، كما أشار مؤخرا أحمد شرعي ، مدير الأسبوعية لوبسيرفتور دي ماروك إدافريك، حول البرامج ، التي أصبحت متشابهة. إن تحمل المسؤولية الحكومية يعني قبل كل شيء برامج سياسية ثم أهداف وجدول زمني للتنفيذ. التحالف من جهته هو اتفاق على البرامج ، بمعنى آخر ، برنامج مشترك. يتم الإعلان عن هذا البرنامج والناخب يكون على دراية بالتزامات حزبه وكذا تنازلاته لشريكه (أو شركاءه) السياسيين.
    من المؤكد أن إنهاك الأحزاب بسبب الحكم تسبب في استياء المغاربة فيما يتعلق بالأحزاب السياسية والسياسة بشكل عام. تراجعت شعبية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بشكل كبير منذ توليه الشأن الحكومي في مارس 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي. بعد أن بقي في المعارضة لعدة عقود ، منذ حكومة عبد الله إبراهيم في السنوات الأولى من الاستقلال ، كان حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يحصد ، إلى جانب حزب الاستقلال ، المراكز الأولى في الانتخابات التشريعية ، بما يتراوح بين 50 و 70 مقعدًا. ولو أن حزب التقدم و الاشتراكية ، الذي كان أيضًا منهكا بالسلطة ، يقوم حاليًا بمحاولات لإحياء تحالف أحزاب اليسار المغربية ، لا شيء يشير إلى أن الأحزاب التاريخية في المغرب ، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال ، سوف تكون قادرة على استعادة شعبيتها وصورتها السابقتين .
    لقد كان للمغاربة أيضًا ، طوال هذه المشوار ، الوقت الكافي للحكم على تجربة هذه الأحزاب وقد تأكدوا بأن عمر البرامج الانتخابية لا يتعدى الحملات الانتخابية وأن مساهمة ممثليهم المنتخبين في البحث عن الحلول للمشاكل الاجتماعية التي تواجه البلاد تبقى ضعيفة، لأن بعض الآفات الاجتماعية ، مثل التسول وحراس السيارات ومدن الصفيح والفقر والإقصاء وبطالة خريجي الجامعات بشكل عام والاختلالات الجهوية والإصلاح الدوري للنظام التعليمي والحالة المزرية لقطاع الصحة ، وتحضر الأراضي الزراعية ، واحتلال الشواطئ ، والعنف ، تبقى مطروحة منذ سنوات وبشكل مرعب.

    لم يعد المغاربة يضعون آمالهم في إحياء التحالف اليساري ، ولا في عمليات التطهير التي تجري ، بين لحظة إلى أخرى ، داخل الأحزاب السياسية المغربية الأخرى ، بل في “حركة اجتماعية” – ديمقراطية اشتراكية مستقلة ومواطنة “، من شأنها حشد كل إمكانات البلد من الأطر والمثقفين والصحفيين والمهن الحرة ، ورجال الأعمال ، والمدرسين ، والمصرفيين ، والخبراء ، الذين لا مسؤولية لهم في النتائج الكارثية لإدارة الشأن العام ،و التي تتجلى في تفاقم الديون الخارجية ، و ذلك بسبب غياب الإرادة السياسية لدى المنتخبين ، على الصعيدين المحلي والوطني ، من أجل البحث العاجل والفوري عن حلول للمشاكل العالقة. إن توقيع العريضة من أجل إحداث مؤسسة تتكفل بمرضى السرطان ، مؤخرا، لتؤكد بدون منازع بأن المغاربة لهم قدرة كبيرة للتعبئة من أجل القضايا الوطنية.

