العرائش نيوز: الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في مشهد يختزل حجم الأزمة التي نعيشها في علاقتنا بالفضاء العمومي، استفاق سكان المدينة على منظر يبعث على الأسى أكثر مما يثير الاستغراب؛ رأس كبش موضوع فوق النافورة الرئيسية بساحة التحرير التي لم تنشأ لتكون مطرحا للنفايات أو بقايا الأضاحي، بل نافورة يفترض أن تنثر الماء والجمال في محيطها، تحولت إلى منصة تتربع فوقها بقايا الذبح في صورة تختزل حجم التراجع في الوعي المدني وقيمة الممتلكات المشتركة، وقد سبقه بأيام مشهد آخر لا يقل إيلاما، حين استفاق سكان المدينة على واقعة تكسير أحد الكراسي بفضاء غابة لايبيكا…
Catégorie : رآي
-
حين وقف الجميع متفرجين… كيف نخسر مدينتنا قطعة قطعة؟
-
تحقيق الاكتفاء الذاتي…بروفيسور حسين علي غالب بابان
تحقيق الاكتفاء الذاتي
تتسابق حكومات الدول و خبراؤها في مختلف المجالات لتحقيق الاكتفاء الذاتي بأسرع وقت ممكن في المواد والحاجيات الأساسية اللازمة لحياة المواطنين. ويمكن تعريف الاكتفاء الذاتي باختصار بأنه قدرة الدولة على توفير مادة أو مورد أساسي بكميات كافية تغنيها عن الاستيراد وقت الحاجة، مما يخفف الأعباء المالية ويجنبها تقلبات الأسعار العالمية أو صعوبة الحصول على تلك المواد بسبب زيادة الطلب عليها في الأسواق الدولية.
ورغم تعدد جوانب هذا الموضوع وتشعبه، فإنني سأركز على نقطتين أساسيتين تمثلان ركيزة مهمة في حياة الإنسان والمجتمع وهما المياه والطاقة.
إذا…
-
وهبي: « نعرف خصومنا جيدا.. والهدف المشروع هو التتويج بلقب كأس إفريقيا »
العلم الإلكترونية – الرباط
في أول تعليق له على قرعة نهائيات كأس الأمم الإفريقية، أبدى الناخب الوطني، محمد وهبي، ثقة حذرة وطموحا كبيرا مشروعا، مؤكدا أن معالم المجموعة الإفريقية مألوفة جدا للعناصر الوطنية، وأن الهدف الأسمى للمغاربة هو العودة بالتاج القاري، مع ضرورة إبداء الاحترام التام لجميع المنافسين. وجاءت تصريحات المدرب الوطني لتضع النقاط على الحروف بخصوص خارطة طريق « أسود الأطلس » في الفترة المقبلة، مشيرا إلى أن المعرفة المتبادلة بين المغرب وخصومه في المجموعة تشكل امتيازا تكتيكيا وجب استغلاله بالشكل الأمثل. ولم يخف محمد وهبي النوايا التنافسية للمنتخب المغربي في هذه الكأس الإفريقية، قائلا: « إن طموحنا وهدفنا المشروع في هذه الكأس الإفريقية هو الفوز بها. لكننا نعلم جيداً أنه لكي نكون مؤهلين لذلك، يتعين علينا عبور الأدوار بنجاح، وأن نتأهل بشكل جيد. يجب أن نكون في أعلى درجات الجاهزية وفي مستوى الحدث، وبحجم القيمة التي تمثلها كرة القدم المغربية اليوم عالمياً، حتى نتمكن من الفوز بمبارياتنا وإنهاء دور المجموعات في الصدارة. » وفي تحليله التقني لخصوم الأسود، شدد وهبي على خطورة كل منتخب بناء على الموجهات الأخيرة، حيث وصف وهبي الغابون بالمنتخب « المنظم والشرس »، مذكراً بمواجهته مرتين مؤخراً، وبمساره القوي في تصفيات كأس العالم حيث احتل المركز الثاني ولم يقص إلا في مرحلة السد، مما يثبت امتلاكه لعناصر ذات جودة عالية. أما منتخب النيجر فقد عبر وهبي عن مشاعر خاصة حيال مواجهة مدرب النيجر، الإطار الوطني الأسطوري بادو الزاكي، واصفا إياه بـ « الأسطورة الملهمة لجميع المدربين المغاربة ». وحذر من أن النيجر منتخب يتطور بسرعة بدليل احتلاله وصافة مجموعته في تصفيات المونديال خلف المغرب وأمام منتخبات قوية كزامبيا وتنزانيا. وربط الناخب الوطني مصير النتائج بمدى جدية وحضور المجموعة المغربية، مستدلا بالنتائج المتباينة الأخيرة: « النتائج الأخيرة أمام النيجر وليسوتو أثبتت أنه وجب علينا الحذر الشديد؛ فقد فزنا عليهما بصعوبة في بعض المباريات (2-1 في الدقائق الأخيرة ضد النيجر، و 1-0 ضد ليسوتو)، بينما انتصرنا في مواجهات أخرى بنهج عريض (5-0 و 7-0). هذا دليل قاطع على أن الأمر يعتمد علينا نحن بالدرجة الأولى، وعلى مدى احترامنا للمنافس واللعب بجدية مطلقة. »
وفي ختام تصريحاته، كشف محمد وهبي عن الإستراتيجية الزمنية للتدبير الفني للمنتخب، مؤكداً أن ضيق الوقت يفرض التركيز الكلي حالياً على نهائيات كأس العالم المقابلة. وأوضح أنه مباشرة بعد نهاية العرس العالمي، سينصب التركيز بنسبة 100% على التحضير لكأس إفريقيا، والتي تظل -حسب تعبيره- « هدفاً رئيسياً وأولوية قصوى لكل الشعب المغربي لإحراز اللقب الغالي ». -
المانضات ديال الصحافييين ما دازوش قبل العيد بحال باقي القطاعات .. واش خاص الوزارة تستمر في دفع أجور الصحافيين مباشرة؟

فاطنة لويزا – كود//
هاد الشهرين الأخيرين ناض صداع كبير وسط الصحافيين لي خدامين في الصحافة المكتوبة والصحافة الورقية بخصوص المانضات..
الشهر لي داز كانو المانضات دخلو معطلين بتقريب اشي سيمانة ولا أكثر… ومن بعد جا العيد، لي فيه تقريبا المغاربة كلهم تخلصوقبل العيد سوا الموظفين أو العاملين في القطاع الخاص، وحتى لي فالبريفي متخلصوش خداو بريمات بمناسبة العيد، إلا الصحافيين في الصحافة المكتوبة والورقية…
وباش يفهمو المغاربة الوضع،، فوزارة الثقافة والتواصل مكتخلصش المانضات ديال الصحافيين كلهم محال مكيروج..
العاملون في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية لي فيها القنوات ديال من الأولى حتى الثامنة، ودوزيموالإذاعات والمواقع التابعة ليهوم،، وزيد عليهوم حتى ميدي أن، ووكالة المغرب العربي للأنباء،، والإذاعات الخاصة، هادو كلهم كيتخلصو من المشغلين ديالهوم، وهوما كيشكلو نسبة كبيرة من العدد الإجمالي ديال الصحافيين…كتبقا الجرائد والمجلات الورقية، والمواقع الالكترونية (وماشي كلها) هي لي العاملين فيها كيتخلصو مباشرة من وزارة الثقافة والتواصل، من كورونا حتى لدابا..
