Auteur/autrice : الأخبار

  • مهمة سرية في الحدود الجزائرية

    في هذا الفصل سنعبر التضاريس الوعرة في العلاقات المغربية- الجزائرية، اعتمادا على تجربتي الطويلة في دواليب الإدارة المغربية، بغاية تنوير الرأي العام وتمكينه من فهم الوقائع التاريخية المؤثرة في مسار الدولة المغربية، في فترة حكم الملوك الثلاثة: محمد الخامس والحسن الثاني رحمهما الله ومحمد السادس نصره الله. 

    سأتوقف عند مجموعة من المحطات الهامة من تاريخ المغرب، كما عشته عن قرب، استنادا إلى:

    التقارير المتعلقة بالعلاقات المغربية- الجزائرية، التي اطلعت عليها أو تلك التي كنت مساهما في صياغتها.

    الأسئلة الكبرى المتعلقة بعملية استرجاع الأقاليم الصحراوية المغربية.

    المهام التي كانت موكولة لي في هذا الملف، داخل المغرب وخارجه، سواء حين كنت مديرا عاما للأمن الوطني أو خلال مهامي في وزارة الداخلية.

    في عام 1960، وكنت حينها مفتشا شابا أتلمس طريقي في سلك الأمن الوطني، تلقيت تعليمات، أنا وأحد زملائي، بمرافقة عنصرين من المقاومة الجزائرية من الدار البيضاء إلى وجدة.

    في منتصف الليل امتطينا سيارة سوداء اللون من نوع «سيتروين» حملنا أمرا بمهمة لكل غاية مفيدة، مهمة ليست كباقي المهام الاعتيادية.. خاصة وأننا سنتقدم شاحنتين محملتين بالأسلحة والذخيرة على امتداد الطريق المؤدي صوب الحدود المغربية- الجزائرية.

    كنا نتقدم في سيارتنا السوداء، الشاحنتين الملفوفتين في غطاء يخفي البضاعة المنقولة، وكلما توقفنا في سد قضائي للدرك الملكي أو الشرطة، نضطر للكشف عن هويتنا ومهمتنا، بينما تردد اسم كريم في حديث الشخصين الجزائريين اللذين رافقانا في الرحلة الليلية.

    وصلت شحنة السلاح والذخيرة إلى الحدود المغربية- الجزائرية وسط استنفار أمني كبير، تمت إحالتها على عربة قطار سيشد الرحال إلى وهران ثم عدنا من حيث أتينا.

    بعد أيام قليلة سأعرف أن المهمة التي كلفت بها كانت في غاية الأهمية، فقد كنت متقدما لشحنة ذخيرة موجهة من المغرب إلى الثورة الجزائرية، حين كانت الأراضي المغربية مأوى للثوار واللاجئين ومركزا للقيادة الثورية الجزائرية، حين كان الملك الراحل الحسن الثاني يعتبر الثورة الجزائرية بمثابة استكمال تحرير ما تبقى من الوجود الاستعماري في الجزائر. سأعلم، أيضا، أن اسم «كريم»، الذي كان يتردد في أحاديث الشخصين اللذين رافقانا إلى الحدود، ليس اسما حركيا، بل هو كريم بلقاسم أحد الزعماء التاريخيين لجبهة التحرير الوطني في الجزائر.

    كان كريم قائدا للمنطقة الثالثة في الجزائر، وقاد العمليات العسكرية الأولى ضد المراكز والقوات الفرنسية في منطقة القبائل، وأشرف على هيكلة وتأطير الثوار بالمنطقة، معتمدا على دعم المغرب المادي والمعنوي، بل إن بلادنا تحولت إلى ملاذ لقيادات جيش التحرير الجزائري، وشكلت قاعدة خلفية ومنطلقا للعديد من عمليات جبهة التحرير الوطني، حيث قضى القادة الجزائريون فترات مختلفة هناك لتنظيم صفوف الثورة، قبل أن ينال الجزائر استقلاله لتتغير المواقف ويبادل جيراننا الحسنة بالضغينة ويتنكرون للأيادي البيضاء التي امتدت إليهم حين كانوا تحت نير الاستعمار الفرنسي.

    بعد عشر سنوات على المهمة السرية المتمثلة في خفر شاحنتي سلاح نحو الحدود المغربية- الجزائرية، كتب لي أن ألتقي بأفراد أسرة كريم بلقاسم، سواء حين كنت عضوا في ديوان المدير العام للأمن الوطني، أو إطارا في مديرية الشؤون الداخلية بوزارة الداخلية.

    التقيت بأفراد أسرة كريم بلقاسم حين قررت الاستقرار في المغرب هروبا من نظام جزائري كان يتربص بقادته التاريخيين، في فترة زمنية تحولت فيها الجزائر إلى فضاء لتصفية حسابات قديمة.

    لم تكن عائلة كريم بلقاسم الوحيدة التي اختارت الاستقرار في المغرب هربا من زمن تصفية الحسابات السياسية في الجزائر، فقد استقر مجموعة من القادة التاريخيين للثورة الجزائرية في بلدنا، أذكر منهم محمد بوضياف وحسين آيت أحمد، في المغرب خلال فترات مختلفة بعد الاستقلال إثر خلافات سياسية حادة مع قيادة الجزائر، حيث وفرت لهم المملكة المغربية اللجوء ومساحة لممارسة نشاطهم السياسي.

    وكان من بين الثوار، أيضا، المناضل الجزائري الطاهر الزبيري الذي كان مطاردا من طرف حكام بلاده، إضافة إلى الرائد قايد أحمد، وهو من أبرز الثوار الجزائريين الذين اتخذوا من المغرب قاعدة خلفية لإدارة حرب التحرير. واستقر في مدينة وجدة بسبب تردي الأوضاع في بلده، وهناك أسماء فضلت اللجوء إلى المغرب بعد استقلال الجزائر.

    لقد أتاحت لي هذه المهمة التاريخية التعرف على تفاصيل قضايا سياسية في غاية الأهمية، وأصبحت الحدود المغربية- الجزائرية، بالنسبة لي، جزءا لا يتجزأ من تاريخ الصراع المغربي- الجزائري، شاهدة على حسن نية المملكة المغربية وأفضالها على الجزائريين في عز أزماتهم.

     

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أخنوش يعتبر مغاربة العالم قوة اقتصادية واستثمارية

    طنجة: محمد أبطاش

    كشف رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يوم الجمعة الماضي بطنجة، أن مغاربة العالم يشكلون قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية.

    وقال أخنوش، في كلمة خلال افتتاح أشغال المنتدى الوطني حول «الاستثمار ومغاربة العالم»، المنظم تحت الرعاية السامية، «إن مغاربة العالم يشكلون اليوم قوة اقتصادية واجتماعية واستثمارية حقيقية، ليس فقط من خلال تحويلاتهم المالية التي تجاوزت 122 مليار درهم سنة 2025، ولكن أيضا من خلال ما راكموه من خبرات وكفاءات وشبكات علاقات دولية».

    وأبرز رئيس الحكومة أن المتطلبات التنموية لهذه المرحلة تقتضي الانتقال إلى شكل جديد من الارتباط الاقتصادي بين المغرب وأبنائه في الخارج، يقوم على الارتقاء بالتحويلات المالية إلى مشاريع استثمارية منتجة، قادرة على خلق الثروة والقيمة المضافة وفرص الشغل، وتعزيز الابتكار والتنمية المجالية.

    وأضاف أخنوش: «من هذا المنطلق، فإن طموحنا واضح: أن نجعل من المغرب الوجهة الطبيعية لاستثمارات مغاربة العالم، وأن نوفر لهم مناخا محفزا يمكنهم من الانخراط الفعلي في دينامية التنمية التي تعرفها مختلف جهات المملكة».

    وشدد أخنوش، في هذا السياق، على أن استثمار مغاربة العالم ليس مجرد رهان اقتصادي، بل هو رهان استراتيجي على المستقبل، وعلى بناء مغرب أكثر تنافسية وإشعاعا واندماجا في الاقتصاد العالمي.