    * صحفي وكاتب

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صلح الحديبية: بين الأفق الإنساني والاستغلال السياسي

    برلمان.كوم – محمد الخمسي*

    يعتبر حدث صلح الحديبية و ما ترتب عنه من وثيقة ذو أهمية بالغة في فهم بعض مفاتيح الفعل السياسي والعسكري عند الجماعة الأولى من المسلمين، والتي كانت المؤسسة للدولة فيما بعد، وسميت الوثيقة بصحيفة الحديبية نسبة للموقع الجغرافي، وهو مكان خارج مكة وإن كان على مشارفها، هذا الموقع يستبطن أمرا و إشارة عسكرية، والتي مفادها اننا قادرون على دخول مكة، ولكن السلم أولى وأهم. اختلفت الروايات في تاريخ الحدث، لكن الراجح هو السنة السادسة من الهجرة، اي بعد استثباب الأمن والاستقرار بالمدينة والقضاء على بعض الاضطرابات بها اي أن ظهر المسلمين في مغادرة المدينة بمسافة تفوق 450 كلم قد تحقق إذا هذا التوجه يعني ما يعني عسكريا، وقد مثل وفاوض على هذا الصلح فريقين، فريق يترأسه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه، وفريق يمثل قادة قريش وسادتها ومن بينهم معاوية بن أبي سفيان.
    لقد كان الدافع السياسي والعسكري كما تشير كتب السيرة إلى تحيد وعزل قريش من الصراع، وبناء هدنة تمهد للصلح كما جرت العادة عند قبائل العرب، وقد عبر النبي عن هذا المطلب و الوضع بقوله
    ” ياويح قريش قد أكلتهم الحرب، لو خلوا بيني وبين سائر العرب ……”
    لا نريد إعادة استحضار النص فهو معروف مشهور منشور، وإنما سنعالج ما يعاني منه العقل التنظيمي لدى بعض الجماعات الدينية من انتقاء لقراءة هذه الوثيقة، و استعمالها عند الحاجة بالتاويل حسب الحاجة، مع اختيار ما يناسب مشروعهم السياسي أو رؤيتهم السياسية، دون الذهاب إلى أفق أرحب ومجال اوسع، بلغة أخرى الغوص في أعماق الأحداث وليس الاكتفاء بسطحها، وقد اخترنا صحيفة صلح الحديبية كنموذج عملي الذي فصل عن رؤيته وعمقه الإنساني، وتحول إلى برنامج سياسي فج دون عمق أو إرادة واسعة، من خلال هذه القراءات المتكلفة او والمتحيزة التي تعرفها الساحة الفكرية والسياسية في العالم العربي خصوصا، والتي تعتمد عقل المفاصلة والقطيعة وإنتاج دولة دون سياق أو ظرف وتصور مؤسس، بل مبنية على منطق العزلة التي تحرم كثيرا من الشباب من فهم موروثنا الديني والسياسي برؤية استبصارية تذهب به إلى عمق وجوهر رسالة الإسلام ومبادئه الكلية منظوره الشامل وليس الشمولي.
    إن أهم ما تأكده الصحيفة هي حرية الإعتقاد ضمن عشرة قواعد عملية نستخلصها من نص وروح الوثيقة:
    أولا أصحاب الصحيفة هم أمة الإسلام وليس جماعة منهم لكونها تمثل أول دستور ينظم العلاقة البينية مع الآخرين، و بالتالي أن تنصب الآن جماعة من المسلمين أنها تعيد إنتاج الصحيفة هو خطأ واستغلال ضيق، ففكرة كثير من الجماعات الإسلامية التي حملت السلاح ضد دولها انطلق من فكرة خلق و تهيئ شروط صلح الحديبية. بمعنى أصبحت الوارث الإعادة إنتاج الشكل لكونها لو استوعبت المضمون لما سرقت الوثيقة وكأنها خاصة بها.
    ثانيا ورد لفظ المؤمنين والمسلمين وهما مرادفتين دقيقتين بحيث تشمل المؤمنين من غير المسلمين، فالكثير ينسى أو يجهل أن اليهود كانوا يعيشون في المدينة، باعتبارهم مؤمنين غير مسلمين.
    ثالثا التزم رئيس الدولة والمتمثل في الرسول صلى الله عليه وسلم بأن جمع التوقيع السياسي والديني بمعنى أن إمارة المؤمنين ملازمة للمسؤولية السياسية.