في كورونا كان الأمر مفهوم بالنسبة للمغاربة، حيت لولا دعم الأجور كانت أغلب المقاولات غادي تسد، وبالتالي شلا مناصب شغل غادي تضيع، وغنكونو أمام أزمة اجتماعية كبيرة، في قطاع حساس وكتحتاجو الدولة كيما كيحتاجو المجتمع.
وفديك المرحلة الدولة مدعماتش غير قطاع الإعلام، دعماتتقريبا كل القطاعات، وعطات حتى منح لفاقدي الشغل، وعطات دعم للناس لي كانو خدامين في القطاع غير المهيكل لي حتا هو كان حبس…من بعد كورونا استمرت الوزارة في أداء أجور الصحافيين، حيت كل المقاولات الإعلامية خرجات من كورونا واكلة الدق ديال بصاح، وخصوصا في الصحافة المكتوبة لي كان الإشهار والمبيعات بزوج تحبسو عليها، ولذلك فقط عدد قليل من الجرائد والمجلات الورقية لي رجعات للخدمة من بعد كورونا…
حتى لهنا، ، كانت الأمور نسبيا معقولة، حيت المقاولات الإعلامية كان خاص توقف على رجليها، فدعم الأجور ديال الصحافيين يمكن يخفف عليها شوية حتى توقف على رجليها.
خصوصا ان استمرار مقاولة إعلامية في المغرب أمر غير سهل، في ظل منافسة الإعلام الأجنبي لي عندو إمكانيات مادية ولوجيستية كبيرة،، وفي ظل محدودية سوق الإشهار بالمغرب، ولي حتى في ظل هاد المحدودية ولا جزء كبير ومهم منو كتاخدوليك شركات التكنولوجيا الكيرة، وخاصة غوغل والفيسبوك واليوتيوب،، هادشي بلا ما ندويو على ليغيزو سوسيو لي ولاو بحالا بديل على الإعلام المهني في عين شعب ما ترابش على تقاليد صحافية في اليومي ديالو…
لكن اليوم راه دازت تقريبا 6 سنوات على هاد الوضع غير السليم وغير العادي… حيت العادي ان الصحافة غير العمومية خاص يكون عندها الحد الأدنى ديال الاستقلالية، فكيفاش غنضمنو استقلالية صحافي في مواجهة السلطة التنفيذية لي هي الحكومة، إذا كانت هاد الأخيرة هي لي كتخلصو؟
كيفاش ممكن نخلقو صحافة تنافسية في ظل هاد الوضعية؟؟؟ ملي حتى الصحافي ما بقاش عندو هم الاستمرارية في المقاولة بالعمل والمجهود ديالو، ما دام ضامن المانضة في آخر الشهر من طرف الوزارة؟؟
كيفاش ممكن نقنعو المواطنين باستمرار هاد الوضع، حيت ديك الكلام ديال الصحافي عندو أدوار في المجتمع، ممكن يقولوها حتى صحاب المدارس الخاصة يقوليك حنا عندنا أدوار مجتمعية،،، إذا الدولة خاص تخلص الأساتذة ديالنا بحال ما كتخلص الصحافيين…من جهة أخرى: واش ممكن الصحافة تستمر دون دعم عمومي؟؟؟
الجواب واضح .. لا
وزيادة على ذلك، حتى دول متقدمة ورأسمالية وفيها اقتصاد السوق ومزال كتدعم الصحافة، رغم ان المقاولات تماك كيحقق أرباح ما يمكنش نحلمو بيها حنا.ولكن ثاني . غير معقول الصحافي يبقى يتخلص مباشرة من الوزارة، وهاد الوضع مكيتقبلوهش حتى المواطنين، وكيخلي صورة الموظفين تتراجع، كيوليو يشوفو فيهوم بحالا هوما وجه من أوجه الريع.
الحل شنا هو..
في رأيي هو الرجوع إلى دمج دعم أجور الصحافيين في الدعم العام الموجه للمقاولة الإعلامية…
غادي يقولو الزملاء والزميلات بلي ديك الصيغة القديمة ما خدماتش سوى مصالح الباطرونا ديال الإعلام.،.
يمكن يكون هاد الكلام صحيح فشلا حالات.،.
ولكن الحل ماشي الصحافي يتخلص من الوزارة، حيت هو عاندو كونطرا مع المشغل…
الحل هو الزيادة في الدعم العمومي لقطاع الصحافة مع تشديد الشروط وتشديد المراقبة، ولي أخل بالالتزامات ديالو، ماشي غير يتوقف الدعم ديالو، بل خاص يتجر للمحاكم…ومن الشروط الصارمة لي ما خاصش التساهل فيها هي احترام أداء أجور رواتب وتعويضات الصحافيين في وقتها، ويكون الحد الأدنى للأجر في المقاولة الصحافية كيحترم كرامة الصحافي والمهام ديالو، ويكون احترام في جدولة واضحة ديال الزيادات، وكذلك تحديد واضح للتعويض عن الأخطار وعن الساعات الإضافية وما جاورهما..،
بهاد الطريقة ممكن نحلو هاد الوضع الغريب… دابا الصحافي إذا أراد يحتج على تأخر صرف الأجر، واش يمشي عند الباطرون لي ساني معاه كونترا ولا عند الوزير لي صاني مع المقاولة بلي غيخلص أجور العاملين.
نتصورو دابا الصحافيين يحتجو قدام الوزارة، كيفاشغتكون صورتنا في العالم؟؟؟
صحافيين في القطاع الخاص كيحتجو أمام وزارة حيت ما خلصاتومش؟؟؟
قمة السوريالية… -
عيد الأضحى… هل دقت ساعة « مؤسسة مغرب عيد”؟
أتاي الأحد
عيد الأضحى… هل دقت ساعة « مؤسسة مغرب عيد”؟Fondation Maroc Eid
كتبها: عبد الرفيع حمضي
انتهى عيد الأضحى، وعادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد. اختفت المواشي وأسواقها المؤقتة، وخفت حركة الشاحنات، وعادت الأحياء إلى هدوئها النسبي.
لكن بعيدا عن أجواء العيد ومشاعره الدينية والاجتماعية، يبقى السؤال ،هل عيد الأضحى مجرد شعيرة دينية موسمية، أم قضية من قضايا السياسات العمومية؟
في بلادنا ، يصعب العثور على حدث آخر يحرك، خلال أسابيع قليلة، هذا الحجم من الموارد البشرية والمالية واللوجستيكية.
ملايين المواطنين يتوجهون إلى الأسواق، وملايين رؤوس الماشية…
-
العزوف الانتخابي والعزوف السياسي لدى الشباب
العزوف الانتخابي والعزوف السياسي لدى الشباب
آدم بوبل: طالب بجامعة القانون باريس الثامنة
هل الوحدة تصنع القوة؟
لقد شهدنا عبر التاريخ السياسي أشكالاً متعددة من التحالفات؛ منها ما بدا طبيعياً ومنها ما كان مفاجئاً أو حتى متناقضاً.
غير أن أي تحالف لا يكتسب شرعيته إلا بقدر ما يخدم قضية عادلة ومصلحة جماعية حقيقية.
واليوم، في الحقل السياسي المغربي، بدأت تبرز تحالفات جديدة تخرج من صالونات الفيلات الفاخرة في حي السويسي، حيث تتخذ النخب السياسية قراراتها بعيداً عن هموم الجماهير الشعبية.
