لم تكن الملاسنة الحادة التي تفجرت خلال دورة ماي لمجلس جماعة طنجة بين المستشار عبد السلام العيدوني ونائب العمدة عبد العظيم الطويل، مجرد زوبعة سياسية عابرة حول تدبير المحجز الجماعي “الفوريان”.
بل هي، في جوهرها، تجسيد لتوتر بنيوي يعصف بالاتحاد الدستوري، حيث تحول أحد أكثر المرافق الجماعية حساسية إلى حلبة مفتوحة لحرب “إخوة أعداء” تدار على مرأى من الرأي العام.
ويقتسم الرجلان المظلة الحزبية ذاتها، ويتقاطعان في تاريخ الارتباط بتدبير هذا المرفق الشائك. ومن هنا، تكتسي المواجهة أبعادا تتجاوز السجال التقني البحت.
فلم يعد الرهان مقتصرا على هوية المدبر الحالي أو السابق للمحجز، بل انصب حول الكيفية التي تحول بها المرفق العمومي إلى مرآة عاكسة لصراع مواقع داخل “البيت الواحد”، تتشابك فيه الحصيلة بذاكرة سياسية مثقلة بالاتهامات المتبادلة.
من سؤال المسطرة إلى فخ التصعيد
وانطلقت شرارة الانفجار من سؤال بدا في ظاهره تقريريا حول مساطر التدبير. غير أن طريقة طرح العيدوني للوضعية القانونية لشركات الجر وآليات اشتغالها داخل المحجز دفعت النقاش، بسرعة، من منطقة المساءلة المؤسساتية إلى حافة التصعيد السياسي.
فبدل أن يبقى السؤال محصورا في حدود التدقيق الإداري الهادئ، بدا تدخل العيدوني أقرب إلى فتح جبهة داخلية في توقيت سياسي حساس، بما جعل الملف يتحول من نقاش حول دفتر تحملات إلى ورقة ضغط داخل صراع مكشوف بين أبناء الهيئة نفسها.
ولم يتأخر رد الطويل، الذي لجأ إلى تفكيك ذاكرة التدبير السابقة، مستحضرا من أرشيف الكواليس ملفات ملغومة، أبرزها لغز سيارة “الغولف” التي قيل إنها اختفت من المحجز. وبذلك انتقل النقاش من سؤال “كيف يدبر المرفق اليوم؟” إلى سؤال آخر لا يقل إحراجا: “ماذا وقع في مرحلة التدبير السابقة؟”.
وهنا، تجلت بوضوح قسوة دينامية الصراع الداخلي. فالخصومات داخل الخندق الواحد غالبا ما تكون أشد ضراوة من مواجهة الخصوم السياسيين؛ إذ يمتلك كل طرف مفاتيح الصندوق الأسود للآخر، ويدرك تماما مساحات الصمت والإخفاق.
وحين تُنشر غسيل هذه المعرفة أمام العلن، يتحول جدول أعمال المجلس إلى محاكمة سياسية مفتوحة، لا إلى تمرين مؤسساتي لضبط مرفق عمومي.
تشظي الانضباط الحزبي ومأزق الحكامة
سياسيا، كرّس هذا الصدام حالة من الارتباك داخل صفوف الاتحاد الدستوري في عاصمة البوغاز.
فالحزب بدا، في هذه الواقعة على الأقل، عاجزا عن احتواء خلافات أبنائه قبل انفجارها داخل القاعة. طرف يستند إلى براغماتية الأرقام والمداخيل للدفاع عن الحصيلة، وطرف آخر يرفع شعار القانون والمسطرة، لكنه لا يخفي صعوبة فصل المساءلة عن خلفيات التموقع السياسي.
وبين الموقفين، يبرز مأزق الانضباط الحزبي حين تتحول خلافات التدبير إلى مادة علنية تضرب صورة الانسجام داخل فريق الأغلبية.
