Catégorie : حوارات

  • عائدة من جحيم تندوف تروي مآسي الترحيل القسري وتشيد بالعبقرية الملكية في ملف الصحراء (حوار)

    عبد المالك أهلال

    كشفت المدافعة الدولية عن حقوق الإنسان وعضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، سعداني ماء العينين، في حوار مطول أجرته مع جريدة العمق، عن تفاصيل الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جبهة البوليساريو في مخيمات تندوف، مطالبة بتدخل أممي عاجل لإطلاق تحقيقات جنائية دولية مستقلة وشاملة لمكافحة الإفلات من العقاب.

    وأوضحت الناشطة الحقوقية، لجريدة “العمق”، أنها تعتبر نفسها ضحية مزدوجة وشاهدة عيان على منظومة القهر، مستحضرة تعرضها لتهجير قسري نحو كوبا في سن مبكرة حيث خضعت للتجنيد العسكري والشحن الإيديولوجي، فضلا عن سردها لواقعة تعرض والدها لتعذيب وحشي أمام أعين أسرتها بغرض الترهيب الجماعي للمحتجزين.

    وأكدت المتحدثة للجريدة أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب برؤية استراتيجية للملك محمد السادس تمثل الإطار الحقوقي الوحيد لإنهاء هذا النزاع المفتعل، مشيرة إلى أن الزخم الدولي المؤيد لمغربية الصحراء أحدث تصدعا كبيرا في أسطورة التنظيم الانفصالي، ومسجلة في الوقت ذاته تنامي وعي ساكنة المخيمات بزيف الشعارات وارتفاع حالات التمرد والانشقاق.

    وأضافت الفاعلة في ختام تصريحاتها الدعوة لضرورة انتقال المنتظم الدولي من التوثيق السلبي إلى الإنفاذ الإجرائي عبر فرض إحصاء ديموغرافي تقوده المفوضية السامية للاجئين، محملة الدولة الجزائرية المسؤولية القانونية عن هذا الاستثناء الحقوقي، وموجهة نداء لشباب تندوف من أجل الانعتاق من الاستغلال والالتحاق بركب المواطنة لضمان كرامتهم.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا

     السيدة سعداني ماء العينين، نرحب بك معنا في جريدة العمق. ولدت ونشأت في مخيمات تندوف، وعشت تجربة إنسانية بالغة القسوة تمثلت في معاناة والدتك وتعرض والدك للتعذيب الممنهج. كيف حولتِ هذه الجراح الشخصية العميقة إلى وقود لمعركتك الحقوقية اليوم؟

    تختزل قصتي مأساة جيل كامل تفتحت عيناه في مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، بعد ولادتي بمدينة الداخلة عام 1976، وإخضاعي لتهجير قسري بمعية الالاف من الصحراويين لتكثير سواد المخيمات، حيث لم تكن نشأتي بتلك المنطقة مجرد إقامة عابرة، بل كانت مسارا اضطراريا في مكان لا يخضع لأي نظام قانوني دولي او وطني، وتركنا تحت رحمة حركة مسلحة، بطشت بعوائلنا وبأحلامنا، وكنا شهود عيان شاهدة عيان مباشرين على فظاعات وانتهاكات جسيمة مست الحقوق الوجودية والكرامة الإنسانية، وهي وقائع تظل محفورة في ذاكرتنا كجرائم لا تسقط بالتقادم.

    وأصدقك القول أستاذ عبد المالك، أن حالتي تتجاوز حدود المعاناة الفردية لتنصهر في نموذج الضحية المزدوجة وفق أدبيات القانون الدولي الإنساني، فأنا لم أكن هدفا مباشرا لممارسات قمعية انتهكت حرمتي الشخصية وحقوقي الأساسية فحسب، بل تعدى الأمر ذلك، تحولي لشاهدة أولى على تنكيل ممنهج طال أسرتي والآلاف من المحتجزين في تلك المخيمات، وهو أمر شائع أن تجتمع في الضحايا بمخيمات تندوف، صفة المتضرر المباشر وصفة الشاهد على منظومة القهر.

    معاناتي المزدوجة، جرح حي موثق، بدأ مع ترحيلي بمعية أسرتي قسريا من أرضنا لإعمار المخيمات، حيث كنت شاهدة على مآس لا تنسى. وتعرضنا للتعذيب والتنكيل كعائلة.

    في سن مبكرة، رحلت قسرا إلى كوبا حيث عشت قرابة عقدين من الزمن في عزلة تامة عن أسرتي، وخضعت خلالها لتدريبات إيديولوجية وعسكرية تهدف إلى تشكيل جيل موال للانفصاليين.

    فالترحيل إلى كوبا لم يكن مجرد إبعاد جغرافي، بل كان اختطافا للهوية والطفولة معا، أعوام من الغسيل الإيديولوجي والعسكري بعيدا عن الأسرة والوطن والجذور، في سن مبكرة.

    وعلى هذا الأساس، بدأت مسيرتي النضالية تتشكل معالمها بعد عودتي إلى وطني الأم المملكة المغربية، وتشكل لدي وعي وإرادة قوية لا تقبل التأجيل بضرورة الحديث عما وقع وما زال يحدث بمخيمات تندوف، وضرورة إعمال مبدأ المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب، في قناعة راسخة لي بأن قضية الانتهاكات الجسيمة بمخيمات تندوف استحقاقا لا يقبل الإرجاء، إذ إن وضعية الضحية المزدوجة التي أمثلها تستوجب تحركا عاجلا لإطلاق تحقيق جنائي دولي مستقل وشامل، بمعية مئات القصص الحزينة المماثلة أو أشد قتامة.

    وأضيف في ختام جوابي على سؤالكم الأول، أن انخراطي في الترافع على إخواني وأخواتي بمخيمات تندوف الذين ما زالوا محتجزين تحت رحمة البوليساريو والجزائر، وفي غياب أي رقابة أممية، لا يتغيى سوى  تحقيق تفكيك بنية الانتهاكات التاريخية والمستمرة وإنصاف الضحايا، ضمان لعدم تكرار تلك الفظاعات ووفاءً بالالتزامات الدولية الرامية إلى حماية الإنسان في ظروف النزاعات وما يترتب عليها من احتجاز قسري، وضمان حرية تعبير الصحراويين بالمخيمات عن رأيهم والبوح بقناعاتهم إزاء نزاع فرض عليهم قسرا، وفتح المجال لعودتهم إلى أرضهم بجنوب المملكة المغربية، للعيش بكرامة وأمن واستقرار.

    إن هذا الفعل يرتب مسؤولية قانونية دولية بموجب مقتضيات المادة العاشرة من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والمادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتين تجرمان تقويض الروابط العائلية وتوظيف الهشاشة العمرية للقاصرين كأداة في النزاعات، مما حول سنوات طفولتي إلى مسار من الاغتراب القسري والحرمان من الرعاية الأبوية.

    وعلاوة على ذلك، خضعت بمعية اللآلاف من الأطفال الإناث والذكور لبرامج وممارسات ممنهجة من الشحن الإيديولوجي والتدريبات العسكرية المصممة لإنتاج أجيال وظيفية تخدم المشروع الانفصالي، وهو ما يصطلح عليه ب «التجنيد المقنع للقاصرين”. فهذا النمط من الاستغلال، الذي تعرضنا له بكوبا لسنوات طوال، من غسل الأدمغة والتدريب على السلاح في بيئات معزولة، لا يمثل فحسب اعتداء على المصالح الفضلى للطفل، بل يرتقي إلى مصاف الجرائم الدولية الموصوفة التي لا ينال منها التقادم الزمني.

    ولذلك، يظل هذا الملف شاهدا على سياسة التوظيف القسري للناشئة، مما يفرض التزاما أخلاقيا وقانونيا على المنتظم الدولي لملاحقة المسؤولين عن هذه الممارسات التي تستهدف مسخ الهوية الإنسانية وتحويل الأطفال إلى أدوات في صراعات مفتعلة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

    لا أزايد عليكم أستاذ عبد المالك، إن قلت لكم أن واقعة تعرض والدي لتعذيب قاس ومهين للكرامة الإنسانية، لم يعهد له مثيل في تاريخ التعذيب، فوالدي الشيخ اسلامة، رحمه الله وانتقم من معذبيه، يعد نموذجا صارخا لسياسة الاستهداف الممنهج التي طالت الأصوات المعارضة داخل مخيمات تندوف، حيث استخدم التنكيل الجسدي والتمثيل بكرامته كأداة عقابية مباشرة ردا على ممارسته لحقه الأصيل في المعارضة ورفضه الامتثال لبروتوكولات التهجير القسري التي استهدفت طفولة ابنته وصديقاتها.

    إن ما حدث لوالدي من تعذيب قاس وممارسات حاطة من الكرامة الإنسانية، اخرجته عصابة البوليساريو من سياقه الجنائي المباشر ليتم تنفيذه كفعل مشهود أمامنا نحن أفراد أسرته، بحيث لم يعد مساسا بالحق في الحياة والسلامة الجسدية، بل انتقل لإرسال رسائل ترهيب وتخويف للكثير من مكونات المخيمات في إطار ترهيب جماعي مخطط له، يتوخى في عمقه كسر إرادة مجتمعية ويكرس حالة من الرعب المخيف كآلية للضبط والسيطرة داخل فضاءات الاحتجاز.

    ونعتبر كعائلة عانت من قمع واستغلال البوليساريو البشع كينونتنا في الترويج للأكاذيب وإخضاعنا لعذابات نفسية عميقة الأثر، عبر تعذيب أبينا أمام أعين زوجته وابنته الصغيرة، أن ما تعرض له والدي استثنائي بامتياز، لمزاوجته بين التعذيب الجسدي والعنف النفسي المنظم الموجه ضد العائلة، ونحن واثقون أنه جريمة دولية موصوفة تستوجب تفعيل ميكانيزمات المساءلة الجنائية الدولية، فالحصانة الفعلية التي تمتع بها الجناة لعقود لا تلغي الالتزام القانوني بإحقاق العدالة لروح والدي الشهيد الشيخ اسلامة وضمان الانتصاف لنا كعائلة، باعتبار ذلك شرطا لا غنى عنه لتفكيك بنية الإفلات من العقاب في هذه المنطقة المعزولة حقوقيا.

     الانتقال من بيئة مغلقة تحكمها القبضة الحديدية في تندوف، إلى فضاء دولي مفتوح في جنيف للترافع والمواجهة، ليس مسارا سهلا. حدثينا عن تلك اللحظة الفارقة التي قررت فيها كسر جدار الصمت وإيصال صوتك للعالم؟

    لا أخفيك سرا أن إقدامي على كسر حاجز الصمت، لم اعتبره قط مجرد بوح ذاتي، بل هو في جوهره انتفاضة في وجه منظومة قمع ممنهج صاغ معالم مخيمات تندوف لعقود. فهذه المخيمات تتجاوز صفتها كحيز للإقامة الجبرية للتحول منذ اللحظات الأولى لإقامتها إلى مركز احتجاز مفتوح، حيث يصمم ليكون نظاما شموليا يهيمن على كافة أبعاد التحرك الإنساني في المنطقة، ويخضع الجسد والفكر والذاكرة لآليات رقابة لصيقة تتوخى طمس الفرد والجماعة وإعادة هندسة الوعي الجمعي ضمن قالب إيديولوجي أحادي لا يقبل التعدد أو الانعتاق.

    وفي ظل هذه تلك الظروف القاسية واللاإنسانية، حيث باشرت قيادات جبهة البوليساريو، على مدى خمسة عقود، أنماطا من الانتهاكات الجسيمة والممنهجة التي استهدفت المدافعين عن حقوق الإنسان وكل الأصوات الناقدة، وحولت أدوات التنكيل، من تعذيب ممنهج واختفاء قسري وإعدامات خارج نطاق القضاء، إلى ميكانيزمات وظيفية تهدف إلى تحصين مركزية القرار الانفصالي وتكريس حالة الارتهان الوجودي لساكنة المخيمات، مما حول هذا المجال الجغرافي إلى منطقة استثناء حقوقي تقع خارج مدارات الرقابة الدولية والضمانات القانونية الكونية.

    ووسط هذا الفراغ القانوني وغياب المساءلة، قررت أن أتحرر من الحضور في هذا السياق الموبوء في مرحلة أولى والانتقال إلى أرضي ووطني الأم المملكة المغربية، لأنخرط في وقت لاحق في نضال مدني وحقوقي كفعل تحرري يكسر شرط الصمت الوجودي الذي فرض قسرا كآلية للبقاء علي وعلى غيري في المخيمات، في سياق يصنف فيه التعبير كفعل عدائي يوجب الملاحقة.

    وكلي يقين أن هذا الانخراط النضالي يكتسي صبغة الانتصاف المعنوي الذي يعري زيف السرديات المضللة، ويفتح الطريق للكثير من الحناجر التي ما زالت تخشى البوح والكلام عما تقاسيه وما حاق بها في الماضي، فانتقالي من الرضوخ القسري  إلى الترافع الدولي عن أهالينا بالمخيمات يمثل انتصافا واستردادا للحق في نشر سردية الحقيقة وانتصارا لكرامة الضحايا في مواجهة تنظيم قمعي يفتقر لأدنى مقومات المشروعية، مما يضع المنتظم الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تاريخية لتوثيق هذه الفظاعات كخطوة لا غنى عنها نحو إحقاق العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب.

    واعتقد في هذا الصدد، أنني بعد رجوعي إلى بلدي بمعية أخريات فضلن الدفاع عن بلدهن المغرب والصدح بحقيقة ما يقع بمخيمات تندوف، قدمنا مثالا بارزا لانتقال أشخاص خضعوا لبطش جبهة البوليساريو، أصيبوا بصدمة جماعية خاضعة للاستلاب بسبب قوة التحكم السائد بالمخيمات إلى طاقة خارقة للتحرر، لأن إيماننا القاطع برفض ما وقع لنا من تهجير قسري منذ نعومة أظافرنا إلى كوبا، وقضاء قرابة عقدين من الزمن في وضع احتجاز مقنع، لا تمثل مجرد انتهاك لمصلحتنا الفضلى كأطفال ولحقنا الأصيل في الهوية والانتماء، بل هي تجسيد لعملية تدمير نسيج اجتماعي بشكل متطرف يتوخى تطويع الوعي الناشئ لخدمة أجندات سياسية ضيقة. وقد تأسس حراكنا الحقوقي على اعتبار أن التجنيد المقنع الذي مورس ضدنا، والمنطوي على فصل القاصرين عن ذويهم لغرض الشحن الأيديولوجي والتدريب العسكري، يعد خرقا جسيما للاتفاقيات الدولية ذات الصلة، لاسيما تلك التي تجرم استغلال الهشاشة العمرية للأطفال في النزاعات، لا سيما في نزاع الصحراء المغربية المفتعل، وتوظيفهم كأدوات وظيفية لمشاريع الانفصال.

    ويلزمني بهذه المناسبة، التأكيد أن آلة التلقين القسري للحركة الانفصالية، منيت بفشل ذريع في تحقيق غاياتها، إذ انقلب السحر الإيديولوجي على الساحر، وتحولت سنوات الحرمان والاغتراب إلى مختبر للوعي النقدي، منحنا كضحايا وعائلاتنا حسا نقديا وإرادة لا تفتر في تفكيك مخططات البوليساريو وداعمتها الجزائر.

    فالنضج الناتج عن المعاناة، مكننا من تحقيق تغيير جذري من اعتبارنا موضوع للتلقين إلى ذوات فاعلة في المساءلة، نمتلك القدرة على تعرية آليات التضليل وتوظيف الأطفال سياسيا أمام المنتظم الدولي بلسان العارفين بخبايا التنظيم الانفصالي من الداخل، وقد شكلت شهاداتنا المتكررة وتدخلاتنا في دورات مجلس حقوق الإنسان وبالجامعات وبالمحاكم الاسبانية وفي غيرها من اللقاءات والندوات الدولية والوطنية، انتصافا تاريخيا لما لحقنا ولما عانه الصحراويون بمخيمات تندوف من أذى وامتهان للكرامة، حيث لم نكتفي بفضح الجلادين، بل اشتغلنا على انعاش الذاكرة وحاربنا محاولة البوليساريو قتلها، وبذلنا جهودا مضنية في نشر المعرفة بما جرى من فظاعات، وتحسيس الصحراويين بمسؤوليتهم حيال ما وقع وعدم استغلالهم كبيادق في رقعة صراع استنزف كرامتهم الإنسانية لعقود.

    وأود ان أفصح لك أستاذ عبد المالك عن موقف قلما أتقاسمه مع الصحافة أو في المجالس، لأنه يرتبط بعمق انتمائي وولائي، وأحب في الغالب التعبير عنه، قناعة مني بأنه تحصيل حاصل، لكن سؤالكم وتواصلكم الطيب فرضا علي التوضيح أكثر حول شخصي، وكيف انتقلت في صف بلدي المغرب، بل والترافع الدولي من أجل توضيح مواقفه والدفاع عنه لكي ينال حقوقه كاملة تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله.

    أعتقد أن ما يمنح قناعتي ثقلا استثنائيا أنها لم تأت من بيئة داخلية بطبيعتها من الأقاليم الجنوبية، بل اخترت موقفي عن دراية ومعايشة مباشرة للواقعين معا.

    فقناعتي استمدت جذورها وقوتها من كونها معاشة وليست مبلغة من طرف أي أحد، حيث عشت المرارة والحرمان والقمع والتضييق والعزل والتمييز ضدي وضد أسرتي والتهميش المجحف، وانتقلت بعد ذلك إلى أرضي، الصحراء المغربية، وبهذا أجد نفسي وقناعتي في المقارنة اليومية بين واقعين متناقضين، وجودي في المخيمات أعيش في وضعية جمود في قضية لا أفق لها، وداخل المغرب حيث البناء والتعلم والترقي، وحصل لي اليقين في هذا التباين، وهو ما يضفي الحجة الأقوى في اشتغالي على أكثر من واجهة حقوقية ودبلوماسية موازية.

    بصفتك وجهاً حقوقياً بارزاً ومألوفاً في أروقة مجلس حقوق الإنسان بجنيف، ما هي أبرز الانتهاكات والملفات التي تحرصين دائماً على وضعها على طاولة المنتظم الدولي بخصوص واقع المخيمات؟

    يتمحور ترافعنا الدولي أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف حول تسليط الضوء على الانتهاكات الجسيمة المرتكبة داخل مخيمات تندوف وبمحيطها، حيث جعلنا من فراغ المساءلة مدخلا لتعرية عقود من الانتهاكات الوحشية التي طالت المدافعين عن حقوق الإنسان والأصوات المعارضة. والكثير من الأبرياء، ونستند في ذلك إلى سجل حافل بالاختفاء القسري، والتعذيب، والإعدامات خارج نطاق القضاء التي باشرتها قيادات جبهة البوليساريو على مدى خمسة عقود، مطالبين في كل سانحة بإنهاء الحصانة الفعلية التي تحيط بهذه الجرائم عبر تفعيل مقتضيات اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وذلك من خلال إرساء ميكانيزمات للتحقيق الدولي المستقل كضمانة حتمية لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا وذويهم في مواجهة منظومة أمنية تقتات على ترهيب المحتجزين.

    ونتبنى في نفس الإطار، مقاربة للنوع الاجتماعي تضع معاناة الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والطفلات في المخيمات في صلب النقاش الدولي، كاشفين عن فظاعات الاستعباد الاجتماعي والاحتجاز والتحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء في بيئة تفتقر لأدنى الضمانات القانونية، وهو ما يمثل خرقا صريحاً لاتفاقية سيداو وللحرمة الشخصية للمرأة الصحراوية التي تقايض كرامتها بالجمود السياسي.

    وتتكامل هذه السردية مع ملف الشحن الإيديولوجي والترحيل القسري للأطفال، مستحضرين تجربتنا الشخصية المريرة كنساء قضين سنوات طوال من النفي والاغتراب القسري، حيث نعزز الوعي بكيفية توظيف برامج ذات واجهة إنسانية، مثل برنامج “عطل في سلام”، لتحويل القاصرين إلى أدوات وظيفية في النزاع المفتعل وتلقينهم خطابات الكراهية، في انتهاك صارخ لاتفاقية حقوق الطفل ومبدأ المصالح الفضلى، مما يستوجب تحركا أمميا عاجلا لانتزاع الناشئة من مخططات المحو الهوياتي والتوظيف السياسي اللإنساني.

    وننشد دائما الرقي في خطابنا خلال مداخلاتنا في مجلس حقوق الانسان، من اجل تشريح الماسي الإنسانية المفتعلة عبر فضح جريمة اختلاس المساعدات الدولية وتحويلها لغايات ربحية وعسكرية، وهو ما يصنف في القانون الدولي الإنساني العرفي ضمن جرائم الحرب التي تفاقم سوء التغذية وتصادر الحق في التنمية لجيل كامل من الشباب الذين يرزحون تحت وطأة الحيف الاجتماعي وغياب آفاق العيش الكريم.

    ونحن واعين كذلك، بضرورة توضيح المسؤولية القانونية والسيادية الكاملة لدولة الجزائر بصفتها بلدا مضيفا للمخيمات وضامنا بموجب ميثاق الأمم المتحدة لسلامة الأشخاص فوق إقليمها، بالإضافة الى تشديدنا على أن المسار نحو تسوية عادلة يمر حتما عبر إنهاء إفلات الجناة من العقاب. متشبثين بدبلوماسية الحقيقة في كافة المحافل الدولية، في تصالح عميق مع الذات يتوكأ على وجوب الانتصار لمبدأ الوحدة الترابية للمملكة المغربية وتعزيز الحل السياسي القائم على الحكم الذاتي كإطار حقوقي وحيد يضمن كرامة الصحراويين وينهي مأساة شتاتهم.

    كيف يتلقى الدبلوماسيون والمنظمات الحقوقية الدولية في جنيف شهاداتك الحية، مقارنة بالخطاب الدعائي والمظلومية المفتعلة التي تروج لها قيادة البوليساريو؟

    دائما تصطدم شهاداتنا وعملنا الحقوقي بازدواجية معرقلة للحقيقة عموما، فالاشتغال من داخل داخل مجلس حقوق الإنسان بجنيف يواجه بازدواجية بنيوية تحكم الفضاء الأممي، حيث يتجاذب المشهد منطقان متنافران، أحدهما منطق الأخلاقي المعياري المستند إلى الاتفاقيات الدولية، والثاني منطق براغماتي جيوستراتيجي للدول الأعضاء. وبينما يجد الخبراء المستقلون والمراقبون الدوليون في روايتنا وشهاداتنا مادة يقينية لتوثيق الانتهاكات الجسيمة الممنهجة، تظل الاستجابة الرسمية رهينة حسابات ديبلوماسية انتقائية، مما يضع المنظومة الأممية أمام اختبار حرج لمدى قدرتها على تغليب جوهر الإنصاف على مقتضيات المصلحة السياسية العابرة.

    وبالرغم من معرفتي اليقينية باكتساب عملي الرصدي والتوثيقي لمشروعية استثنائية، إلى جانب أخواتي الصحراويات المناضلات والساعيات إلى كشف حقيقة ما يجري بالمخيمات، لكونه يجمع بين ثلاثة مستويات من الإثبات، تتمثل في حقيقة الضحايا، ومصداقية الشهود، وكفاءة الفاعلين الحقوقيين بالأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو ما يمنح خطابنا قدرة على تعرية ممارسات الظلم العمدية ضد المدنيين بالمخيمات.

    وهذا التدبير الانتهاكي للمخيمات يظهر بوضوح المقاربة الانتقائية الصارخة والتنكر للواقع الميداني في مخيمات تندوف، فضلا عن افتقار التنظيم الانفصالي لأدنى مبادئ حقوق الانسان، إذ تتحرك البوليساريو تحت وصاية جزائرية مطلقة توظف الكوادر الانفصالية كأدوات تنفيذية، مما يفرغ السردية الانفصالية من قيمتها الحقوقية المضافة ويجعلها مجرد صدى لأجندات إقليمية تتوخى الاستنزاف لا الانتصاف.

    وما يمكن إثباته، هو أن هناك هوة سحيقة صدقية ونزاهة الشهادات التي نقدمها وبين ترتيب آثار المساءلة القانونية، بسبب العطالة المؤسساتية التي تعتري آليات الحماية الدولية، حيث يظل غياب المساءلة في تندوف منطقة استثناء حقوقي محصنة بالتوازنات السياسية. وبالرغم من تصاعد النداءات لكسر جدار الصمت وإرسال بعثات لتقصي الحقائق، إلا أن غياب الإرادة الدولية في إلزام الدولة المضيفة بفتح المخيمات أمام الرقابة الأممية يساهم في تأبيد واقع القهر والقمع، وهو تناقض صارخ يزداد تعقيدا عندما تواجه الجزائر نفسها انتقادات أممية حادة بشأن سجلها في قمع المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يتواصلون مع الآليات الدولية.

    غير أن تراكم الحقيقة بفعل عمل الناشطات القادمة من الصحراء المغربية، بدأ يحدث فرقا ويرسل إشارات بحدوث تصدعات متنامية في صرح الإفلات من العقاب، ووقوع تحول تدريجي في موازين القوى التوثيقية، أصبح اشتغالنا يفرض نفسه على تقارير الأمين العام للأمم المتحدة، لاسيما فيما يتعلق بتجنيد الأطفال واختلاس المساعدات.

    فالرهان الاستراتيجي الراهن يتمثل في تحويل هذه القناعة الأخلاقية الدولية إلى إلزام قانوني ينهي حالة التغييب القسري للمساءلة في تندوف، فالمعطيات الميدانية تثبت أن محاولات تلميع صورة البوليساريو لم تعد ذات جدوى أمام إصرار الضحايا على استرداد كرامتهم وفرض كشف الحقيقة حول ما جرى، وفرض واقع جديد يبدأ بفتح المخيمات وينتهي بالإنصاف الشامل تحت سيادة القانون.

    باعتباركِ امرأة عاشت المعاناة، كيف تصفين لنا الوضعية الحالية لـ “النساء والأطفال” داخل مخيمات تندوف؟ وهل ما زالوا يمثلون الحلقة الأضعف التي يتم استغلالها للمتاجرة السياسية والإنسانية؟

    من واقع تجربتي كطفلة هجرت قسرا وامرأة عاينت تعذيب والدها بشكل بشع ووصمنا أنا ووالدتي بـ”العمالة” وبغيرها من أبشع النعوت، أؤكد توثيق حالة من الحرمان الشامل من الأهلية المدنية تفرض على النساء واقعا يتسم بالاستغلال القسري والتحرش والاستعمال في الدعاية المغرضة وفي الترويج لخطابات الكراهية، والاستعباد الاجتماعي، والتقييد الممنهج لحرية الحركة والتعبير، في ظل غياب هوية قانونية رسمية ناتج عن الرفض المستمر لإجراء الإحصاء، وهو ما يحول الساكنة إلى أشباح قانونيين من وجهة نظر قانونية، يرزحون تحت وطأة تنظيم أمني يزاوج بين العسكرة والوصاية القبلية، ويجعل من صرخة الضحايا فعلا تحرريا يكسر شرط الصمت الوجودي المفروض كآلية للبقاء.

    وأضيف في هذا الجانب، وجود استهداف للأطفال الصحراويين بالمخيمات، حيث تحول برامج ذات أهداف إنسانية محضة، مثل برنامج «عطل في سلام”، إلى أدوات للشحن الأيديولوجي والتجنيد المقنع والاتجار بالبشر، مما يضع المجتمع الدولي أمام جرائم حرب موصوفة تتنافى مع المصالح الفضلى للطفل.

    ونعتقد أن التوظيف النفعي للمعاناة، المقترن بالاختلاس الممنهج للمساعدات الدولية لتحقيق مآرب ربحية وعسكرية، يكرس فراغا مطلقا للمساءلة تتحمل فيه الدولة المضيفة المسؤولية السيادية عن تأبيد هذا الاستثناء الحقوقي، بالرغم من مناداتنا بالتدخل العاجل لتصحيح هذا الوضع المختل في أكثر من مناسبة. ونوجه نداء صادقا من خلال منبركم الموقر، إلى ضرورة النظر إلى ضحايا تندوف وهم كثر بصفتهم الإنسانية كجهات تمتلك حجة الإثبات الدامغة على تواتر الانتهاكات بمخيمات تندوف، وعدم حماية الصحراويين هناك، وفي مقدمتهم النساء والأطفال كفئات هشة، وهو ما يفرض على الآليات الأممية والجنائية الدولية ضرورة التدخل لفك الحصار عن المحتجزين واسترداد سيادتهم المصادرة على مصيرهم وهويتهم.

    في ظل التعتيم الإعلامي الذي تفرضه القيادة هناك، هل تلمسون عبر تواصلكم تنامياً لوعي الساكنة بزيف الشعارات الانفصالية وحالة من التمرد الصامت أو العلني ضد هذا الوضع؟

    ما يمكن أن أشهد عليه بخصوص سؤالكم حول التعتيم الإعلامي الحاصل والمفروض من طرف جبهة البوليساريو والبلد المضيف، هو أن ترافعنا الحقوقي المستمر في الفضاء الدولي ولا سيما بدورات مجلس حقوق الإنسان، ساهم في تشكل تحول بنيوي في وعي ساكنة مخيمات تندوف، حيث انتقل الحراك من حيز التمرد الصامت والهمس في الخلف إلى طور الممارسة النقدية العلنية والمساءلة السياسية المباشرة.

    ويبرز هذا الانزياح في تآكل الشرعية الثورية المزعومة التي تذرعت بها جبهة البوليساريو لعقود، وبروز فجوة سحيقة بين الخطاب الإيديولوجي وبين الواقع المعاش المطبوع بالحرمان المادي والقمع الأمني، وهو ما تجسد في تنامي ظاهرة الانشقاقات العسكرية النوعية والهروب الجماعي نحو الوطن الأم المملكة المغربية، مما يؤشر على أن طاقة الرفض الكامنة قد بلغت مرحلة الغليان الاستراتيجي التي لم تعد تجدي معها مسكنات المساعدات الدولية أو شعارات التحرر المتآكلة.

    وفي المقابل، تكشف الاستجابة القمعية العنيفة لقيادة البوليساريو والجيش الجزائري تجاه الاحتجاجات السلمية بوجوه مكشوفة، لاسيما تلك المناهضة للتمييز العنصري والتعذيب الممنهج، عن حالة من الارتباك المؤسساتي والذعر من فقدان السيطرة على منطقة الظل الحقوقية.

    وبفعل ميكانيزمات منصات التواصل الاجتماعي واختراق الشبكات الاجتماعية لجدار التعتيم، استردت الساكنة سيادتها على السردية، محولة المعاناة من أداة للابتزاز في يد التنظيم الانفصالي إلى حجة إثبات دامغة تضعه أمام استحقاقات العدالة الجنائية الدولية. فهذا المخاض الجيلي، الذي يقوده شباب لم يعد يرهنه الوهم التأسيسي، يضع المخيمات أمام حتمية التفكيك وتجاوز معضلة الارتهان، معلنا نهاية عهد التغييب القسري للحقيقة بفضل وعي جماعي يرى في العودة إلى السيادة المغربية المخرج الحقوقي والوجودي الوحيد لإنهاء خمسة عقود من الاستثناء الإنساني.

    يشهد ملف الصحراء المغربية دينامية إيجابية وانتصارات دبلوماسية متتالية، مع تزايد الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء وبوجاهة مبادرة “الحكم الذاتي”. من موقعك الحقوقي، كيف ترين تأثير هذه الانتصارات على قرب طي هذا النزاع المفتعل؟

    نشيد بصوت مرتفع بالانتصارات الدبلوماسية المغربية المتلاحقة، وتحديدا القرار الأممي رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025، بوصفها انعطافة حاسمة حولت المكتسبات السياسية إلى درع حماية إنسانية لساكنة مخيمات تندوف، فمن منظور الضحية والشاهدة، لم يعد الزخم الدولي المؤيد لمبادرة الحكم الذاتي مجرد تفوق لسيادة الدولة، بل هو إقرار كوني بنهاية مرحلة التيه القانوني والارتهان الإديولوجي لمشروع انفصالي فاقد للأهلية الواقعية.

    وهنا دائما ما تستوقفني كغيري من أعضاء المجتمع المدني، عبقرية جلالة الملك محمد السادس في ملف الصحراء المغربية، واتخذها زادا لشحذ الهمم وتعزيز الجانب الترافعي، لاسيما فيما يتعلق ببعد نظر جلالته  الاستثنائي في التعامل مع هذا الملف الاستراتيجي، عبر مقاربة حصيفة لإخراج المقترح في 2007، وهو ما يجسد مسار ملك استثنائي بحق، يستند على الثبات على السيادة مع الانفتاح على التفاوض، علاوة على الفكر الدبلوماسي الاستراتيجي، والترافع الاستباقي وبناء سردية الحل  وتوظيف التنمية كحجة دبلوماسية ورد مادي على الأطروحات والحملات المغرضة التي يروج لها الخصوم.

    ولا يفوتني مرة أخرى أن أعبر عن فخري بأسلوب جلالة الملك محمد السادس الحازم دون استفزاز والثابت دون جمود والموازن بدقة متناهية بين القوة والمرونة، فنحن كمدافعات عن حقوق الانسان نعتبر أن ما تحقق إلى حدود الساعة، يمثل الإعلان الرسمي عن غروب السردية الانفصالية وتفكيك منطقة الاستثناء التي دامت خمسة عقود، مما يضع المجتمع الدولي أمام استحقاق أخلاقي لنزع فتيل المعاناة عبر تبني المقترح المغربي كإطار وحيد يزاوج بين السيادة الوطنية وإحقاق الحقوق الوجودية للصحراويين بالمخيمات. لا غالب ولا مغلوب.

    ونرى كذلك أن العزلة الدولية الخانقة التي تضرب جبهة البوليساريو ورعاتها في الجزائر، عقب اصطفاف أكثر من 120 دولة خلف مغربية الصحراء، قد أحدثت تصدعا كبيرا في أسطورة الثورة داخل المخيمات، محولة المعاناة من ورقة للابتزاز السياسي إلى حجة إثبات تعجل بالانتقال نحو مرحلة إنهاء النزاع.

    في ختام هذا الحوار، لو طُلب منك توجيه رسالتين: الأولى للشباب المحتجز واليائس في مخيمات تندوف، والثانية للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية.. ماذا ستقولين السيدة سعداني ماءالعينين ؟

    أود في الختام، أن أعيد التأكيد بأن استمرارية حالة الاحتجاز المكاني لشباب مخيمات تندوف خلف جدران التلقين الإيديولوجي، تمثل انتهاكا جسيما للحق في حرية التعبير والرأي وتقرير المصير الفردي، فمن واقع تجربة النفي القسري لمدة طويلة، نؤكد أن صيرورة صناعة الضحية قد استنفدت أمام انكشاف زيف الخطاب الانفصالي وتصاعد مؤشرات الفساد لدى قيادة تتاجر بالمعاناة الإنسانية.

    ومن هذا المنطلق، ندعو الشباب إلى ممارسة حقهم الأصيل في الانعتاق من منطق الوقود البشري والالتحاق بركب المواطنة الكاملة التي توفرها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بوصفها الإطار الحقوقي الوحيد الذي يضمن الكرامة ولم الشمل، وينهي حالة التيه القانوني التي حولت طفولتهم إلى ثكنات عسكرية، مانحةً إياهم الفرصة لاستعادة سيادتهم المصادرة على مستقبلهم وهويتهم.

    فعجز المنتظم الدولي عن معالجة غياب المساءلة في تندوف لنصف قرن يضع مصداقية الأمم المتحدة أمام اختبار حاسم، حيث يتحول الاستماع للشهادات دون إجراءات زجرية إلى شكل من أشكال التواطؤ المعياري.

    وبناء عليه، نطالب كمكونات مجتمع مدني بالانتقال الفوري من التوثيق السلبي للانتهاكات إلى الإنفاذ الإجرائي، عبر فرض إحصاء ديموغرافي شامل ومستقل تقوده المفوضية السامية للاجئين لإنهاء التغييب القسري للمركز القانوني للمحتجزين، وإطلاق تحقيقات جنائية دولية بموجب نظام روما الأساسي في جرائم التعذيب وتجنيد الأطفال.

    ونحمل الدولة المضيفة الجزائر كامل المسؤولية القانونية والسيادية عن تأبيد هذا الاستثناء الحقوقي، ونؤكد أن الحصانة الفعلية للجناة لا تلغي الالتزام بضمان سبل الانتصاف للضحايا وتأمين ممرات آمنة للعودة الطوعية، وفاء لقدسية الحق في الحياة وصوناً للأمن الإقليمي من مخاطر الجمود والانسداد السياسي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الرامي: رواية « تفاصيل الحلم الأخير » منعطف أدبي .. والزمن هاجس وجودي

    حاوره: عبد الله الساورة

    في هذا الحوار مع جريدة هسبريس، يتحدث الكاتب والإعلامي المغربي عبد الوهاب الرامي عن الكتابة بوصفها مساحة مفتوحة للأسئلة أكثر من كونها بحثا عن أجوبة جاهزة.

    بين الرواية والإعلام، وبين الحلم والقلق الثقافي، يرسم الرامي ملامح تجربة تنشغل بتحولات الإنسان والمجتمع، وتقترب من القضايا الفكرية والوجودية بعيدا عن اليقينيات المغلقة.

    الحوار لا يكتفي باستعادة محطات من المسار المهني والإبداعي للضيف؛ بل يلامس أيضا علاقة المثقف بالواقع، وحدود السرد في مواجهة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم. هنا، تبدو الرواية أداة للتأمل والتفكيك، ويغدو السؤال مدخلا لفهم ما يتغير داخل الذات كما داخل الوعي الجماعي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في هذا اللقاء، يفتح عبد الوهاب الرامي ملفات الكتابة والهوية والذاكرة والقلق الثقافي، في حديث يزاوج بين التأمل النقدي والانشغال بأسئلة المعنى، ضمن رؤية ترى في الأدب والإعلام مجالين متقاطعين لفهم الإنسان والواقع.

    نص الحوار:

    في رواياتك، خصوصا في ” تفاصيل الحلم الأخير”، لا يبدو الحلم هروبا من الواقع، بقدر ما هو إعادة صياغة له. هل تكتب لتصحّح العالم أم لتكشف عجزه؟ وهل الحلم عندك أداة مقاومة أم اعتراف ضمني بأن الواقع أقوى من أن يُحتمل؟

    في “تفاصيل الحلم الأخير” لا يظهر الحلم بوصفه ملاذا ضد صلَف الواقع؛ بل باعتباره فرصة مفتوحة تكشف ما يعجز الوعي الصارم عن الإفصاح عنه. الحلم في الرواية ذو بُعد وجودي، لأنه يسبق التجربة ويهيئها، بل يكاد يكون شرطا من شروط الوجود نفسه؛ فهو ما يستقر في الوجدان ويستمر رغم يقظة العقل وضغط اليومي. لذلك، لم أكتب الحلم فقط لأرْتق ما تشظى من العالم (الحلم نفسه شظايا واقع غير متحكم فيه) بقدر ما كتبته كي أضيء هشاشته وأكشف حدوده غير المرئية.

    هذه الرواية، التي صدرت منذ أيام، تمثل منعطفا في مساري الإبداعي؛ فقد سعيت من خلالها إلى استكشاف أفق سردي جديد يواكب تحولات العصر، خصوصا ما أفرزته وسائط التواصل من أنماط تفاعلية وبنى خطابية تشبّ عن طوق القديم. من هنا، جاءت فكرة ما أسميته “الرواية -الورقية- التفاعلية”، حيث لا يبقى النص مغلقا على ذاته؛ بل ينفتح على قارئٍ شريك في التأويل، وعلى سردٍ يتحرك بين الواقع والافتراض، ويتفاعل من خلف كل سطر مع القارئ. وهذا النص السردي ينتقم للقارئ الذي غُيِّب في كثير من الأعمال السردية التقليدية.

    أما الحلم في هذا السياق، فليس اعترافا بعجز الواقع ولا استسلاما له؛ بل أداة مقاومة ناعمة.

    ولأن محاولة تأسيسي لمفهوم “الرواية -الورقية- التفاعلية” لم تكن مبنية على حدس إبداعي عابر، فقد واكبته بورقة تأصيلية سعيت من خلالها إلى بلورة ملامح هذا التصور الجديد للرواية، حيث يتجاور السرد التقليدي مع آليات التفاعل المعاصرة، ويتحوّل القارئ من متلقٍ سلبي إلى شريك في بناء الدلالة. وتشكل هذه الورقة/ الأرضية الإطار النظري الذي أسند تجربة روايتي “تفاصيل الحلم الأخير”، حتى تكون مساهمتي واعية في محاولة مني، وضمن تخصصي، تجديد الجنس الروائي لا مجرد مغامرة أسلوبية مزاجية.

    في رواية “تلّ الخزامى” تبدو السلطة كأنها كائن أسطوري، متجذر في اللغة قبل أن يتجذر في المؤسسات. هل ترى أن أخطر أشكال السلطة هي تلك التي تتسلل إلى وعينا عبر السرد والخطاب؟ وهل الرواية عندك فعل تفكيك لهذه البنية الخفية؟

    في “تلّ الخزامى”، انشغلتُ بالكشف عن الأساطير المؤسسة للسلطة، لا بوصفها بنية مؤسسية فقط؛ بل كخطابٍ يتشكل في اللغة والخيال الجمعي قبل أن يتجسد في الواقع. الرواية ترصد كيف تُبنى هذه الأساطير، وكيف تُروَّج وتُستعاد عبر السرد الشفهي وأشكال التواطؤ الرمزي التي تجعل السلطة تبدو قدرا طبيعيا لا بنية قابلة للمساءلة. لذلك، تبرز السلطة فيها ككائن أسطوري يعيش في الخيال الجمعي بقدر ما يحكم الأجساد والمصائر.

    اختياري لأحداثٍ تقع داخل قبيلة خارج الزمن لم يكن غير تمويه أدبي للحديث عن السلطة في أي مكان وزمان. فالرواية، رغم طابعها العجائبي، تظل ملتصقة بالواقع وتعيد قراءته عبر مرآة الأسطورة. وقد تعمدتُ أن تحمل الشخصيات أسماء غريبة وغير مألوفة، لأن الاسم في هذا العمل ليس علامة تعريف فقط؛ بل يشكل امتدادا لغرائبية العالم الروائي نفسه. وأنا أطلقت عليها “رواية الأسماء الغريبة”.

    من هنا، أرى أن أخطر أشكال السلطة هي تلك التي تعتمل في الخفاء وتُنتج الطاعة بوصفها اقتناعا لا إكراها. وتمثل هذه الرواية، في تصوري، فعلا تفكيكيا بامتياز. إنها محاولة لزعزعة هذه البنية الرمزية وفتح المجال أمام القارئ ليتلمس عبرها الآليات الخفية للهيمنة.

    اشتغلت طويلا في الصحافة والإعلام، حيث الخبر يقتضي السرعة والاختزال؛ بينما الرواية تتطلب التأمل والبطء. هل كانت الرواية تمردا على إيقاع الصحافة، أم امتدادا لها في مستوى أعمق؟ وهل يمكن القول إنك تمارس في الرواية “صحافة داخلية” تكشف ما لا يُقال في العناوين العريضة؟

    لم تكن الرواية عندي تمردا على إيقاع الصحافة بقدر ما كانت امتدادا لحسٍّ أقدم: هوسٌ مبكر بالكتابة. منذ الصغر كنت أقرأ لأكتب، وكان ذلك عصب وعيي الأول. لذلك، حين ولجت عالم الصحافة لم أشعر بأنني غادرت الأدب، بل وجدتني في فضاء آخر يتقاطع معه. فالصحافة، في تقديري، هي ديوان الإنسانية اليوم، تتجاور فيها أشكال متعددة للكتابة، من التقرير الخبري إلى الأجناس القريبة من الأدب مثل العمود والبورتريه والاستطلاع.

    وأنا لا أرى تعارضا بين المجالين، لكنني أميّز بين حدودهما بوضوح. الصحافة تبحث عن الحقيقة في صيغتها المباشرة، القابلة للتحقق والتداول، بينما الأدب يقترب من الحقيقة بطريقة رمزية، يلتف حولها ويكشف طبقاتها الخفية. من هنا يمكن القول إنني، داخل الرواية، أمارس نوعا من “الصحافة الداخلية”: كتابة ما لا يُقال في العناوين العريضة، وما يتوارى خلف الوقائع من دوافع وصمت وتوترات.

    تجربة “تلّ الخزامى” كانت مثالا على هذا التداخل. وهي صدرت في مصر؛ لكن تجربة النشر لم تكن في مستوى النص، إذ غاب التوزيع الكافي ولم تصل الرواية إلى جمهورها الواسع، على الرغم من أن أربعة أقلام مغربية وازنة كتبت عنها دراسات نقدية عميقة. وهذا يذكّر بأن الكتابة، مهما اشتغلت على كشف الحقيقة، تظل رهينة شروط تداولها في الواقع الثقافي.

    عناوينك ليست محايدة: “تفاصيل الحلم الأخير”، و”تل الخزامى”، و”سنة بين القطارين”، و”الموظف» و”أشواق متأخرة “، كل عنوان يبدو كعتبة رمزية. كيف تختار العنوان؟ هل يسبق النص أم يولد من رماده؟ وما الذي تخفيه هذه العناوين مما لا تصرّح به الحكاية مباشرة؟

    العنوان عندي ليس تسمية محايدة؛ بل علامة تؤسس علاقة القارئ بالنص منذ العتبة الأولى. قد يكون مباشرا وقويا كما في “الموظف”، حيث يواجه القارئ بموضوعه دون مواربة، وقد يكون أكثر غواية والتفافا كما في “أشواق متأخرة”، حيث يفتح أفقا دلاليا دون أن يغلقه. لذلك، أرى أن عنوان الرواية ينبغي أن يُفصح جزئيا عن عالمه؛ لأن الإغراق في الغموض يحوّله إلى جملة شعرية منفصلة، أكثر منه مدخلا سرديا.

    غالبا ما يولد العنوان من رحم النص، ولا يسبقه. هو خلاصة مكثفة تتشكل بعد التوغل في الكتابة، حين يبدأ العمل في الإفصاح عن نواته الداخلية. أحيانا يلوح في البداية كإشارة؛ لكنه لا يستقر إلا بعد اكتمال التجربة، كأنه أثرٌ باقٍ من حياة النص المنتهي.

    وبما أن العنوان جزء من الأدب نفسه، فإنه يحمل توترا خاصا: لا يقول كل شيء ولا يصمت تماما. هو مساحة بين الكشف والإخفاء، يضع القارئ في حالة ترقّب، ويحتفظ بسرّه إلى أن تتقدم القراءة. ما تخفيه العناوين هو تحديدا ما يمنح النص عمقه: المعاني المؤجلة، والطبقات التي لا تُدرك إلا بالتأويل، لا بالتصريح المباشر.

    تعيش شخصياتك غالبا على حافة الانكسار: موظف مسحوق، عاشق مأزوم، ذات معلّقة بين زمنين. هل تكتب عن الهشاشة باعتبارها قدرا إنسانيا أم موقفا فلسفيا من العالم؟ وهل ترى في البطل المكسور، كبطل مأساوي أكثر صدقا من البطل المنتصر؟

    منطلق الكتابة عندي حاسم: “حيثما يوجد خلل، تبدأ الرواية”. والسرد في جوهره محاولة لردم هوّة ما بالكلام؛ وذلك لالتقاط ما يتفلّت من التوازن في التجربة الإنسانية. لذلك، أكتب عن هشاشة الإنسان لا بوصفها فقط قدَرا مؤسفا، بل باعتبارها لحظة كشف. ومع ذلك أتجنب الإغراق في الدرامية، لأن الأدب ليس خطابا جنائزيا؛ بل يمكن أن يكون رافعة نحو التجاوز، والانعتاق من ثقل المادة، والبحث عن المعنى وسط ركام اللامعنى.

    الهشاشة، بهذا المعنى، ليست ضعفا خالصا، بل موقفا فلسفيا من العالم: إنها النقطة التي تتعرّى فيها الكائنات من أوهامها، وتظهر حقيقتها. من هنا، تأتي شخصياتي التي يعيش بعضها على حافة الانكسار؛ لأنها في هذ المقام تحديدا تكتسب كثافتها الإنسانية، بعيدا عن التماسك الزائف الذي تفرضه السرديات الجاهزة.

    وفي الرواية وحدها، يمكن أن نلتقي بالبطل المكسور الفرح، في مقابل البطل المنتصر البئيس. فالسرد لا يخضع لمنطق الوقائع الظاهرة؛ بل لمنطق أعمق، غالبا ما يكون نقيضا لتصوّر الموجودات. وأرى أن البطل المأساوي، أو المنكسر، أكثر صدقا؛ لأنه يكشف ما يُخفى خلف صورة الانتصار، ويمنحنا رؤية أقل وهما وأكثر إنسانية.

    يمتزج في أعمالك الواقعي بالغرائبي، واليومي بالأسطوري. هل تعتبر هذا المزج خيارا جماليا أم ضرورة فكرية لالتقاط تعقيد المجتمع المغربي؟ وكيف توازن بين الوفاء للمرجع الواقعي والوفاء لحرية التخييل؟

    لا أميل إلى تعميم فكرة المزج بين الواقعي والغرائبي في كل أعمالي؛ لأن ذلك ببساطة غير دقيق. في تجربتي، هناك عمل واحد يمكن تصنيفه بوضوح ضمن هذا الأفق، وهو رواية “تل الخزامى”. أما باقي الروايات فهي أقرب إلى تخييل ذي سند واقعي، أو ما يمكن تسميته بالكتابة ذات البعد الحدثي Factuel، بعيدا عن الغرائبية.

    في روايتي الأخيرة “تفاصيل الحلم الأخير”، حاولت أن أذهب أبعد: ليس فقط مزج الواقع بالخيال؛ بل مساءلة الحدود بينهما. الفكرة التي اشتغلت عليها هي أن الواقع والخيال ليسا متقابلين، بل هما وجهان لقمر واحد؛ أحدهما معتم والآخر مضيء. وإذا كان الواقع يفرض قتامته أحيانا، فإن الخيال يتيح إمكانية إنارته، لا هروبا بل تعويضا وتوسيعا لأفق التجربة.

    هناك حضور واضح للزمن في نصوصك: زمن الحلم، زمن الانتظار، زمن التحول. هل تكتب ضد النسيان؟ وهل الرواية لديك محاولة لتجميد لحظة مهددة بالاندثار، أم لتفجيرها وإعادة توزيع معناها؟

    الزمن ليس مجرد عنصر سردي عندي، بل هو هاجس وجودي. نحن نعيش داخل الزمن دون أن نراه، بينما نرى المكان ونلمسه. والزمن خفي، لكنه الأكثر تأثيرا، لأنه يضبط كل التحولات الصامتة.

    انشغالي بالزمن ليس حنينا ساذجا ولا مقاومة مباشرة للنسيان، بل هو محاولة لفهم هذا الكيان/الزمن الذي قسّمناه إلى وحدات صغيرة، بينما هو في أصله مطلق ومنفلت. الرواية بالنسبة لي ليست تجميدا للحظة؛ بل تفجير لها: إعادة توزيع معناها، زحزحتها من موقعها الظاهر إلى طبقاتها العميقة.

    لهذا، يمكن القول إنني أكتب مع الزمن حين يمنح المعنى، وضده حين يتحول إلى ضغط أو اختناق.

    في سياق مغربي وعربي مأزوم بالتحولات السياسية والاجتماعية، ما الذي يدفعك لاختيار قضايا بعينها؟ هل تكتب انطلاقا من جرح شخصي، أم من وعي جمعي؟ وهل تعتبر الرواية شكلا من أشكال الشهادة أم من أشكال الاتهام؟

    لا أكتب انطلاقا من جرح فردي بالمعنى الضيق، بل من وعي جمعي يتقاطع فيه الذاتي مع الاجتماعي. ما يهمني في الرواية هو تفكيك البنيات النفسية والاجتماعية والثقافية، وليس مجرد تسجيل وقائع.

    موضوعاتي تتحرك في فضاء واسع: الفلسفة، الدين، السياسة، التاريخ، الأنثروبولوجيا، وعلم النفس. لذلك، فالرواية عندي ليست شهادة بالمعنى التوثيقي، ولا اتهاما مباشرا؛ بل مساحة تفكير مركّب. هي أقرب إلى مختبر تُعاد فيه صياغة الأسئلة بدل الاكتفاء بإطلاق الأحكام.

    كيف ترى دور المثقف اليوم؟ هل هو شاهد، أم محرض، أم مجرد راوٍ لما يحدث؟ وهل تخشى أن يتحول الكاتب إلى مجرد منتج رمزي داخل سوق ثقافي يفرغ الكتابة من خطورتها؟

    دور المثقف، اليوم، لا يمكن اختزاله في وظيفة واحدة. ليس مجرد شاهد، ولا فقط محرض، ولا حتى راوٍ محايد. هو قبل كل شيء صانع للأسئلة، ومقترح لأجوبة، حتى وإن كانت غير نهائية.

    أما الخطر الحقيقي، فهو أن يتحول الكاتب إلى منتج رمزي داخل سوق ثقافي يفرغ الكتابة من توترها. ولتفادي ذلك، اشتغلت على ما أسميته “الرواية -الورقية- التفاعلية”: نص لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء معناه، فيخرج من سكون الورق إلى دينامية التفكير المشترك.

    لماذا الرواية تحديدا؟ كان بإمكانك أن تظل في حقل الإعلام أو البحث الأكاديمي. ما الذي منحته لك الرواية ولم يمنحه لك أي جنس آخر؟ وهل تعتبرها بيتك النهائي، أم محطة في مسار إبداعي مفتوح على تحولات أخرى؟

    اختياري للرواية ليس اعتباطيا، ولا هو انسحاب من الإعلام أو البحث الأكاديمي. الرواية، إلى جانب الشعر، تمنحني ما لا يمنحه الفكر المجرد: القدرة على التوغل في تفاصيل النفس والمجتمع، بعيدا عن القوالب الجاهزة والتصنيفات المسبقة.

    وفي ظني أن الرواية ليست فقط جنسا أدبيا؛ بل أداة بناء ومعرفة في آن واحد. ويمكن القول إنها رأسمال رمزي رفيع، معول بناء، وترياق يمتح مصله من سمّ زعاف. الرواية ليست نهاية مسار؛ بل محطة مركزية ضمن محجّ مفتوح، يتقاطع فيه الأدبي بالفكري.

    كلمة مفتوحة لك…

    روايتي “تفاصيل الحلم الأخير” هي، في هذه المرحلة، العمل الذي يمثلني روائيا بأكبر قدر من الدقة. ومن أراد أن يقترب من عالمي السردي، فالأجدر أن يبدأ منها؛ لأنها تختصر رهاناتي الجمالية والفكرية في الكتابة. وكذلك لأنها تنبني على خطاطة “الرواية -الورقية- التفاعلية”، كما استوحيتها من أدبيات علوم التواصل التي هي مجال تخصصي الأكاديمي.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدى الضيف مع فاطنة الخماري: سيرة فنية حافلة بين المسرح و السينما و الحضرة العرائشية

    العرائش نيوز:

    في حلقة جديدة من برنامج صدى الضيف نلتقي مع احد الوجوه الفنية البارزة بمدينة العرائش فاطنة الخماري فنانة متعددة المواهب بين المسرح و السينما و الغناء ، مسيرة حافلة بين الدار بيضاء و القصر الكبير قبل العودة الى ارض الاجداد العرائش:

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مونية رزق الله: فخورة بهويتي المغربية .. والموسيقى لغة تتجاوز الحدود


    حاورها: عبدالله الساورة

    لا يمكن اعتبار الفنانة مونية رزق الله مجرد عازفة كمان تعبر المسارح الكبرى بخفة الأصابع ودهشة النغم، ولكنها امرأة تمشي فوق حواف الروح وهي تحمل كمانها، كما يحمل العاشق قلبه المرتجف بين يديه. في هذا الحوار على صفحات جريدة هسبريس، لا نقترب من موسيقية تصنع الألحان فقط، وإنما من سيرة إنسانية تنبض بالهشاشة والقوة معاً، امرأة خرجت من دفء عائلة مغربية بسيطة لتصنع من التعب والحرمان سلّماً نحو الضوء، ومن القوس الخشبي جناحين يطيران بها بين باريس وبرلين وفاس وبروكسيل وعواصم عالمية، دون أن تفقد رائحة البيت الأول أو رجفة الحنين إلى الجذور المغربية.

    كل جواب هنا يشبه نغمة طويلة تتسلل بهدوء إلى أعماق القارئ، تلامس فيه ذلك الجزء المنسي الذي لا توقظه سوى الموسيقى الصادقة. وحين تتحدث مونية رزق الله، عن الكمان، يبدو الأمر كما لو أنها تتحدث عن كائن حي يتنفس داخلها، عن مرآة خفية تكشف تعبها وفرحها وانكساراتها، وعن لغة أوسع من الكلمات، لغة تستطيع أن تبكي دون دموع وأن تصرخ دون صوت. إننا أمام امرأة آمنت بأن الفن ليس ترفاً، وإنما خلاصاً داخلياً ومقاومة ناعمة ضد قسوة العالم وصمته.

    في هذا الحوار تتقاطع الثقافات كما تتعانق الأنغام، وتتحول الهوية المغربية من مجرد انتماء إلى طاقة خلاقة تعيد اكتشاف معنى الجسور بين الشعوب. وهنا نقرأ عن الموسيقى بوصفها وطناً آخر، وعن الأمومة بوصفها درساً في الإصغاء، وعن النجاح بوصفه قدرة على منح الحياة معنى أعمق.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    إنه حوار لا يُقرأ فقط، ولكن يُصغى إليه كما تُصغى مقطوعة حزينة في آخر الليل، حين يصبح القلب أكثر شفافية، وتصبح الكلمات قادرة على أن تنغرس في الوجدان مثل وترٍ يرتجف داخل العتمة.

    نص الحوار:

    كيف تتذكرين البدايات الأولى لعلاقتك بالموسيقى، وفي أي لحظة شعرتِ أن هذا الشغف سيتحوّل إلى طريق حياة حقيقي، لا إلى مجرد هواية عابرة؟

    عوّدنا والدي، أنا وأختَيّ، منذ سنوات الطفولة الأولى، على الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية في البيت، وإلى الأصوات المصرية الكبرى، وإلى الجاز أيضاً. وهكذا نشأتُ في عالم كانت فيه الموسيقى شيئاً حيّاً وطبيعياً، جزءاً من تفاصيل اليوم بكل غناه وتنوّعه.

    وكانت المشاعر الفكرية والأحاسيس الجسدية التي كنت أعيشها وأنا أعزف الكمان تجعلني، منذ وقت مبكر، أرغب في أن أهب لهذا الفن جزءاً من حياتي. أما أن يتحول الشغف إلى مهنة تحملني في الطريق، فقد احتاج إلى كثير من الإرادة والانضباط.

    وُلدتُ في فرنسا لوالدين مغربيين من أصول متواضعة. كان والدي سائقاً وميكانيكياً، ورغم أنه لم يدخل المدرسة يوماً، فقد كان رجلاً شديد الذكاء. أما أمي، كانت خياطة، فقد كرّست حياتها لعائلتها. واضطررتُ إلى تمويل دراستي عبر المباريات والمنح الدراسية. ومنحتني تلك التجربة يقيناً عميقاً بأن العمل والمثابرة وحسن التنظيم قادرة على فتح طرق لم نكن نتخيّلها.

    في مساركِ التعليمي والفني، ما اللحظات أو التحديات التي شكّلت وعيك الموسيقي ورسّخت اختيارك للكمان دون غيره من الآلات؟

    اقترح علينا والدي، أنا وأختَيّ، في وقت مبكر أن نختار آلة موسيقية. وجرّبتُ الكمان بسعادة كبيرة. وكانت فرصتي العظيمة أن ألتقي بشخص استثنائي: أستاذتي الأولى في الكمان. كنتُ في السابعة من عمري، وهو عمر تصبح فيه اللقاءات حاسمة في بقية الرحلة الموسيقية.

    نحن جميعاً بحاجة إلى نماذج تلهمنا وتفتح لنا الطريق. وقد أدّت السيدة فاليه، هذا الدور معي بأجمل صورة ممكنة. وظللتُ على تواصل معها حتى رحيلها، ولم أترك قوسي الموسيقي يوماً.

    ماذا تمثل لكِ الموسيقى على المستوى الوجودي والإنساني؟ هل هي لغة خلاص، أم شكل من أشكال المقاومة الداخلية، أم بحث دائم عن الذات؟

    إنها مزيج عميق من كل ذلك، وأكثر. والعزف على الموسيقى يشبه بالفعل رحلة بحث عن الذات. فالتأويل الموسيقي يعكس الحالة الداخلية للإنسان. كماني هو أشبه بميزان دقيق لحالتي الجسدية والعاطفية. ومن طريقة اهتزازه أعرف فوراً إن كنت متعبة أو مطمئنة، حتى قبل أن أعي ذلك بوضوح. وهذا ما يجعل هذا الفن عميقاً وإنسانياً إلى هذا الحد. وخلف جمال الاهتزاز الموسيقي عملٌ شاق وصارم. فالكمان آلة صعبة تتطلب انضباطاً يومياً كبيراً. نحن، عازفي الكمان، نشبه الرياضيين المحترفين. نتدرّب، ونتنافس، ونفوز، لكن ليس دائماً. علينا أن نتعلّم كيف نقبل الهزيمة، وكيف ننهض ونواصل الطريق رغم الشكوك. نتعلّم الصمود، فنصبح أقوى وأكثر إنسانية.

    ما الذي يتيحه لكِ الكمان للتعبير عنه مما تعجز الكلمات عن قوله؟ ولماذا شعرتِ أن هذه الآلة الأقرب إلى روحك؟

    الكمان بالنسبة إليّ أكثر من مجرد آلة موسيقية؛ إنه صوت داخلي، ومساحة للحقيقة والحرية. لطالما شعرتُ أن هذه الآلة تمتلك قدرة فريدة على ترجمة أعمق المشاعر بصدق يجرّد الإنسان من أقنعته. إنها تمنح صوتاً يتجاوز اللغة: للألم، وللأمل، وللحنين، وللتمرّد، وكذلك للجمال والنور. هذه الآلة تبكي، وتجعل الآخرين يبكون، لكنها تجعلهم أيضاً يرقصون ويضحكون.

    وقد أشرتم في السؤال السابق إلى فكرة “لغة الخلاص”. ونحن نعيش في زمن أصبح فيه التعبير الحر عما نشعر به أو نؤمن به أمراً صعباً أحياناً، لكن الموسيقى تظل لغة كونية تتجاوز الحدود، وتكسر الرقابة، وتتسلل إلى الصمت. إنها تسمح لنا بأن نشهد ونقاوم ونذكّر العالم بإنسانيتنا المشتركة.

    ومع الأسف، تواجه الموسيقى أحياناً حدوداً حين تحاول أن تحمل صوت الشعوب المتألمة أو الأشخاص الذين لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم. وأنا أؤمن بعمق أننا يجب أن نواصل الدفاع عن حرية التعبير، لأنها في صميم كل إبداع فني وكل مجتمع حي. فالفن كان وسيظل ضرورة إنسانية.

    لقد عملتِ مع فرق موسيقية دولية وتنقلتِ بين مجتمعات أوروبية مختلفة. كيف أثّرت هذه التجارب في هويتك الفنية؟ وهل شعرتِ يوماً بتوتر بين الانتماء والانفتاح؟

    لقد كان نشوئي وسط ثقافات متعددة ثروة هائلة بالنسبة إليّ، وما يزال كذلك حتى اليوم. أن أولد في فرنسا لأبوين مغربيين، وأن أعيش اليوم في ألمانيا، وأعمل مع موسيقيين من مختلف أنحاء العالم، جعلني أدرك مبكراً أن الهوية ليست شيئاً ثابتاً، وإنما فضاء يتطور باستمرار.

    بطبيعة الحال، قد تثير هذه الانتماءات المتعددة أسئلة لا تملك دائماً أجوبة بسيطة، وقد تولّد أحياناً بعض التوتر الداخلي. لكنني مع الوقت فهمت أن هذا التعدد قوة عظيمة. لقد علّمني أن أنظر إلى العالم بمزيد من الدقة والانفتاح والفضول.

    أشعر بامتياز عميق لأن مهنتي تتيح لي السفر ولقاء أشخاص من جنسيات وحساسيات مختلفة، وأن أضع قناعاتي الخاصة في مواجهة طرق أخرى للتفكير والعيش. فالموسيقى، والكمان على وجه الخصوص، تمنحني حرية استثنائية للدخول في حوار مع ثقافات أخرى دون حاجة إلى الترجمة.

    وهناك القليل من المهن التي تمنح هذا القدر من الانفتاح. كل لقاء، وكل تعاون، وكل بلد أعبره، يثري هويتي الفنية والإنسانية. وقد علمتني هذه التجارب أن الانتماء والانفتاح لا يتعارضان؛ بل إن الإنسان كلما تجذّر أكثر في قصته الخاصة، استطاع أن ينفتح بهدوء على قصص الآخرين.

    كيف تعيشين هويتك المغربية داخل الفضاءات الموسيقية الدولية؟ وهل أصبحت هذه الهوية قوة إبداعية أم سؤالاً دائماً؟

    هويتي المغربية جزء أساسي مما أنا عليه، وقد انكشفت لي بعمق أكبر مع مرور الزمن. لفترة طويلة حملتها بشكل طبيعي وصامت تقريباً. أما اليوم فقد أصبحت قوة إبداعية حقيقية، ومسؤولية أيضاً.

    ومنذ وقت غير بعيد كنت في البرلمان الأوروبي ببروكسيل. وبينما كنت أراقب الديناميات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي تشكّل العلاقات بين البلدان، أدركتُ إلى أي حد يمكن للموسيقى وتعليمها أن يؤديا دوراً أساسياً في بناء الهوية الفردية والجماعية معاً. فالموسيقى ليست مجرد جماليات، ولكنها وسيلة لفهم الجذور والتاريخ وما نرغب في نقله إلى الأجيال القادمة.

    وفي بروكسيل شعرتُ، أكثر من أي وقت مضى، برغبة قوية في الإسهام في إشعاع المغرب وتطوره. لا يتعلق الأمر بالسياسة بمعناها الحزبي، وإنما بوضع خبرتي وعلاقاتي وتجربتي الدولية في خدمة بلد ما زلت مرتبطة به بعمق.

    وهذا بالضبط ما أحاول تحقيقه اليوم من خلال “الأكاديمية” ومشروع “الأوبرا للجميع”: بناء جسور بين المغرب وأوروبا، ومنح الشباب آفاقاً جديدة، وإثبات أن الثقافة يمكن أن تكون قوة حقيقية للتغيير.

    ولهذا أستطيع القول ببساطة إنني في سلام كامل مع هويتي المغربية. أنا فخورة بها، وهي بلا شك قوة خلاقة في حياتي.

    ما طبيعة علاقتك بالموسيقى المغربية بمختلف تعبيراتها، من الأندلسي إلى الشعبي؟ وكيف ترين إمكانية حضورها على الساحة الدولية؟

    حظيتُ بشرف لقاء محمد بريول في فاس سنة 2019، وهو أحد الأسماء الكبرى في الموسيقى العربية الأندلسية المغربية. ولقد ترك هذا اللقاء أثراً عميقاً في نفسي. أدهشني بشكل خاص أن أراه يعزف الكمان فوق الركبة وفق التقليد الشرقي، بمهارة مبهرة وتقنية عالية الدقة.

    ومنذ ذلك الحين بدأت أكتشف الروابط المدهشة بين التقاليد الموسيقية المختلفة، تلك الروابط التي صنعت تاريخاً مشتركاً. فالموسيقى العربية الأندلسية، التي انتقلت إلى المغرب من الأندلس، تتحاور بشكل طبيعي مع الموسيقى الأوروبية في العصور الوسطى، خصوصاً مع “كانتيغاس دي سانتا ماريا”. وهذه الأعمال تكشف جذوراً ثقافية متشابكة بين العوالم العربية واليهودية والمسيحية والأمازيغية والمتوسطية.

    وما يلامسني بشدة هو أننا، رغم اختلافاتنا الظاهرة، نتقاسم إرثاً مشتركاً بالغ الثراء. فالموسيقى تكشف بوضوح مدهش أن الثقافات ليست جزرًا معزولة، ولكنها تتغذى من بعضها البعض منذ قرون.

    وأنا مقتنعة بأن الموسيقى المغربية تمتلك إمكانات هائلة على الساحة الدولية. فهي تحمل ثراءً لحنياً وإيقاعياً وشعرياً استثنائياً، وتنقل رسالة عالمية قائمة على الحوار والتعايش. وعندما تُقدَّم في سياق لقاء مع تقاليد موسيقية أخرى، تتحول إلى رمز قوي لما يستطيع الفن أن يفعله: تقريب الشعوب، وتجاوز الحدود، والتذكير بعمق التاريخ المشترك.

    وهذا تحديداً ما يلهمني اليوم. فطموحي هو أن أفهم بشكل أعمق أصول الريبرتوار الموسيقي، وأن أبني جسوراً بين الموسيقى العربية الأندلسية والموسيقى الأوروبية الوسيطة والموسيقى الكلاسيكية الغربية. ليس عبر السياسة، وإنما عبر قوة الموسيقى وحدها، حيث يصبح ممكناً أن تتحاور الثقافات والأديان والحساسيات المختلفة داخل اندفاعة واحدة من الجمال والإنسانية. وهذا ما أحاول تطويره في حفلات
    “الأكاديمية “.

    هل يُعد تأسيس أكاديمية موسيقية في المغرب امتداداً لحلم شخصي، أم مشروعاً ثقافياً يهدف إلى إعادة تعريف علاقة الأجيال الجديدة بالموسيقى؟

    إن فكرة تأسيس ” الأكاديمية “، في المغرب تتجاوز بكثير حدود الحلم الشخصي. في البداية كان المشروع الثقافي نابعاً من رغبة في نقل الفرصة الثمينة التي حظيتُ بها أنا نفسي، حين التقيت طوال مسيرتي بأساتذة وشخصيات أثّرت في تكويني الفني والإنساني. كما كانت وسيلة للتقرب أكثر من المغرب، لفهم جذوري ومنح انتمائي المزدوج معنى أعمق.

    ومع السنوات، أخذ المشروع بعداً أكثر طموحاً. اليوم، ومن خلال مشروع “الأوبرا للجميع”، الذي أُنجز بشراكة مع وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة المغربيتين، أسعى إلى إثبات أن الموسيقى أداة حقيقية للتحول الاجتماعي والتربوي.

    وأنا مؤمنة بأن تعليم الموسيقى لا يقتصر على تعلّم تقنية العزف، بل يطوّر التركيز والانضباط والقدرة على الإصغاء والثقة بالنفس وروح العمل الجماعي والتفكير. كما يمكن أن يساهم فعلياً في محاربة الهدر المدرسي عبر إعادة الشباب إلى متعة التعلّم وفخر التقدّم.

    وهكذا فإن مشروع “الأوبرا للجميع” يتجاوز الممارسة الموسيقية وحدها، ليمنح الأجيال الجديدة فضاءً للنمو الفكري والإنساني والانفتاح على العالم.

    وأشعر اليوم أنني توصلت إلى نموذج قادر على إحداث أثر مستدام. وأمنيتي العميقة أن تدرك المؤسسات المغربية الإمكانات الحقيقية لهذه الرؤية وأن تمنحها دعماً رسمياً في أقرب وقت.

    وبصورة أوسع، أشعر، بصفتي مغربية مقيمة في الخارج، أنني أحمل تجربة خاصة. وهذا لا يخصني وحدي. فالمغاربة المقيمون عبر العالم يمتلكون غالباً رؤية مختلفة تشكّلت من خلال احتكاكهم اليومي بأنظمة وأساليب أخرى. وهذه الرؤية قد تكون ثمينة في خدمة تطور البلاد، إذا ما جرى الاعتراف فعلياً بمشاريعهم من طرف المؤسسات المغربية.

    وأود أيضاً أن أحيّي العمل المميز الذي تقوم به وزارة الثقافة المغربية في إطار مشروع “الأوبرا للجميع”. فقد أبهرتني فرق العمل دائماً بمهنيتها والتزامها.

    بعيداً عن خشبة المسرح، ماذا تقرئين؟ وما اهتماماتك وهواياتك التي تغذي حساسيتك الفنية وتنعكس على عزفك؟

    خارج المسرح، فإن الشخص الذي يغذي حساسيتي الفنية أكثر من أي أحد آخر هو ابنتي ذات الستة عشر عاماً. إن قضاء لحظات جميلة معها يمنحني توازناً وإلهاماً دائماً. نحن نحب الذهاب إلى السينما والطهي معاً وتبادل الحديث حول مواضيع كثيرة. لقد علّمتني الأمومة أن أُصغي بطريقة مختلفة، وأن أرى العالم بقدر أكبر من الإنسانية، وهذا ينعكس حتماً على طريقتي في العزف ونقل الموسيقى.

    كما أحب كثيراً استقبال الأصدقاء في البيت. فالطهي لهم ومشاركة المائدة وخلق لحظات دافئة من اللقاء هو بالنسبة إليّ شكل من أشكال الفن. وتلك اللحظات الإنسانية تغذي الروابط التي تقوم عليها كل تجربة فنية حقيقية.

    وتحتل الرياضة أيضاً مكانة مهمة في حياتي. وقد اكتشفت رياضة الكيك بوكسينغ، وهي رياضة تناسب طبعي لأنها تتطلب التركيز والطاقة وضبط النفس.

    أما القراءة، فهي للأسف أقل مما أتمنى، لأن جزءاً كبيراً من وقتي يذهب إلى العمل وتطوير “ الأكاديمية ”، لكن حين أجد فرصة للقراءة، أميل إلى كتّاب مثل شتيفان تسفايغ وهاري موليش.

    بعد سنوات طويلة من العمل وتراكم التجربة، كيف تنظرين إلى النجاح والشهرة؟ هل هما ثمرة طبيعية للشغف، أم عبء يدفع الفنان إلى إعادة تعريف نفسه باستمرار؟

    الشغف من دون عمل وانضباط لا يساوي شيئاً. والفنان الذي يتجمد داخل يقينياته لا يتطور، يفقد جزءاً كبيراً من فنه وروحه. لكن إعادة تعريف الذات ليست عبئاً، فهي قوة تدفع الإنسان نحو مزيد من الإنسانية.

    وبعد ما يقارب ثلاثين عاماً من المسيرة الفنية، تغيّرت نظرتي إلى النجاح والشهرة بشكل عميق. وحين يكون الإنسان شاباً، تبدو هذه الأمور مهمة جداً. يشعر بالحاجة إلى أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه قادر على بلوغ مستوى معين، وأن يجد مكانه ويحصل على الاعتراف بعمله.

    لكن مع مرور الزمن، تفقد هذه الأهداف مركزيتها. وبالنسبة إليّ، شكّلت ولادة ابنتي نقطة تحول حاسمة. فقد جعلتني أدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الاعتراف الخارجي، وإنما في القدرة على العطاء والبناء ومنح الأفعال معنى أعمق.

    ولهذا أكرّس، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، جزءاً كبيراً من طاقتي، إلى جانب عملي كعازفة كمان في أوبرا برلين الألمانية، لبناء مشاريع ثقافية وتربوية في المغرب يمكن أن تترك أثراً دائماً في الأجيال الجديدة.

    في النهاية، لم يعد النجاح بالنسبة إليّ مسألة شهرة. إنه أن أضع خبرتي وطاقتي ومتطلباتي الفنية في خدمة رؤية أكبر مني. لقد كانت الشهرة الموسيقية نقطة البداية، أما هدفي اليوم فأوسع بكثير: أن أنقل المعرفة، وأبني، وأُلهم، وأساهم عبر الفن في تغيير الأشياء بصورة مستدامة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بنعبد الله يكشف « ضغوطا حكومية » على نواب الأغلبية بسبب « الفراقشية »

    هسبريس من الرباط

    كشف محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أن “نواب الأغلبية تلقوا تهديدات صريحة كي لا يؤازروا المعارضة إطلاقا في تشكيل لجنة لتقصي الحقائق” التي أثير حولها نقاش نيابي وعمومي وسياسي بخصوص الإجراءات التي همّت استيراد المواشي واللحوم الحمراء من الخارج، مبرزا أن “أعضاء من المؤسسة التشريعية باسم مكونات الأغلبية صرحوا بذلك مباشرة”.

    وقال بنعبد الله، في لقاء خاص مع جريدة هسبريس الإلكترونية، إنهم “صرّحوا بوجود تعليمات صارمة بعدم التوقيع معنا، وبأن من يفعل ذلك فسيواجه إجراءات تأديبية”، موردا أن هذا الملف المعروف إعلاميا بتوصيف “الفراقشية” ما زال بـ”حاجة فعلية” إلى لجنة لتقصي الحقائق تحدثها المؤسسة النيابية، لا سيما أن “هناك أعمالا استقصائية مبنية على أرقام رسمية تؤكد أن مليارات الدراهم قد صُرِفت في غير محلها”.

    ملف “الفراقشية”

    يعد ملف استيراد اللحوم والمواشي من القضايا الكبرى التي تصرّ بها المعارضة المؤسساتية والحزبية على إحراج السلطة الحكومية بالنظر إلى ما يثار حولها من سجال عمومي ممتد. وسجل القيادي اليساري البارز أن “حزبه كان أول من ألقى الحجرة الأولى في بركة هذا الموضوع”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وتابع ضيف هسبريس: “شكلت تدوينتنا انطلاقة لسيل جارف من النقاشات حول الشبهات التي رافقت دعم استيراد المواشي”.

    وأثناء مواجهته بكون الحكومة وقيادات حزب التجمع الوطني للأحرار تعتبر هذا الموضوع “فرقعة إعلامية مكتظة بالمغالطات في الأرقام التي يتم الاستناد إليها”، رد الأمين العام لحزب “الكتاب” بأن “البيانات المقدمة رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية نفسها”.

    وزاد القيادي الحزبي سالف الذكر: “ساءلنا الحكومة عن أوجه الدعم المقدم كافة، سواء أكان دعما مباشرا أم ما يُعرف بالمداخيل غير المحصلة نتيجة السياسات الجمركية والضريبية المعتمدة”.

    وأشار إلى “وجود شبهات تتصل بصرف اعتمادات بشكل أو بآخر في هذا الدعم”، مبرزا أن “هذا يعني أن هناك أفرادا لم يستوردوا رأسا واحدا من الماشية ومع ذلك استفادوا من الدعم، وهذه قمة تضارب المصالح”؛ وهي “أشياء تتطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق؛ غير أن المعارضة لا تملك النصاب القانوني لتشكيلها، لأن ذلك يستلزم توقيع عدد من نواب الأغلبية”.

    واستحضر المتحدث عينه أيضا “تعذر تفعيل لجنة تقصي الحقائق، فيما تحول الأمر إلى مجرد مهمة استطلاعية، ثم ما لبثت أن اختفت هذه المهمة الاستطلاعية نفسها ولم نعد نسمع عنها ركازا، لتتم في نهاية المطاف عملية إقبار الملف برمته”، معتبرا أنه “عموما ما زال مفتوحا إعلاميا وداخل قبة البرلمان، وما زال الضغط مستمرا على الحكومة لتقديم الحساب”.

    مواكبة الأسواق

    بشأن القرار الذي أصدره رئيس الحكومة ويتضمن حزمة من التدابير التنظيمية الرامية إلى تأطير أسواق بيع أضاحي العيد والتصدي للممارسات التي تساهم في الارتفاع غير المبرر للأسعار، بمناسبة عيد الأضحى، اعتبر بنعبد الله أنها “إيجابية”.

    وتابع: “على الرغم من أن العيد لم يعد يفصلنا عنه سوى أسبوع واحد، فإننا نتمنى أن تُفعّل هذه الإجراءات على أرض الواقع، وأن تسهم فعليا في خفض الأسعار الصاروخية التي عدنا لنشهدها مجددا في أسواق أضاحي العيد”.

    وأشار القيادي الحزبي إلى أن الحكومة لم تكن تنتبه أبدا إلى هذا الأمر في السابق، مبرزا أن هذه الإجراءات نفسها التي تم الإعلان عنها، سبق لحزبه أن اقترح ما يضاهيها عندما استشعر الارتفاع الصاروخي للأسعار، مستدلا على ذلك بمضامين الرسالتين المفتوحتين اللتين وجههما المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية إلى عزيز أخنوش، رئيس الحكومة (الأولى في مارس 2023 والثانية في ماي 2024)”.

    ومضى قائلا: “أكدنا فيهما على ضرورة مراقبة سلاسل التسويق من منشئها الأصلي حتى وصولها إلى المواطن”، معتبرا أن “وجود أضاحٍ تُباع بـ8 أو 7 آلاف درهم، ويبلغ متوسط الأسعار في السوق 5 آلاف درهم، يقتضي قياس الأمر بالقدرة الشرائية وبالواقع المعيشي للمواطنين، وهو مسألة بالغة الصعوبة”.

    وأفاد المتحدث بأن “الأضحية بالنسبة للأسر المغربية مسألة متجذرة في وجدانها؛ فهي شعيرة دينية طبعا؛ لكنها ترتبط أيضا بالتقاليد والقيم المجتمعية. ولذلك، فإنهم يحرصون على الأضحية مهما كانت الظروف”.

    وتابع: “عندما تُعلن بعض الأرقام والتقديرات داخل قبة البرلمان، ينبغي أن يتوفر حد معقول من الواقعية والتوازن؛ لأن الحديث عن أضحية بـ1000 درهم يبدو منفصلا تماما عن الواقع بالنظر إلى الأسعار التي نشهدها اليوم، فهذا المبلغ قد يكفي لامتلاك فخذ خروف ليس إلا”.

    ودعا الفاعل الحكومي السابق إلى إرساء منطق لتدخلات حقيقية، معللا ذلك بوجود “ضغوط هائلة على المواطنين بسبب أسعار المحروقات، والخضراوات، والعديد من المواد الغذائية الأخرى، فضلا عن تكاليف الخدمات التي ارتفعت، قبل أن يأتي العيد ليشكل عبئا ماليا وتضحية كبيرة للأسر”، متمنيا أن “تكون التدابير المتخذة في مستوى ردع المضاربين والوسطاء الذين يتغولون في مختلف مراحل التسويق”.

    الشطيبي والإخلال بالمؤسسات

    وعلى هامش الجدل الذي فجّره النائب البرلماني الاتحادي إدريس الشطيبي، خلال ترؤسه الجلسة العامة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب، الاثنين، بعد اتهامه حزب العدالة والتنمية بأنه “شيعي”، وإثارة اسم بنعبد الله في هذا السياق، هاجم الأمين العام لحزب “الكتاب” عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، موردا أنه “من غير المقبول بتاتا أن يترأس شخص جلسة برلمانية رسمية، بصفته نائبا لرئيس المجلس، ثم يتحدث بأسلوب مستهتر وتهريجي لا يراعي وقار ورمزية المؤسسة التشريعية”.

    واعتبر ضيف هسبريس أن مثل هذه السلوكات في الغرفة البرلمانية الأولى بـ”وصفها الهيئة الأساسية للبرلمان” تؤدي إلى مزيد من النفور من السياسة، وقال: “دخلنا بالفعل مرحلة انتخابية تُظهر في كل مناسبة مؤشرات عزوف واضحة؛ ولكننا في الوقت ذاته نرصد الكثير من الانحرافات والممارسات الخاطئة، سواء على المستوى الإعلامي أو السياسي أو المؤسساتي”.

    وقال المتحدث إن “المشكلة القائمة اليوم هي أن المواطنين تملكهم الغضب من الممارسة السياسية الحالية، وباتوا يرون أنها أصبحت مطية لخدمة المصالح الخاصة؛ وهو ما يفضي بالضرورة إلى العزوف السياسي وضعف المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية”.

    وتساءل: “ثم علامَ يتم الزج بقضايا من قبيل ‘الشيعة’ داخل البرلمان؟”، مضيفا أن “المغاربة يمارسون شعائرهم الدينية في إطار الإسلام السني المعتدل والوسطي المعروف، فما الداعي لإثارة هذه الحساسيات والمواضيع داخل مؤسسة تشريعية؟”، خالصا إلى أن الشيوعيين الذين ذكرهم الشطيبي أيضا “أشرف منه بكثير، وهم عبر العالم أشخاص ناضلوا ودافعوا عن قيم ومبادئ إنسانية، وضحوا بحياتهم في سبيل استقلال أوطانهم وحريتها”.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • يوناس لاوفينر “ملك سويسرا” يكشف لـ”مدار21″ سر ارتباطه بالمغرب

    تحول شاب يدعى يوناس لاوفينر، من أب سويسري وأم مغربية، إلى شخصية مثيرة للجدل حول العالم، بعد إعلانه نفسه “ملك سويسرا”، مستفيداً من ثغرة قانونية مكنته من الاستحواذ على ما يقارب 117 ألف متر مربع من الأراضي.

    واستند لاوفينر إلى المادة 658 من القانون المدني السويسري، التي تسمح بتسوية وضعية الأراضي غير المسجلة أو مجهولة المالك وإدخالها ضمن المنظومة القانونية.

    وفي تصريح خاص لجريدة “مدار21” الإلكترونية، تحدث يوناس عن أصوله المغربية وتأثير والدته وزياراته المتكررة للمغرب، مؤكدا أنه يتحدث عددا لا بأس به من الكلمات بالدارجة المغربية، وأن والدته تنحدر من مدينة خريبكة.

    وقال الشاب الثلاثيني، المعروف إعلامياً بـ“ملك سويسرا”، إن علاقته بالمغرب كانت دائماً مميزة بالنسبة إليه، مضيفاً: “لقد زرت المغرب حوالي ست عشرة مرة خلال حياتي، وفي كل مرة أعود فيها أشعر بإلهام جديد”.

    وأردف قائلاً إن ما يجذبه أكثر ليس فقط المناخ الدافئ، بل خصوصاً دفء الناس، مشيراً إلى أنه لطالما وجد المغاربة مرحِّبين بشكل استثنائي وودودين ومنفتحين، وأن هناك حساً قوياً بالضيافة وبالتواصل الإنساني يقدّره كثيراً.

    وأضاف في حديثه للجريدة أن المغرب مكّنه في الوقت نفسه من اكتشاف منظور ثقافي مختلف تماماً عن سويسرا، موضحاً أنه لاحظ كيف يتم غالباً حلّ المشكلات بطريقة براغماتية ومرنة للغاية، وهو ما أدهشه وأثر حتى على بعض جوانب تفكيره ومنهجه الريادي في سويسرا، معتبراً أن هناك الكثير مما يمكن تعلمه من خوض تجارب ثقافية مختلفة مع احترام خصوصيتها في الوقت ذاته.

    وعن تأثير والدته، قال إن والدته لعبت دوراً كبيراً في تشكيل طريقة تفكيره، مضيفاً أنها كانت دائماً طموحة، وتركّز على الأهداف، ومصممة على تحقيق النجاح، وأن رؤية عملها الجاد وسعيها لتحقيق رؤيتها ألهمته منذ الصغر ليكون ناجحاً بدوره، وأن يبني شيئاً ذا معنى واستمرارية.

    وفي حديثه عن فكرة تنصيب نفسه “ملكاً”، أوضح يوناس لاوفينر أنه كان أحد أكبر أحلامه دائماً هو امتلاك أرض، مشيراً إلى أنه في عيد ميلاده العشرين أهداه والده أول قطعة أرض صغيرة تبلغ حوالي 800 متر مربع، معتبراً أن ذلك لم يكن مجرد ملكية عقارية، بل رمزاً للاستقلال والمسؤولية وبداية رؤية أكبر، ومع مرور الوقت تطورت طموحات التوسع لديه وبدأ المشروع يكبر خطوة بخطوة.

    وكشف أنه يمتلك اليوم أراض موزعة في مختلف أنحاء سويسرا، بما في ذلك عقارات ذات مواقع استراتيجية، وحالياً 83 شارعاً في كانتونات مختلفة، موضحاً أن ما بدأ كحلم شخصي رمزي تطور تدريجياً إلى مشروع أكبر بكثير له أبعاد اقتصادية وثقافية وفلسفية.

    وخلافاً للمتداول، أكد في تصريحه لجريدة “مدار21” الإلكترونية أن فكرة “المملكة” غالباً ما يُساء فهمها، لذلك يحرص على شرحها بوضوح، موضحاً أن سويسرا تاريخياً لم يكن لها ملك بالمعنى التقليدي، وأن هذا اللقب نفسه أُطلق عليه في الأصل من طرف وسائل إعلام ألمانية، التي بدأت تشير إليه بـ“ملك سويسرا”، قبل ذلك كان معروفاً أيضاً بـ“ملك إمبراطورية لاوفينر” بسبب ممتلكاته، ومع مرور الوقت تبنّى هذا اللقب وحوّله إلى مفهوم رمزي.

    وأضاف أن سويسرا دولة ديمقراطية، ولا يملك أي سلطة سياسية عليها، وأن دوره السياسي الرسمي يقتصر على عضويته في مجلس مدينة بورغدورف، مشيراً إلى أن “الملكية” التي أنشأها هي ملكية رمزية وليست حكومية، وتمثل شكلاً حديثاً وسلمياً من الهوية والرؤية والاستمرارية، وليس من السيطرة السياسية، معتبراً أنها من هذا المنظور أول ملكية رمزية من هذا النوع في سويسرا.

    ولفت إلى أنه مهتم بالمساهمة أكثر في الحياة العامة والسياسية، رغم أن السياسة تتطلب قدراً كبيراً من الطاقة والصبر، مضيفاً أن كونه “ملكاً” وإدارة مشاريعه يتطلبان في الوقت الحالي التزاماً هائلاً.

    ثقافياً، قال إنه يؤمن بشدة بضرورة الحفاظ على التنوع بين الأمم والتقاليد، موضحاً أنه يقدّر الثقافة المغربية كما يقدّر الثقافة السويسرية في سويسرا، ولا يؤمن بأن العالم يجب أن يتجه نحو ثقافة عالمية واحدة، لأن اختلاف الثقافات يمنح الإنسانية ثراءً وهوية وجمالاً ورؤية، ويرى أن من المهم الحفاظ على هذه الفوارق بدلاً من إلغائها.

    وكشف أنه، بالنظر إلى المستقبل، فإن هدفه الأساسي هو مواصلة تطوير ممتلكاته وتحقيق الدخل منها بشكل مسؤول، عبر ترميم المباني وخلق أماكن جميلة وتوفير فضاءات يمكن للناس استئجارها والاستمتاع بها، على أن يكون لكل عقار هدف ذو معنى واستخدام عملي.

    وختم تصريحه للجريدة بالقول إنه، بعيداً عن الأعمال، يرى نفسه أيضاً شخصاً يسعى إلى حماية جمال سويسرا وحريتها وتفردها، مؤكداً أنه يحب هذا البلد بعمق، وأن الحفاظ على هويته واستقراره وثرائه الثقافي مسألة مهمة جداً بالنسبة إليه.

    يشار إلى أن يوناس يعمل في حياته اليومية متخصصاً في تكنولوجيا المعلومات، غير أنه يدير اليوم، بمساندة فريق يضم عشرة أشخاص، محفظة عقارية تتألف من نحو 145 قطعة أرض موزعة على تسعة كانتونات سويسرية، بمساحة إجمالية تُقدّر بحوالي 65 ألف متر مربع. وكان أحدث توسعاته العقارية اقتناء موقع صناعي تبلغ مساحته 5800 متر مربع في منطقة بيرتود التابعة لكانتون برن.

    وعبر موقع إلكتروني أنشأه خصيصاً لما يسميه “المملكة”، يعرض يوناس تفاصيل “دولته” الرمزية، بما في ذلك حدودها الافتراضية، وعلم الإمبراطورية، ونشيدها الوطني، إضافة إلى إصدار عملة خاصة تحمل صورته تحت اسم “الفيلار الإمبراطوري”، تُقدَّر قيمتها بنحو 23 فرنكاً سويسرياً. كما يضم الموقع شجرة نسب يدّعي امتدادها إلى القرن السابع عشر، مع إتاحة إمكانية تقديم طلبات الحصول على “الجنسية الإمبراطورية” عبر المنصة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خربوش لـ »TELSPORT عربي »: يجب جعل المعد الذهني شرطا إلزاميا ونحتاج لتغيير العقليات (حوار)

    « المباريات الرسمية ليست سوى امتداد للتدريبات اليومية، لكن في أجواء وضغط مختلفين ».. بهذه العبارة تختصر فاطمة الزهراء خربوش، المعدة الذهنية لفريق اتحاد يعقوب المنصور للسيدات، جوهر العمل الذهني في كرة القدم الحديثة، حيث لم يعد التفوق مرتبطا فقط بالجانب البدني أو التكتيكي، بل أصبح الاشتغال على الصحة النفسية للاعب عنصرا حاسما في صناعة الفارق.

    في هذا الحوار مع مجلة « TELSPORT عربي »، تسلط خربوش الضوء على واقع الإعداد الذهني في كرة القدم المغربية، وأهميته داخل الفرق النسوية، كما تكشف عن أبرز التحديات التي تواجه هذا التخصص.

    في كرة القدم الحديثة، أصبح الإعداد الذهني لا يقل أهمية عن الإعداد البدني والتكتيكي، من خلال تجربتك مع فريق اتحاد يعقوب المنصور للسيدات، هل وصلنا فعلا إلى هذه المرحلة، أم إن الطريق ما يزال طويلا لتحقيق ذلك؟

    الوعي بأهمية الإعداد الذهني داخل أندية كرة القدم، سواء تعلق الأمر بفئة الذكور أو الإناث، في ارتفاع، لكن حاليا يمكن القول إننا ما نزال في مرحلة البناء. إذ لم نصل بعد في المغرب إلى مرحلة يصبح فيها الإعداد الذهني جزءا أساسيا ومندمجا بشكل كامل داخل منظومة كرة القدم الوطنية.

    نحن في حاجة إلى مزيد من الوقت، إلى جانب عمل متواصل ومنهجي لتأصيل الإعداد الذهني، حتى يحظى داخل الأندية بنفس الأهمية التي يتمتع بها الإعداد البدني والتكتيكي.

    ومن خلال تجربتي مع نادي اتحاد يعقوب المنصور للسيدات، فإن عددا من اللاعبات أظهرن واعيا بأهمية هذا الجانب الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من التحضيرات، كما أصبحن يطلبن مباشرة المساعدة لمواكبتهن بشكل يومي.

    كيف يمكن تعريف « العمل الذهني » داخل الفريق؟ وهل يقتصر حضوره على المباريات، أم يبدأ منذ الحصص التدريبية اليومية؟

    لا يمكن اختزال العمل الذهني داخل أندية كرة القدم في لحظة المباريات فقط، لأنه، وعلى غرار الإعداد البدني والتكتيكي، يبنى ويُطوَّر بشكل يومي ومنهجي.

    من خلال تجربتي، أعمل مع اللاعبات بشكل يومي وعلى مستويين متكاملين، أولا، عبر حصص إعداد ذهني جماعية تهدف إلى تعزيز روح الفريق، وتقوية التواصل بين مختلف مكوناته.

    ثانيا، من خلال برمجة لقاءات فردية مع كل لاعبة على حدة، وفق احتياجاتها الخاصة وظروفها النفسية، ومشاكلها.

    ومما يسهل عملنا كمعدين ذهنيين هو وعي اللاعبة بالمشكل أو ما يمكن تسميته « الحاجز الذهني »، وقدرتها على تحديده بدقة، ثم العمل على التحكم في الضغط المحيط بها، والحفاظ على تركيزها سواء خلال التدريبات أو أثناء المباريات.

    وأؤكد دائما للاعبات أن المباريات الرسمية ليست سوى امتداد للتدريبات اليومية، لكنها تقام في أجواء وطقوس مختلفة، وتحت ضغط أكبر.

    ما أبرز الحالات التي يتدخل فيها المعد الذهني داخل الفريق، وهل ترتبط أكثر بالضغط النفسي أم بكيفية التعامل مع الهزيمة؟

    تعد مسألة الهزيمة وما ينتج عنها من فقدان الثقة من أكثر الحالات شيوعا التي تعاملت معها في عملي، فقد اشتغلت مع لاعبين ولاعبات فقدوا ثقتهم في أنفسهم لأسباب مختلفة، من بينها قلة دقائق اللعب، أو ضغط المنافسة، أو الخوف من ارتكاب الأخطاء وما قد يترتب عنه من فقدان المكانة داخل الفريق أو ثقة الطاقم التقني.

    ومن خلال تجربتي، لاحظت أن الثقة بالنفس تشكل المحور الأساسي في البناء الذهني للاعب أو اللاعبة، وهي عنصر حاسم قد يصنع الفارق الحقيقي بين لاعب وآخر.

    فعندما تكون هذه الثقة راسخة وقوية، يصبح اللاعب قادرا على إحداث تحول كبير في مساره الرياضي، وتجاوز الصعوبات، وفرض نفسه بشكل أفضل داخل المجموعة.

    لذلك، فإن العمل على تعزيز الثقة بالنفس يظل من أهم المفاتيح التي نركز عليها، لما لها من تأثير مباشر في تطوير الأداء وتحقيق التوازن الذهني داخل الملعب وخارجه.

    هناك أندية تعتمد على المعد الذهني كعنصر دائم ضمن الطاقم التقني، وأخرى تلجأ إليه فقط في فترات الأزمات. من وجهة نظرك، ما الفرق في النتائج بين هذين النموذجين؟

    الفرق بين النموذجين كبير وواضح، فحين يتوفر الفريق على مُعد ذهني دائم ضمن الطاقم، يصبح العمل متكاملا ومستمرا بين جميع المتدخلين وعلى المدى البعيد، ولا يقتصر فقط على تدبير الأزمات عند حدوثها.

    في هذا الإطار، يتعلم اللاعبون واللاعبات التعامل مع الضغط بشكل تدريجي وطبيعي، لأن المواكبة تكون يومية وليست ظرفية.

    ومع مرور الوقت، يتحول الضغط إلى عنصر مألوف في حياتهم الرياضية، ويتم اكتساب أدوات ذهنية تساعدهم على التحكم فيه بدل التأثر به.

    في المقابل، نلاحظ أن الفرق التي تلجأ إلى المعد الذهني فقط خلال فترات المنافسات أو عند الأزمات، تجد نفسها أمام صعوبات مركزة في وقت محدود، ما يجعل التدخل أقل فاعلية وتبقى نتائجه محدودة.

    لذلك، يمكن القول إن الإعداد الذهني هو استثمار طويل الأمد داخل أندية كرة القدم، وليس مجرد تدخل ظرفي يستدعى عند الحاجة.

    في كرة القدم النسوية تحديدا، هل ترين أن اللاعبات يتفاعلن مع الإعداد الذهني بشكل مختلف مقارنة بالرجال؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين يتجلى هذا الاختلاف؟

    نعم، يمكن الحديث عن بعض الفوارق في كيفية تفاعل اللاعبات مع الإعداد الذهني مقارنة باللاعبين، وأبرزها يتجلى في طبيعة الاستجابة والانخراط في هذا العمل.

    ففي كثير من الحالات، تظهر لاعبات كرة القدم حساسية أكبر تجاه المحيط والضغوط المختلفة، وهو ما يجعلهن قادرات على التفاعل بشكل أعمق مع العمل الذهني، متى تم التعامل معهن بالطريقة المناسبة.

    هذه الحساسية، ورغم ما قد تشكله ظاهريا من تحد، يمكن أن تتحول إلى نقطة قوة حقيقية إذا أحسن توظيفها.

    في المقابل، تحتاج اللاعبات غالبا إلى وقت أطول لبناء الثقة مع المعد الذهني، وكذلك لفهم مسار الإعداد الذهني واستيعاب آلياته.

    وهنا يبرز دور المعد في ترسيخ علاقة قائمة على الثقة والوضوح، لأن هذه الثقة تعد الأساس الذي يسمح للاعبات بالانخراط الكامل، والاستماع، ثم تطبيق التوجيهات بشكل فعال.

    وعندما تتأسس هذه العلاقة بشكل سليم، فإن النتائج غالبا ما تظهر بسرعة، ويكون تطور الأداء الذهني والرياضي ملحوظا بشكل إيجابي.

    كيف يتم التعامل مع لاعبة فقدت ثقتها بنفسها بعد إصابة أو سلسلة من النتائج السلبية، هل هناك بروتوكول محدد، أم أن لكل حالة مقاربة خاصة؟

    لا يوجد بروتوكول واحد يصلح لجميع الحالات، فالإعداد الذهني يقوم أساسا على مبدأ التعامل الفردي، أي وفق خصوصية كل لاعبة أو لاعب، حيث تفرض شخصية الرياضي واحتياجاته النفسية نوع المقاربة المعتمدة.

    في العادة، نبدأ أولا بمرحلة الاستماع الجيد للرياضي، إذ من الضروري أن يشعر بأنه مسموع ومفهوم، وأن هناك تعاطفا حقيقيا مع وضعه، وليس مجرد تحليل جاف لشخصيته. هذه الخطوة تعد أساسية لبناء الثقة وتهيئة الأرضية للعمل.

    بعد ذلك، ننتقل تدريجيا إلى العمل على استعادة الثقة بالنفس، من خلال وضع أهداف صغيرة، واقعية وقابلة للتحقيق، وعندما يبدأ اللاعب أو اللاعبة في تحقيق هذه الأهداف، يتولد لديهم إحساس بالقدرة والإنجاز، وهو ما يشكل دافعا قويا للاستمرار.

    ومع هذا التقدم، نعمل على توسيع دائرة الثقة، إلى أن يدرك الرياضي أنه قادر على تحقيق أمور أكبر، ويستعيد تدريجيا إيمانه بإمكاناته، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على أدائه داخل الملعب وخارجه.

    يعد الضغط الجماهيري والإعلامي من أكبر التحديات، فكيف يتم إعداد اللاعبات نفسيا لخوض المباريات الحاسمة؟

    في المباريات الحاسمة، لا يبدأ الإعداد الذهني قبل يوم واحد فقط من موعدها، بل ينطلق قبل عدة أيام من المواجهة، ضمن عمل تدريجي يهدف إلى تهيئة اللاعب أو اللاعبة نفسيا بشكل متوازن.

    نحرص في هذه المرحلة على خلق حالة ذهنية مستقرة، بعيدة عن التوتر والقلق والضغط المفرط، ويتم ذلك من خلال الاشتغال على تقنيات الاسترخاء، إلى جانب تعزيز الحوار الداخلي الإيجابي، بما يساعد الرياضي على التحكم في أفكاره ومشاعره.

    كما نركز بشكل أساسي على توجيه انتباه اللاعب نحو العوامل الداخلية التي يمكنه التحكم فيها، مثل أدائه، وتركيزه، واستعداده، بدل الانشغال بالعوامل الخارجية كالجمهور، أو التحكيم، أو الإعلام.

    والهدف هو تقليص تأثير هذه المؤثرات، وجعل اللاعب أكثر ثقة في تحضيراته وإمكاناته داخل رقعة الميدان.