ومن أبرز هذه التحالفات ذلك الذي يجمع الشبيبات الحزبية لأحزاب…
-
التعليم على محك الذكاء الاصطناعي: تحولات وآفاق
* عبد الرحيم ليه
-I الذكاء الاصطناعي التنبؤي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والمنصات التعليمية
لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم مجرد إسقاط مستقبلي. فقد غادر النقاش مختبرات البحث والشركات التكنولوجية الكبرى ليدخل إلى الفصول الدراسية، ومدرجات الجامعات، وفضاءات التكوين المهني. هناك تحول استراتيجي جديد في التعليم يفرض نفسه: الممارسات البيداغوجية، وأنماط التعلم، وآليات الحكامة المدرسية في تغير كامل. ومن الضروريات العاجلة أن يكون الفاعل التربوي واع بذلك.
بالنسبة للمدرسين والتلاميذ والطلبة والأطر التربوية، أصبح من الأساسي فهم الاختلافات بين الذكاء الاصطناعي التنبؤي، والذكاء الاصطناعي التوليدي، والمنصات التعليمية الذكية، وذلك لتحقيق أقصى استفادة ممكنة مع الحفاظ على الجودة والأخلاقيات التربوية. الرهان ليس هو استبدال الذكاء البشري، بل تعزيزه ودعمه وتوجيهه نحو استعمالات أكثر فعالية وملاءمة.
يعتمد الذكاء الاصطناعي التنبؤي على تحليل كميات هائلة من البيانات بهدف توقع الوضعيات أو كشف الاتجاهات؛ ففي السياق التعليمي، يتيح مثلا تحديد التلاميذ المعرضين لخطر الانقطاع أو الهدر الدراسي، والكشف المبكر عن صعوبات التعلم، وتوقع احتياجات المعالجة، ومساعدة المؤسسات على اتخاذ قرارات مبنية على بيانات موثوقة.
على سبيل المثال، عندما تكتشف منصة ما انخفاضاً تدريجياً في أداء تلميذ في الرياضيات، فإنها يمكن أن تنبه المدرس قبل تراكم التعثرات وظهور الاخفاق الواضح في حل المعادلات الرياضية. وبالنسبة للأطر التربوية، يتيح ذلك قيادة أكثر ذكاءً للموارد والزمن المدرسي، وتخطيطاً أفضل للتدخلات البيداغوجية، وتدبيرا أدق للأداءات المدرسية. ومن أجل الاستعمال الفعال لهذا النوع من الذكاء الاصطناعي، لا بد من عدم اعتبار تنبؤاته أحكاماً نهائية أبداً؛ بل يحتمل أن تكون خاطئة جزئيا أو كليا، وبالتالي ينبغي تفسيرها كإشارات لمساعدة القرار، تحتاج دائماً إلى إشراف وتصديق بشري.
أما الذكاء الاصطناعي التوليدي مثلChatGPT، فيُنْتِج، بمساعدة ما يسمى بالنموذج اللغوي الكبير (LLM)، محتويات متعددة: نصوص، تمارين، تقييمات، صور تعليمية، ملخصات، سيناريوهات التعلم، محاكاة، أو شروحات ملائمة لمستويات مختلفة. بالنسبة للمدرس، فهو يمثل مساعداً بيداغوجياً قوياً يتيح تصميم وسائل داعمة في وقت وجيز جدا، وإعادة صياغة درس وفق عدة مستويات من التعقيد، وإنتاج تقييمات مُخَصَّصَة، أو خلق أنشطة تفاعلية محفزة. وأما بالنسبة للتلميذ، فإنه قد يشكل مدرساً افتراضياً قادراً على شرح مفهوم غير مستوعب بطرق مختلفة، واقتراح أمثلة إضافية، وتوجيه تفكير تدريجي. غير أن فعاليته تتوقف على جودة التعليمات المقدمة. فالطلب الغامض الموجه للنموذج اللغوي يولّد غالباً نتيجة سطحية. لذلك يجب تعلم الحوار الذكي معه، وصياغة أهداف دقيقة، والتحقق دائماً من الدقة العلمية لما ينتجه النموذج. وهذا ما يسمى بهندسة المطالبات (prompt engineering)..
تشكل المنصات التعليمية الذكية اليوم الواجهة الملموسة التي تجعل هذين الشكلين من الذكاء الاصطناعي (التنبؤي والتوليدي) في متناول جميع الفاعلين التربويين. يمكن ذكر الأمثلة التالية بالنسبة للمدرسين: MagicSchool، Gemini Education، ChatGPT Education، Khanmigo، NotebookLM، Canva Education. وبالنسبة للتلاميذ Khanmigo ، Quizlet Q-Chat، Duolingo Max، Grammarly، Photomath، Wolfram Alpha، ChatGPT، ChatGPT Enterprise Edu، Docebo.
بيئات مثل منصات التعلم التكيفي، وأنظمة التدريس الذكية، ولوحات القيادة التحليلية، والفضاءات التعاونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتيح تعليماً مخصصاً على نطاق واسع. فهي تحلل التقدم، وتكيف المحتويات، وتقترح تمارين هادفة، وتسهل المتابعة البيداغوجية.
للاستفادة من هذه الأدوات بأقصى ما يمكن وبشكل ملموس، يجب على المدرسين إدماجها في عملياتهم كأدوات مساعدة للتصميم وليس كبدائل لخبرتهم. يمكنهم، على سبيل المثال، استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء نسخة أولية من عملية بيداغوجية، ثم إثراؤها وفق حاجات تلاميذهم الفعلية؛ وتوظيف الذكاء الاصطناعي التنبؤي لكشف الثغرات والتخطيط لمعالجة مستهدفة؛ أو استغلال منصة تكيفية لتفريد (تخصيص) مسارات التعلم تلقائياً. أما التلاميذ، فعليهم استخدام هذه الأدوات لتعميق فهمهم، وطلب إعادة الصياغة، واختبار فرضياتهم، وتطوير استقلاليتهم الفكرية، بدلاً من البحث عن إجابات جاهزة. أما الأطر التربوية، فمن الأفضل لهم استخدام هذه التقنيات لقيادة الأداءات المدرسية، والتخطيط لتكوينات المدرسين، وترسيخ ثقافة القرار المبنية على البيانات.
هذه المنصات تنمي الإبداع، والاستقلالية، والفضول. غير أن فعاليتها تعتمد على موقف المدرس وموقف التلميذ: فالخطأ الجسيم هو استخدامها كمزود لإجابات جاهزة وفورية، مما يضعف الجهد المعرفي. على المدرس والتلميذ أن يستجوبا الأداة، وأن يقارنا بطريقة نقدية إجاباتها بمصادر أخرى، وأن يستعملاها كشريك ومساعد في التفكير.
إن الاستغلال الأمثل يقوم على ثقافة رقمية نقدية مشتركة: صياغة تعليمات دقيقة، تقييم موثوقية المخرجات، احترام الأخلاقيات، والنزاهة الأكاديمية، والملكية الفكرية. مما يجب تجنبه: المبالغة في تقدير عصمة الأداة، وانعدام الإشراف البشري. فالذكاء الاصطناعي يكون أداؤه أفضل عندما يكمل الذكاء الانساني للمدرس ويدعم جهد التلميذ، دون أن يحل محل فعل التعليم ولا محل عملية التعلم النشطة.
-II الذكاء الاصطناعي الوكيلي، اتجاه جديد في التعليم
في عام 2026، برز ما يسميه الباحثون بالذكاء الاصطناعي الوكيلي الذي قد يؤدي إلى تسريع تحول الأنظمة التعليمية بشكل عميق.