غير أن اختزال المشهد في مجرد “تصفية حسابات” يعد قراءة سطحية لواقعة تحمل دلالات مؤسساتية أعمق.
فالمحجز الجماعي ليس مجرد مستودع للمركبات، بل هو نقطة تقاطع معقدة لصلاحيات الشرطة الإدارية، وعمليات الجر، والإيداع، والحراسة، والجرد، والبيع في المزاد. إنه يمس في الصميم الممتلكات الخاصة للمواطنين، مما يجعل أي ضبابية في مساطره مساءلة مباشرة لمسؤولية الجماعة تجاه مرتفقيها.
واستند دفاع الطويل عن حصيلته إلى لغة المال: 750 مليون سنتيم كمداخيل. رقم يمنحه، بلا شك، أفضلية سياسية وتدبيرية في النقاش، لأنه يقدم مؤشرا ملموسا على تحسن مردودية مرفق ظل لسنوات موضوع انتقادات وملاحظات.
غير أن قوة الرقم لا تعفي الجماعة من ضرورة تحصين المرفق بمساطر أكثر وضوحا. فالنجاعة المالية، وإن كانت عنصر دفاع مهم، تحتاج إلى سند مؤسساتي يحميها من التأويل، ويقطع الطريق أمام تحويل كل نقاش حول المحجز إلى مناسبة لنبش ملفات قديمة أو تصفية حسابات جديدة.
من هذا المنطلق، يظل سؤال المسطرة مشروعا في أصله، لكنه يفقد جزءا من قوته حين يتحول إلى أداة في صراع داخلي. فالمرفق العمومي لا يدار بمنطق “المردودية” وحده، ولا بمنطق الاتهام السياسي أيضا، بل يقتضي صرامة مؤسساتية: دفاتر تحملات واضحة، سجلات محينة، ومسؤوليات محددة لا تخضع لمزاجية التوازنات السياسية أو لتغير المكلفين.
واجهة التحديث أمام واقع الممارسة العتيقة
وما يزيد من فداحة المشهد هو التوقيت. فطنجة، التي تسابق الزمن لتقديم نفسها كحاضرة عصرية ترقمن خدماتها وتحدث مرافقها، تصطدم بواقع “الفوريان” الذي يعيدها إلى مربع التدبير العتيق.
إذ لا تستقيم واجهة التحديث التقني حين تظل بعض المرافق الحيوية رهينة لأسئلة قديمة حول طبيعة التعاقدات، وحدود المسؤولية، وشفافية مسارات الجر والإيداع والجرد والبيع.
في المحصلة، كرّس هذا الخلاف شرخا يصعب رأبه داخل “البيت الواحد”، وأكد أن المرفق العام يفقد هيبته المؤسساتية حين يُختطف لصالح المزايدات السياسوية بدل أن يخضع لقوة القانون والوثائق.
وما يجب أن يحسم النقاش ليس فقط استعراض القوة الرقمية للطويل، ولا المرافعة المسطرية للعيدوني، خصوصا حين تتحول هذه الأخيرة إلى مدخل لتأجيج صراع داخلي بدل دفع الملف نحو افتحاص مؤسساتي هادئ.
يكمن المحك الحقيقي في قدرة جماعة طنجة على الانتقال من منطق الردود المتبادلة إلى منطق الدولة والمؤسسات. من يدير المحجز؟ بأي سند قانوني؟ كيف تضبط العلاقة مع شركات الجر؟ ومن يتحمل التبعات عند ضياع ممتلكات المواطنين أو تلفها؟
تلك هي الأسئلة الحارقة التي تجعل من “الفوريان” امتحانا عسيرا لحكامة طنجة، واختبارا لقدرة التحالفات على لجم حروب أبنائها قبل أن تتحول إلى أزمة عاصفة داخل الأغلبية.
ظهرت المقالة “فوريان طنجة” يؤجج حرب “الاخوة الاعداء” داخل الاتحاد الدستوري أولاً على طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة.