Catégorie : رآي

  • إجبار طفل على شرب الخمر وتصويره: جريمة تهز الضمير الإنساني وتضع حماية الطفولة أمام اختبار حقيقي

    العرائش نيوز:

    الاستاذ ابراهيم الحداد
    محام بهيئة طنجة

    مرة أخرى نجد أنفسنا أمام واقعة صادمة تختزل جزءا مرعبا من التحول القيمي الذي بدأ يتسلل إلى المجتمع، مجموعة من الراشدين يحيطون بطفل صغير، يدفعونه إلى شرب الخمر، يضحكون، يصورون، ثم ينشرون المشهد وكأن إذلال طفولة بريئة أصبح مادة للترفيه وحصد المشاهدات.
    إن ما وثقه الفيديو المتداول لا يثير فقط الغضب الأخلاقي والإنساني، بل يطرح أيضا أسئلة قانونية عميقة حول المسؤولية الجنائية، وحدود الردع، ودور النيابة العامة في مواجهة أفعال لم تعد مجرد انحرافات فردية، بل مؤشرات مقلقة على تطبيع العنف الرمزي والنفسي ضد…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • في ليلة حبست الأنفاس… أشبال الأطلس يخسرون حملة الدفاع عن لقب « الكان » بركلات الحظ

    العلم الإلكترونية – هشام الدرايدي 
      تبخر حلم التأهل إلى المشهد الختامي لنهائيات كأس أمم إفريقيا لأقل من 17 سنة لأشبال الأطلس، بعد سقوطهم المرير بركلات الترجيح أمام نظيرهم السنغالي، في مواجهة نارية ومثيرة احتضنتها أرضية ملعب مولاي الحسن بالرباط لحساب دور نصف النهائي، وانتهت في وقتها الأصلي بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله.   وكان المنتخب السنغالي سباقا لافتتاح حصة التسجيل وفرض أسلوبه، ليدخل أشبال المغرب في سباق مع الزمن لتدارك الخسارة وهو ما تأتى بعد محاولات جهيدة لتعديل الكفة، في الأنفاس الأخيرة من اللقاء، حيث نجح « العود » في خطف هدف التعادل القاتل في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني من علامة الجزاء، ليطلق فرحة عارمة في المدرجات التي غصت بالجماهير، ويدفع بالحكم إلى إعلان التوجه مباشرة إلى مرحلة شد الأعصاب عبر ركلات الحظ الترجيحية.   وعلى الرغم من التألق الخرافي للحارس المغربي اليعقوبي، الذي ارتدى قفاز الحراس الخرافيين ونجح في صد ثلاث ركلات ترجيحية للخصم، فإن الفتيان لم يفلحوا في الحفاظ على هذه الأفضلية الثمينة، بعدما أهدر مسددو الأشبال عددا من الركلات التي كانت كفيلة بنقل المغرب إلى النهائي لمواجهة المنتخب التنزاني.   وبهذه الخسارة الدراماتيكية، عاند الحظ أصدقاء « الرباج » في هذه النسخة ليفقدوا رسميا فرصة الدفاع عن لقبهم القاري، مكتفين بخوض مباراة الترتيب لتحديد المركز الثالث في مواجهة كلاسيكية عربية أمام المنتخب المصري، في حين ضرب أشبال « التيرانغا » موعدا في النهائي مع المنتخب التنزاني الطامح بدوره لكتابة سطر جديد في « كان » الفتيان.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • محددات لفهم عمق الأزمة بين إيران وأمريكا

    تمهيد

    تُعدّ العلاقة بين إيران والولايات المتحدة واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا واستمرارية في التوتر منذ نهاية القرن العشرين. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، لم تنجح محاولات التهدئة أو الاتفاقات الدبلوماسية في تحويل هذه العلاقة إلى مسار مستقر، رغم وجود لحظات تقارب مهمة، أبرزها الاتفاق النووي عام 2015. هذا التذبذب بين التصعيد والانفتاح يعكس أن الأزمة ليست مجرد خلاف سياسي ظرفي، بل هي نتاج تداخل عميق بين التاريخ والجغرافيا والأمن والاقتصاد، إضافة إلى تباين في تصور كل طرف لموقع إيران في النظام الإقليمي والدولي. لذلك فإن فهم هذه الأزمة يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تأخذ في الاعتبار التجربة التاريخية، والوقائع السياسية، والانعكاسات الاقتصادية، والاتجاهات المستقبلية الممكنة.

    الجذور التاريخية والاستراتيجية للسلوك الإيراني

    لا يمكن فهم السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة بمعزل عن العمق التاريخي للدولة الإيرانية. فإيران ليست كيانًا سياسيًا حديث النشأة، بل دولة ذات امتداد حضاري تشكّل عبر قرون من التفاعلات الإقليمية والصراعات الجيوسياسية. هذا الامتداد جعل من فكرة الاستقلال والسيادة عنصرًا محوريًا في التفكير السياسي الإيراني، بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم.

    وقد تعزز هذا التصور بفعل تجارب تاريخية حساسة، مثل التدخلات الروسية والبريطانية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ثم الانخراط الأمريكي المباشر وغير المباشر في شؤون المنطقة خلال الحرب الباردة. هذا الإرث يفسّر إلى حد كبير تمسك إيران اليوم بسياسات الردع، سواء عبر تطوير قدرات صاروخية أو عبر بناء شبكات نفوذ إقليمية تمتد إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، باعتبارها أدوات لضمان العمق الاستراتيجي ومنع العزلة.

    المقاربة الأمريكية بين الاحتواء والتصعيد

    في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى إيران باعتبارها فاعلًا إقليميًا يسعى إلى تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط. وقد تعزز هذا التصور بعد الثورة الإسلامية، خاصة مع الخطاب السياسي الإيراني المناهض للهيمنة الأمريكية، ودعم طهران لعدد من القوى غير الحكومية في المنطقة.

    تجلى هذا التوتر بشكل واضح في الملف النووي. ففي عام 2015 تم التوصل إلى الاتفاق النوويبين إيران والقوى الكبرى، والذي نص على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلًا، إذ انسحبت منه الولايات المتحدة عام 2018 في عهد إدارة دونالد ترامب، وأعادت فرض سياسة “الضغط الأقصى” عبر عقوبات اقتصادية واسعة النطاق. هذا التحول أعاد العلاقات إلى مربع التوتر، بل دفع إيران إلى تقليص التزاماتها النووية تدريجيًا.

    توضح هذه التجربة أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تتأرجح بين الانفتاح المشروط والضغط الصارم، دون الوصول إلى إطار مستقر طويل الأمد، ما يعكس غياب إجماع داخلي أمريكي حول كيفية التعامل مع طهران.

    البعد الاقتصادي للعقوبات وتداعياتها

    لا يمكن فصل الأزمة الإيرانية الأمريكية عن الاقتصاد، إذ أصبحت العقوبات الاقتصادية إحدى أهم أدوات الصراع بين الطرفين. فقد أدت العقوبات المفروضة على إيران، خاصة بعد عام 2018، إلى تراجع كبير في صادرات النفط، وتدهور قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الاستثمارات الأجنبية.

    انعكست هذه الضغوط بشكل مباشر على الحياة اليومية داخل إيران، حيث واجه الاقتصاد تحديات في توفير العملات الأجنبية، وتراجع القدرة الشرائية، وتباطؤ النمو في قطاعات رئيسية. كما أثرت الأزمة على القطاع المصرفي الإيراني وعلاقته بالنظام المالي العالمي، ما حدّ من قدرة البلاد على الاندماج في الاقتصاد الدولي.

    لكن في المقابل، دفعت هذه العقوبات إيران إلى تطوير شبكات اقتصادية بديلة، وتعزيز العلاقات مع شركاء مثل الصين وروسيا ودول في آسيا، إضافة إلى توسيع الاقتصاد غير الرسمي. وعلى المستوى العالمي، ساهمت الأزمة في التأثير على أسواق الطاقة، خصوصًا كلما تصاعد التوتر في الخليج أو تراجع تدفق النفط الإيراني.

    الأزمة في ضوء التحولات الإقليمية والدولية

    تتطور الأزمة بين إيران والولايات المتحدة اليوم في سياق دولي أكثر تعقيدًا من السابق. فالنظام الدولي لم يعد أحادي القطبية كما كان في التسعينيات، بل أصبح أكثر تعددًا مع صعود الصين وعودة روسيا كلاعبين مؤثرين، وتراجع نسبي في الانخراط الأمريكي المباشر في بعض مناطق الشرق الأوسط.

    هذا التحول يمنح إيران هامش حركة أوسع في بناء تحالفات متعددة الاتجاهات، لكنه في الوقت نفسه يرفع من مستوى عدم اليقين في المنطقة. كما أن الأزمات الإقليمية المتداخلة، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في البحر الأحمر والخليج، تجعل من الملف الإيراني جزءًا من شبكة أوسع من التوازنات الدولية.

    أما على مستوى السيناريوهات المستقبلية، فيمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:

    • مسار التصعيد المحدود:استمرار العقوبات والتوترات مع تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مع بقاء سياسة “الردع المتبادل” هي الإطار الحاكم.
    • مسار التفاوض الجزئي:العودة إلى اتفاقات مرحلية مشابهة للاتفاق النووي، تركز على الملف النووي مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات دون حل شامل.
    • مسار الانفجار الإقليمي:وهو أقل احتمالًا لكنه قائم، ويتمثل في مواجهة عسكرية غير مباشرة أو مباشرة نتيجة تصعيد في الخليج أو انهيار كامل لقنوات التواصل.

    في جميع هذه السيناريوهات، يظل العامل الحاسم هو قدرة الطرفين على إدارة الخلاف دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وهو ما يبدو حتى الآن الخيار الأكثر واقعية رغم هشاشته.