على عكس الأدوات الرقمية التقليدية التي تنفذ أمراً محددا، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيلي يمكنه أن يدرك، ويحلل الوضعيات المعقدة قليلا أو كثيرا، ويستدل، ويتوقع الاحتياجات، ويقترح حلولاً، وينجز مهاما بيداغوجية لتحقيق أهداف بطريقة شبه مستقلة أو مستقلة تماما. ولتحقيق ذلك، يعتمد هذا الذكاء الاصطناعي على بيانات ضخمة، تُجمع بشكل مستمر، عن التلاميذ والمدرسين والمناهج والبرامج والمسارات المدرسية وبيئة التعليم والتعلم، لتقديم توصيات أو حتى اتخاذ قرارات.
بالنسبة للمغرب، يثير هذا التطور سؤالاً مركزياً: كيف يمكن إدماج هذه الثورة التكنولوجية دون فقدان الجوهر الإنساني والثقافي والحضاري للفعل التربوي المغربي؟
تقليص التفاوتات التعليمية الترابية
يظل أحد الرهانات الكبرى للنظام المغربي هو التفاوت بين المناطق الحضرية والمناطق القروية. فالولوج إلى الموارد البيداغوجية، والمواكبة الفردية، وأحياناً حتى إلى التأطير المتخصص، لا يزال غير عادل. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في تقليص هذه الفجوات.
فيمكن لتلميذ في جماعة نائية أن يصل إلى مرشد آلي ذكي قادر على شرح مفهوم رياضي بالعربية أو الفرنسية أو الأمازيغية، وإعادة صياغته وفق مستواه في الفهم، واقتراح تمارين تصاعدية.
كما يمكن لتلميذ في الثانوية مقبل على امتحان البكالوريا في منطقة معزولة أن يستفيد من مواكبة تعادل ما هو موجود في مؤسسة أفضل تجهيزاً من الناحية التكنولوجية.
صحيح أن إدماج وكلاء الذكاء الاصطناعي في التعليم يفتح آفاقاً واعدة: تخصيص وتفريد التعلمات، وأتمتة المهام المتكررة، والمواكبة البيداغوجية الفردية، والمساعدة في التخطيط الديداكتيكي، والتقييم التكويني المستمر، والإنتاج السريع للموارد الملائمة. غير أن هذا الوعد يظل مرهوناً بثلاثة متطلبات أساسية: تعزيز البنى التحتية الرقمية، وإدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج، وتكوين المدرسين.
فبدون ولوج مستقر للإنترنت، وبدون تجهيزات كافية، وبدون منصات ملائمة للسياق المحلي، يُخشى أن يعزز الذكاء الاصطناعي الفجوات القائمة بدلاً من تصحيحها.
وبدون تكوين بيداغوجي وتقني للمدرسين حول الفرص التي يتيحها وكلاء الذكاء الاصطناعي، يُخشى تحويل وعد التطور إلى عامل تفاقم للهشاشات الموجودة أصلاً في النظام التعليمي المغربي. تجدر الإشارة إلى أن فعالية وكيل الذكاء الاصطناعي تعتمد إلى حد كبير على جودة البيانات المزودة له، وجودة التعليمات الموجهة إليه، والقدرة على تفسير إجاباته وفق الاحتياجات، والقدرة على إدماجه في استراتيجية بيداغوجية متماسكة.
من المدرس المنفذ إلى المدرس المرن والاستباقي
يتمثل أحد التحديات التاريخية للمدرسة المغربية في العبء الإداري والبيداغوجي الملقى على عاتق المدرسين والأطر التربوية. فبالمقارنة مع متوسط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، نجد في المغرب 35-45 تلميذاً في القسم مقابل 21 في التعليم الابتدائي، وأكثر من 40 مقابل 23 في الإعدادي، و180-250 تلميذاً يشرف عليهم كل مدرس في الثانوي مقابل 100-150. وتظهر معطيات دراسة TALIS 2024 وجود عبء إداري يراه جزء كبير من المدرسين المغاربة مفرطاً، مقارنة بعدة دول مشابهة في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.
فما بين إعداد المحتويات، والتصحيح، والمتابعة الإدارية، وإنتاج التقارير، وتدبير التقييمات، والتكيف مع الإصلاحات التربوية المتعاقبة، يكرس الكثيرون جزءاً كبيراً من وقتهم لمهام متكررة، على حساب التكييف البيداغوجي والمواكبة البيداغوجية الفردية. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفف هذا الضغط بشكل كبير، سواء على الصعيد الإداري أو على الصعيد البيداغوجي.
يمكن لمدرس في الإعدادي أن يستخدم مساعداً بيداغوجياً ذكياً قادراً على إنتاج عدة سيناريوهات بيداغوجية، وبدائل تمارين وفق مستويات التلاميذ، وكشف الأخطاء المتكررة تلقائياً، واقتراح أنشطة علاجية ملائمة.
في قسم قروي متعدد المستويات بالأطلس المتوسط، حيث يواكب مدرس واحد عدة مستويات في وقت واحد، يمكن لوكيل بيداغوجي أن يفرّد الموارد تلقائياً لكل مجموعة، مما يتيح متابعة أدق رغم الإمكانيات البشرية المحدودة.
في مثل هذا السيناريو، لا يختفي المدرس بل يزيد قدراته بالذكاء الاصطناعي الوكيلي إضافة إلى الذكاء الاصطناعي التنبؤي والتوليدي. إنه يستعيد وظيفته الأساسية: التنبؤ، والملاحظة، والتوجيه، وإعادة التعديل، والشرح، والتشجيع، والبناء المشترك، والمواكبة، وإعطاء المعنى. الذكاء الاصطناعي ينفذ، والمدرس المرن الاستباقي يعلم ويربّي.
يمكننا اليوم فعليا استخدام وكلاء ذكاء اصطناعي تعليميين جاهزين، وهي مدمجة بالفعل على نطاق واسع في مدارس وجامعات ومنصات تعليم ذاتي. على سبيل المثال، خانميغو (Khanmigo)، المدرس الآلي الذكي لأكاديمية خان الذي تطور ليكون وكيلاً مستقلاً كاملاً، والذي أصبح نموذجه المجاني أكثر سهولة، يتبنى مقاربة سقراطية: فهو مرتبط بمكتبة الأكاديمية، يوجه التلميذ عبر أسئلة ومؤشرات دون إعطاء الإجابات، ويحلل صعوباته، ويضبط التمارين، ويعزز الاستقلالية. الهدف هو ضمان تدريس فردي، ومتاح، وآمن، يعزز دور المدرس دون أن يحل محله.
تكوين مدرسين معززين: مفتاح النجاح
إن نجاح التحول الاستراتيجي الذي يحمله الذكاء الاصطناعي سيتوقف على الآلة أقل مما سيتوقف على أولئك الذين يدمجونها في عملياتهم التعليمية والتعلمية. وبالتالي فإن تكوين المدرسين المغاربة على الذكاء الاصطناعي هو مفتاح النجاح الأول، وهذا يعني يعني تنمية قدراتهم في المجالات التالية:
صياغة تعليمات بيداغوجية فعالة؛
التفكير النقدي تجاه الإجابات المولدة من طرف الذكاء الاصطناعي؛
كشف التحيزات الخوارزمية؛
التحقق العلمي من المحتويات؛
الإشراف الأخلاقي على أدوات هذا الذكاء.
الرهان ليس تحويل المدرس إلى تقني. بل جعله مدرسا معززاً، مرنا، استباقيا، صاحب سيادة.
المدرس المعزز هو المعلم المهني الذي تتعزز قدراته البيداغوجية والتحليلية والتنظيمية بواسطة وكلاء أذكياء. بفضل الذكاء الاصطناعي، يركز جهوده على الأبعاد الأكثر نبلاً في مهمته: المواكبة البشرية، والوساطة المعرفية، وتنمية التفكير النقدي، والإصغاء للصعوبات الخفية، وترسيخ القيم، وبناء المعنى.