    وجدد رئيس الحكومة التأكيد على أن الاهتمام بمغاربة العالم «ليس اهتماما ظرفيا أو مناسباتيا»، بل هو خيار استراتيجي راسخ، يستمد مرجعيته من العناية الملكية السامية والموصولة، التي ما فتئ يحيطهم بها الملك محمد السادس، باعتبارهم مكونا أساسيا من مكونات الأمة المغربية، وشريكا استراتيجيا في مسار التنمية والتحديث الذي تعرفه المملكة.

    وفي هذا السياق، ذكر أخنوش بالتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تعزيز دور مجلس الجالية المغربية بالخارج، وإحداث المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج، بما يكرس إرادة جلالته في الارتقاء بمواكبة مغاربة العالم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم.

    ولم تفت رئيس الحكومة، في هذا الإطار، الإشارة إلى حرص  الملك على فتح آفاق جديدة أمام استثمارات أبناء الجالية المغربية، وتجاوز محدودية مساهمتهم الحالية في حجم الاستثمار الوطني الخاص، والمقدر بحوالي 10 في المائة.

    وهكذا أبرز أخنوش حرص الملك على تمكين مغاربة العالم من مكتسبات نوعية تعزز ارتباطهم بوطنهم الأم، وتكرس مساهمتهم في التنمية الوطنية، من خلال تمكينهم من الاستفادة من عدد من البرامج الاجتماعية والاقتصادية، وعلى رأسها دعم السكن، بما يعزز فرص استقرارهم واستثمارهم بأرض الوطن، ويقوي روابطهم بالمغرب جيلا بعد جيل.

    وفي معرض حديثه عن بعض المنجزات الاقتصادية، ذكر رئيس الحكومة بأن المملكة تعيش، اليوم، تحولا عميقا ومتسارعا، جعلها نموذجا ناجحا في كيفية تحويل التحديات والتحولات الجيوسياسية العالمية إلى فرص حقيقية للنمو والتنمية، الأمر الذي عزز الثقة الدولية في اقتصادها ومؤسساتها.

    وأبرز أخنوش أن المسار الطويل من الإصلاحات الهيكلية والأوراش الاستراتيجية، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، جعلت من المغرب قطبا إقليميا للاستثمار، حيث استقطب استثمارات كبرى في مختلف القطاعات.

    وفي السياق ذاته، ذكر أخنوش بعمل الحكومة على تنزيل التوجيهات الملكية من خلال إصلاح شامل لمنظومة الاستثمار، من قبيل إصدار ميثاق الاستثمار الجديد، موضحا أن هذه الإصلاحات مكنت من إعطاء دفعة قوية لدينامية الاستثمار.

    وتابع أخنوش أنه تم اعتماد خارطة طريق لتحسين مناخ الأعمال للفترة 2023-2026، وتبسيط المساطر الإدارية لحاملي المشاريع وإطلاق خدمات إلكترونية لإحداث المقاولات.

    للإشارة فإن هذا المنتدى ينظم من قبل وزارة الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، وقطاع المغاربة المقيمين بالخارج التابع لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.

    ويتميز هذا الحدث بتنظيم جلستين رفيعتي المستوى حول موضوعين استراتيجيين يتعلقان بـ«استثمارات مغاربة العالم.. رافعة استراتيجية لتنمية المملكة» وبـ«دور المؤسسات في تعزيز استثمارات مغاربة العالم.. المواكبة، التتبع والتمويل».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مذكرات حفيظ بنهاشم …من حارس أمن إلى عميد شرطة

    بعد فترة تكوين قصيرة المدى في مدرسة الشرطة بحي عين السبع بالدار البيضاء، بدأت مشواري المهني، نهاية سنة 1957، كحارس أمن متمرن مع تعيين حملني إلى العاصمة الرباط.

    داهمتني فكرة تغيير مساري المهني بسبب هذا التعيين، بعد أن تلقيت خبر تعييني في عاصمة المملكة، هذه المدينة التي زرتها مرتين، فقط، خلال طفولتي وشبابي، بدت لي ممتدة الأطراف ربما أكبر من أحلامي.

    زرت العاصمة الإدارية للمملكة، لأول مرة، ربيع سنة 1954، كنت تلميذا جيء بي إلى هذه المدينة للمشاركة في ملتقى لألعاب القوى المدرسية. شاركت في هذه التظاهرة عداء وأنا أمثل مدرستي في بوفكران، إلى جانب زملاء آخرين.

    أذكر أنني أنهيت السباق باحتلال المركز الثالث في فئة الصغار، حيث قطعت مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر في توقيت مشجع، في مدار لألعاب القوى بين ملعب أحمد شهود وكلية العلوم القانونية بأكدال.

    حصولي على المرتبة الثالثة، على المستوى الوطني، أهلني للانضمام إلى المنتخب المغربي المدرسي، حيث تلقيت دعوة المشاركة في بطولة شمال إفريقيا التي كانت مقررة في الجزائر، بعد شهرين أو ثلاثة أشهر عن الملتقى الوطني. لكن لم يكتب لهذا الحدث أن يقام في الجزائر ولم يكتب لي أن أمثل بلدي في تظاهرة رياضية خارج المغرب، بسبب اندلاع الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في نونبر من السنة نفسها 1954.

    أما زيارتي الثانية إلى الرباط فتعود لنهاية سنة 1955، حين عودة الملك محمد بن يوسف، بطل التحرير، وعائلته من منفاه في مدغشقر. الزيارة، التي دامت يوما وليلة، مكنتني من فرصة زيارة المشور السعيد ومشاهدة القصر الملكي لأول مرة في حياتي.

    في بداية الأمر استعصى علي الاندماج في عاصمة المملكة، وأنا شاب يافع قادم من البادية، شعرت بالاغتراب وأنا في أول أيام مهمتي كحارس أمن، كنت أمني النفس بتعيين في مدينة لا تبعد كثيرا عن مسقط رأسي، تمنيت لو بدأت مشواري المهني من أزرو أو إفران أو خنيفرة، لكن القدر ساقني إلى عاصمة المملكة..

    غير أن التطمينات، التي تلقيتها من مسؤول بالإدارة العامة للأمن الوطني، بإمكانية انتقالي للعمل في مدن أقرب إلى بوفكران، شجعتني على الاستمرار في مهمتي والتسلح بالمزيد من الصبر، قال لي إن بإمكاني تقديم طلب للانتقال إلى مدينة من اختياري، بعد ثلاثة أشهر أو أربعة على أبعد تقدير.

    لكن الثلاثة أشهر تحولت إلى إقامة أبدية في الرباط، لم أغادر الرباط منذ أول تعيين في جهاز الشرطة إلى اليوم، بل إنني أشعر بكوني رباطي الانتماء أكثر من باقي الرباطيين. قد أكون من بين رجال الأمن القلائل الذين لم يغادروا الرباط ولم يتلقوا أي قرار تعيين خارج محيط هذه المدينة، منذ أزيد من نصف قرن، وكأن أوتاد العاصمة شدتني إلى تربتها بعناية، باستثناء بعض المهام التي حتمت علي التنقل إلى الخارج.

    حين أسرد بداياتي في سلك الوظيفة العمومية، وضمن الأمن الوطني، فإنني أسعى من وراء ذلك إلى تجديد افتخاري واعتزازي بالانتماء لهذا الجهاز الأمني، وإلى الرد على كل من سولت له نفسه تحقير هذه البدايات والنيل من سلك الشرطة الذي يعتبر الانتماء إليه شرفا لا يقاس بثمن، والذي سجلت فيه أولى خطواتي المهنية كخادم للدولة وللعرش وللمواطنين.