    خاتمة

    تكشف الأزمة بين إيران والولايات المتحدة عن صراع متعدد المستويات لا يمكن اختزاله في بعد واحد. فهي في آن واحد صراع تاريخي مرتبط بذاكرة التدخلات والنفوذ، وصراع استراتيجي حول الأمن الإقليمي، وصراع اقتصادي تتداخل فيه العقوبات مع أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وصراع سياسي-أيديولوجي يعكس اختلاف الرؤى حول النظام الدولي.

    ورغم فترات التهدئة المحدودة مثل الاتفاق النووي عام 2015، ثم عودة التصعيد بعد 2018، فإن العلاقة بين الطرفين ما تزال محكومة بمنطق إدارة الأزمة بدل حلها. وفي ظل التحولات الدولية والإقليمية الراهنة، يبدو أن مستقبل هذه العلاقة سيبقى مفتوحًا على مزيج من التوتر والتفاوض، دون حسم نهائي قريب، مع استمرار البحث عن توازن هش يمنع الانفجار دون أن يحقق الاستقرار الكامل.

    إنهاء عقود طويلة من انعدام الثقة والصراع المتبادل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لمصر الريادة أو ما يزيد بزيادة

    القاهرة : مصطفى منيغ

    مهما تغيَّرَت عواصم كُبْرَى عبر العالم تظل القاهرة كما هي شكلاً ومضموناً ، حاضنة في حنان صادقٍ المنتسبين لها يومه كالماضي قروناً ، كبُرت مساحة أو ازدحمت بشراً تبقَى السيِّدة ما زادتها سِنيناً ، تجاعيد الزمن ولا نقصت من نضارتها حُسْناً  ، تعانقني اليوم كعهدي بها زمناً ، ما نسيتُه ولا نسيَت حباً مُتبادَلاً أميناً ، يظل بين يدي إرادة مبادئ صاحبها الإخلاص يقيناً ، إذ مِن صلب العروبة تعلَّم الوفاء واصطفى الصفاء ونوَّرَ فكره ليتخذ كل جميل موطناً ، ولينعم بموقف حَقٍ لا يخشًى إن أغضَبَ باطلاً اختار غير بلده الأصلي مصر مَسْكَناً ، لقفته غيرة أجانب لهم رغبة تمزيق وحدة مَن علَّمت قبل ميلاد أجداد أجدادهم أنساناً ، كيف يحيا متحضِّراً مَالِئَ بيئته زَرْعاً وعُمْرَاناً . القاهرة لم تعد مدينة لمصر وحدها وطنا ، بل للعالم لعظمة إنجابها أسلوبا للعيش من اللاشيء أحياناً ، للصبر معدنه وللإصرار شرفه وللإقدام إرادته ولكل رغبة اكتساب ما ترمي إليه فتبقيه للشدة محفوظا مُصاناً ، تواجه الأزمات الكونية بالتلاحم مع الواقع المحلي كتضامن تلقائي  يلفها حزاماً حَصِيناً ، ومع الرخاء تطلع بحسنات البناء الفكري تفضيلا للتزود بالعلم وما ترقى بالذوق الجماعي مادام لها مع الاستيعاب في الهواء الطلق فنوناً ، غير منتظرة ما تجود عليها برامج تلقن المحدود لسياسة مقصودة من يتخطاها يُعتبَر مجنوناً ، لكن للقاهرة عقل محفوف بعناية الخالق من دخل للنهل من معرفته بقي على حاله وما يملك آمناً ، وازنا القضايا الجوهرية كالأمور السطحية بما يترك الأثر الطيب وأبعاده المتداولة بهدوء لا يقبل لتأويله طنيناً .        

    … لأتناول في البدء الاطلاع على جديد أدب هده الديار العاملة جهدها بالإبقاء على مستلزمات ركائز العروبة لغوية كانت أو ما يُشيَّد بأبجديتها المميزة نثراً أو شعراً ، فوجدت مَن مدني حيث أقيم بديوان عنوانه “صرخة الناي الأخيرة”، ما ان أنهيت من قراءة إحدى قصائده وشدني الأسلوب الذي عبرت به الشاعرة مؤلفة الديوان عن أحاسيسها الخاصة ، حتى اتصلت بها عارضاً عليها إجراء لقاء صحفي أتمكن من خلاله دراسة هذا المنتوج الشعري الجديد المصبوغ بلون تعبيري غير مسبوق مضاف لتقنيات الشعر الحر المعاصر ، فلبت الدعوة مشكورة لتصرح لي بما يلي :

    “اسمي أديبة عبد الحميد السخاوي خريجة علوم سياسية ، بدأت رحلتي المهنية في مجال الصحافة قبل أن أنتقل إلى العمل في العلاقات العامة ، ثم عدت مجددًا إلى الصحافة من خلال كتابة المقالات الإلكترونية، استمرارًا لشغفي القديم بالكلمة والتحليل والكتابة.

    تعَود محاولاتي الأولى في الكتابة إلى عمر الثانية عشرة، حيث بدأت علاقتي المبكرة بالأدب، والتي تطورت لاحقًا إلى اهتمام بالقصة القصيرة والشعر. لديّ روايتان غير منشورتين، كما صدر لي ديوانان شعريان هما : «صرخة الناي الأخيرة» و«أُحجية الجسد والظلال»*، وأعمل حاليًا على إصدار ديواني الثالث . أكتب الشعر الحديث، لأنه الأقرب إلى طبيعتي الشعورية وإلى الطريقة التي أرى بها العالم وأعبر عنه ، إذ يمنحني مساحة أوسع للبوح والتأمل والتقاط التفاصيل الإنسانية. وأحضر حاليًا لدرجة الماجستير في الشؤون السياسية والدبلوماسية ، في امتداد لاهتمامي بالسياسة والعلاقات الدولية إلى جانب انشغالي الأدبي والثقافي.

    وبحكم انتمائي إلى مدينة الإسكندرية، كان للبيئة الثقافية والفنية التي نشأت فيها أثر كبير في تشكيل وعيي وصقل تجربتي الإبداعية، بما تحمله المدينة من تاريخ ثقافي وروح فنية خاصة.”

    … وجدت الأستاذة الشاعرة أديبة السخاوي ملمة ومتابعة بانتظام مقالاتي المنشورة عبر منابر إعلامية مصرية لها حضور وازن ومميز ، لتقول عن شخصي المتواضع وبالحرف الواحد ما يلي:

    “يُعد الأستاذ الدكتور مصطفى منيغ واحد من الأصوات الفكرية والصحفية التي استطاعت أن تفرض حضورها من خلال الكلمة الصادقة والرؤية الواضحة ، فهو كاتب يغوص في أغوار الحقيقة دون مواربة ، ويؤمن بان للكلمة رسالة ومسؤولية تتجاوز حدود المجاملة أو المواقف العابرة . ما يلفتني في كتاباته جرأته في طرح القضايا وتمسكه بمواقفه الفكرية والإنسانية ، إذ لا يخشى في قول الحق لوامة لائم ، ويكتب دائما من منطلق ضمير حي وانحياز واضح للعدل والكرامة الإنسانية

    تعكس مقالاته الصحفية المنشورة عبر منصات متعددة من بينها فسبوك حالة من الوعي العميق بألام وطنه وأوجاع أمته العربية حيث يتناول القضايا السياسية والاجتماعية بروح نافذة وحس أنساني واضح ،  كما يمتلك أسلوبا يجمع بين قوة الفكرة وصدق التعبير ما يجعل كتاباته فريبة من القارئ وقادرة على إثارة التأمل والتفاعل ، وبرأيي حضوره الثقافي لا يقتصر عن كونه كاتبا صحفيا ، بل يمثل نموذجا للمثقف الذي يرى في الكلمة موقفا وفي الكتابة فعلا من أفعال المقاومة والوعي” . (للمقال صلة)

    (الصورة للأستاذة الشاعرة أديبة السخاوي)

     

      مصطفى منيغ

    Mustapha Mounirh

    212770222634

    [email protected]

    https://zaman-tetouan.blogspot.com

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نهضة الدولة وبطء الخيال


    إدريس القُرّي

    تعيش المملكة المغربية، منذ العشريات الأخيرة، نهضة استراتيجية لا تخطئها العين. لا تتحرك الدولة اليوم بمنطق ترميم الأعطاب اليومية فقط، بل تتحرك بمنطق بناء موقع جديد في العالم. شيدت الموانئ والطرق والقطارات والمطارات والمستشفيات والجامعات، ووسعت حضورها الإفريقي والأطلسي سياسيا واقتصاديا وثقافيا، واستثمرت في الطاقات المتجددة وفي التكنولوجيات الدقيقة بصمت وحكمة، كما فتحت آفاق صناعات حديثة استراتيجية للمستقبل وللاستقلالية والاكتفاء. وعلاوة على ذلك فقد نجحت المملكة المغربية دبلوماسياً في تثبيت مكاسب كبرى حول قضيتها الوطنية الأولى وهي قضية الصحراء المغربية. وانطلاقا من كون الثقافات والفنون قامت وتقوم بدور جد مهم، في السياسات التنموية وفي المعارك الاستراتيجية التي تنخرط فيها الدول القوية والصاعدة عالميا، فإن صعود المملكة المغربية العالمي اليوم يفرض علينا سؤالاً ثقافياً لا يقل أهمية عن سؤال الاقتصاد والسياسة:

    هل تتحرك السينما المغربية بالسرعة نفسها التي تتحرك بها القطاعات الكبرى المغربية؟ وهل تملك صورة المغرب سينمائيا نفس القوة التي تملكها بنياته التحتية ودبلوماسيته الذكية وصناعاته الناشئة المفكر فيها؟

    لا نطرح هذا السؤال كي نجلد الذات وإنما كي نحترمها. فالمملكة المغربية التي تتقدم في الجغرافيا السياسية، لا يمكن أن تقبل صورة ثقافية متعثرة ومترددة وترقيعية وتجزيئية رغم بعض الإشعاعات التي تظهر وتختفي مثل “ثعلب محمد زفزاف”. لا يمكن للمملكة المغربية التي تفاوض العالم بثقة، أن تكتفي بسينما تظهر في مهرجان وتختفي عن جمهورها. وحين يقول جوزيف ناي إن “القوة الناعمة تقوم على القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين” (Joseph Nye, Soft Power, 2004)، فإنه يضع الثقافة في قلب السياسة لا في هامشها. وهنا يصبح الفيلم المغربي أكثر من شريط يعرض في قاعة، إنه أداة معنى ووسيلة حضور وجسر بين البلد وصورته في عيون الآخرين.

    من الفيلم إلى القوة الرمزية

    عرفت السينما المغربية خلال الثلاثين سنة الأخيرة، حركية لا يجوز إنكارها. فقد أنتجت أفلاماً مهمة فتحت جروحاً اجتماعية ورافقت أسئلة المرأة والهامش والمدينة والهجرة والعائلة والسلطة والذاكرة. حملت أسماء مغربية أفلامها إلى “كان” و”برلين” و”البندقية” و”تورونتو” ومهرجانات عربية وإفريقية وأوروبية. وقد فرضت مخرِجات ومخرجون وممثلات وممثلون حضوراً مغربيا لافتاً من فريدة بليزيد إلى الجيلالي فرحاتي، ومن فوزي بنسعيدي إلى نبيل عيوش، ومن نرجس النجار إلى مريم التوزاني وأسماء المدير وكمال لزرق وغيرهم، نفس الشيء يمكن قوله عن ممثلات وممثلين تألقوا براية المملكة. لكن السؤال لا يقف عند جمال هذه التجارب، بل يتجاوزها إلى بنية أكبر:

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} هل تحولت النجاحات الفردية إلى قوة وطنية منظمة؟

    يذكرنا السيسيولوجي الفرنسي بيير بورديو بأن “السلطة الرمزية هي سلطة بناء الواقع” (Pierre Bourdieu, Language and Symbolic Power, 1991). ولهذا لا يكفي أن نصنع أفلاماً متفرقة، وإنما واقعاً رمزياً مغربياً يستطيع أن ينافس، ليس بالصخب وإنما بالعمق كما هي أفلام بيدرو ألمودوفار أو كين لوتش أو ديفيد لينش إلخ. لا تنقل السينما الواقع بطريقتها فقط، بل إنها تعيد ترتيبه في الوعي البشري بشكل فريد وإبداعي. وحين ينظر العالم إلى بلد ما عبر أفلامه، فإنه لا يرى الحكاية وحدها، وإنما يرى نظام قيمٍ وإيقاع مدينة ووجهاً إنسانياً معبرا بفرادة، كما يرى شكلاً للمرأة لا يشبه سوى هوية خاصة ومعنى للبيت ينفرد بهندسته وبخيمياءَ خاصةٍ، وأخيرا فإنه يشاهد صورةً للمستقبل.

    لنصنع خيالنا قبل طلب الاعتراف

    لم تصعد السينما الأمريكية لأنها كانت تملك كاميرات كثيرة فقط، بل لأنها جعلت الكاميرا امتداداً لمشروع حضاري وسياسي واقتصادي. صنعت هوليوود الحلم الأمريكي قبل تصديرها الجامعات والشركات والقواعد العسكرية. حولت البيت والشارع والسيارة والجامعة والجيش والمدينة في أمريكا الطموح إلى علامات عالمية. لذلك لم تعد الولايات المتحدة تبيع أفلاماً فقط، بل غدت تبيع أسلوب عيش كاملاً يعادل في قوته قوة جيوش استثنائية “التسليح”. وحين يقول مارتن سكورسيزي إن “السينما هي مسألة ما نضعه داخل الإطار وما نتركه خارجه” (Martin Scorsese, Scorsese on Scorsese, 1989)، فإنه يكشف جوهر السلطة السينمائية:

    من يختار الإطار يختار معنى العالم.

    فهمت فرنسا، بدورها، مبكراً أن السينما سياسة ثقافية قبل أن تكون صناعة ترفيه. فقررت استراتيجيا حماية القاعة ودعم الإنتاج والدفاع عن الاستثناء الثقافي، كما ربطت الفيلم باللغة والهوية والمدرسة والنقاش العمومي. لا يعني ذلك أن خلو النموذج الفرنسي من الأزمات، بل يعني أن الدولة التي تحترم صورتها لا تترك سينماها وحيدة أمام السوق، سوق الكبار بامتلاكهم للتكنولوجيات وللتأهيل التقني ولشبكات التوزيع ولمركبات صناعة نجوم “حقيقيين”.

    أما الصين،

    فقد قرأت السينما باعتبارها جزءاً من صعود وطني شامل. بنت عشرات آلاف الشاشات والقاعات ووسعت مجالات الجماهير، كما ربطت الفيلم بالسردية الوطنية وبالتكنولوجيا والخيال التاريخي الوطني بصرامة وبسخاء أيضا.

    دفعت كوريا الجنوبية المثال أبعد بحيث أنها لم تدعي القوة أمام العالم، بل جعلت العالم يتابع موسيقاها ومسلسلاتها وأفلامها ولغتها ووجوه ممثليها بحذق وهدوء وصمت وعمل متواصل مفكر فيه. لم يظهر فيلم مثل Parasite فجأة، بل خرج من تراكم مؤسسات وملائمة التكوين في مدارس، وأسواق منظمة وبراغماتية، وكذا من سياسة ثقافية ذكية تعرف أن المحلي لا يصير عالمياً إلا إذا امتلك عمقه الخاص وكفاءاته الوطنية واتبع استراتيجيات عمل مفكر ومخطط له بحكمة المملكة المألوفة.

    بين موقع تصوير كبير وصاحب حكاية كبرى؟

    تملك المملكة المغربية كل ما يجعل منها قوة سينمائية طبيعية: الصحراء والبحر وجبال الأطلس والمدن العتيقة والقرى المتنوعة الساحرة والموانئ المتعددة وذاكرة أندلسية فريدة، ناهيك عن عمارة أمازيغية رفيعة وامتداد إفريقي بصيغة الجمع، ينضاف لما سبق القرب الأوروبي وتعدد اللغات والملامح والإيقاعات. لهذه الأسباب نستقبل الإنتاجات الأجنبية التي تعتبرنا فضاء مدهشاً لتصوير الأفلام والمسلسلات. غير أن هذا النجاح يخفي مفارقة جارحة: فنحن نستضيف كاميرات الآخرين أكثر مما نفرض كاميرتنا الخاصة. نصير أحياناً خلفية جميلة لحكايات غيرنا، بينما تبقى حكاياتنا الوطنية في حاجة إلى قوة سردية أكثر جرأة وشجاعة وذكاء وسيطرة على أدوات التعبير السينمائي:

    يتعلق الأمر من وجهة نظر استراتيجية بغياب رؤية بنيوية للقطاع، وبإشراف وتدبير يحمل مشروعا متكاملا ممتدا في زمن محدد الغايات والأهداف، لا تشوبه شائبة مؤقت أو طارئ أو عابر

    قال أندريه مالرو إن “الفن تمرد على القدر” (André Malraux, Les Voix du silence, 1951)، والسينما المغربية تحتاج اليوم إلى هذا المعنى: تحتاج أن تتمرد على قدر الصِّغر وقدر الاحتفال العابر وقدر السوق الضيق، والتمرد على قدر الاكتفاء بظهور موسمِيٍّ في المهرجانات. لا ينقص المملكة المغربية جمال الصورة وإنما ينقصها أحياناً تنظيم القوة التي تجعل هذه الصورة سياسة ثقافية مستمرة، ولا ينقصها مخرجون، من عيار “المايسترو” المسيطر فعليا وعمليا على أدواته، بل ينقصها أيضا ذلك الجسر الصلب بين، المخرج والكاتب والمنتج والقاعة والمدرسة والجمهور والنقد والمنصة الرقمية والأرشيف.

    الأرقام لا تكذب لكنها لا تكفي وحدها

    حقق المغرب أرقاماً إيجابية نسبياً في الإنتاج والعرض خلال السنوات الأخيرة. تحدثت حصيلة المركز السينمائي المغربي عن إنتاج 34 فيلماً طويلاً سنة 2023، وعن 81 شاشة نشطة، كما سجلت القاعات سنة 2024 حوالي 2.18 مليون دخول ومداخيل تقارب 127.65 مليون درهم. باعتبار ما وراء الأرقام حيث تكفي القسمة على عدد السكان الذي يقارب أربعين مليون نسمة – تبدو هذه المؤشرات مشجعة إذا قارناها بمرحلة الانكماش، لكنها تصبح محدودة جداً إذا وضعناها أمام طموح بلد يريد أن يصعد إلى جوار القوى الصاعدة اقتصادياً وتكنولوجياً وسياسياً وثقافيا. فبلد يقترب سكانه من أربعين مليون نسمة لا يستطيع أن يطمئن إلى مليوني دخول سنوي فقط. وبلد يراهن على الدبلوماسية الرياضية والثقافية والسياحية لا يستطيع أن يرضى بشبكة قاعات محدودة، وبمدن واسعة بلا فضاءات عرض حقيقية.

    لا تكفي “كثرة” – أي كثرة هي حققناها؟ – الإنتاج إذا بقي الجمهور بعيداً. ولا يكفي أن ننتج فيلمين في الشهر إذا اختلفت المستويات بحدة، وإذا خرج الفيلم من “لجنة الدعم” – مُعضلة حقيقية لا بد من مراجعة نظامها جذريا – إلى مهرجان محدود ثم نام في الأرشيف. لا تستقيم الصناعة السينمائية نفسها بعدد الأفلام وحده، بل تتم بسلسلة كاملة: كتابة وتطوير وتمويل وتصوير ومونتاج وتوزيع ونقد وقاعة وجماهير ومدرسة ومنصة ثم ذاكرة، وقد قال سيرغي آيزنشتاين منذ البدايات الأولى للصناعة السينمائية إن “المونتاج فكرة تولد من تصادم اللقطات المستقلة” (Sergei Eisenstein, Film Form, 1949)، ويمكن أن نقول، قياساً على ذلك، إن الصناعة السينمائية فكرة تولد من تصادم مؤسسات كثيرة، وليس من كاميرا وحيدة.