المدرس المرن هو القادر على التكيف بسرعة مع احتياجات المتعلمين المتغيرة، وضبط ممارساته البيداغوجية في الزمن الحقيقي، وتعبئة الموارد التكنولوجية بمرونة وبصيرة. بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكنه تحليل صعوبات التعلم بشكل فوري، وتفريد الأنشطة وفق الخصائص المعرفية، وإنتاج محتويات مخصصة، وإعادة تنظيم عملياته البيداغوجية بمرونة كبيرة.
الذكاء الاصطناعي يُحدث وضعا مهنيا جديدا في المنظومة التربوية متمحورا حول المدرس الاستباقي. لا يتعلق الأمر بمدرس يسبق الأحداث بحدسه، كما كان الحال دائماً في التجربة البيداغوجية، بل بمهني قادر على الاعتماد على”التحليل الذكي لبيانات التعلم” لبناء سيناريوهات تعليم وتعلم، وتوقع الصعوبات، والكشف المبكر عن مخاطر الانقطاع والهدر المدرسيين، والتدخل قبل أن تترسخ العوائق بشكل دائم. بفضل وكلاء الذكاء الاصطناعي، يمكن للمدرس رصد إشارات ضعيفة غالباً ما تكون غير مرئية بالملاحظة المباشرة: انخفاض تدريجي في المشاركة، أو تكرار أخطاء مفاهيمية، أو تباطؤ في وتيرة الاكتساب، أو فقدان التحفز، أو انسحاب خفي من عملية التعلم. هذه القدرة التنبؤية تتيح بيداغوجيا وقائية بدلاً من بيداغوجيا تصحيحية.
الذكاء الاصطناعي، عندما يتم ضبطه وإدماجه ببصيرة، يمكنه أن يُبرز شخصية “المدرس صاحب السيادة”: وهو مهني لا يُقَاد بالتكنولوجيا، بل يوجهها هو لخدمة غاياته البيداغوجية والثقافية والتربوية. أن تكون مدرساً صاحب سيادة بفضل الذكاء الاصطناعي، ليس هو تفويض السلطة الفكرية للآلة، بل تعزيز قدرة المدرس على القرار والتحليل والقيادة البيداغوجية بواسطة وكلاء (بل فاعلين!) أذكياء من خلال فهم تصرفاتهم ونقدها وتكييفها.
ومن مظاهر تطور الذكاء الاصطناعي الوكيلي بروز الروبوتات التربوية التي لا تعمل كآلات جامدة بل كوكلاء أذكياء يحللون سلوك المتعلم ويتخذون قرارات تعليمية مستقلة، ويكيفون المحتوى وفق الأداء اللحظي. تعتمد على الإدراك والتخطيط والتفاعل الذاتي، فتعيد شرح المفاهيم غير المفهومة، أو تقترح أنشطة علاجية، أو تعدل أسلوب التواصل حسب استجابة المتعلم. وهكذا، تمثل انتقالًا من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الوكيلي، معيدة تشكيل الأدوار التربوية ومؤسسة لبيئات تعلم أكثر ذكاءً وتكيفًا.
تمثل الروبوتات التعليمية الذكية مثل NAO، Pepper، QTrobot، Dash نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي التربوي، حيث تُستخدم في المدارس والجامعات ومراكز التربية الخاصة لتقديم تعلّم تفاعلي مخصص يستجيب فورًا لاحتياجات المتعلمين. تشمل وظائفها شرح الدروس، تعليم البرمجة، تنمية المهارات الاجتماعية، ومرافقة أطفال التوحد، وقد أثبتت فعاليتها في رفع الدافعية وتحسين التفاعل الصفي ومراعاة الفروق الفردية.
المخاطر التربوية: اليقظة تجاه القيم والسيادة اللغوية والثقافية
لا يجب أن يخفي الحماس التكنولوجي المخاطر العميقة التي يسببها الذكاء الاصطناعي على التعليم.
الخطر الأول يتعلق بالتآكل الصامت للقيم التربوية الوطنية.
معظم نماذج الذكاء الاصطناعي المتاحة حالياً صُممت في أوساط ثقافية غربية، تحمل رؤى خاصة للمعرفة، والفرد، والمجتمع، والنجاح، وحتى الأخلاق.
عندما يستجوب تلميذ مغربي ذكاءً اصطناعياً حول الأسرة، والسلطة، والهوية، والمواطنة، والتاريخ، والمرجعيات الحضارية، فقد يتلقى إجابات مشبعة بافتراضات ثقافية خارجية عن سياقه الخاص. هذه الظاهرة خفية، وتدريجية، وغير مرئية غالباً. لكن على المدى البعيد، يمكن أن تنتج شكلاً من الاستعمار المعرفي الناعم، حيث تستبدل في النهاية أطر التفسير المستوردة المعالم التربوية الوطنية.
إذا كانت المحتويات البيداغوجية تُولّد بشكل جماعي بواسطة نماذج عالمية، فإن السرديات التاريخية والأدبية والرمزية المغربية قد تُهمش.
قد يُستبدل الخيال التربوي الوطني تدريجياً بتمثلات معولمة، منفصلة عن تاريخ وهوية المملكة. أمام هذه المخاطر، يفرض هذا الحل نفسه: تطوير ذكاء اصطناعي تعليمي سيادي مغربي، قادر على دمج:
– المرجعيات البيداغوجية الوطنية؛
– القيم الدستورية؛
– التعدد اللغوي؛
– الذاكرة التاريخية الوطنية؛
– الغايات التربوية الخاصة بمشروع المجتمع المغربي.
يجب أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للتحرر الفكري، لا وسيلةً للاستيلاب الثقافي.
الخطر الثاني يتعلق بالسيادة اللغوية.
اللغة ليست أبداً أداة محايدة؛ إنها تنقل رؤية للعالم، وذاكرة جماعية للتاريخ المشترك، وحاملة للفكر. إضعاف لغة تعليمية يعني إضعاف طريقة فهم الواقع.
يملك المغرب ثروة لغوية فريدة: العربية، الأمازيغية، الدارجة، الفرنسية، الإسبانية، والإنجليزية. هذا التنوع يشكل ثروة بيداغوجية لكنه أيضاً تحدٍ ثقافي وتقني. عندما يصمم الذكاء الاصطناعي التعليمي في مكان آخر، فإنه يفسر الواقع المغربي بمنظور ثقافي أجنبي. لكي يكون ملائماً، يجب أن يُغذى ببيانات مغربية، واستعمالات محلية، ومراجع ثقافية وطنية، ووقائع بيداغوجية مكيفة حسب الواقع المحلي. هذه السيادة اللغوية الرقمية تشكل رهاناً استراتيجياً.
الهيمنة الهائلة للبيانات باللغة الإنجليزية على الإنترنت تشكل اليوم أحد أكبر التحديات البنيوية في تطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي. غالبية النماذج الكبيرة للذكاء الاصطناعي تُدرّب انطلاقاً من بيانات رقمية تحتل فيها الإنجليزية مكانة مهيمنة بشكل كبير، سواء من حيث الحجم أو تنوع المحتويات العلمية والثقافية والتقنية والتعليمية. هذا الواقع ليس محايداً. إنه يؤثر مباشرة على الطريقة التي يستدل بها وكلاء الذكاء الاصطناعي، ويصوغون إجاباتهم، ويرتبون المعرفة، ويفسرون العالم.
النتيجة الأولى لهذه الظاهرة هي تحيز معرفي هيكلي. أي أن الإجابات المنتجة تعكس غالباً هذه المنطلقات، وأحياناً دون أن تتاح للمستخدم إمكانية إدراك هذا المرشح الثقافي غير المرئي.