    لا داعي للتذكير بالدور الكبير الذي يقوم به حراس الأمن داخل المنظومة الأمنية، فهذه المصلحة هي المدرسة والقلب النابض لمؤسسة الأمن الوطني. لا داعي أيضا لاستحضار المهام الكبرى لحراس الأمن الوطني، والتي تتعدى حفظ الأمن والنظام العام والسهر على سلامة المواطنين، إلى خلق مناخ الاطمئنان بين الناس وجعل وطننا بلد أمن وأمان.

    بفضل انطلاقتي المهنية من درجة حارس أمن، تمكنت من تسلق الدرجات والتسلح مع كل درجة بالتجربة التي تزيدني إصرارا على خدمة وطني ونيل صفة خادم الدولة عن جدارة واستحقاق.

    وعلى امتداد مسيرتي في جهاز الأمن الوطني، كانت تسكنني العزيمة ويأخذني الطموح للتدرج في سلم الارتقاء، فقد اجتزت خمس مباريات داخلية متتالية، مكنتني من بلوغ درجة عميد شرطة، وهي آخر رتبة يمكن أن يصل إليها المرء عبر المباريات الداخلية أو الخارجية.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين انقلب السحر على الساحر

    بعد أن أعلن عن سرقة حبة طماطم من طرف أحدنا، نحن المكلفون بجنيها لفائدة حرم المراقب المدني، تحرك «مخازنية» الحراسة بحثا عن السارق. تعرضنا لصفعات وركلات على أجسادنا الصغيرة.

    كانت حصة تعذيب إضافية بسبب ما وصفه الحرس الخاص بالإقامة بـ«الجريمة الخطيرة»، التي تولدت عنها حالة استنفار في «بيرو عرب»، سيما أمام غضبة حرم المراقب المدني.

    التحقيق الأولي كشف عن اسم «الجاني» الذي قام بقطف حبة الطماطم وأكلها، عوض وضعها في السلة المخصصة لذلك، يتعلق الأمر بالتلميذ أحمد فهيم، الذي حل رفقتنا بإقامة المراقب المدني ببطن يسكنه الجوع، فلم يصمد أمام حبة طماطم تمارس على معدته جاذبيتها.

    بعد هذا المستجد ستزداد معاناتنا، وسيتم تمديد اعتقالنا لأسبوع آخر، مع ما يترتب عن هذا الإجراء من عقوبات زجرية، وبعد انتهاء المدة المضافة، سنخضع لاستنطاق جديد في «بيرو عرب»، لكنه يتعلق بالتهمة السابقة التي سقنا من أجلها إلى هذا المعتقل، أي جرم القيام بـ«أعمال التخريبية» في مدرسة عمومية.

    عاد المراقب المدني، من جديد، لاستنطاقنا ليلا، برفقة المترجم الجزائري، وبحضور القائد الصامت مثل سمكة «كراب» التي لا تفتح فمها. بالمقابل خضعت دفاترنا وكتبنا ومحافظنا لتفتيش دقيق من طرف محققين حلوا بمدرستنا لهذا الغرض.

    كنت محظوظا حين نجوت من تهمة حيازة صورة محمد بن يوسف، بعد تدخل مدرسنا الفرنسي رونيه كورشينو، الرجل الطيب الذي انتبه للأمر وسعى جاهدا لإنقاذي. وكان قد عاد إلى مدرسة القرية بعد انتهاء فترة تدريب تأهيلي بالثكنة العسكرية لمكناس، وعلم، حينها، أن بعض تلاميذه رهن الاعتقال بسبب وشاية من «مدرس» اللغة العربية.

    قام مدرسنا الفرنسي النبيل بإزاحة كل الشبهات عنا، تفحص دفاترنا وسحب من دفتري صورة للسلطان كانت في الغلاف، لحسن حظي لم ينتبه إليها «المدرس» اللئيم الذي سعى جاهدا لتوريطنا في قضية تمرد، بسبب عدم تخصيص حصة له من لحم الخروف المشوي، والذي كبدنا أياما من الاعتقال المصحوب بالتعذيب.

    بعد مرور ثلاثة وعشرين يوما من الاعتقال التعسفي، تم الإفراج عنا بقرار من المراقب المدني، بعد استنفاد حصص الاستنطاق وبعد أن خلص التحقيق إلى غياب أدلة من شأنها تأكيد التهم التي ورطنا فيها «مدرس» اللغة العربية.

    كان الفضل الأكبر في الإفراج عنا لمدرس اللغة الفرنسية رونيه كورشينو، وللمساندة الهامة، في آخر لحظة، من قائد ظل يتابع عملية الاستنطاق بصمت رهيب، لكنه انتفض، في نهاية المطاف، ضد «مدرس» العربية، الذي انتهى به الأمر خلف القضبان بتهمة إزعاج السلطات بوشاية كاذبة، أدى ثمنها غاليا حين أدين بالسجن ثلاثة أشهر نافذة.

    من المفارقات الغريبة أن هذا «المدرس» انتهى به الأمر مطرودا من وظيفته ليتحول إلى عامل نظافة في قرية بوفكران، حيث يشعر بالخجل وهو يكنس جنبات مدرسة كان بالأمس القريب «مدرسا» بها.. ولطالما تحمل سخرية التلاميذ الذين يعاتبونه على وشايته.

    غادرنا المعتقل في وضعية تثير الشفقة، كانت ملابسنا رثة، ووجوهنا صدئة ومعنوياتنا منحطة، وكدمات الضرب والتنكيل ترسم خريطتها في أجسادنا وتترك فيها بقايا تبعات الاعتقال.

    بقدر ما كنا فخورين، نحن الخمسة تلاميذ، باستعادة حريتنا، وبسمعتنا كوطنيين في أوساط ساكنة القرية، بقدر ما تحولنا إلى كائنات محظورة لدى بعض الآباء الجبناء، الذين حذروا أبناءهم من مرافقتنا كأننا نحمل مرضا معديا.

    من تبعات اعتقالنا صدور قرار عن المؤسسة التعليمية، يمنعنا من اجتياز اختبار الشهادة الابتدائية للموسم الدراسي 1955/ 1956، بدعوى عدم انتظامنا في الحصص الدراسية ودون مراعاة لوضعنا الاستثنائي.

    لا يسعني، اليوم، إلا أن أستحضر والدتي رحمها الله، وما قدمته من تضحيات طيلة فترة تمدرسي واعتقالي في قبو سجن «دردورة»، إذ كانت تزورني كل يوم وتقضي سحابة يومها أمام بوابته وهي تستعطف الحراس وتحمل لي في جرابها فاكهة وقطعة خبز وإسفنجة.

    رافقتها شقيقتي التي تقاسمت معها عناء رحلة يومية من بوفكران إلى مكناس، وتعود كل مساء إلى البيت لتنام منهكة، دون أن يتسلل إليها الملل.

    أستحضر، اليوم، ليلة رحيلها إلى دار البقاء، في شهر غشت 1984، حين لفظت أنفاسها، وهي بين يدي، إثر مرض عضال لم يمهلها طويلا.

    رحم الله والدتي التي تحملت مسؤولية أشقائي بعد وفاة والدي رحمه الله، وناضلت من أجل أن نعيش دون شعور باليتم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لحظات الانتظار في قاعة القصر قبل الاستقبالات الملكية

    كان حضور الغزاوي داخل القصر الملكي متكررا، بحكم أنه كان ينسق مع ولي العهد، الأمير مولاي الحسن، بتفويض من والده السلطان محمد بن يوسف، في ملف تأسيس الإدارة العامة للأمن الوطني

    يونس جنوحي

    لحظات الانتظار داخل قاعات القصر الملكي في الرباط كانت، دائما، موضوع كتابات وحكايات رُويت في المجالس الخاصة، ولم يُفرج عن أغلبها إلا بعد موت المعنيين بها.

    هيبة القصر وتحفظ الذين كانوا قريبين من الدائرة الضيقة للملك الراحل محمد الخامس، وولي عهده الأمير مولاي الحسن، ساهمت كثيرا في حفظ أسرار تتعلق بالاستقبالات والجلسات الخاصة البعيدة عن البروتوكول.

    توماس ماكافوي 1905-1966

    كان من سوء حظ توماس ماكافوي، هذا الأمريكي الذي لم يكن يُدرك أغلب ما يدور حوله وهو في قلب القصر الملكي بعد استقلال المغرب، أنه لم يكن يفهم تقاليد المخزن العريقة.. وإلا لكتب ما لا يمكن أن تنقله عدسته.

    إذ رغم أنه كان نافذا، وخول له ولي العهد حق اقتحام الصفوف والنفاذ بعدسته إلى أكثر القاعات خصوصية داخل القصر، إلا أنه اكتفى بتخليد اللحظات دون أن يُسجل أي معلومات تهم الشخصيات الظاهرة في الصور -علما أنه تعرف على أهم الشخصيات المغربية من الأعيان والوطنيين خلال زياراته المتفرقة إلى المغرب.

    الصورة المرفقة بهذه الحلقة توثق للحظات الانتظار داخل قاعة من قاعات القصر الملكي في الرباط، قبل المثول أمام الملك الراحل محمد الخامس في حفل شاي. وهي صورة من ضمن مجموعة تضم 42 صورة توثق لهذا الاستقبال غير الرسمي، في إطار حفل شاي.

    في أقصى يسار الصورة يظهر شيخ الإسلام محمد العربي العلوي متحدثا إلى شخص يدير ظهره إلى الكاميرا، بينما محمد الغزاوي، صاحب البذلة السوداء الجالس أمام النافذة المغلقة، مستغرق في الحديث، وإلى يساره يجلس فقهاء من الجيل القديم، يشربون القهوة في انتظار خروج السلطان سيدي محمد بن يوسف إليهم.

    في تلك اللحظات، (ربيع 1956)، كان الغزاوي منهمكا في مشروع إعداد جهاز الأمن الوطني وتوسيع دائرة نفوذ «البوليس» وبناء المخافر وإعداد أسطول سيارات الشرطة وتعيين رجال البوليس.

    كان حضور الغزاوي داخل القصر الملكي متكررا، بحكم أنه كان ينسق مع ولي العهد، الأمير مولاي الحسن، بتفويض من والده السلطان محمد بن يوسف، في ملف تأسيس الإدارة العامة للأمن الوطني ووضع أسس هذا الجهاز المشرف على أمن المغاربة.

    ورغم أنه كان قطبا من أقطاب حزب الاستقلال، إلا أن الغزاوي كان، دائما، يحضر بمعزل عن الشخصيات الاستقلالية البارزة التي كانت تزور القصر الملكي بين الفينة والأخرى إما لحضور حفلات خاصة، بدعوة من السلطان، أو لإحياء المناسبات الرسمية.

    مشهد شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي وهو يرتشف قهوته، في انتظار بداية الاستقبال الملكي، يكشف إلى أي حد كان الرجل منفتحا رغم أن روايات كثيرة كانت تصنفه في خانة المحافظين، أو «كبار الحرس القديم».

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التجاري وفا بنك يسلط ببكين الضوء على دور المغرب بإفريقيا

    شكلت العلاقات الاقتصادية الصينية الإفريقية، والدور المتنامي للمغرب كحاضنة مالية، وبوابة رئيسية نحو القارة الإفريقية، محور منتدى رفيع المستوى انعقد أول أمس الأربعاء ببكين، بحضور سفراء أفارقة معتمدين لدى الصين، وفاعلين اقتصاديين بارزين، وممثلي كبريات وسائل الاعلام الصينية. وعرف “منتدى الجسور المالية الصينية-الافريقية”، الذي نظمته مجموعة “التجاري وفا بنك” بالحي المالي للعاصمة الصينية، بتعاون مع سفارة المغرب ببكين، مشاركة مسؤولي مؤسسات مالية ومقاولات كبرى فاعلة في المبادلات الصينية الافريقية، وذلك لبحث الديناميات الهيكلية التي تطبع هذه العلاقة، وكذا استراتيجيات توسع الشركات الصينية في القارة السمراء. وفي كلمة افتتاحية بهذه المناسبة، استعرض المدير العام المنتدب لمجموعة “التجاري وفا بنك”، يوسف الرويسي، حصيلة العلاقات الاقتصادية الصينية الافريقية، مذكرا بأن حجم المبادلات التجارية بين العملاق الآسيوي وافريقيا بلغ 348 مليار دولار سنة 2025، مسجلا ارتفاعا بنسبة 17,7 في المائة خلال سنة واحدة، لتحافظ الصين بذلك على مكانتها كأول شريك تجاري للقارة للعام السابع عشر على التوالي. واعتبر الرويسي أن هذه الدينامية يتعين أن تتسارع بفضل القرار الصيني القاضي بالإعفاء الكامل من الرسوم الجمركية على السلع المستوردة من الدول الإفريقية، وهو الإجراء الذي دخل حيز التنفيذ في فاتح ماي الجاري، والذي وصفه بأنه يشكل نقطة تحول في مسار التدفقات التجارية الصينية الافريقية. وبخصوص العلاقات الصينية المغربية، أشار الرويسي إلى أن المبادلات بين البلدين تسير في منحنى تصاعدي مستمر، حيث بلغت قيمتها 11,8 مليار دولار سنة 2025. وسلط الضوء، في هذا الصدد، على المؤهلات التي تزخر بها المملكة، والتي من شأنها جذب المستثمرين الصينين، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي، والبنيات التحتية ذات المعايير الدولية، والقطاع الصناعي المزدهر، الذي يتجسد على الخصوص، في إنتاج مليون سيارة سنة 2025، إلى جانب قطاع صناعة الطيران الذي يسجل نموا سنويا بنسبة 18 في المائة. كما استعرض الرويسي الآليات التي يضعها “التجاري وفا بنك” لمواكبة التدفقات الصينية الافريقية، مبرزا أن البنك المغربي يتوفر على مكتب تمثيلي ببكين منذ سنة 2022 ويتواجد في 15 دولة افريقية.  وعرفت مداخلات ومحاور نقاش هذا المنتدى مشاركة مسؤولين من مؤسسات مالية ومقاولات كبرى تنشط في التدفقات الصينية الإفريقية، من بينهم ممثلون عن مجموعة بورصة لندن، الشريك التاريخي لمدينة الدار البيضاء المالية، ومجلس الأعمال الصيني الافريقي الذي يضم أزيد من 3000 مقاولة نشيطة في 54 بلدا إفريقيا، وبنك الصين، أحد الأبناك الأربعة الكبرى بالصين، وصندوق التنمية الصيني الافريقي، أهم صندوق استثماري عمومي صيني بافريقيا بقيمة تقدر بـ 10 ملايير دولار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • المغرب يصدر سندات بقيمة 2,25 مليار أورو

    أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية أن المملكة المغربية أصدرت، في 19 ماي الجاري، سندات في السوق المالية الدولية بقيمة 2,25 مليار أورو، مقسمة على شريحتين. وذكرت الوزارة، في بلاغ لها، أن “الشريحة الأولى، ومدتها 8 سنوات، تهم مبلغ 1,25 مليار أورو، وتم إصدارها بهامش مخاطر (Spread) يبلغ 170 نقطة أساس وبسعر 99,402 في المائة، لتتيح بذلك معدل عائد قدره 4,842 في المائة وقسيمة (coupon) بنسبة 4,750 في المائة. أما الشريحة الثانية، ومدتها 12 سنة، فتهم مبلغ 1 مليار أورو، وتم إصدارها بهامش مخاطر يبلغ 200 نقطة أساس وبسعر 98,570 في المائة، لتتيح معدل عائد قدره 5,289 في المائة وقسيمة بنسبة 5,125 في المائة”. وأضاف المصدر ذاته أن هذه العملية، التي قادتها وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، رفقة وفد من مديرية الخزينة والمالية الخارجية، لقيت نجاحا كبيرا لدى المستثمرين الدوليين. وتندرج هذه العملية في إطار استراتيجية الموازنة بين مصادر التمويل الداخلي والخارجي، حيث مكنت المغرب من تحديد مراجع جديدة في الشق المتعلق بعملة الأورو. وحظي هذا الإصدار، الذي تم وضعه لدى مستثمرين رفيعي المستوى مع دفتر طلبات بلغ 5,2 مليار أورو، بتنوع جغرافي واسع، مما يعكس الثقة التي يتمتع بها المغرب لدى الأوساط المالية الدولية. يشار إلى أن هذه الصفقة، التي نفذت لأول مرة في صيغة التداول اليومي (Intraday)، تأتي عقب الجولة الترويجية غير المرتبطة بصفقة محددة (non-deal roadshow) التي تم تنظيمها في شتنبر 2025 بآسيا. وشكلت هذه العملية مناسبة جديدة لتسليط الضوء على الاستقرار السياسي الذي تنعم به المملكة، ومتانة إطارها الماكرو-اقتصادي، فضلا عن دينامية الإصلاحات التي تم إطلاقها تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس. وتم تنفيذ هذا الإصدار وفق تنسيق (144A/RegS) لضمان مشاركة واسعة للمستثمرين في جميع أنحاء العالم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  •  سركون بولص.. العابر بخفّة الهواء

    إعداد وتقديم: سعيد الباز

    يعد الشاعر العراقي الآشوري سركون بولص أحد رواد قصيدة النثر العربية وكبار المترجمين. لم يكن، فقط، صاحب كشوفات شعرية مذهلة، بل اختط لنفسه معمارا شعريا تمتزج فيه الرموز والأساطير الخاصة ببلاد الرافدين، إضافة إلى عناصر تنتمي جلّها إلى سيرته الذاتية ومفاصل حياته الخاصة، التي لم تكن سوى سيرة موازية لسلفه الأسطوري جلجامش، حيث يعود سركون بولص إلى ذاكرته الأولى، في رحلته الشعرية نحو العالم، حاملا معه قصيدة يتلوها في سفره الأسطوري.

    بولص.. بين جلجامش والسندباد

     

    سركون بولص شاعر معروف بهدوئه، وعبوره السلس في أهم محطات القصيدة العربية الحديثة بخفة الهواء، مبتعدا، كعادته، عن الكثير من المشاحنات التي رافقت ولادة قصيدة النثر العربية الأولى والثانية، أي مرحلة مجلة «شعر» اللبنانية أواسط الستينات، والموجة التالية نهاية القرن العشرين، وفي المرحلتين معا كان مؤثرا أكثر من غيره من معاصريه رغم كونه تأخر كثيرا في نشر أعماله، إذا أخذنا بعين الاعتبار امتداد تجربته في الكتابة من بداية الستينات إلى أيامنا هذه بحكم استمرار تأثيرها في الأجيال التالية، وتنوع أشكال الكتابة من شعر وقصة وترجمة.

    ولد بولص بالقرب من بحيرة الحبانية في العراق من أسرة آشورية وصفها بقوله: «وُلِدت بالقرب من بحيرة الحبّانية، وأذكر أنّ أمواجها الخاملة كانت عند الفجر، وهي تنسحب، تخلّف أسماكاً صغيرة تتراقص على الرمال محاولة اللحاق بالموج. كنت ألتقط بعضها وآخذه إلى أمي لتطبخه. تجوّلت كثيراً وأنا طفل في التلال الصخريّة القريبة، هرباً من البقاء في البيت».

    رحلت الأسرة إلى كركوك سنة 1956 بسبب ظروف اقتصادية حادة. وفي هذه المدينة كانت طفولته الأولى وضعت الأسس لتجربته الشعرية ككل، عرف أثناءها بولعه الشديد بكرة القدم والرسم وقراءة الأدب الإنجليزي بداية، ثم شغفه القوي بالأدب العربي، خاصة القديم منه. هذا الشغف يرجعه سركون إلى والدته: «أمي من الشمال، من الموصل. ولغتها عربية بالإضافة إلى أنّها تتكلم آشورية الكلدان. لكنّها تربّت على اللغة العربية، بلهجة نقية. وأكثر المسيحيين في الشمال، وخصوصا الكلدان، يتكلمون العربية بشكل ممتاز، بشكل حقيقي. لذلك أمّي كانت سببا في أنّ اللغة العربية كانت ترنّ في أذنَي منذ البداية، كما أعتقد الآن».

    ومن خلال الصدفة البحتة كان اللقاء بين من سيصبحون «جماعة كركوك» التي حملت هموما شعرية مختلفة إلى القصيدة العراقية والعربية. فبداية كان سركون المؤثر الكبير في الشاب الآشوري الآخر الأنيق الذي يعد من أكثر الشعراء العراقيين عبثا وفوضوية جان دمو، ثم مؤيد الراوي، جليل قيسي، فاضل عزاوي، صلاح فائق، أنور غساني، يوسف الحيدري، الأب يوسف سعيد.. كانت الانطلاقة الحقيقية لسركون مع أولى قصائده في مجلة «شعر» البيروتية التي احتفت كثيرا، دون أن تراه، بهذا الشاب العراقي الذي يبدو كما لو أنه آت من الزمن الأول لأساطير بلاد الرافدين.

    في بغداد، التي انتقل إليها كما لو أنه يضع الخطوة الأولى لرحلة جلجامش القديمة، حيث سيلتقي بالشاعر والروائي جبرا إبراهيم جبرا الذي رعاه مدة وساعده أخيرا حينما استبدت به فكرة الرحيل إلى بيروت، ليقوم بهجرة سرية عبر الصحراء على الأقدام إلى قرية القائم الحدودية مع سوريا.. لكن بيروت لن تكون سوى محطة من المحطات، فإلى نيويورك، وسان فرانسيسكو حيث شارك الهنود الحمر احتجاجاتهم، وكان ضمن المبحرين الهنود إلى سجن ألكتراس، وفي ما بعد، كان لقاؤه الشعري والشخصي بشعراء «البيتينكس» Beat Generation آلان غينسبرغ وجاك كيرواك وغريغوري كورسو وبوب كوفمان، وقدم أولى الترجمات العربية لهذه الحركة الأدبية الاحتجاجية أيام حرب الفيتنام، وخاصة القصيدة الملحمية «عواء» لغينسبرغ، التي تعد في حدّ ذاتها إبداعا فريدا، نظرا لصعوبات تعتري نقلها إلى العربية بلغت في بعض مستوياتها درجة الاستحالة.

    رحلة سركون بولص لا تقف عند حدود الأمكنة، فهو في كل مرحلة يواصل تقمص روح جلجامش وأحيانا أخرى روح السندباد. مرة كان يقول: «عشرون سنة في أمريكا كافية، لكن خمس سنوات أخرى شيء لا يطاق»، ومرة أخرى: «لم أذهب إلى الغرب طالبا أو باحثا ينتظر أن ينهي دراسته ليعود إلى بلاده وفي جعبته شهادة، بل ذهبت كزائر لا يدري إلى متى ستمتد فترة إقامته». وبالفعل واصل طريقه إلى مدينة أين، ليس كعنوان لكتابه الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين» بل كحقيقة بصمت حياته حتى اليوم الأخير من حياته.

    حسن نجمي.. سركون تكثيف للشعرية العراقية كلّها

     

    … كنتُ مع شاعر يحملُ الفَانُوس ويضيء ليل الخطوات المندهشة المتعثرة. سَرْگونْ وهو يمشي، وهو يتوقَّف قليلاً، وهو يدخل مطعماً، وهو يدخُل متجراً، وهو ينْدسُّ في كشك أو بَارْ، وهو يدخل مكتبة، وهو يحيّي صديقاً أمريكياً، وهو يعثر مصادفةً على شاعرٍ فيقدمه إليَّ ويقدمني إليه، وهو يتحدث بهدوء وعمق وثقة في الفكرة والعبارة، وهو يخطو حاملاً العَالَم في رأسه، حاملاً جسده في العَالَم، وهو يعرف كيف يرى، وكيف يصف، وكيف يسمّي، وكيف يقول الأشياء. كأنّي لم أرَ سان فْرانْسِيسْكُو حين كنتُ فيها، وإنّما كنت أقرؤُها في نصّ لاَ مَرئي على أطراف أصابعه وإيماءات يَديْه وعينَيْه.

    أحياناً، تصبح المدن مجرد لغة حين نكون برفقة مَنْ يَعْرف كيف يتكلم عنها. أحياناً، تصبح مرآةً لروح الإنسان الذي يقَدِّمُها بحب إليك. تَشِفُّ المدينة كما تَشِفُّ روحُه حين يتمثَّلُها ويستَبْطنها، ويقدمها إليك كما لو كان يضَعُ روحه على طبقٍ…

    كان سَرْگونْ تكثيفاً للشِّعْرية العراقية كُلِّها، كان مُصَاهَرةً مفتوحة على أبرز وأعمق وأصْفَى المرجعيات والخِبْرات الشِّعْرية والجمالية العربية. غذَّى الآخرين وتَغَذَّى منهم، أضاءهم وأضاؤوه، رافقَهُم وصاحَبَهُم واستأنس بهم فاستأنسوا به، أحبَّهم وأَحبُّوه. وعثر على مكانه بينهم على الخريطة. كما عثر على لغته داخل اللغة. ابتكر للمنفى، للعزلة، للصمت، للمغامرة، للمجهول مُعْجَماً يَلِيقُ بِكُلِّ هَذِهِ الحَالاَتِ الَّتي تُحْيِي وتُمِيتُ. كأنَّما حملته محفَّةُ القصيدة إلى أعالي الحياة، ثم نزلت به إلى أعماق اللؤلؤ وهشاشة العُشْب.
    بَدَتْ له الأرض بريةً مفتوحة فانتشر فيها.

    القصيدة سمكة الأبدية.. الشاعر صيادها

    يبدو لدى الشاعر سركون بولص، في كتابه الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين»، هاجس تسجيل ملامح كلّ محطة من محطاته الحياتية والخيالية التي يمر بها بوصفه كائنا موجودا في العالم… يسجّل أسطورته الخاصة بالصورة المدهشة والإيقاع المتفرّد، من هنا حضر التجريب في اللغة إلى حدّ التغريب، أو كما عبر عنه بنفسه: «هنا اقتربت من العماء اللغوي مشجعا في نفسي قوى مجهولة مخيفة تاركا لها أن تفعل فعلها دون حواجز تقريبا، لأرى ما سيظهر وكأنّي غريب يقف على حدة في مشهد الولادة.

    كانت اللغة العربية بالنسبة إليّ بكرا، مليئة بالمجاهيل، وفيها إمكانات لا نهائية، وجدت نفسي مبهورا أمامها… ذلك الكتاب الأوّل كان ثورتي على نفسي كشاعر، وعلى اللغة وما هو متوقع منها شعريا، وفيه اكتشفت القوى الكامنة في قصيدة النثر الحقيقية، التي تكتب دون أن تأبه بالمواصفات السائدة في الوعي بالشعر كشكل موجود مسبقا، من هنا يمثل السفر روحا دافعة للغوص في الأبعاد الكامنة تحت قشرة التخييل الشعري، والإطارات الكتابية للوصول إلى السر».

    ويضيف في أحد حواراته: «فالكتاب الأول كان بالنسبة لي عاصفة عاطفية، فكرية، وجودية، ولا تنس أنّها بقايا ما أتيت به إلى أمريكا، وفي أمريكا بدا لي أن الكتابة باللغة العربية نوع من العبث، لذلك فقدت ثقتي باللغة العربية، لذا حينما عدت إلى الكتابة بعد سنوات من التوقف والانقطاع، أردت أن ألتهم كل شيء، أن أكتب عن الماضي والحاضر والمستقبل، وعن الموضوع الذي أعيش فيه، كل هذا دفعة واحدة، لذلك أعتبر كتاب «الوصول إلى مدينة أين» يعني فعلا ما أعنيه، أي أنك لن تصل أبدا، أي أنني لم أصل إلى أيّ مكان، وهذا ما أردت أن أقوله، ولكن بطريقة تشاكس اللغة العربية وأقانيم الشعر العربي، بحيث إنني أردت الوحشية في اللغة، فالصوت هناك صوت شاب مُدمر لكنه مليء بالعاطفة ويخاف أن يفقد علاقته بالماضي فقدانا كاملا، فهذه القطيعة كانت موجودة ومشروعة. لذا كان كتابي هذا هو حربي الخاصة ضد هذا الانقطاع والاندثار للأشياء والذكريات والبلاد واللغة».

    أمّا في كتابه الشعري «الحياة قرب الأكربول» فيحضر السرد بقوة، إلا أن الشعر هو الذي يقود النص إلى تأويلاته الخاصة، حيث الشعور الحاد بالفقد وبالضرورة القصوى لمواصلة السفر اللامتناهي، وتعليقا عليه يقول: هي مجموعة كُتبت معظم قصائدها في اليونان، وقرب «الأكروبول» فعلا، وبهذا المعنى كنت أقصد أن أخفف من الغربة، غربة الاغتراب المطلق، ولذلك أعتقد أن المناخ المتوسطي أفادني بحيث أصبح نوعا من الجسر بين الشرق الحقيقي وهو بالنسبة إليّ (العراق) وبين الغرب المطلق وهي (أمريكا). لذلك فإنّ المناخ المتوسطي أو الروح المتوسطية أعطتني فكرة (القلب) وهي الأكروبول. فهو نوع من المأوى للروح.

    وفي هذا الكتاب انفتحت تلك الاشتباكة مع المعركة التي كنت أخوضها أثناء وجودي في أمريكا، بين الشرق المطلق الذي هو الطفولة والماضي الحقيقي والواضح وبين الغرب المطلق-أمريكا». أمّا في «حامل الفانوس في ليل الذئاب» وفي  «إذا كنت نائما في مركب نوح»، فيتجه الشاعر إلى عودة ملحة إلى مشاغل الذاكرة، مرة أخرى إلى بغداد وكركوك، الطفولة وشخوصها، محاورات شعرية يعقدها الشاعر مع امرئ القيس وجبران خليل جبران… الأب والقرية، النهر والصحراء، هنا تتخذ اللغة نبرة هادئة وانسيابية… حالة من الترقب تطبع الشاعر وهو يتلقى الفكرة التي تشبه الثمرة… ليعود مشبعا بالتربة الأصل مفتوحا مرة أخرى على الأين.

    صدوق نور الدين.. سركون في مدينة أزمور

    لم تكن لسركون معرفة بمدينة أزمور، مثلما لم تتح الظروف زيارتها في سياق تردده على المغرب، إلا أن اختياره أزمور وليد دعوة اقترحها عليه خالد المعالي، حيث أقام في فندق صغير، فيما ظل بيتي مفتوحا له، كما بعض الأصدقاء. على أن مساءات الصيف في جلال وداعتها، كانت تسوقنا إلى مقهى قريب من البيت، هنالك تعرفت على سركون بولص حقيقة، إذ لم يكن الشاعر وحسب، وإنما المثقف الجامع الملم بالآداب العالمية في أفقها الأوسع، إلى آرائه الدقيقة في مسألة الترجمة وتصويباته لترجمات عربية تحققت لشعراء ومسرحيين عالميين: ييتس، أليوت وشكسبير.