    وعندما يلتزم اللاعب بهذه التوجيهات، يدخل المباراة وهو واعٍ بما يجب عليه القيام به، ومؤمن بنقاط قوته، لكونه أصبح في وضع ذهني أفضل يسمح له بتقديم أداء متوازن وقريب من إمكاناته الحقيقية.

    هل سبق أن لاحظت أن الإعداد الذهني كان له تأثير مباشر في تغيير نتيجة مباراة أو مسار موسم كامل؟ وهل يمكن مشاركة مثال ملموس من تجربتك؟

    عندما يتوفر الوقت الكافي للإعداد الذهني داخل أي فريق، ويتم الاشتغال عليه بطريقة صحيحة ومنهجية، فإن أثره يكون واضحا وملموسا، وينعكس بشكل مباشر على الأداء فوق أرضية الملعب.

    فالإعداد الذهني لا يعطي ثماره بشكل فوري فقط، بل يراكم نتائجه مع مرور الوقت، ويسهم في تحقيق استقرار نفسي وأداء أكثر توازنا.

    ويمكن ملاحظة أهمية هذا الجانب، بشكل أكبر، في نهاية الموسم، حين يصل اللاعبون إلى مرحلة من الإرهاق البدني، وهنا تحديدا يبدأ العامل الذهني في صنع الفارق الحقيقي بين الرياضيين.

    ففي الوقت الذي تتقارب فيه الجاهزية البدنية، تصبح القوة الذهنية، والقدرة على التركيز، والتحكم في الضغط، عناصر حاسمة في تحديد مستوى الأداء.

    ومن خلال تجربتي مع اللاعبات، واجهنا في مرحلة معينة تحديا مرتبطا بعدم رضاهن عن عدد دقائق اللعب، وهو أمر كان يؤثر سلبا على حالاتهن الذهنية وعطائهن داخل الملعب.

    لكن بعد الاشتغال على هذا الجانب، من خلال حصص ذهنية موجهة، بدأ التغيير يظهر تدريجيا، سواء على مستوى تقبل الأدوار، أو الحفاظ على التركيز، أو الاستعداد الذهني عند المشاركة.

    ومع مرور الوقت، انعكس هذا العمل بشكل إيجابي على الأداء، إذ أصبحت اللاعبات أكثر جاهزية، وأكثر قدرة على استثمار الفرص المتاحة لهن، وهو ما يؤكد أن الإعداد الذهني، عندما يتم إيلاؤه الوقت والاهتمام اللازمين، يمكنه أن يحدث تحولا حقيقيا في مسار الفريق وأداء أفراده.

    في المغرب، لم ينل بعد دور المعد الذهني مكانته الكاملة. برأيك، أين يكمن الخلل؟

    يرجع ذلك، في نظري، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.

    أولا، هناك إشكال مرتبط بالعقليات، إذ لا يزال البعض ينظر إلى الإعداد الذهني على أنه نوع من الرفاهية أو عنصر ثانوي، مخصص فقط للمستويات الاحترافية، وليس حاجة أساسية داخل جميع الأندية.

    ثانيا، عامل التكوين، حيث نسجل نقصا في البرامج المتخصصة وفي الأطر المؤهلة، سواء على مستوى التكوين أو داخل الأندية.

    ثالثا، مسألة الإمكانيات، إذ تغفل العديد من الأندية ( مع استثناءات معدودة على رؤوس الأصابع)، تخصيص ميزانية خاصة للمعد الذهني، رغم أهميته، وتعطي الأولوية لجوانب أخرى، دون إدراك أن الاستثمار في الجانب الذهني يمكن أن يكون له أثر مباشر وملموس على الأداء والنتائج.

    في المقابل، أرى أن الحل يبدأ أساسا من نشر الوعي داخل الأندية، سواء لدى المدربين أو المسؤولين، بقيمة الإعداد الذهني ودوره الحاسم في تطوير الأداء.

    وعندما يتعزز هذا الوعي، ستتجه الأندية بشكل طبيعي نحو إدماج المعد الذهني كعنصر أساسي داخل الطاقم التقني، على قدم المساواة مع باقي المكونات، لما له من تأثير واضح في تحسين مردودية الفريق وتحقيق نتائج أفضل.

    إذا أردنا تطوير كرة القدم الوطنية، هل ترين أن تعميم الإعداد الذهني داخل الأندية يجب أن يكون إلزاميا؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك على أرض الواقع؟

    على المدى البعيد، ينبغي أن يصبح الإعداد الذهني، والتوفر على مختص في هذا المجال، شرطا أساسيا وملزما ضمن أي طاقم تقني محترف.

    عمليا، يمكن تحقيق ذلك من خلال إدماج هذا التخصص ضمن معايير الترخيص للأندية من طرف الجامعة، بحيث يصبح وجود المعد الذهني جزءا إلزاميا داخل الطاقم التقني، تماما كباقي المكونات.

    كما يجب العمل، في الوقت نفسه، على تكوين المدربين في أساسيات علم النفس الرياضي، حتى يكون هناك وعي جماعي بأهمية هذا الجانب.

    ومن جهة أخرى، لا بد من الإشارة إلى أن هذا المجال لا يزال يعاني من قلة التكوينات المتخصصة، سواء على مستوى البرامج الأكاديمية أو المؤسسات التكوينية، وهو ما يستدعي تطوير مسارات واضحة لإعداد أطر مؤهلة في هذا المجال.

    كما ينبغي ألا ننتظر بروز الأزمات النفسية لدى الرياضيين حتى نولي هذا الجانب الاهتمام اللازم، بل يجب التعامل معه كعنصر وقائي وأساسي منذ البداية.

    لذلك، من الضروري أن يدرج الإعداد الذهني كركيزة ضمن برامج التحضير مع بداية كل موسم، تماما كما هو الحال بالنسبة للإعداد البدني.

    فمثلما يتم وضع برنامج بدني قبل انطلاق المنافسات، يجب أيضا تخصيص برنامج واضح للتحضير الذهني، سواء على مستوى المجموعة أو على المستوى الفردي، بما يساعد على تفادي الحالات المرتبطة بالضغط والتوتر، ويسهم في تحسين الأداء والنتائج.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أوخليفا: المغرب يعيش “حالة شاذة” بمنع أساتذة القانون من ممارسة المحاماة (حوار)

    جمال أمدوري

    اعتبر منير اوخليفا، أستاذ قانون الأعمال بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن اشتراط “الاستقالة أو التقاعد” لولوج الأساتذة الباحثين لمهنة المحاماة هو بمثابة “إجهاض قسري” للبعد التكاملي المعرفي، وتكريس لحالة “جحود شاذة” تنفرد بها المنظومة التشريعية المغربية مقارنة بالتجارب الدولية.

     ووصف اوخليفا في حوار مع جريدة “العمق”، الصيغة الحالية للقانون بأنها نتاج ضغط صريح من “لوبي فئوي” داخل اللجنة البرلمانية التي تشكل أغلب مكوناتها من المحامين، متهما إياهم بـ”التشريع لأنفسهم” وحماية “الاحتكار المهني” تحت ذراع مبررات واهية كخطر “إغراق المهنة”، في وقت تكشف فيه الأرقام الرسمية عن عجز بنيوي في تغطية حاجة المواطنين للدفاع بمعدل لا يتجاوز محاميا واحدا لكل 1850 نسمة.

    الحوار كاملا:

    بصفتكم من أبرز المدافعين عن حق أساتذة القانون في ولوج مهنة المحاماة، كيف تردون على من يصف مطلبكم بأنه محاولة لتحويل مهنة المحاماة إلى “صندوق تقاعد مريح” لأساتذة الجامعة؟ ألا ترون في هذا الوصف تبخيساً لخبرة علمية راكمت عقودا من إنتاج الفقه القانوني؟

    مطلب أساتذة القانون ليس “صندوق تقاعد” أو امتيازا ريعيا، بل هو سعي لتعزيز التكامل بين البحث الأكاديمي النظري والممارسة، إن حرمان الساحة القانونية من رصيد الفقه القانوني الذي يراكمه الأستاذ الباحث يعد هدرا للطاقات، وهو تبخيس صريح لخبرة علمية من المفترض أن تخدم العدالة وتقوي حصانة الدفاع، وبالتالي نتساءل هل هذا التبخيس نجده لدى الدول المتقدمة وحتى التي هي أقل منا؟ أكيد الإجابة بالنفي لأن جميع الدول فهمت مسألة مهمة مفادها أن الجمع بين التدريس الجامعي والمهنة مسألة حتمية لا يعارضها الا جاحد،

    وبناء عليه فالتجارب المقارنة الدولية لا تعتبر التدريس وممارسة المهنة حالة تنافي، بل تفتح الباب للأكاديميين للمساهمة في صياغة وتطوير الاجتهاد القضائي، الشيء الذي يجعلنا ندحض تهمة “التقاعد المريح، هذا الوصف يتجاهل أن ممارسة المحاماة تتطلب جهداً ذهنيا وميدانيا مستمرا، وهو ما يؤكد أن الدافع الأساسي هو العطاء القانوني وليس البحث عن ملاذ مريح، من يقول عكس ذلك فهو لا يفهم مهنة الدفاع أو كما نسميها عادة مهنة المتاعب، وبالتالي لا أقبل أن يقول محامي كيفما كان أن الأستاذ يبحث عن تقاعد مريح وهو ابن المهنة ويعلم أن المحاماة مهنة شاقة تتطلب جهدا مضاعفا. إن الدفع بهذا القول ما هو الا تحوير للنقاش الحقيقي والمتمثل في سؤال وجيه لكل رافض للجمع بين المهنتين، فيما يضر ذلك؟ هل الأمر فقط جحود؟ أم أنه هناك خلفيات أخرى ربما ستكشفها الممارسة للعلن ويخاف منها المحامي غير المتمكن من مهنته (لا أعمم، فهناك كفاءات عالية من السادة المحامين)؟

    كيف تقيمون مرتكزات مشروع القانون لتبرير حالة التنافي الواردة ضمن مقتضياته؟

    يرتكز مشروع القانون على ثلاث مبررات أساسية لتكريس مبدأ التنافي بين التعليم الجامعي وممارسة المهنة:

    • أولا: ضرورة التفرغ الكامل للتعليم الجامعي، استناداً إلى المادة 7 من القانون 28.08 والمادة 18 من قانون الوظيفة العمومية؛
    • ثانيا: التخوف من تضارب المصالح؛
    • ثالثا: الحفاظ على هيبة الوظيفة العمومية ومنع استغلال النفوذ الأكاديمي لأغراض خاصة.

    غير أن هذه المبررات تفتقر إلى الدقة التشريعية اللازمة عندما تؤدي إلى منع مطلق يسوي أساتذة القانون بغيرهم من الموظفين العموميين، متجاهلة خصوصية دورهم الفكري والبحثي المرتبط بطبيعته بالممارسة المهنية للمحاماة.

    وتزداد قوة هذا النقد إذا علمنا أن التشريعات المقارنة التي تسمح بالجمع بين المهنتين لم تتجاهل هذه المخاوف، بل وضعت آليات تنظيم فعالة لمعالجتها. فالمشرع الفرنسي، بدل منع الجمع، اعتمد المادة 111 من المرسوم رقم 1197-91 لمنع الأساتذة من تمثيل جامعتهم في القضايا التي تكون طرفاً فيها، كما منعت المادة 113 استعمال المعلومات المكتسبة من الوظيفة الجامعية لفائدة موكلين خارجيين. كما عزز القانون رقم 1729-2021 المتعلق بالثقة في المؤسسة القضائية الرقابة على السر المهني وتضارب المصالح بشكل استباقي لا عقابي.

    وبالمثل، سمح المشرع المصري بموجب المادة 3 من القانون رقم 17 لسنة 1983 بالتسجيل في هيئة المحامين دون فترة تدريب، معتبرا أن الدكتوراه في القانون كافية لإثبات الكفاءة، مع فرض قيود معينة لحماية المصلحة العامة. وترى هذه التشريعات أن الجمع بين التدريس والمحاماة يمنح كليات الحقوق دينامية جديدة عبر ربط الدراسة الأكاديمية بالإشكالات الواقعية المطروحة أمام المحاكم.

    وتخلص هذه التجارب إلى درسين أساسيين بالنسبة للمشرع المغربي، أولهما ضمان الحياد المؤسسي ومنع تضارب المصالح لا يقتضي المنع، بل التنظيم، ثانيهما أن الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون لا يمس بهيبة الجامعة عندما يمارس المحاماة، بل يغني دروسه وأبحاثه بواقع النظام القضائي.

    كما أن الكفاءة الأكاديمية لا تتعارض مع الممارسة القانونية، وبالتالي فالمطلوب ليس إزالة جميع القيود، وإنما الانتقال من منطق “التنافي العضوي” القائم على الهوية الوظيفية إلى منطق “التنظيم الوظيفي” القائم على طبيعة النشاط، وهو نموذج أثبت نجاحه في فرنسا ومصر ودول أخرى.

    يتذرع الرافضون بمسألة “اكتظاظ المهنة” وخريجي كليات الحقوق العاطلين. كيف يمكن لإدماج فئة نخبوية ومحدودة العدد من أساتذة التعليم العالي أن يهدد القوت اليومي للمحامين، أم أن الأمر يتعلق بـ “مقاومة غير مبررة” لولوج الكفاءات؟

    أولا دعني أقول لكم أن حق ولوج أساتذة التعليم العالي (الذين استوفوا شروطاً صارمة كتجربة تدريس لا تقل عن 8 سنوات لا يتجاوز عددهم بضع مئات موزعين على عدة مدن، وهو رقم غير قادر إحصائياً على إغراق المهنة أو تهديد قوت المحامين.

    ثانيا حسب بعض الاحصائيات هناك في المغرب تقريبا 20 ألف محامي ومحامية أو أقل وعدد سكان المغرب حسب الاحصائيات الرسمية هو 37 مليون نسمة بمعدل تقريبي محامي لكل 1850 نسمة، هذا الرقم المهول يؤكد حاجات منظومة العدالة للزيادة من عدد ممارسي مهنة المحماة بأعداد كثيرة كل سنة لتدارك هذا النقص.

    ثالثا، وهدا أمر مهم للغاية، يجب توضيحه للرأي العام، كيف لمن يعادي ولوج الأستاذ الجامعي للمهنة أن يمرر للرأي العام الوطني مغالطات يمكن دحضها حتى من القاصر المميز، حيث يتضح للجميع أن مشروع القانون 66.23 يروم التضييق عن الولوجية السلسة لمهنة المحاماة عبر فرض دبلوم الماستر بدل الاجازة، وأيضا انشاء معهد متخصص تتخرج منه دفعة سنوية تقدر ب 150 محامي متمرن، وهذا يعتبر في نظري تضيقا غير مبرر أمام خريجي كليات القانون والشريعة مما سيساهم في تفاقم البطالة.

    لطالما روج لفكرة أن المحاماة “صنعة وممارسة” لا يكفي فيها التكوين النظري للمدرجات؛ من موقعكم كمدافع عن هذا الملف، كيف يساهم الأستاذ الجامعي في الرفع من جودة العدالة وتطوير الاجتهاد القضائي؟

    قبل مطلع التسعينيات، يعتبر الجمع بين الأستاذ الجامعي والمهنة بمثابة الشكل الطبيعي، حيث كان خيرة المحامين هم في الأصل أساتذة جامعيون، والعكس صحيح”. إلا أنه مع بداية عام 1993، تم إقرار حالة “التنافي”، والدفع بكون تكوين الأستاذ الجامعي  لا يغدو أن يكون الا تكوينا نظريا بعيدا عن الممارسة العملية دفع سفسطائي فقط، والحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع أن من يكتب ويحلل قوانين المساطر هم أساتذة جامعيون، والقضاة والمحامون يستعملون هذه الانتاجات الفقهية في مجال القوانين الإجرائية في تحرير الأحكام  بالنسبة للقضاة وفي المذكرات الترافعية بالنسبة للمحامين، أتساءل أليست هذه الكتابات الفقهية دليلا قاطعا لدحض مزاعم أن الأستاذ الجامعي تنقصه التجربة العملية؟

    وبالتالي وتنويرا للرأي العام بخصوص هذه النقطة أقول أن الأستاذ الجامعي يلعب دوراً محورياً في الارتقاء بجودة العدالة وتطوير الاجتهاد القضائي بالمغرب؛ إذ يمثل الجسر الرابط بين البحث الأكاديمي الرصين والممارسة العملية داخل أروقة المحاكم. ويساهم الأستاذ الباحث في هذا الملف الحيوي من خلال عدة آليات  مثل إصدار قراءات فقهية وتحليلات نقدية للقرارات القضائية عبر المجلات القانونية المتخصصة، مما يساعد في تسليط الضوء على الإشكاليات القانونية وتوجيه الاجتهاد نحو توحيد الرؤى وتجاوز التناقضات،

    يتم الترويج أيضا إلى أن الأستاذ الجامعي موظف عمومي عديم الاستقلالية المطلوبة لممارسة المهنة، كيف تردون على هذه النقطة؟

    يشهد النقاش الحالي في المغرب حول مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، وخاصة ما يتعلق بولوج الأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة، عدة أخطاء منهجية تستحق التوقف عندها وتصحيحها. فالحجة الأكثر تداولاً ضد هذا المقترح تقوم على افتراض أن الأساتذة الجامعيين، بحكم صفتهم موظفين عموميين، يفتقرون بالضرورة إلى الاستقلالية المهنية المطلوبة لممارسة مهنة المحاماة. غير أن هذا الافتراض، رغم ما يبدو عليه من منطق ظاهري، يخفي خلطا مفاهيميا بين الوضع الإداري وممارسة الاستقلالية. فالاستقلالية ليست صفة قانونية تمنح أو تسحب تبعا للانتماء الوظيفي، بل هي ممارسة متجذرة في أخلاقيات المهنة، والشجاعة الفردية، والضمانات المؤسساتية.