    فتنة الجائزة وخطر الوهم

    يفرح المغاربة – وكلنا مغاربة – حين يفوز فيلم وطني بجائزة في “كان” أو “برلين” أو غيرهما ويحق لهم أن يفرحوا. فالجوائز تعترف بالموهبة وتفتح أبواباً لانخراط أكثر في الانتاج وتمنح الفيلم حياة دولية. لكن الخطر يبدأ حين نحول الفوز في قسم موازٍ إلى شهادة وصول نهائي. لا تعني الجائزة أننا بنينا صناعة ولا يعني التصفيق أننا كسبنا جمهوراً، كما أن المرور على السجاد الأحمر لا يعني أن الصورة المغربية صارت قوة عالمية فالمرور والتصفيق والصور عابرة تمحي بسرعة البرق بصور أقوى وأجدر وأكثر سلطة

    تضيء الجائزة لحظة أما الصناعة فتحتاج إلى نظام

    قال جان لوك غودار إن “السينما حقيقة أربع وعشرون مرة في الثانية” (Jean-Luc Godard, Godard on Godard, 1972). لكن الحقيقة السينمائية لا تكتمل حين نرى وجهاً مغربياً في مهرجان، إنها تكتمل فقط حين يرى المغربي نفسه على الشاشة، وحين يجد الفيلم طريقه إلى أحياء المدن وهوامشها، وحين تخلق القاعة نقاشاً بين الشباب وفي الأسرة والنادي والتلفزة والجمعية والمهرجان، فإنها تكون مبطلا لمنطق الحفل العقيم. لذلك يجب أن نفرق بين الاعتراف الخارجي وبين السيادة الثقافية: الاعتراف الخارجي جميل لكنه لا يعوض الجماهير الداخلية. والسيادة الثقافية لا تمنحها لجنة تحكيم بل يبنيها شعب يتعلم مشاهدة ذاته في صور سينماه الوطنية الخاصة.

    ليست القاعة بناية بل طقس حضاري

    لا تطرح القاعة السينمائية سؤال الترفيه وحده، إنها تطرح سؤال المدينة والتعليم والذائقة والحق في الجمال. حين تغيب القاعة لا يفقد الناس شاشة كبيرة فقط، وإنما يفقدون فضاء طقس جماعي يربط الصورة بالحوار. وحين تضعف وقل حد الاختفاء المكتبة والمسرح والسينما في المجال العام، فإن الحياة الرمزية نكمش وتتضاءل مهما زاد عدد الشاشات المقحمة الصغيرة والبريئة منها السينما كما هي حزينة لتحميلها ما تستطيع توليده. لا يمنح الهاتف صوراً كثيرة ولا هو يصنع بالضرورة جمهوراً، أما القاعة فتُعلِّم الصمت والانتظار والمشاركة والنظر الهادئ الجماعي.

    نبَّه والتر بنجامين إلى أن “الجماهير تبحث عن التسلية، بينما يطلب الفن التركيز” (Walter Benjamin, The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction, 1936)، ولا يعني هذا احتقار الجماهير وإنما يعني ضرورة تربيته على المتعة العميقة وليس تنشئته على الاستهلاك السريع. هنا بالضبط تتحدد مسؤولية المدرسة والإعلام العمومي والجماعات الترابية، وحتى المهرجانات والنقاد والمنتجين. لا يمكن صناعة سينما وطنية حين يكبر الطفل وهو بعيد عن صورة مغربية منه وإليه، وحين لا يتعلم قراءة اللقطة كما يتعلم قراءة الجملة، وحين لا يعرف أسماء مخرجي بلده كما يعرف أسماء لاعبيه.

    سينما النهضة لا تمدح؛ تكشف وتبدع

    يخطئ من يظن أن السينما التي تواكب نهضة المملكة المغربية يجب أن تتحول إلى دعاية، فالدعاية تضعف الدولة لأنها تخاف الحقيقة. أما السينما القوية فتخدم بلدها حين تكشف تعقيداته بجمال وشجاعة. تخدمه حين تصور المرأة خارج الكليشيه والقرية خارج الفولكلور والصحراء خارج البطاقة البريدية، وتصور الشاب خارج ثنائية الانحراف والهجرة والمدينة خارج البؤس السياحي، كما تعالج الهوية خارج الشعار. لا تحتاج المملكة المغربية إلى أفلام تقول إن كل شيء جميل، بل تحتاج إلى أفلام تجعل العالم يفهم لماذا يملك هذا البلد قدرة نادرة على تحويل التعدد إلى قوة، والتاريخ إلى مستقبل والجرح إلى سؤال جمالي.

    قال أندريه تاركوفسكي إن “الصورة السينمائية ملاحظة لوقائع الحياة داخل الزمن” (Andrei Tarkovsky, Sculpting in Time, 1986)، ولهذا لا يجوز أن تنفصل السينما المغربية عن زمنها الوطني. عليها أن تلتقط التحولات الكبرى: صعود المدن الجديدة وتبدل العلاقات العائلية وتحولات موقع المرأة وتطور قلق الشباب، ثم أثر الهجرة في ظل التحولات الإفريقية، علاوة على تطورات القضية الوطنية وجماليات العلاقة مع الأندلس والمتوسط، وكذا تحولات الطبقة الوسطى وهشاشة العالم القروي في ظل سؤال الماء وسؤال العدالة المجالية. لا تواكب السينما النهضة حين تكرر خطابها، بل عندما تمنحها صوراً تُفكر.

    من دعم الإنتاج إلى هندسة المنظومة

    تحتاج المملكة المغربية اليوم إلى الانتقال من سياسة دعم أفلامٍ إلى سياسة بناء منظومة. يجب أن يبدأ البناء من السيناريو لأن الفيلم ينهار حين تولد حكايته ضعيفة. ويجب أن يمر عبر تكوين مستمر للمخرجين والكتاب والمنتجين والتقنيين. ينبغي ربط الدعم العمومي بمعايير فنية ومهنية واضحة، من دون خنق الحرية أو تحويل الإبداع إلى دفتر تحملات بيروقراطي. كما تتطلب التطورات العالمية توسيع القاعات الصغيرة والمتوسطة، ودخول السينما إلى دور الثقافة بمعايير معقولة وليست ترقيعية ومتسرعة، وإنشاء شبكة عروض جهوية تضمن حق المواطن في مشاهدة الفيلم المغربي، خارج الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة.

    تحتاج المملكة المغربية منصة وطنية قوية وملائمة وجميلة وذكية وعالية الجودة شكلا ومضمونا – تحت إشراف ملائم وخبير بالعالم السينمائي – تحفظ ذاكرته السينمائية وتوزع أفلامه قانونياً داخل البلاد وخارجها. كما تتوق الممنلكة الثقافية والفنية المغربية أرشيفا مرئيا مفتوحا للباحثين وللطلبة وللنقاد. إلى ترجمة منتظمة للأفلام المغربية إلى الإنجليزية والإسبانية والفرنسية وإلى لغات أخرى.

    من جهة أخرى تحتاج المملكة السينمائية المغربية دبلوماسية سينمائية ترافق كل فيلم بخطة عرض وتوزيع ونقاش، وليس بصورة احتفالية فقط. فحين يقول أنطونيو غرامشي إن “القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد” (Antonio Gramsci, Prison Notebooks, 1971)، فإنه يصف لحظة انتقالٍ خطرَةَ، وهو بكل أسف وغيرة منا تعيشه السينما المغربية كلحظة شبيهة: فهي لم تعد قديمة كما كانت الرواد الذين قاوموا وأبدعوا قدر سياقات اشتغالهم عموما، ولكنها لم تولد حتى الآن كقوة استراتيجية بنيوية ووطنية كاملة.

    مغرب التحدي لا يرضى بالمغالطة

    لا يليق بمملكة مغرب التحدي تصديق مغالطات صغيرة. لا يليق بنا الخلط بين الإنتاج والصناعة وبين الجائزة والمنظومة، بين المهرجان والجماهير وبين موقع التصوير وصاحب الحكاية، بين الصورة الجميلة وبين القوة الرمزية. تحوز المملكة المغربية كل شروط الانطلاق القوي والصحيح: قيادة ملكية استراتيجية حكيمة وبعيدة النظر، استقرار سياسي مشهود، موقع جغرافي نادر، تنوع ثقافي كبير، كفاءات شابة أثبتت الطروف جدارتها حين توفر شروط العطاء، مدارس ومعاهد تحتاج هيكلة ودعما متعددا، ومهرجانات تحتاج تصفية وصرامة في التأطير ومعايير الإنجاز والهيكلة، وتجربة غنية تراكمت رغم صعوباتها. لكن مملكة السينما المغربية قبل كل مات سبق: شجاعة تخطيط هيكلي استراتيجي يوازي شجاعة بناء.

    قال نلسون مانديلا إن “ليست الشجاعة هي غياب الخوف، بل الانتصار عليه” (Nelson Mandela, Long Walk to Freedom, 1994)، تحتاج السينما المغربية إلى هذه الشجاعة: شجاعة أن تقول إنها حققت شيئاً، لكنها لم تحقق ما يكفي. شجاعة أن تفرح بالجوائز من دون أن تسكر بها، شجاعة أن تطالب بالقاعات من دون أن تنسى جودة الأفلام وشجاعة أن تنتقد الدعم من دون أن تهدم المؤسسة، شجاعة الحلم بسينما عالمية من داخل المغرب وليس بسينما تقلد الآخرين كي ترضيهم.

    خاتمة: حين تصير الصورة جزءاً من السيادة

    اختارت المملكة المغربية أن تتحرك في قلب التاريخ وليس على هامشه. لذلك يجب أن تختار سينما المملكة التحرك في الخيال والتخييل وليس على هامشه. لا تحتاج المملكة إلى سينما صغيرة التفكير ولا إلى أفلام تجامل الواقع ولا إلى احتفالات تحجب النقص، بل إنها تحتاج سينما تفكر مع الدولة لا باسمها، وتختلف معها حباً فيها لا خروجاً عليها، وتمنح الشعب حقه في الجمال، كما تمنح العالم صورة مركبة عن بلد يعرف كيف يصعد بهدوء.

    عندما تصبح سينما المملكة جزءاً من السيادة الناعمة المغربية، لن نسأل هل وصلت أم لم تصل، وإنما سنسأل كيف نوسع أثرها وكيف نحمي حريتها، وكيف نجعلها مدرسة للعين ومختبراً للخيال وواجهة للدبلوماسية الثقافية. عندئذ فقط ستواكب السينما المغربية النهضة الاستراتيجية للمملكة. ولن تكتفي بعرض المغرب للآخرين بل ستجعله، عوض ذلك، يرى نفسه أولاً ثم يقنع العالم بأن يرى فيه ما هو أعمق من الضوء الجميل:

    أن يرى فيه: روحاً تاريخية قادرة على إنتاج المستقبل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حين تصعد المرأة المغربية إلى القمم… يصعد الوطن إلى القمة

    حين تصعد المرأة المغربية إلى القمم… يصعد الوطن إلى القمة

    خديجة الكور

    رئيسة منظمة النساء الحركيات

    لم يكن ما حققته المتسلقة المغربية نوال سفندلة مجرد إنجاز رياضي عابر، ولا مجرد صورة لعلم مغربي يرفرف فوق قمم الهيمالايا.

    لقد كان لحظة وطنية وإنسانية عميقة، لحظة تقول إن المرأة المغربية قادرة على اقتحام أكثر المجالات قسوة، وتحويل الحلم إلى فعل، والخوف إلى انتصار، والارتفاع إلى رسالة.

    أن تنجح امرأة مغربية في تسلق قمتي “إيفرست” و”لوتسي” في دفعة واحدة، فذلك ليس تحدياً رياضياً فقط، بل هو إعلان رمزي عن ميلاد صورة جديدة للمرأة المغربية في الوعي العالمي:…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • برلين: مدينة الندوب

    ثمة مدن نمرُّ بها كما نمرّ بمحطة عابرة، وثمة مدن أخرى هي التي تمرّ فينا، تخترقنا ببطء وتترك في الروح آثاراً لا تُمحى. وبرلين تنتمي إلى هذا الصنف الثاني، لأنها مدينة لا يمكن النظر إليها بحياد، ولا التعامل معها كمشهد خارجي فقط، بل ككيان يفرض حضوره على الوعي منذ اللحظة الأولى.

    منذ البداية يراودني سؤال لا يغادرني: هل للمدينة روح مستقلة، أم أنها مجرد انعكاس للذين عاشوا فيها؟ في برلين يبدو السؤال مضاعفاً، لأن التاريخ هنا ليس فكرة مجردة بل كيان حيّ، يجعل المدينة أقرب إلى كائن جغرافي–نفسي معقد، لا يمكن فصله عن ماضيه.

    بصفتي أستاذة في الجيوبوليتيك، كنت أظن أنني أعرف برلين جيداً. قرأت تاريخها في الكتب: الحرب العالمية، الدمار، إعادة الإعمار، الانقسام، الجدار، الحرب الباردة، والصراع بين نظامين. لكن السير في شوارعها يكشف أن المعرفة الأكاديمية شيء، والمعايشة الحسية شيء آخر تماماً. هنا لا ترى التاريخ، بل تراه وقد تحوّل إلى ندوب مرئية.

    إن مجرد جولة بالحافلة السياحية تتحول إلى ما يشبه مراجعة قسرية لدرس تاريخي مفتوح تحت السماء. كل شارع صفحة من جغرافيا الفجيعة، وكل بناية أثر من آثار قرن أوروبي مضطرب. من الحرب إلى الدمار، إلى الانقسام بين عالمين ورؤيتين، إلى الجدار الذي لم يكن مجرد بناء إسمنتي بل شرخاً في معنى الإنسان نفسه.

    ورغم سقوط الجدار، إلا أن ذاكرته ما تزال حاضرة في كل مكان. في القصص التي تُروى عن الذين حاولوا العبور نحو الحرية فدفعوا الثمن سجناً أو نفياً أو موتاً، وفي الخطوط الخافتة التي ما تزال تشق بعض الفضاءات الحضرية، وكأن المدينة ترفض أن تمحو تاريخها بالكامل.

    ومن أكثر ما يلفت الانتباه في برلين هو التناقض المعماري الحاد.
    بين المباني الحديثة الزجاجية وبين البنايات الثقيلة ذات الطابع السوفيتي، يظهر صراع بصري بين زمنين. العمارة القديمة تحمل قسوة الحجر وبرودته، كأنها آثار زمن لم يختفِ تماماً، بينما العمارة الجديدة تمثل محاولة للانفصال عن الماضي دون القدرة على محوه.

    ورغم هذا الثقل التاريخي، فإن برلين مدينة شديدة الحيوية.
    بعد سبعين عاماً من الدمار، أعادت بناء نفسها لتصبح متروبولاً عالمياً نابضاً. وأكثر ما يميزها هو الحضور الكثيف للشباب في كل مكان: في المقاهي، الشوارع، الساحات، محطات المترو، والمراكز الثقافية. يبدو وكأن الحياة كلها خرجت من البيوت إلى الفضاء العام، حتى تشعر أحياناً أن المدينة تعيش في الخارج أكثر مما تعيش في الداخل.

    وهذا ما يجعل برلين مدينة “منفتحة” (Extraverti) بامتياز، على عكس المدن الصغيرة التي تنطوي على ذاتها. لكن هذا الانفتاح نفسه يخلق نوعاً من الحيرة الوجودية. فالتسامح الواسع والحرية شبه المطلقة يفتحان أسئلة حول الحدود: أين تنتهي الحرية وأين تبدأ الفوضى؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش بلا حدود دون أن يفقد توازنه الداخلي؟

    ورغم هذا الانفتاح الظاهري، فإن المدينة تبدو في عمقها مجزأة.
    الجماعات المختلفة تعيش جنباً إلى جنب، لكن داخل دوائر شبه مغلقة وحدود غير مرئية. إنها مدينة تعايش دون اندماج كامل، وكأن الانقسام القديم لم يختفِ بل تغيّر شكله فقط وانتقل من السياسة إلى الاجتماع والثقافة.

    لكن في مقابل هذا التشتت، تمتلك برلين وجهاً آخر أكثر صفاءً: وجهها الثقافي.
    فالكنائس التي كانت فضاءات دينية تتحول إلى مسارح تُعزف فيها موسيقى هايدن وفيفالدي، وكأن الفن الكلاسيكي يصبح وسيلة لتهدئة الذاكرة التاريخية الثقيلة.

    وخلال زيارتي، تزامن ذلك مع “مهرجان الشعر الدولي” في أكاديمية الفنون، حيث اجتمع شعراء من مختلف العالم. هناك يظهر البعد الإنساني للمدينة، حيث تُستعاد الكلمة بوصفها حاملة للذاكرة والقيم والإنسانية، وكأن الشعر يحاول ترميم ما كسرته الجغرافيا والسياسة.

    في النهاية، تتكشف برلين كمدينة تحاول أن تصالح تناقضاتها عبر الفن.
    هي مدينة جريحة، لكنها ليست ميتة؛ مدينة تحمل آثار الحرب والانقسام، لكنها حولت هذه الجراح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى فن، والفن إلى طريقة للبقاء.

    ولهذا، فإن برلين لا تغادر زائرها بسهولة. إنها مدينة لا تسكن العين فقط، بل تسكن الوعي نفسه، وتعيد تشكيله ببطء. مدينة تقول إن الجغرافيا ليست أرضاً فقط، بل تجربة وجودية تترك ندوبها في الإنسان بقدر ما يتركها الإنسان فيها.

    خبيرة الجغرافيا السياسية

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حرْب « المَجوس »..


    سمير عزو

    من ذا ينْسى “حرب البسوس”، التي قامت بين قبيلة تغْلب بن وائل وأحلافها، ضدّ بني شيبان وأحلافها، بعدما قتل جسّاس بن مرة الشيباني البكري، كليب بن ربيعة التغلبي، ثأرًا لخالته البسوس بنت منْقذ(1)، ومن ذا ينْسى قصيدة الحارث بن عبّاد الشهيرة، التي تعتبر من أشهر قصائد حروب الجاهلية، والتي قالها عقِب قَتل المُهلْهل بن ربيعة لولدِه بُجيْرا، فدخل بذلك الحربَ بعد أن كان قد ٱعْتزلها؛ طالبًا للثّأر، مُرْتجلاً قصيدته بقوله: “قرّبا مرْبط النّعامة منّي”.

    منْطق هذا العقل العربي في الجاهلية، التي نعتها الحقّ سبحانه بـ”الأولى” في قوله: “وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ” (سورة الأحزاب، 33)، يبدو أنّه قد ٱستمرّ فيما بعد البعْثة النّبوية، فتمظْهر في “واقعة الجمل”(2) وأخواتها، ثمّ فرّخ واقعات أُخْريات تلتْها، إلى يومنا هذا حين هجم بعض المصريّين، بالجمال والبغال والخيول، على المتظاهرين في ميْدان التّحرير في القاهرة عام 2011، إبّان ما يُعرف بـ”ثورة 25 يناير”.

    لا أدري.. فإن كانت ستكون جاهليةٌ واحدة، ما كان لينْعَتها الله تعالى بـ”الأولى”! ولا أدري ما موجِب توْظيف العرب للحوانات في كثير من ثراتهم! أقصد في ذلك أنّ “كلاب الحوْأب نبَحت القافلة”، وبعض الآيات القرآنية “أكلها الدّاجن”(3)، بل حتّى الصّدام بين الصّحابة، هو الآخر سُمّي بـ”واقعة الجمل”..

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كذلك كانت “حرْب البسوس” في الأولى، وكذلك طفَت إرْهاصاتها على وجه الجاهليّات المتأخّرة، حرب لطالما كانت مجْهولةً.. تتستّر عليها بِخجل أمّهات الكتب، التي يصرّ البعض على توْقيرها وتصديقها، كأنّها “أمّهات المؤمنين” اللّواتي يحْرُمن للزّواج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).

    وحيث أنّنا في مغْربنا، لسْنا في معْزل عن القوافل القادمة من الشّرق، منذ البداية منذ تفرّقت الدّماء – دماء الدّين – بين القبائل، فقد وصلتْنا شذَرات من تلك الحرب، التي يخوضها المعارضون للسّقيفة، أو كما يسمّيها الأمازيغ “تاسْقِيفْت”، ضدّ الذين ٱخْتاروا “الشّورى” في غياب صحابيٍّ رُكْن ركين..

    لقد تفرّق الرّهْط عندنا إلى “كوفيّين” (من الكوفية)، يطالبون بالإقْتصاص من سلَبَة فلسطين من جهة، وإلى أنْصار ما سمّيَ بـ”تامغْرابيت”، أولئك المناهضين لحمَلَة قميص غزّة.. فٱنْتصب أبو مرْيم (الشيخ الفزازي) ممثّلاً للتيار الثاني، يهاجم من أسْماهم “الرّوافض” أو “المجوس”، ودعى بالتالي أحد رموز التيار الكوفي للمباهلة، متمثّلاً في ٱبن عبّاد (صاحب منصّة فُلك)، وذلك ٱقْتداءً بالسّنة النّبوية، حين باهَل النّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) نصارى نجْران(4)، فأحْضر معه (صلى الله عليه وآله وسلّم) الحسن والحسين (أبنائنا)، وفاطمة الزّهراء (نسائَنا)، وعلي ٱبن أبي طالب (أنفُسَنا)، ونزل في ذلك قوله تعالى: “فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ” (سورة آل عمران، 61).

    لكن لست أدري، إن تمّ الٱمر هل سيُحضر أبو مريم رفْقتَه، أبنائَه الثلاثة عشر مع حفذَتِه السّبعة عشر؛ كما أخبرنا هو بنفسه عنهم في منصّته؟ وهل سيُحضر معه السّيدات زوْجاتِه الثلاث..؟ لا أدري..

    أكيد أنّ السّنّة النّبوية الشريفة، لا تُخْتزل في لحْيٍ يُسْبَل، ولا جلباب ومُباهلة تقام..! لأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عندما أحضر معه أصحاب الكِساء (الحسنين وأبوهما وأمّهما)، كان يريد أن يقول لنا شيئًا، لا فْهمه إلا “المؤمن الكيِّس الفطِن”!

    ألم يانِ للشّيخ أبي مريم، أن يسْتجيب لدعْوة “المَجوس” (كما يسمّيهم) من أجل مُناظرتهم؟ كي تكون الناس على بيّنة من أمرِها.

    لست أدري.. ربّما كان من باب أوْلى، للشيخ الذي قارب الثّمانين، أن يُناظر قامات ومرْجعيّات الرّافضة، الذين لا يزالون يرفضون ما جرى في “تاسْقيفْت” (السّقيفة)! بدَل دعْوة أستاذ فتىً له من التّقدير ما يستحقّ!

    والحال هذه، ذهب ٱبن عبّاد يُقلّب بين نصوص الشيخ القرضاوي، على شهادة أخوّة وإسلام “المجوس”، فلمّا لم يجد! رجع لفتاوى شيخ “الإسلام” الأموي(5)، كأنّما التّوحيد والأحكام تُؤخذ، من أفْواه مَن “في عقْلِه شيء” كما قال ٱبن بطّوطة الطّنْجي المغربي(6).

    أجل! عادت “تامغْرابيتْ” مرّة أخرى والعوْد أحمد، لتؤكِّد للنّاس قرينة “وفْذ ركْراكة”، وتقول بأنّ إسلامنا المغربي الأصيل، ذهبْنا إليه للمشرق فتلقّيناه من أشْرف الخلْق (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ الأمازيغ أخْوال لأئِمّة أهل البيت(7)، مِنْا السّيدة حَميدة المُصفّاة، ومنّا إدريس الثاني، وسبْعة رجال.. ٱكْرِم بهم مِن تُقاة.

    الهوامش:

    (1) كان ذلك بعد أن قتل كليب ناقة كانت لجارها سعد بن شمس الجرمي، وهذه الحرب دامت أربعين عامًا.

    (2) واقعة الجمل أو مَوقِعةُ الجَمَل: معركة وقعت في البصرة عام 36هـجرية بين جيش علي بن أبي طالب، وجيش طلحة بن عُبَيد الله، والزُّبَير بن العوَّام، مع عائشة بنت أبي بكر، التي حُملت من على هودج على ظهر جمل. كانت عقب مقْتل عثمان بن عفان ورغبة الإقتصاص من قتلته.

    (3) يروى محمد بن إسحاق، ولفظه: “لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ، وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرٌ، فَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ، وَدَخَلَتْ دُوَيْبَةٌ لَنَا فَأَكَلَتْهَا”؛ رواه الإمام أحمد في “المسند” (43/343)، وابن ماجة في “السنن” (رقم/1944) ولفظه: “فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا”.

    (4) المباهلة في اللغة هي الملاعنة، أي الدعاء بإنزال اللعنة على الكاذب من المتلاعنَين، وهي مشروعة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل. وقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: (ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} (آل عمران: 61) دعا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلّم عليًّا وفاطمةَ وحسناً وحُسَيناً فقال: “اللهمَّ! هؤلاءِ أهلي”). والمباهلة ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم مع النصارى، بل هي له ولأمته من بعده مع النصارى وغيرهم. قال ابن القيم في كتابه “زاد المعاد” في فوائد قصة نصارى نجران: “السُنَّة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله ولم يرجعوا، بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة، وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله، ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك”.

    (5) أنظر مقالنا “شيخ (الإسلام) الأموي”، جريدة هسبريس، 11 أبريل 2026.

    (6) أنظر مقالنا “ٱبن تيمية بقراءة مغربية”، جريدة هسبريس، 3 أبريل 2026.

    (7) أنظر مقالنا “الأمازيغ أخْوال لأئمّة أهل البيت”، جريدة هسبريس، 9 مارس 2025.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • تدبير ديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة

    عبد السلام الصديقي

    «تدبير ديمقراطي للمالية العمومية من أجل تنمية دامجة بالمغرب»، هو عنوان مداخلتنا في ندوة نُظمت مؤخراً بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة. ويقع هذا الموضوع في صلب التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية الكبرى التي يواجهها المغرب اليوم. ففعالية تدبير المالية العمومية لا تحدد فقط نجاعة عمل الدولة، بل تحدد أيضاً قدرة البلاد على بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وتوازناً وشمولاً.

    فالمالية العمومية تمثل أكثر من مجرد أداة محاسباتية، إذ تعكس أولويات الدولة، وتوجّه السياسات العمومية، وتؤثر بشكل مباشر في ظروف عيش المواطنين. وبالتالي فإن ميزانية الدولة تُعد تعبيراً ملموساً عن الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ومن ثم، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق العمومي، بل بكيفية هذا الإنفاق، ولصالح من، وما هي نتائجه.

    الشفافية والمسؤولية والمشاركة المواطنة

    في أي ديمقراطية حديثة، ينبغي أن يقوم تدبير المالية العمومية على مجموعة من المبادئ الأساسية: الشفافية، والمسؤولية، والمشاركة المواطنة، والرقابة الديمقراطية. فهذه المبادئ ضرورية لتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات العمومية. أما التدبير الغامض أو غير الفعال للموارد العمومية، فإنه يساهم، على العكس، في انتشار الفساد والهدر وتفاقم الفوارق الاجتماعية.

    وتُعد الشفافية الميزانياتية ركيزة أساسية في هذا المجال. فمن حق المواطنين معرفة مصادر الموارد العمومية وكيفية استعمالها. كما أن نشر الميزانيات، وضمان الولوج إلى المعلومات المالية، وتقييم السياسات العمومية، كلها آليات ضرورية لضمان حكامة جيدة. وفي هذا الإطار، يظل دور المجلس الأعلى للحسابات محورياً لضمان مراقبة النفقات العمومية وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

    كما يلعب البرلمان دوراً مركزياً في التدبير الديمقراطي للمالية العمومية. فالتصويت على قانون المالية لا ينبغي أن يُنظر إليه كإجراء إداري شكلي، بل باعتباره لحظة حقيقية للنقاش الديمقراطي حول الأولويات الوطنية: التعليم، والصحة، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية. ومن ثم، فإن الديمقراطية الميزانياتية الفعالة تقتضي برلماناً قوياً، قادراً على مراقبة العمل الحكومي وتقييم الأثر الحقيقي للسياسات العمومية. وهو ما لا يزال بعيداً عن التحقق لدينا.

    غير أن الديمقراطية المالية لا يمكن أن تقتصر على المؤسسات وحدها، بل ينبغي أن تشمل أيضاً المشاركة الفعلية للمواطنين، والجماعات الترابية، والباحثين، ووسائل الإعلام، وفعاليات المجتمع المدني. وقد أظهرت تجارب الميزانيات التشاركية في عدد من البلدان أن إشراك المواطنين في الاختيارات الميزانياتية يتيح توزيعاً أفضل للموارد ويعزز الثقة في العمل العمومي. ويتوفر المغرب على إمكانات مهمة في هذا المجال، خاصة في إطار الجهوية المتقدمة وتعزيز الديمقراطية الترابية.

    النمو الاقتصادي في مقابل التقدم الاجتماعي

    ومن جهة أخرى، يجب أن يكون التدبير الديمقراطي للمالية العمومية في خدمة تنمية دامجة. فالنمو الاقتصادي، بمفرده، لا يضمن تلقائياً التقدم الاجتماعي. فرغم الإنجازات المهمة التي حققها المغرب في مجالات البنيات التحتية، والتصنيع، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، لا تزال الفوارق الاجتماعية والمجالية قائمة. فما تزال بعض الجهات تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات العمومية، وفرص الشغل، والبنيات الأساسية.

    لذلك، فإن التنمية الدامجة تقتضي توزيعاً أكثر عدالة للموارد العمومية، وتوجيهاً أفضل للنفقات نحو القطاعات الاجتماعية ذات الأولوية. فالاستثمار في التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، وتشغيل الشباب، يشكل شرطاً أساسياً للحد من الفوارق وتعزيز التماسك الاجتماعي. كما ينبغي أن تولي السياسات العمومية اهتماماً خاصاً بالعالم القروي، وبالنساء، وبالفئات الهشة، من أجل ضمان تكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي.

    وفي هذا السياق، تستحق عدة إصلاحات انخرط فيها المغرب التنويه، ولا سيما تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح القانون التنظيمي للمالية، ورقمنة الإدارة العمومية، ومجهودات تحديث الحكامة العمومية. وتعكس هذه المبادرات إرادة حقيقية لتحسين فعالية العمل العمومي وتعزيز آليات الشفافية والمراقبة. ومع ذلك، لا تزال تحديات كبرى مطروحة، خاصة ما يتعلق بمحاربة الفساد، وتحسين نجاعة النفقات العمومية، وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.

    المالية العمومية والنموذج التنموي الجديد

    وفي إطار تحسين تدبير المالية العمومية، أصدرت وزارة الاقتصاد والمالية مؤخراً وثيقة بعنوان: «الإطار الاستراتيجي لإصلاح تدبير المالية العمومية 2026-2032» خلال شهر مارس 2026. وتعرض هذه الوثيقة رؤية المغرب لتحديث تدبير المالية العمومية بما يعزز الشفافية، والنجاعة، والاستدامة، وفعالية العمل العمومي.

    ويؤكد النص أن المغرب انخرط منذ سنوات في إصلاحات مهمة بتوجيهات من جلالة الملك محمد السادس، لاسيما من خلال تفعيل القانون التنظيمي لقانون المالية، والإصلاح الجبائي، وإعادة هيكلة المؤسسات العمومية، وتحديث منظومة الصفقات العمومية. كما أكّد تقييم PEFA لسنة 2024 التقدم المحرز، مع إبراز عدد من التحديات المستمرة، خاصة في ما يتعلق بتنسيق الإصلاحات، وتدبير المخاطر الميزانياتية، وفعالية الإنفاق العمومي.

    ويغطي الإطار الاستراتيجي للفترة 2026-2032، ويهدف إلى جعل تدبير المالية العمومية في خدمة السياسات العمومية والنموذج التنموي الجديد. كما يسعى إلى تجاوز المقاربة المجزأة للإصلاحات، من خلال تقديم رؤية شمولية ومندمجة ومتناسقة للتدبير العمومي. ويرتكز هذا الإطار على خمسة محاور استراتيجية:

    1. النجاعة : تحسين الميزانية المرتكزة على النتائج، وتعزيز التقائية السياسات العمومية، وإدماج المؤسسات العمومية ضمن منطق الأداء.
    2. الاستدامة: ضمان تعبئة أفضل للموارد، وتدبير محكم للمخاطر الميزانياتية.
    3. الشفافية : تعزيز الولوج إلى المعلومات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ورقمنة المالية العمومية.
    4. الإدماج : إدماج مقاربات النوع الاجتماعي، والمناخ، والبعد الترابي في السياسات الميزانياتية.
    5. التنسيق وقيادة التغيير: تحسين قيادة الإصلاحات وتعزيز القدرات المؤسساتية.

    كما تؤكد الوثيقة ضرورة تطوير الميزانية نحو منطق يرتكز أكثر على النتائج وأثر السياسات العمومية، بالاعتماد على مؤشرات الأداء، وآليات التقييم، وتحسين تدبير الاستثمارات العمومية.

    ومن جهة أخرى، يركز الإطار الاستراتيجي على تقائية السياسات العمومية، خاصة في المجالات الاجتماعية مثل الحماية الاجتماعية، والتأمين الإجباري عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر. كما يشدد على أهمية التنسيق بين مختلف الفاعلين العموميين من أجل تحسين فعالية النفقات وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

    وأخيراً، ينص الإطار على إرساء منظومة للحكامة والتتبع والتقييم تعتمد على عدة هياكل للقيادة، من أجل ضمان الانسجام والتتبع الصارم وتقييم الإصلاحات المنجزة. كما ستواكب تنفيذ التوجهات الاستراتيجية خطة عمل ثلاثية السنوات قابلة للتحيين. وبطبيعة الحال، فإن الأمر يتعلق حالياً بمشروع، ويبقى الأمل قائماً في ألا تظل الأهداف المعلنة مجرد أمنيات.

    وخلاصة القول، إن التدبير الديمقراطي للمالية العمومية أصبح اليوم ضرورة استراتيجية بالنسبة للمغرب، باعتباره رافعة أساسية لترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحقيق تنمية دامجة ومستدامة. فمستقبل التنمية بالمغرب سيعتمد إلى حد كبير على قدرتنا الجماعية على بناء حكامة مالية قائمة على الشفافية، والمسؤولية، والمشاركة المواطنة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • “كوكاكولا” بين الأمس واليوم.. من المثقف العضوي إلى الواعظ الرقمي

    عثمان بن شقرون

    كثيرًا ما تتقلص الأسئلة المركبة، في النقاش العمومي المعاصر، إلى صيغ أخلاقية مباشرة تختزل القضايا المركبة في أحكام جاهزة و تُفرغها من تعقيدها، وفي هذا السياق، هل يمكن ردّ هذا النوع من القضايا إلى مقاربة تُختزل في ثنائية الحلال والحرام؟ ويبدو في الظاهر أن هذا النوع من الأسئلة يعكس حرصًا على الضبط القيمي، لكنه في العمق يكشف عن ميل متزايد إلى تبسيط الواقع وإفراغه من طبقاته التاريخية والاقتصادية والسياسية. فحين تتحول “كوكاكولا” إلى موضوع فتوى أو مقاطعة أخلاقية مباشرة على الواقع الافتراضي، فإننا لا نكون أمام نقاش حول منتج بعينه، بل أمام طريقة في التفكير تُعيد تشكيل العالم عبر اختزاله في رموز سهلة التداول.

    إن أخطر ما في هذا النمط من التفكير ليس موقفه من منتج معين، بل آليته الذهنية نفسها؛ فهو يعيد اختزال العالم إلى ثنائيات مريحة: طاهر/ملوث، حلال/حرام، خيانة/التزام. وهي ثنائيات تمنح الفرد شعورًا سريعًا باليقين الأخلاقي، لكنها تعفيه في الآن نفسه من عبء التفكير في تعقيد الواقع. فكلما ازداد العالم تركيبًا، ازدادت الحاجة النفسية إلى تبسيطه، ولهذا تزدهر الشعبويات الأخلاقية في الأزمنة القلقة، لأنها تمنح الناس خرائط سهلة داخل واقع لم يعد سهل الفهم.

    إن المشكلة لا تكمن في وجود الرموز الاستهلاكية، بل في الكيفية التي يُعاد بها إنتاج معناها داخل الفضاء العمومي. فـ“كوكاكولا” ليست مجرد مشروب غازي، لكنها جزء من منظومة رأسمالية عابرة للحدود، تقوم على إعادة تشكيل الذوق، وتوحيد أنماط الاستهلاك، وإدماج الأسواق المحلية في شبكات إنتاج عالمية معقدة. غير أن إدراك هذه البنية لا ينبغي أن يقود إلى وهم مفاده أن مواجهتها يمكن أن تتم عبر فعل فردي معزول أو قرار أخلاقي لحظي، لأن المسافة بين تحليل النظام وتغييره ليست مسافة خطاب، بل مسافة قوة وتنظيم وتاريخ.

    في هذا السياق، تتخذ المقاطعة في الفضاء الرقمي طابعًا خاصًا. فهي لا تُقدَّم بوصفها أداة ضمن إستراتيجية سياسية طويلة النفس، بل غالبًا ما تُصاغ كفعل أخلاقي سريع، منخفض الكلفة، وقابل للتداول الواسع عبر المنصات. وهنا تحديدًا يظهر ما يمكن تسميته بانزياح الفعل السياسي نحو المجال الرمزي، حيث يتحول الرفض إلى وسم، والموقف إلى منشور، والالتزام إلى إحساس لحظي بالانتصار الأخلاقي. غير أن هذا الشكل من الفعل، رغم كثافته التعبيرية، يظل محدود الأثر على البنى التي يدّعي مواجهتها، لأنه يُمارس داخل نفس المنظومة التقنية والاقتصادية التي ينتقدها.

    ولعل ما يمنح هذا الخطاب الرقمي كل هذه الجاذبية هو كونه يوفر شعورًا نفسيًا فوريًا بالفعل والتأثير. فالفرد الذي يشعر بالعجز أمام بنية عالمية معقدة، يجد في الدعوة المقاطعة الرمزية تعويضًا نفسيًا يمنحه الإحساس بأنه استعاد شيئًا من السيطرة على العالم. وهكذا تتحول الزجاجة إلى موضوع نفسي أكثر منها موضوعًا اقتصاديًا؛ إذ تصبح وسيلة لتخفيف القلق الأخلاقي، لا أداة لتغيير البنية الفعلية للنظام العالمي.

    وربما تكشف بعض المشاهد القادمة من غزة واحدةً من أكثر مفارقات عصرنا قسوةً ودلالة. فبعد شهور طويلة من الحرب والتجويع والانهيار شبه الكامل للبنية اليومية للحياة، لم تُستقبل عودة بعض المنتجات الاستهلاكية العادية دائمًا بوصفها “اختراقًا رأسماليًا” أو انتصارًا لعلامة تجارية عالمية، كما قد يتخيل الخطاب الأيديولوجي البعيد، بل باعتبارها علامة نفسية على إمكانية استعادة شيء من انتظام الحياة نفسها.

    ففي السياقات القصوى، حين يصبح البقاء اليومي معركة مفتوحة ضد الجوع والخوف والخراب، تتغير علاقة الإنسان بالأشياء؛ إذ لا يعود يتعامل معها باعتبارها رموزًا مجردة داخل خطاب أخلاقي أو أيديولوجي، بل بوصفها مؤشرات ملموسة على أن العالم لم ينهَر بالكامل بعد. وهنا تحديدًا تتجلى المسافة بين من يعيش المأساة باعتبارها تجربة وجودية يومية، ومن يحوّلها، عن بُعد، إلى مادة للاستهلاك الرمزي داخل فضاء المنصات.

    إن المفارقة الأساسية هنا هي أن هذا الخطاب الاحتجاجي الرقمي يعتمد على البنية ذاتها التي يعلن نقدها: فهو يُنتج داخل منصات رأسمالية، ويُستهلك ضمن اقتصاد الانتباه، ويخضع لمنطق الخوارزميات التي تحدد مدى انتشاره. وبذلك، فإن ما يبدو وكأنه قطيعة رمزية مع النظام، يتحول في الواقع إلى شكل من إعادة إدماج الخطاب الاحتجاجي داخل بنيته. وهذا ما يجعل بعض أشكال المقاومة الرقمية أقرب إلى تعبير عن الذات الأخلاقية منها إلى فعل سياسي فعلي.

    ولفهم حدود هذا الوضع، يمكن العودة إلى لحظة تاريخية مختلفة في السياق المغربي، وتحديدًا إلى تجربة الصحافة الوطنية خلال مرحلة العهد الدولي في طنجة. ففي تلك المرحلة، لم يكن الفعل الإعلامي مجرد تعبير عن موقف، بل كان جزءًا من صراع سياسي منظم داخل شروط استعمارية معقدة، حيث تداخل الإعلام بالاقتصاد والسياسة والقانون في بنية واحدة. وقد لعبت جريدتا “منبر الشعب” و“الشعب”، اللتان كانت تصدران بطنجة، دورًا أساسيًا في هذا السياق، ليس فقط بوصفهما منابر خطاب وطني، بل بوصفهما أدوات في معركة على الموارد والشرعية والتمثيل.

    داخل هذه التجربة، يبرز محمد قاسم الدكالي كنموذج لمثقف منخرط في صلب هذا الصراع، لا بوصفه واعظًا أخلاقيًا، بل بوصفه فاعلًا سياسيًا يستخدم أدوات القانون والحجاج والتحليل لفهم شروط الهيمنة ومواجهتها. كانت كتاباته تعتمد على معرفة دقيقة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وعلى قدرة على توظيف اللغة القانونية في تفكيك خطاب الإدارة الاستعمارية، وهو ما جعلها تثير ردود فعل حادة من طرف السلطات الاستعمارية والإدارية في طنجة.

    كان المثقف الوطني في مرحلة التحرر يدرك أن السياسة ليست تطهيرًا أخلاقيًا للذات، بل إدارة معقدة للتوازنات والصراع والمصالح. ولذلك لم يكن يقيس وطنيته بدرجة نقاء استهلاكه، بل بقدرته على بناء المؤسسات، وإنتاج الخطاب، وانتزاع المواقع داخل بنية القوة نفسها. أما الواعظ الرقمي المعاصر، فإنه غالبًا ما يستبدل هذا الجهد التاريخي الطويل بأداء رمزي سريع؛ يستهلك الخطاب بدل أن ينتج الفعل، ويبحث عن الانتصار الأخلاقي اللحظي بدل التغيير البطيء والعميق. غير أن أهمية هذه التجربة لا تكمن في بعدها البطولي، بل في منطق اشتغالها نفسه.

    فالمثقف هنا لا يتحرك في فراغ أخلاقي، بل داخل شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والمؤسساتية، حيث يصبح الفعل الإعلامي جزءًا من بناء قوة منظمة، لا مجرد تعبير عن موقف فردي أو خطاب قيمي.

    ويتضح هذا المنطق بشكل ملموس في واقعة دالة من تاريخ الصحافة الوطنية في طنجة، حين كانت الجريدة تعاني من حصار إشهاري فرضته الإدارة الاستعمارية لصالح الصحف الأجنبية، في محاولة لخنق مواردها المالية وإضعاف تأثيرها السياسي. في هذا السياق، ظهرت فرصة مرتبطة بإعلان لشركة “كوكاكولا” تزامن مع شهر رمضان، غير أن الإعلان حمل أخطاء اعتُبرت مستفزة في سياقه الاجتماعي والديني. تم استثمار هذا الخطأ داخل غرفة التحرير لا بوصفه قضية دينية صرفة، بل كمدخل تكتيكي في صراع اقتصادي-إعلامي أوسع، حيث جرى تداول خطاب ذي طابع تحريمي نُسب إلى مرجعية دينية خارجية، ما أدى إلى خلق ضغط رمزي وإعلامي على الشركة.

    ويتضح هذا المنطق بشكل ملموس في واقعة دالة من تاريخ الصحافة الوطنية في طنجة، يوردها كتاب “رواد الصحافة الوطنية في طنجة على العهد الدولي”، حين كانت الجريدة تعاني من حصار إشهاري فرضته الإدارة الاستعمارية لصالح الصحف الأجنبية، في محاولة لخنق مواردها المالية وإضعاف تأثيرها السياسي. في هذا السياق، ظهرت فرصة مرتبطة بإعلان لشركة “كوكاكولا” تزامن مع شهر رمضان، غير أن الإعلان حمل أخطاء اعتُبرت مستفزة في سياقه الاجتماعي والديني. تم استثمار هذا الخطأ داخل غرفة التحرير لا بوصفه قضية دينية صرفة، بل كمدخل تكتيكي في صراع اقتصادي-إعلامي أوسع، حيث جرى تداول خطاب ذي طابع تحريمي نُسب إلى مرجعية دينية خارجية، ما أدى إلى خلق ضغط رمزي وإعلامي على الشركة.

    وقد كان أثر هذا التدخل سريعًا وعمليًا، إذ وجدت الشركة نفسها مضطرة إلى إعادة توزيع إعلاناتها على الصحافة الوطنية، في تحول يعكس أن الصراع لم يكن حول المشروب في حد ذاته، بل حول موقع الصحافة الوطنية داخل اقتصاد الإشهار والسلطة. وهكذا، فإن ما يبدو من الخارج كواقعة “خطاب ديني” لم يكن في جوهره سوى أداة ضمن معركة سياسية واقتصادية، تتجاوز الأخلاق إلى تدبير شروط البقاء والاستمرار.

    إن الفارق الجوهري بين هذا النموذج التاريخي وبين كثير من أشكال الوعظ الرقمي المعاصر، هو الفارق بين وعيٍ يدرك تعقيد العالم ويحاول الاشتغال داخله، ووعيٍ يختزل هذا العالم في رموز سهلة التداول. فالمثقف العضوي كان يرى في الاقتصاد والسياسة والإعلام ساحات مترابطة للصراع، بينما يرى الواعظ الرقمي في الاستهلاك اليومي معيارًا كافيًا للحكم الأخلاقي على الأفراد والمجتمعات. وبين النموذجين، تتجلى المسافة بين فعل تاريخي يبني التراكم والمؤسسات، وخطاب انفعالي يستهلك ذاته داخل الدورة السريعة للمنصات.

    في النهاية، ليست القضية “كوكاكولا” في حد ذاتها، ولا حتى الموقف الأخلاقي منها، بقدر ما تتعلق بطريقة إدراكنا للعالم نفسه. فحين تتحول القضايا التاريخية والاقتصادية والسياسية المعقدة إلى رموز جاهزة للاستهلاك الأخلاقي، يصبح التفكير أقل قدرة على فهم الواقع وأكثر ميلًا إلى تبسيطه. عندها لا يعود النقاش حول بنية الهيمنة وآلياتها، بل حول الطمأنينة الأخلاقية التي يمنحها اتخاذ موقف سريع داخل فضاء رقمي متسارع.

    ولعل ما تكشفه المقارنة بين تجربة الصحافة الوطنية في طنجة وبين أشكال الوعظ الرقمي المعاصر، ليس مجرد اختلاف في الوسائل، بل اختلاف أعمق في طبيعة الوعي نفسه؛ بين وعيٍ كان يدرك أن السياسة اشتغال طويل داخل تعقيدات الواقع، ووعيٍ يميل إلى اختزال هذا الواقع في إشارات ورموز قابلة للتداول الفوري. ففي الحالة الأولى، كان المثقف يحاول بناء موقع داخل التاريخ، بينما يكتفي الخطاب الرقمي المعاصر، في كثير من الأحيان، بإنتاج موقف أخلاقي عابر داخل دورة لا تنتهي من التفاعل والانفعال.

    إقرأ الخبر من مصدره