    وأستحضر أنه حدثني عن ترجمة قصيدة «عواء» للأمريكي ألن غنسبيرغ. قال أقدمت عليها بطلب من الشاعر الفلسطيني محمود درويش، حيث نشرها في أحد أعداد مجلة «الكرمل» لتظهر لاحقا ضمن منشورات دار الجمل المتميزة. وكما تحدث عن ترجمة هذه القصيدة، أشار لإعادة ترجمة كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، علما بأن المتداولة وقعها المصري ثروت عكاشة. وهنا تمثل لحظة بكائه، وفي الواقع هما لحظتان وليست واحدة، الأولى في الدار البيضاء في الليلة الأخيرة، إذ وأثناء تجوالنا في وسط المدينة مرّ شابان ظل أحدهما يحدق في سركون بقوة، ليتوجه بالسؤال: أأنت الشاعر سركون بولص؟ ولما ردّ بالإيجاب، قال الشاب: أنا من قرائك المعجبين، ثم صافحه بحرارة ومضى. عندها دخل سركون في قداسة الصمت، فأحسست بمدى تأثره البليغ الذي عبرت عنه دمعتان مسحهما بيده اليمنى قائلا: لم أكن أتوقع.

    أمّا الثانية فجرت وقائعها في السويد، وبالتحديد في مدينة «لوند» حيث أدون الهوامش. ذلك أنه كان يقصد وزميل المدينة الثانية في السويد هلسنبوري بغاية قراءة أشعاره، لولا أنهما أضاعا الطريق. ومن المفارقات أن سركون بولص لما فتح باب السيارة ليسأل عابرا، كان الأخير أخي الأصغر الذي سبق أن تعرف عليه في المغرب. عندها اشتعل فرحا وبكى تأثرا، ليخاطب مرافقه: هذا (ويقصد أخي) ولدي.

    سركون بولص.. ترجمة الشعر تمرين يومي قاسٍ

     

    كان الشاعر العراقي سركون بولص أكثر شعراء اللغة العربية مزاولة لترجمة الشعر من اللغة الإنجليزية على الخصوص بحرفية عالية وبوفاء نادر. اعتبر سركون مثاله الأعلى في الترجمة الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، فهو بالنسبة إليه مثال للمترجم الحق، خاصة في ترجماته لمسرحيات وليم شكسبير. فقد كان للترجمة تأثير عميق على لغته الشعرية على مستوى البناء والتركيب وخلق لغة جديدة، يقول عن هذا التأثير: «التأثير كان كبيرا جدا. والترجمة فن قائم بذاته وأنا عندما أترجم، خصوصا الشعر، أقوم بكتابة النص من جديد باللغة العربية محاولا أن أجد الصوت الكافل كما ينبغي أن يكون بالعربية لذلك الشاعر المترجم.

    وهذا امتحان قاس جدا، والترجمة اليومية المستمرة هي نوع من التمرين بالنسبة لي. وهذا التمرين هو ممارسة اللغة لكي أجد البدائل في العربية لأقصى وأدق التعابير في اللغة الإنجليزية. والتحدي هو أن تجد في اللغة العربية التعابير الدقيقة والتراكيب المعقدة التي تجدها أحيانا عند كبار الشعراء. فمثلا أحيانا أقوم بترجمة أبيات من جحيم دانتي لأني أحب أن أترجم لنفسي المقاطع الصعبة لأمتحن اللغة العربية وأتساءل هل يمكن لهذه اللغة أن تعبر عن هذا الشيء أو ذاك كما أجده باللغة الانجليزية لأحد أعظم شعراء اللغة الايطالية.

    ويقود هذا التمرين أحيانا الى تجاوز نفسك واللغة لاختراع نوع جديد من التراكيب الشعرية وكل هذا طبعا يؤثر في النهاية عليّ كشاعر عندما أكتب». فالشاعر عزرا باوند بالنسبة لسركون بولص لم يكن عظيم الأثر عليه فحسب، إذ أن ترجماته للشعر الصيني أحدث ثورة في اللغة الإنجليزية وقدمت درسا هائلا ومفيدا لدور الترجمة في إحداث التلاقح بين اللغات والثقافات المتباعدة.

    يقول سركون بولص: «عندما ترجم عزرا باوند للشعر الصيني أحدث ثورة كبيرة في اللغة الإنجليزية على الإطلاق وما زالت أصداؤها تتردد حتى الآن، وفي كتابه Cathay، الذي ترجم فيه لأربع عشرة قصيدة صينية معروفة، عن الحرب وظهر في عام 1915 حين كانت الحرب العالمية الأولى جارية، أثر في الشعر الإنجليزي بعمق، لأنه قدم التراكيب أو«Ideographs » الصينية، أي وحدات الفكر والتعبير بها في اللغة الصينية. وعندما وجد لها عزرا باوند البديل باللغة الإنجليزية أحدث ثورة ومن هذه الثورة خرج شعراء كبار».

     الحرية.. زيغمنت باومان

     

    الفيلسوف وعالم الاجتماع البولوني الأصل زيغمنت باومان Zygmunt Bauman وصاحب سلسلة من الكتب التي نحت فيها مفهوما سوسيولوجيا مثل “الحياة السائلة” و”الحداثة السائلة” في مقابل مفهوم الصلابة، يرى في كتابه “الحرية” أنّ الحرية ليست حرية الشعارات الحالمة، هي أشمل من ذلك بكثير، الحرية تعيد تشكيل ذاتها باستمرار لتوافق أهواء أصحاب السلطة سواء كانوا أشخاص أو اتجاهات فكرية أو حتى أموال. وهو ما يعيشه العالم اليوم في العصر الاستهلاكي، الحرية لا تزور الجميع في وقت واحد، بينما يستمتع بها الناس في مكان هم يحرمون آخرين منها وغالباً بدون علمهم. يربط زيغمنت باومان مفهوم الحرية بنوع معين من المجتمع: “إنّ الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية أوجدت الدليل على أنّ هذا الفرد منّا الحرّ طبيعيا ما هو بالأحرى إلّا نوع نادر وظاهرة محلية، وكانت كلّ سلسلة الظروف الخاصّة جدا ضرورية لتأتي به إلى الوجود، وهو بمقاومة هذه الظروف أيضا يستطيع البقاء حيا، فالفرد الحرّ أبعد من أن يكون حالة عالمية أو حالة كلّية للنوع الإنساني، إنّه يكون خلقا اجتماعيا وتاريخيا. فهذه الجملة الأخيرة يمكن اعتبارها الموضوع الرئيسي في هذا الكتاب.

    ويكون الهدف أو الغرض من هذا الكتاب الردّ على حديث غريب مشهور يرى أنّ حرية الفرد (هي شيء ما نحن نسلّم به أو نفترضه بشكل طبيعي باعتبارها الصفة التي يمكن أن تكون عبثا أو لعبا، ولكنّها موجودة دائما) كشيء محيّر ظاهر يجب تفسيره وشرحه من أجل أن يكون مفهوما.

    وتكون رسالة هذا الكتاب هي أنّ حرية الفرد لا يمكن أن تكون افتراضا مسلّما به ولا يجب، فقد توجد (وقد تختفي) مع نوع معين من المجتمع”. كما يوضح أنّها علاقة اجتماعية: “نحن نرى وجود الحرية أيضا كعلاقة اجتماعية بدلا من أن تكون خاصية أو صفة مميزة يمتلكها الفرد نفسه فهي صفة وثيقة الصلة بالاختلاف المؤكد بين الأفراد، ذلك الاختلاف الذي يصنع معنى التعارض أيضا بالنسبة إلى بعض الشروط أو الأوضاع الأخرى في الماضي والحاضر.

    ونحن نرى أنّ وجود الأفراد الأحرار يشير إلى اختلاف الأوضاع داخل مجتمع معيّن، وإنّه أكثر من ذلك يؤدّي دورا في تثبيت أو استقرار ذلك الاختلاف ويعيد إنتاجه”. كما يضيف أنّها وضع إنساني عام: “نحن نرى أنّ الحرية التي انتشرت بصورة كافية باعتبارها وضعا إنسانيا عاما أو عالميا إنّما هي شيء جديد نسبيا في تاريخ النوع الإنساني، شيء جديد يرتبط بإحكام بمجيء الحداثة والرأسمالية.