    رابعا استعملت كلمتين أساسيتين في الصحيفة من أجل التأزر بين مكونات المجتمع، وهما المعروف والقسط اي مجال الأفعال المحمودة في العلاقات الإنسانية، بالسقف الأعلى وهو المعروف، والسقف الأدنى وهو العدل اي القسط؛ وقد بنيت كثير من التنظيمات بتعصب حرمها من فعل المعروف ولم تدرك للقسط والعدل سبيلا، والخريطة الجغرافية شاهد على ذلك (السودان وأفغانستان والعراق وسورية واليمن وليبيا نماذج لفقدان المعروف والقسط …. معا)
    خامسا التكافل الاجتماعي بناء على قاعدة الإيمان، وهي أوسع من قاعدة الإسلام، إذ تعني كل المؤمنين، ونجد ذلك في عبارة ” وان المؤمنين لا يتركون محرما بينهم ” والمقصود لا يتركون محتاج بينهم، ويأتي بعض الجهلة في هذا العصر ويرفضون رعاية الدولة لمختلف مواطنيها ايا كانت ملتهم ودينهم،
    سادسا بناء دفاع مشترك يحق فيه النصرة عند وقوع العدوان والظلم على من وقع الصحيفة، وهو ما يصطلح عليه الآن بمعاهدة الدفاع المشترك.
    سابعا وهي قفزة نوعية في تاريخ الوعي السياسي، والمتمثلة في الدفاع عن كل المؤمنين الآخرين ونصرتهم ” وأنه من تبعنا من يهود فإن علينا بالنصر غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ” ولا يقصد بتبعنا اي من دخل ملتنا إذ سيصبح التسمية باليهود بدون معنى ، حيث لم تستعمل كلمة أو إشارة تعني دخولهم الإسلام، وهي اصلا ستنافي مبدأ لا اكراه في الدين، التي نزلت في أوج قوة الدولة، لانها من سورة البقرة، ومن أواخر ما نزل من القرآن.
    ثامنا أن الصحيفة أكدت على إلزامية ما فيها ولا يمكن تأويل نصها بغرض خلق الصراع والفتن لكونها وثيقة بين القيادة السياسية للمؤمنين وبالتالي لا يمكن الإفتاء والاجتهاد خارج ما ينظم المجتمع وعلاقته بالاغيار والمختلفين، فهي ملزمة للجميع، فأين نحن من هذا النص وخروج جماعات يوميا على مضمون الدستور في الدول الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا.
    تاسعا إن مخاطبة الناس من خلال وحدات سياسية فرضتها الظروف التاريخية والطبيعة الاجتماعية وبنية القبيلة في الجزيرة، وهي تشير ضمنيا إلى نوع من المرونة بحيث تسمح الوثيقة بوجود شبه فيدرالي يسمح بقدر من الاستقلال هوامش من وجود شبه حكم ذاتي، مع التزام الفرد ضمن قرار الجميع بقول ذمة الله واحدة فما تتعهد به القيادة يلزم الأفراد د، وان من يسالمنا نسالمه، فالأصل هو السلام، أما الحرب فهي محكومة عندنا بمبدأ دفع الظلم والعدوان.
    عاشرا وهذه حقيقة تاريخية تقفز عليها كثير من التنظيمات لكونها ستزعجهم اجتهادا، حيث لم تكن كتابة الصحيفة في لحظة واحدة، ولم تعرف محطة واحدة، وإنما صيغت وكتبت على مراحل، وهو أمر طبيعي، لانها وثيقة تصاحب تطور الدولة وهياكلها، وتوقعها ونضحها، في كل الأبعاد المتمثلة في الوجود الروحي، والاجتماعي، والاقتصادي والسياسي، كلها تحكمت في مضمون الوثيقة، ضمن إطار الكرامة والحرية والعدالة، كما تجلى ذلك في مفردات اختيار المعتقد والتكافل الاجتماعي وقواعد الاشتباك والحرب، التي تشترط ظهور المصالح وشروط الاستمرارية والبقاء.
    إن إعادة قراءة الصحيفة بمنطوق السياسة وعلم الاجتماع سيساهم في رفع اللبس وتحرير العقل الجمعي لدى كثير من التنظيمات الإسلامية السياسية.

    * استاذ التعليم العالي بفاس

    الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

    إقرأ الخبر من مصدره