النتيجة الثانية تمس عدم المساواة في الأداء اللغوي. وكلاء الذكاء الاصطناعي عموماً أكثر دقة وتفصيلاً وعمقا باللغة الإنجليزية منها بالعربية أو الأمازيغية أو غيرها من اللغات الممثلة بشكل ضعيف رقمياً. هذا التباين يؤثر على جودة المحتويات المنتجة، ودقة الاستدلالات، وثراء الأمثلة، والملاءمة السياقية. لبلدان مثل المغرب، قد يؤدي ذلك إلى تبعية فكرية حيث تصبح الاستعمالات التعليمية الأكثر أداءً مشروطة باستعمال لغة أجنبية مهيمنة.
قد تؤدي هاتان النتيجتان إلى فقدان السيادة التكنولوجية والتربوية. عندما يستعمل بلد ما وكلاء مصممين انطلاقاً من بيانات خارجية عن سياقه اللغوي والثقافي، فإنه يتبنى بشكل غير مباشر معايير ضمنية توجه المحتويات البيداغوجية، وأنماط الاستدلال، وأحياناً حتى القيم التربوية. في الحالة المغربية، قد ينتج عن ذلك تنميط تدريجي للمحتويات المدرسية وفق منطق أجنبي، على حساب الغايات التربوية الوطنية، والتعدد اللغوي، والارتباط الحضاري.
إزاء هذا الوضع، التحدي هو وضع استراتيجية طموحة للإنتاج المكثف للبيانات التعليمية والعلمية والثقافية بالعربية والأمازيغية، وتشكيل قاعدة بيانات وطنية عالية الجودة، وتطوير وكلاء “متشبعين” بالسياقات الوطنية، والاستثمار في سيادة لغوية رقمية حقيقية. يجب أن نضع في اعتبارنا أن لغة غائبة عن البيانات ستكون غائبة تدريجياً عن الذكاء الاصطناعي نفسه، وبالتالي قد تختفي في نهاية المطاف من الفضاءات التي تُبنى فيها معرفة المستقبل.
الخطر الثالث يكمن في الإفقار الفكري.
الذكاء الاصطناعي الذي يجيب فوراً على كل شيء ولوكان لا يتوفر على البيانات اللازمة يمكن أن يدفع إلى الكسل المعرفي، ويثبط الارادة في البحث العلمي، ويضعف القدرة الفكرية على تحمل الصعاب.
تلميذ يفوض بشكل منهجي الكتابة والتحليل أو التفكير إلى آلة قد تفقده تدريجياً استقلاليته النقدية. غير أن المدرسة المغربية، شأنها شأن جميع المدارس، ليست مهمتها إنتاج مستهلكين سلبيين لإجابات آلية. بل يجب عليها، على العكس من ذلك، تكوين عقول قادرة على التساؤل والتفسير والإبداع والتقدير.
خاتمة
يفرض الذكاء الاصطناعي اليوم نموذجًا جديدًا للتعليم، يقوم على تعاون ذكي بين الإنسان والآلة، ويعيد تعريف دور المدرس داخل الفصل قائم على أنشطة الإبداع المشترك مع التلاميذ، وتصميم للدروس يعتمد على المطالبات (prompts)، بالإضافة إلى إدماج المحادثات الآلية التعليمية في منصات التعلم (LMS). إن دور المدرس يتحول بشكل أساسي من ناقل للمعرفة إلى مصمم لتجارب التعلم ومواكبتها، ووسيط بين التلميذ والذكاء الاصطناعي، ومنظم نقدي للاستخدامات التكنولوجية، وضامن للأخلاقيات والدقة المعرفية. أخيراً، تظهر الحكامة والتأطير كرهان مركزي: فالتقارير المؤسساتية تؤكد على ضرورة أطر تنظيمية واضحة، وحماية بيانات التلاميذ، وشفافية المنصات التعليمية.
ليس الذكاء الاصطناعي عصًا تُحدث المعجزات في التعليم، ولا هو تهديد يترصد بالمدرسة من الخارج. إنه بالأحرى أداة ذي وجهين: إن أُحسن استعمالها ضاعفت أثر التعلم ووسّع آفاقه، وإن أُسيء ضبطها صنع وهْم المعرفة بدل حقيقتها. ومن ثمّ، فإن على المدرّس أن يرتقي إلى مقام الذي يُحسن الضبط والتوجيه، فيجعل من هذه التقنية أداةً للأداء وليس للفشل.
المصطلحات العلمية الأساسية:
الذكاء الاصطناعي التنبؤي: Predictive AI
الذكاء الاصطناعي التوليدي: Generative AI
الاصطناعي الوكيلي: Agentic AI
المنصات التعلمية: Learning platforms
النموذج اللغوي الكبير: Large Language Model (LLM)
هندسة المطالبات: Prompt engineering
منصات التعلم التكيفي:MAdaptive learning platforms
أنظمة التدريس الذكي: Intelligent tutoring systems (ITS)
المدرس المرن والاستباقي: Enseignant agile et prédictif
المدرس المعزز: Enseignant augmenté
* خبير في تكنولوجيا التربية
-
عمال النظافة… أبطال عيد الأضحى وجنود الخفاء في خدمة الوطن
عبد القادر الحافظ بريهما
يحل عيد الأضحى المبارك كل عام حاملاً معه أجواء الفرح والبهجة وصلة الرحم والتكافل الاجتماعي، حيث تنشغل الأسر المغربية بالاستعداد لهذه المناسبة الدينية العظيمة وإحياء شعائرها في أجواء من الحبور والسرور. غير أن خلف هذه المشاهد الجميلة، يبرز تحد كبير يتمثل في الكميات الهائلة والاستثنائية من مخلفات الأضاحي التي تتراكم في ظرف زمني وجيز، وهي مخلفات ثقيلة ومعقدة تتطلب تدبيرا خاصا وسريعا للحفاظ على الصحة العامة ونظافة المدن. وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، قد لا يتوقف الكثيرون للتفكير في الجهة التي تتولى هذه المهمة الشاقة، وهنا يبرز الدور المحوري لعمال النظافة في مملكتنا الشريفة، هؤلاء الجنود المجهولون الذين يواصلون العمل ليل نهار في ظروف ميدانية صعبة واستثنائية، مسلحين بروح المسؤولية والتفاني، حتى تبقى مدننا وأحياؤنا نظيفة وآمنة، ويستمر العيد في أبهى صوره الحضارية.
في كل مناسبة عيد أضحى، تتجه أنظار المواطنين إلى أجواء الفرح والاحتفال وصلة الرحم، غير أن هناك فئة تواصل العمل في صمت بعيدا عن الأضواء، وهي فئة عمال النظافة الذين يتحولون خلال هذه الأيام إلى خط الدفاع الأول للحفاظ على نظافة المدن وسلامة البيئة. فبينما تنتهي عملية الذبح في مختلف الأحياء، تبدأ بالنسبة لهؤلاء العمال مهمة شاقة تتطلب جهدا استثنائيا وساعات عمل طويلة لضمان رفع المخلفات في أسرع وقت ممكن.
من شمال المملكة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، تنتشر فرق النظافة في الشوارع والأزقة والساحات العمومية منذ الساعات الأولى من صباح العيد. ففي مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط وسلا وطنجة وفاس ومراكش وأكادير، كما في مدن الجنوب والصحراء المغربية، ترتفع كميات النفايات ومخلفات الأضاحي بشكل كبير، ما يفرض تعبئة شاملة للموارد البشرية واللوجستية للتعامل مع هذا الوضع الاستثنائي بكفاءة وسرعة.
ولا تقتصر مهام عمال النظافة على جمع النفايات فقط، بل تشمل أيضا تنظيف محيط الحاويات وإزالة النقط السوداء وغسل الفضاءات المتضررة وتعقيم بعض المواقع التي قد تشكل خطرا على الصحة العامة. وهي مهام تتطلب جهدا بدنيا كبيرا وانضباطا مهنياً عاليا، خاصة في ظل ضغط الوقت وضرورة إعادة الأحياء إلى وضعها الطبيعي في أقصر الآجال.
وخلال أيام العيد، تتحول شاحنات جمع النفايات والجرافات والآليات المختلفة إلى خلايا عمل لا تتوقف، حيث يتم تنظيم تدخلات متواصلة لرفع الأطنان من المخلفات التي تخلفها عمليات الذبح. وتبقى الغاية الأساسية هي الحفاظ على جمالية المدن المغربية وضمان راحة السكان والزوار، بما يعكس صورة حضارية تليق بالمملكة المغربية وبما تحقق فيها من تطور عمراني وتنموي.
إن المتتبع لحجم العمل الذي ينجزه عمال النظافة خلال هذه المناسبة يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد وظيفة يومية، ليصل إلى مستوى الواجب الوطني والخدمة العمومية التي تستحق كل الاحترام والتقدير. فهؤلاء العمال يضحون بأوقاتهم مع أسرهم خلال أيام العيد من أجل أن يستفيد الجميع من بيئة نظيفة وآمنة، وهو سلوك يعكس روح المسؤولية والإخلاص في أداء الواجب.
كما أن نجاح عمليات النظافة خلال عيد الأضحى لا يرتبط فقط بجهود العمال والشركات المفوض لها التدبير والجماعات الترابية، بل يحتاج أيضا إلى انخراط المواطنين من خلال احترام مواعيد إخراج النفايات ووضع المخلفات في الأماكن المخصصة لها. فالتعاون بين الجميع يساهم في تسهيل عمل الفرق الميدانية ويضمن تحقيق النتائج المرجوة في ظروف أفضل.
وإذا كانت مختلف المدن المغربية تشهد تعبئة استثنائية خلال هذه المناسبة، فإن حجم التحدي يكون أكبر في المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة، حيث تتطلب عملية جمع مخلفات العيد تنسيقا محكما بين العمال والسائقين والمشرفين والآليات الميدانية. ورغم ذلك، تنجح فرق النظافة في رفع آلاف الأطنان من المخلفات خلال وقت وجيز، في مشهد يعكس الاحترافية والخبرة التي راكمها هذا القطاع الحيوي.
ومن هذا المنطلق، فإن عمال النظافة يستحقون التفاتة خاصة من الجهات الوصية ومن مختلف الفاعلين، سواء من خلال تحسين ظروف العمل أو مراجعة الأجور أو إقرار منح تحفيزية استثنائية خلال المناسبات الكبرى التي تتضاعف فيها أعباء العمل. فالاعتراف بالمجهودات لا يكون بالكلمات فقط، بل أيضا بإجراءات عملية تحفظ الكرامة المهنية والاجتماعية لهذه الفئة الكادحة.
وفي مدينة العيون، عاصمة الصحراء المغربية، يبرز عمال النظافة كل سنة كنموذج مشرف للتفاني والانضباط، حيث يسابقون الزمن منذ الساعات الأولى للعيد لإزالة مخلفات الأضاحي وتنظيف الشوارع والأحياء والساحات العمومية. ورغم حجم المخلفات وطبيعتها الخاصة، يواصل هؤلاء العمال أداء مهامهم بكفاءة عالية، مما يساهم في الحفاظ على جمالية المدينة وصورتها الحضارية ويعكس حسا عاليا بالمسؤولية تجاه الساكنة والزوار.
وانطلاقا من حجم المجهودات المبذولة بمدينة العيون خلال هذه المناسبة، فإننا نطالب بتخصيص منحة تحفيزية استثنائية لعمال النظافة، تقديرا لما يقدمونه من خدمات جليلة للمجتمع، واعترافا بما يتحملونه من أعباء إضافية خلال فترة العيد. فهذه الفئة تستحق كل أشكال الدعم والإنصاف، ليس فقط بالكلمات، بل أيضاً بإجراءات ملموسة تعزز أوضاعها الاجتماعية والمهنية وتكرس ثقافة الاعتراف بالجميل.
وفي الختام، إذا كان عيد الأضحى مناسبة للتضامن والتكافل والاعتراف بالجميل، فإن أقل ما يمكن تقديمه لهؤلاء الأبطال هو كلمة شكر صادقة وتقدير حقيقي لما يبذلونه من جهود استثنائية. فتحية إجلال وإكبار لكل عامل نظافة في المملكة المغربية، ولكل من يسهر بصمت وتفان على أن تبقى مدننا نظيفة وجميلة رغم حجم التحديات والضغوط. إنهم بحق أبطال العيد وجنود الخفاء الذين يستحقون كل الاحترام والتقدير.
-
الهويّة وأقنعتها في جدل “بوجلود”: من يكسب حق تعريف المغرب؟
أتابع الجدل المتجدد حول مهرجان “بوجلود” بالمغرب، ولأنني تعلمت من سنوات تكويني الجامعي في الأنثربولوجيا أن أتوخّى الفهم أولاً قبل الحُكم على أي ظاهرة اجتماعية، فكل تدوينة، وكل شريط، وكل تعليق على صفحات التواصل الاجتماعي يشد انتباهي، كأن الظاهرة في كليتها متوقفة عليه.
ذلك لأني أفهم أن التصورات والمعاني التي يعطيها الفاعلون الاجتماعيون للظواهر، ولنشاطهم الاجتماعي، مهما بدت “سخيفة” و”واهمة” و”لا معقولة”، قد أثبتت، في غير قليل من المناسبات، أنها ذات قوة فاعلة لا تقل تأثيراً عن الحقيقة الموضوعية المحضة. ولذلك فإن تفاعل المغاربة مع مهرجان بوجلود هذه الأيام، لا يخلو من دلالات على المناخ الثقافي والسياسي السائد في البلاد.
حضرت “بوجلود” في قرية إمليل بالحوز منذ بضع سنوات، ولم أرَ هناك سوى حفلة تنكرية بسيطة تُخرج شباب القرية للهو والرقص والغناء، وتمنحهم ملاذاً ترفيهيا من ضنك الحياة اليومية. كان المُقنَّعون يمتهنون، من بين أمور أخرى، نوعاً من “التسول المقنع” أيضاً، إذ يقبلون أي هدية نقدية كانت من المشاركين بحبور، ويتقربون من الأكثر كرماً بينهم، ويخصونهم بمعاملة استثنائية، فلا يجلدونهم بالسوط ولا يطاردونهم…
لا أطمح في هذا المقال لتأويل الظاهرة في حد ذاتها، فأنا لم أعاينها عن قرب لمدة كافية من الزمن، ولستُ متسلحاً نظرياً لأسبر أغوارها أكثر مما فعل عبد الله حمودي في “الأضحية وأقنعتها”. ما سأحاول فعله هو الحفر في المعاني الجديدة التي أصبح المهرجان السنوي يكتسي بها، خصوصاً في صفوف من لا يشاركون فيه، ويحاكمونه عن بعد، وهي معانٍ أزعم أنها مُتأثرة بالمناخ الثقافي والسياسي في البلاد، وحتى بما يجري من حولها.
دعونا نبدأ بوصف ردود أفعال “المعترضين” على بوجلود؛ يُمكن ملاحظة أنها لا تخرج عن ثلاثة مسوغّات كبرى؛ الأول ذو طبيعة جمالية، فالألبسة التي تُرتدى خلال المهرجان، والمكونة من جلود الماعز والخراف المنحورة خلال عيد الأضحى، خاصة في شكله التقليدي دون إضافات عصرية، قد تُوصف بالقبيحة، انطلاقاً من معايير الموضة العصرية.
أما الثاني فهو اعتراض ذو طابع جندري، إذ يرى بعض المُعلقين على المنصات الاجتماعية أن بعض “الانحرافات” و”البِدع” المستحدثة في المهرجان، على غرار استخدام الماكياج وارتداء الشعور المستعارة المسبلة، “تؤنّث” أو “تخنِّث” الذكور المشاركين وتطمس رجولتهم.
وأما الانتقاد الثالث، وهو الأكثر شيوعاً، فمتعلق بالطبيعة “الشِركية” لهذا المهرجان، وما ينطوي عليه من ممارسات وطقوس ورموز تحيل على الجن، وعلى الأرواح والآلهة الوثنية، وغير ذلك من الأنماط الدينية التي شجبها الإسلام.
الحقيقة أن هذا التوصيف، أي “الشِرك”، ذو دلالة قدحية، ويُعتبر، بمنطق العلوم الاجتماعية، حكم قيمة، لكنه لا يخلو من بعض الصواب، إذا عرّفنا الشرك بكونه “إشراك آلهة أو كيانات مقدسة أخرى العبودية مع الله الواحد”، وهو تعريف ينطبق تماماً على الأديان الوثنية التي تتميز بتعدد الآلهة والاعتقاد في الأرواح…
ويمكن تعزيز هذا الطرح بما أورده إدوارد فيسترمارك، وهو عالم أنثربولوجيا فنلندي عاش في المغرب بضع سنوات ودرس طقوس شعبه ومعتقداته في مستهل القرن العشرين، إذ شدد في كتابه “البقايا الوثنية في الحضارة المحمدية” (Pagan survivals in Mohammedan civilisation) على أن التديّن الممارس في المغرب يختلف كثيراً عن الدين الرسمي المدوَّن في الكتاب والسنة والتفاسير…، مُبرزاً أن المغاربة يُمارسون خليطاً من الطقوس والمعتقدات التوحيدية الإسلامية، لا تخلو من بقايا وثنية من حقب ما قبل الإسلام، والتي يتداخل فيها الدين والسحر.
من جملة ما يمكن استنتاجه من أطروحة فيسترمارك هذه، أن الشخصية الدينية والثقافية المغربية هي شخصية مُتعددة الأبعاد، هجينة الثقافات، بها طبقات متعددة قد تكون غير منسجمة لكنها متعايشة، وبالتالي فهي لا تقتصر على المُكوّن الإسلامي فحسب، رغم كونه مهيمناً عليها ويحتل طبقة عُليا.
من هذا المنظور، يُمكننا افتراض كون الصراع حول مشروعية بوجلود اليوم يُعد تعبيراً اجتماعياً عن هذا التوتر الثقافي بين مفاهيم متضاربة ظلت متعايشة إلى غاية اليوم، لكنها تنحو شيئاً فشيئاً نحو الاستقلال بذاتها والبروز وطرح أجوبتها الخاصة عن أسئلة كبرى متعلقة بالهوية، وبالنقطة التي يفترض أن ينطلق منها تاريخ المغرب، وبشأن مكانة الدين في الفسيفساء الثقافية المغربية، وحول “حدود الثقافة”، وهل يمكن اعتبارها كياناً ثابتاً أم متحولاً بفعل الزمن؟
فجزء من مناهضي المهرجان مُتخوفون ضِمنياً من هذه الأسئلة المتعبة، التي تُعرّض “الحتمية الثقافية” المريحة التي يؤمنون بها لهزة عنيفة، وهي التي تقوم على انتساب المجتمع المغربي لهويته الدينية الإسلامية، وذلك في حال انتشار المظاهر الثقافية غير الإسلامية، وقبولها على نطاق واسع، ومزاحمتها إياها، إذ لا نغفل أن بوجلود يتزامن مع شعائر عيد الأضحى في تجلٍ واضح للتعايش المُتوتر.
(الخطر) على هذا “اليقين الثقافي” كبير لصعوبة نقد هذا النوع من المظاهر غير الإسلامية باعتبارها غريبة أو وافدة من الخارج أو مبتدعة… كما يحدث عادة حين يتعلق الأمر بالثقافات الغربية المُعولمة مثلاً، ذلك أن الأولى تتمتع بحصانة تاريخية وبمشروعية العراقة؛ “مارس أجدادنا بوجلود قبل وصول العرب المسلمين من الصحراء”، يقول أحد المعلّقين بشراسة، فيحصد عشرات التفاعلات المؤيدة.
يصبح الأمر أوضح فعلاً حين نتجه ناحية المنافحين عن المهرجان الذي، وبعدما ظل هامشياً وشِبه مُهمل في القرى النائية لقرون طويلة، أصبح يتخذ زخماً متزايداً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً لا فقط بالرغبة في الحفاظ على الموروث الثقافي، بل أيضاً برفض ضمني لمبدأ الثقافة الواحدة، وللهيمنة والحتمية واليقين الثقافي.
المهرجان لم يعد في خارطة أنصاره الفكرية مجرد فرجة شعبية، أو ظاهرة فنية بريئة من الإديولوجيا ومن التدافع الفكري والسياسي، بل بات يُستثمر كشكل احتجاجي مُخاتل ضد الهيمنة الثقافية، ومناسبة سنوية لتمرير رسائل مفادها بأن “الثقافة الإسلامية لا تعني كل المغاربة”، أو على الأقل أنها “جُزء لا كل” من نسيج ثقافي مُتنوع تحضر فيه مكونات أخرى، أو أن هنالك مغاربة يحتل عندهم الإسلام مرتبة ثانوية لا تؤهله لمنعهم من استحضار تاريخ عريق سابق له.
يكف بذلك الجدل حول “بوجلود” عن كونه مجرد اختلاف ذوقي أو نقاش فني أو حتى ديني حول الحرام والحلال في مظاهر فرجة شعبية، بل يُصبح واجهة للتداول بشأن أسئلة أكبر متعلقة بالهوية، والتاريخ، والثقافة، ومعتركاً، من بين معتركات أخرى، للتباري والتنافس حول من يَملك حق تعريف الهوية المغربية، والإجابة عن سؤال “من أين يبدأ تاريخ المملكة؟”، و”ما مكانة الدين ضمن الخارطة الثقافية للمغاربة؟”.
-
منتخب يهين ملايين المغربيات بكلمات صادمة تمس الكرامة والشرف
العرائش نيوز:
الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجةليست كل الجرائم ترتكب بالأيدي، فبعضها يرتكب بالكلمات، وبعض الكلمات قد تكون أكثر عنفا وإيلاما من الأفعال نفسها، خصوصا حين تصدر عن شخص يفترض فيه أن يمثل المواطنين ويحترم كرامتهم وقيم المجتمع والدستور.
فما تضمنه الفيديو المتداول لأحد المستشارين الجماعيين بمدينة طنجة من خطاب صادم يحمل كما هائلا من التحقير والإهانة والقذف في حق المرأة العاملة، عبر عبارات مست كرامتها وشرفها وصورتها داخل المجتمع، واختزلت المرأة المغربية التي تكافح يوميا داخل الإدارات والمؤسسات والمقاولات والمستشفيات والمحاكم والمدارس في…