    ونحن نرى أيضا أنّ الحرية يمكن أن تصنع هذا الزعم بالعالمية لحظة أن اكتسبت فقط معنى خاصا مرتبطا ارتباطا لا ينفصم بشروط أو أوضاع الحياة في المجتمع الرأسمالي الذي يعتبر مضمونه الحديث خصوصا في قدرة المرء على أن يكون سيد مصيره، وذلك يرتبط بشكل مولده بالنسبة إلى أولئك الذين هم منشغلون من قبل بصناعة النظام الاجتماعي، الذي كان الصفة المميزة جدا للعصور الحديثة”.

    وأخيرا هي شرط ضروري للتكامل الاجتماعي: “نحن نرى الحرية في مجتمعنا شرطا ضروريا لأجل التكامل الاجتماعي يتزامن وإعادة الإنتاج المنظم، أنّها شرط يُعاد إنتاجه بشكل مستمر بطريقة المجتمع المتكامل ونظام العمل، هذه المركزية للحرية الفردية رباط يجمع معا حياة الفرد والعالم والمجتمع، ويصل النظام الاجتماعي بالتغيّر الحديث للحرية بعيدا عن مجال الإنتاج والقوة إلى مجال الاستهلاك، ففي مجتمعنا وجدت الحرية الفردية باعتبارها أولا، وفي المقام الأوّل حرية المستهلك، إنّها تتعلّق بوجود السوق الفعّالة، وتؤكّد تباعا شرط مثل هذا الوجود للسوق الفعّالة”.

     شهرزاد ترحل إلى الغرب

     

    تتخذ الكاتبة وعالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها “شهرزاد ترحل إلى الغرب” خطوة جريئة لتحليل ظاهرة الحريم ليس من وجهة تراثية عربية إسلامية، لكنها توسّع المفهوم انطلاقا من شخصية شهرزاد وألف ليلة وليلة إلى استحضار نظرة الغرب وتمثله لصورة المرأة من زاويتين شرقية وغربية.

    تبدأ في كتابها بملاحظة عابرة في حوارات من صحفيين غربيين: “يمكن أن نقسّم الصحافيين الغربيين إلى فئتين: الأمريكيين من جهة، والأوروبيين من جهة أخرى. حين ينطق الأمريكيون لفظة “الحريم” يبدون ابتسامة تعبّر بصراحة عن حرجهم، وأيا كان المعنى الذي يضفونه على الكلمة، يبدو بديهيا أنّها تحيلهم على شيء ما باعث على الخجل. أمّا الأوروبيون فيعبّرون من خلال ابتساماتهم عن مشاعر أرحب، تتراوح بين الحرج المهذب والمرح المبالغ فيه.

    يرتبط هذا التفاوت الواضح بالمسافة التي تفصل هؤلاء وأولئك عن ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ذلك أنّ ابتسامات الفرنسيين والإسبان والإيطاليين الذين ينتمون إلى الجنوب، تكتسي الطابع المرح المعروف لدى أهل البحر الأبيض المتوسط. أمّا الإسكندنافيون والألمان المنحدرون من الشمال، فيبدون مشدوهين ومصدومين بشكل أو بآخر: “لقد ولدتِ حقا في حريم؟” ذلك ما كانوا يرددونه وهم ينظرون إليّ بمزيج من الاندهاش والقلق.

    وانتهت في استنتاجها إلى تقديم صورة مغايرة للقراءة السائدة في المدارس الاستشراقية حول مفهوم الحريم بنظرة ناقدة تقوم على تحليل الظاهرة في سياقها الاجتماعي التاريخي والثقافي: “لقد بدأتُ كتابي “نساء على أجنحة الحلم” بقولي: “ولدتُ في حريم بفاس، المدينة المغربية التي تعود إلى القرن التاسع”.

    ويبدو أنّ ما قلته يطرح مشكلا غامضا لا أدري كنهه، والواقع أنّ كلّ الصحافيين الذين استجوبوني كانت بداية حديثهم بنفس السؤال الذي أصبح صيغة اعتيادية “وإذن، لقد ولدتِ حقا في حريم؟” كنتُ أدرك من خلال النظرة الحادة التي تواكب الكلمات بأنّه يتحتّم عليّ أن أراوغ أو أتفادى الموضوع الذي يُخفي سرا باعثا على الحرج أيا كانت الأحوال وأيا كان السبب.

    إلّا أنّ الحريم يُحيل لديّ على العائلة قبل كلّ شيء، ولن يخطر ببالي قط أن أربطه بشيء مبهج، خاصة وأنّ أصل الكلمة يعود إلى “الحرام” أي الممنوع. والحرام في كلّ الثقافات يحيل بشدة على العقاب إلى حد يجعلنا لا تربط البتة بينه وبين الفرحة. إنّه يتموضع في الحدود الخطيرة حيث يتواجه القانون والرغبة الإنسانية.

    إنّ الحرام هو ما يمنعه القانون، وعكسه هو الحلال أي ما هو مسموح به. إنّ المرح الغريب الذي تثيره لفظة الحريم في الغربيين يدعو إلى احتمال خلاف كبير بين نظرتهم إلى الحريم ونظرتنا إليه. من البديهي أنّ “الحريم” قد فقد طابعه الخطير حين انتقل إلى الغرب. وإلّا كيف أمكنهم أن يضحكوا كلما جرت هذه الكلمة على أفواههم؟ من الواضح أنّهم لا يتصورون القيود التي يفرضها الحريم على الفرد رجلا كان أو امرأة في ثقافتنا، والضغوط التي يخضع لها فيه”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • 13 سنة سجنا نافذا و30 مليون درهما غرامة للوزير الحركي السابق محمد مبديع

    أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بالجرائم المالية لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، اليوم الخميس، حكما في حق الوزير الحركي السابق، محمد مبديع، يقضي بإدانته ب 13 سنة سجنا نافذا، وغرامة مالية نافذة قدرها 30 مليون درهم.

    ويتابع  الوزير السابق، والقيادي بحزب الحركة الشعبية، في حالة اعتقال، بعد إحالته من طرف قاضي التحقيق المكلف بجرائم الأموال، رفقة سبعة متهمين آخرين على سجن عكاشة، وذلك على خلفية اختلالات مالية وتلاعب في الصفقات بجماعة الفقيه بنصالح، فيما قرر متابعة خمسة متهمين آخرين في حالة سراح، بعد سحب جوازات سفرهم وإغلاق الحدود في وجوههم.

    وكان الوكيل العام للملك بالمحكمة نفسها قد أحال مبديع رفقة 12 متهما على قاضي التحقيق، ضمنهم مقاولون ومنتخبين وموظفين بجماعة الفقيه بنصالح، والتمس متابعتهم في حالة اعتقال، بعدما وجه لهم تتهم تتعلق بتبديد واختلاس أموال عمومية، والإرشاء والارتشاء، وتزوير وثائق إدارية رسمية وعرفية، وجاءت متابعة المتهمين بعد انتهاء الأبحاث القضائية التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على ضوء اختلالات مالية خطيرة رصدتها تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية.

    وجاء تحريك المتابعة بعدما أحالت رئاسة النيابة العامة تقرير أنجزته المفتشية العامة لوزارة الداخلية على الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، من أجل التحقيق في الاختلالات والخروقات التي رصدها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، ويتعلق الأمر بأفعال تهم إبرام وتنفيذ مجموعة من الصفقات المتعلقة بالتأهيل الحضري، بما في ذلك صفقات الدراسات وصفقات الأشغال المترتبة عنها، دون مراعاة المقتضيات ذات الصلة المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، وكشف التقرير خروقات واختلالات خطيرة شابت صفقات التأهيل الحضري للمدينة، والتي كلفت الملايير من المال العام.

    إقرأ الخبر من مصدره