    كما أن التجربة القانونية المقارنة تفند صراحة هذا الطرح. ففي فرنسا، التي غالبا ما يستشهد بنظامها القانوني في السياق المغربي، أرست المحاكم الإدارية مبدأ واضحا مفاده أن للأساتذة الجامعيين الحق في ممارسة المهن الحرة المرتبطة بطبيعة وظائفهم دون تقييد أو إلزام بإشعار مسبق للإدارة. وقد أكد مجلس الدولة الفرنسي هذا المبدأ صراحة في قراره الصادر بتاريخ 24 يوليوز 2024، حين ألغى المنشور الوزاري الذي كان يفرض على الأساتذة الجامعيين واجب الإخبار المسبق. وقد قضى مجلس الدولة الفرنسي بإلغاء منشور وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي الصادر في 22 غشت 2022 والمتعلق بتفعيل نظام التصريح المسبق لبعض الأنشطة الإضافية.

    وعوض اختزال النقاش في ثنائية مبسطة بين مستقل وغير مستقل، أو مؤهل وغير مؤهل، ينبغي التركيز على تصميم آليات رقابة إجرائية فعالة لتدبير تضارب المصالح، وتفعيل القواعد التأديبية الملائمة داخل هيئات المحامين، إلى جانب تعزيز استقلال السلطة القضائية باعتبارها وسيلة أساسية لضمان استقلالية المحامي.

    وافقت الحكومة على إعفائكم من الكفاءة والتمرين الطويل، لكنها اشترطت (الاستقالة أو التقاعد). ألا ترون أن هذا الشرط يفرغ المطلب من عمقه التكاملي؟

    دعني أقول لكم أن اشتراط الاستقالة أو التقاعد يؤدي حتما إلى إجهاض البعد التكاملي لمطلب الجمع بين المهنتين، حيث يفرغ الإعفاء من محتواه الفعلي ويحوله إلى خيار جامد يعمق القطيعة بين الجانبين الأكاديمي والعملي. بدلاً من الاستفادة المزدوجة من التراكم العلمي الجامعي والممارسة الميدانية داخل ردهات المحاكم، ويفرض على الأستاذ الباحث التخلي القسري عن منبره.

    وبالتالي هذه الشروط التي ضمنتها لجنة العدل والتشريع لمشروع القانون 66.23 لها مجموعة من الانعكاسات أهمها ضرب مبدأ التكامل المعرفي، وعزلة الجامعة عن محيطها، وهدر الرصيد المعرفي…..

    وفي الوقت الذي تسعى فيه التعديلات البرلمانية ومطالب هيئات الأساتذة الجامعيين إلى إرساء جسور حقيقية ترفع التنافي وتسمح بالجمع بين التدريس والمحاماة للاستفادة من الخبرات المزدوجة، وبالتالي نقول أن مقتضيات مشروع القانون رقم 66.23 جاءت لتضع الأساتذة أمام معادلة الاختيار الإقصائي بدلاً من التوفيق البناء.

    بعد مصادقة لجنة العدل والتشريع، يمر المقترح للمصادقة في الجلسة العامة ثم مجلس المستشارين؛ ما هي خطواتكم المقبلة كتحالف لأساتذة القانون؟

    دعني أقول لكم أن نضال هيئة الأساتذة الباحثين في القانون ليس وليد هذا المشروع بل بالعكس هو نقاش ونضال ممتد لسنين منذ 1993 إلى الأن،  وأخذ طابعه الجدي والمنهجي منذ 2018 إلى حدود الساعة وبأشكال نضالية راقية،  وأوكد لكم من خلال هذا المنبر الموقر ـأننا نؤمن أن هذا النضال ليس موجها ضد جهة معينة بل هو نضال ضد حالة لا قانونية نضال من أجل استرجاع حق تم سلبه من الأساتذة منذ تعديل 1993 علما أن القانون قبله كان يقر للأستاذ الجامعي حقه في ممارسة مهنة المحاماة دون حالة التنافي، وأنا شخصيا درسوني أساتذة القانون وهم ممارسون للمهنة  في نفس الوقت واستفدنا منهم الشيء الكثير جزاهم الله خيرا، كما أريد أن أوكد لكم أن الوقفة الأخيرة أمام البرلمان تمت برمجتها في سرية تامة منذ أن رأى هذا المشروع النور حيث كان الاتفاق على هذه الوقفة في اليوم الذي ستجتمع فيه لجنة العدل والتشريع وبالتالي فالوقفة لا علاقة لها بتصريح السيد وزير العدل ، حيث حاول البعض أن ينسبها لهذا التصريح تبخيسا لما يقوم به السادة الأساتذة من تعبئة شاملة  من أجل استرجاع حق انتزع علما أن معظم دول العالم تعترف للأستاذ الجامعي بممارسة المهنة دون حالة التنافي، ولهذا أريد من أصحاب الجحود إجابة واضحة لهدا السؤال لماذا المشرع المغربي هو الوحيد الذي يشكل الاستثناء وحالة شاذة وشاردة في العالم بخصوص إزالة حالة التنافي هذه؟

    عودة إلى سؤالكم، أعتقد أن البرنامج النضالي لتحالف هيئة الأساتذة الجامعيين في القانون سيعتمد جملة ا لاستراتيجيات والخطوات الميدانية والمؤسساتية أهمها المرافعة المؤسساتية كتكثيف التواصل مع الفرق البرلمانية بمجلس المستشارين ورؤساء اللجان، والتصعيد الاحتجاجي الموازي عبر تنظيم وقفات احتجاجية وحملات إعلامية ثم المراقبة الدستورية من خلال الاستعداد لصياغة مذكرات ودعم الطعون المحتملة أمام المحكمة الدستورية للجهات المسموح لها بالقيام بذلك في حال تم تمرير أي مقتضيات تمييزية…

    في ظل التشنج الحالي، كيف يمكن بناء “جسر تكاملي” مستدام بين الجامعة المغربية وهيئات المحامين ، بعيدا عن صراع المصالح الفئوية؟

    إن بناء “جسر تكاملي” مستدام بين الجامعة المغربية وهيئات المحامين يتطلب تجاوز المقاربات الفئوية نحو “ميثاق وطني للعدالة والقانون”، حيث يرتكز هذا الجسر على تبادل الأدوار الذي يضمن استفادة الممارس من التأصيل النظري والنقد الأكاديمي، وفي المقابل تغذية البحث العلمي بالواقع العملي للمحاكم، بعيداً عن حسابات احتكار المعرفة أو تقييد الممارسة.

    وبإمكاننا تفعيل هذا التكامل عبر مجموعة من المقاربات الأساسية، تبدأ بإعادة التفكير في شروط ولوج المهنة من خلال ضرورة إزالة حالة التنافي عن ولوج الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة، مع وضع نص تنظيمي لضبط شروط هذه المزاوجة دون تنافي، من قبيل شرط أن يكون الممارس أستاذا للتعليم العالي من حيث الدرجة، وأيضاً عدم الترافع في القضايا التي تكون فيها وزارة التعليم العالي أو إحدى مؤسساتها طرفا في النزاع. كما تشمل هذه المقاربات السماح للمحامي الدكتور في القانون بالولوج إلى مهنة الأستاذ الجامعي بعد قضائه ثماني سنوات بعد التمرين وحصوله على شهادة الدكتوراه في القانون، وصولاً إلى تطوير التكوين المستمر والأساسي عبر إرساء برامج مشتركة تشرف عليها مؤسسات مثل كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • بعد 23 سنة على أحداث 16 ماي.. خبير يبرز كيف صنعت حوكمة “إمارة المؤمنين” واليقظة الأمنية تفوق النموذج المغربي

    جمال أمدوري

    أكد الباحث في القضايا الرقمية والأمنية، المحجوب داسع، أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي الإرهابية الأليمة، نقلت النموذج المغربي من منطق التدبير الظرفي للخطر إلى بلورة استراتيجية وطنية مندمجة وشمولية.

    وأوضح داسع، في حوار خاص مع موقع “العمق المغربي”، أن هذه التجربة الفريدة تميزت بمزاوجة ناجحة بين المقاربة الأمنية الاستباقية بقيادة الأجهزة الاستخباراتية والمكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ) لوأد المخططات في مهدها، وبين إعادة هيكلة الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين عبر هندسة مؤسساتية متكاملة، إلى جانب أنسنة العقوبة وتأهيل المدانين فكرياً من خلال برنامج “مصالحة”، وهو ما توج بتصنيف المملكة عام 2026 ضمن البلدان الأقل تأثراً بالإرهاب عالمياً برصيد “صفر نقطة” في مؤشر الإرهاب العالمي.

    وأضاف عضو منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، أن الفكر المتطرف الذي اعتمد سابقا على الخلايا التقليدية والوسائل المباشرة قد انحسر فعلياً، لكنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب تكنولوجية جديدة تحت ما يسمى “التطرف الرقمي”، محذرا من خطورة “الخلايا النائمة افتراضياً” ونموذج “الذئاب المنفردة الرقمية” التي تستغل منصات التواصل والألعاب الإلكترونية المشفرة لتجنيد الشباب واليافعين عن بُعد، مستفيدة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتويات مفبركة وعالية الجاذبية للتحايل على أنظمة الرصد، مشيداً في هذا السياق بالوعي المغربي المبكر الذي تجسد في إطلاق المديرية العامة للأمن الوطني لمنصة “إبلاغ” الرقمية لإشراك المواطنين في تحقيق الأمن السيبراني.

    بعد مرور 23 سنة على أحداث 16 ماي، كيف تقيمون تطور “النموذج المغربي” في مكافحة التطرف، وكيف استطاع المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية وإعادة هيكلة الحقل الديني؟
    أعتقد أن المكتسبات التي حققها المغرب في مجال مكافحة التطرف بعد مرور 23 سنة على الأحداث الارهابية الأليمة التي هزت مدينة الدار البيضاء 16 ماي 2003، لا تخطئها العين، وينبغي تثمينها والتأسيس عليها قصد معالجة الأنماط الجديدة للتطرف، خاصة التطرف في بعده الرقمي، غير أنه يمكن التأكيد بصفة عامة على أن النموذج المغربي في مكافحة التطرف انتقل من منطق التدبير الظرفي للخطر الارهابي، إلى بلورة الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب، لم تهتم بجانب واحد في تشخيص ومعالجة الظاهرة الارهابية بل أخذت بعين الاعتبار أولا جميع العوامل المؤدية إلى التطرف والإرهاب، و استندت في معالجة هذا الخطر على مقاربات قانونية وحقوقية وأمنية ودينية، و اعلامية، وسوسيو اقتصادية واجتماعية.

    من بين أهم ما يميز هذه الاستراتيجية الوطنية هو كونها نتاج تربة مغربية خالصة، انتقلت من الواقع المغربي، بغية تشخيص الأسباب والعوامل المؤدية للتطرف والارهاب، لتبلور بعد ذلك الحلول الناجعة للتعاطي مع الخطر الارهابي بالاستناد الى مقاربات مختلفة ومتكاملة، لعل أبرزها هذه المزاوجة كما جاء في سؤالكم، بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، في تناغم قلما نجده في تجارب اقليمية أو دولية أخرى.

    على الصعيد الأمني، نجح المغرب بفضل يقظة أجهزته الأمنية الاستخباراتية في وأد الخطر الارهابي في المهد، وذلك بفضل تبني عمل وقائي استباقي قائم على الرصد المبكر وتفكيك الخلايا قبل تنفيذ مخططاتها، مع التطوير المستدام للقدرات الاستخباراتية والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية، وهو ما مكن من إحباط عشرات المشاريع الإرهابية وتفكيك مئات الخلايا المرتبطة بتنظيمات متطرفة، خاصة مع صعود تنظيم داعش، وتهديد “الذئاب المنفردة”، كما عزز المغرب ترسانته القانونية والمؤسساتية، من خلال إنشاء المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وتوسيع التعاون الأمني الدولي.

    بالموازة مع هذه المقاربة الأمنية، بلورت المملكة المغربية تحت قيادة أمير المؤمنين، جلالة الملك محمد السادس، مقاربة دينية هي أيضا نتاج سياق مغربي خالص، شكل ورش اعادة هيكلة الحقل الديني عمادها الأساسي، حيث تم ضبط آليات عمل المؤسسات الدينية الرسمية، و اعادة النظر في اختصاصتها، وهيكلتها من اجل تحقيق المزيد من النجاعة في عملها، و تقريب المعرفة الدينبة الآمنة الخالية من ألغام التطرف من عموم المواطنين، بالاستناد طبعا الى الاختيارات الكبرى للمملكة عقيدة ومذهبا وسلوكا، وكل ذلك من اجل انتاج خطاب ديني متسم بالوسطية والاعتدال يمتح من ثوابت المملكة المغربية، لكن منفتح أيضا على مقتضيات السياق المعولم وما يفرضه من اجتهاد المؤسسات الدينية للاستجابة لانشغالات المواطنين الراهنة التواقين الى معرفة دينية تشبهم وتشبه واقعهم المعاش وخصوصياتهم الدينية والهوياتية والقيمية.

    لذلك نجد اليوم أن تدبير الشأن الديني في المغرب ينتظم على شكل هندسة سباعية تعتبر فيها مؤسسة امارة المؤمنين بمثابة سارية العماد، التي تشتغل تحتها باقي المؤسسات في تكامل وظيفي، كل بحسب اختصاصاتها ووظائفها، من الحكامة والتدبير ممثلة في وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، الى الفتيا ممثلة في مؤسسة المجلس العلمي الأعلى، الى البحث العلمي في العلوم الاسلامية و تفكيك خطاب التطرف ممثلة في الرابطة المحمدية للعلماء، الى المجالس العلمية الجهوية والمحلية التي يتمثل دورها في الارشاد الديني من خلال تحقيق مبدأ القرب من احتياجات المواطنين الدينية و الدنيوية، الى باقي المؤسسات التي تعنى بتخريج العلماء مثل دار الحديث الحسنية، ومعهد تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وصولا الى البعد الافريقي للاستراتيجية المغربية من خلال عمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. كل هذه المؤسسات الدينية أدوارها و اختصاصتها لا تتعارض بل تتكامل فيما بينها لتفرز لنا اليوم ما يسمى بهندسة تدبير الحقل الديني تحت توجيهات مؤسسة امارة المؤمنين، التي لها أدوار وظيفية تدبيرية، وهو ما يمنح المغرب، هذا التميز اقليما و دوليا، قلما نجده في تجارب أخرى.

    لذلك فان المزاوجة بين المقاربة الأمنية الاستباقية و اعادة هيكلة الحقل الديني، هو الذي يمنح التجربة المغربية في مكافحة التطرف والارهاب هذا الزخم والثراء، والتفرد مقارنة بتجارب اقليمة افريقية أو عربية أخرى، ويجعلها تجربة فضلى تزداد الرغبة من اجل الاستفادة منها، خاصة و أود التأكيد على هذه النقطة أن المغرب انتقل من مرحلة انتظار وقوع الحدث الارهابي و التدخل بعد وقوعه إلى اعتماد استراتيجية استباقية للوقاية لا تكتفي بمحاصرة نتائج الإرهاب والتطرف، بل يوجه الجهود لمعالجة العوامل والأسباب العميقة التي تنتج الفكر المتطرف على جميع المستويات.

    أود أيضا الاشارة الى مكسب مهم في تجربة المغرب في التعاطي مع التطرف والارهاب، ويتمثل في كون المملكة انتقلت من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة إدماجية شمولية تراهن على الإنسان، وعلى إمكانية المراجعة الفكرية وإعادة الاندماج داخل المجتمع مجددا. بعد أن كان التركيز في مرحلة أولى منصبا على توقيف المتورطين وتفكيك الخلايا وإدانتهم، تطورت الرؤية المغربية نحو العمل على تأهيل هؤلاء المدانين ومواكبتهم فكريا ونفسيا واجتماعيا داخل المؤسسات السجنية، في إطار برنامج نوعي يسمى “مصالحة” الذي تم اضفاء طابع مؤسساتي عليه من خلال انشاء مركز “مصالحة”.

    هذه المقاربة الادماجية حققت نتائج مهمة، من خلال تمكين عدد من المستفيدين من مراجعة قناعاتهم المتشددة، والانخراط مجدداً في المجتمع بروح جديدة قائمة على التعايش و الانضباط للمجتمع وقوانينه ومؤسساته ونظمه، وهو ما مكن العديد من المدانين في قضايا التطرف والارهاب من الاستفادة من العفو الملكي السامي في مناسبات عديدة، مما يؤكد أن قوة النموذج المغربي تكمن في كونه لم يختزل مكافحة التطرف في العقوبة فقط، بل جعل من التأهيل الفكري والمصالحة مع المجتمع مدخلاً أساسياً لتحصين الأفراد من العودة إلى الفكر المتشدد، وهو ما يمنح هذه التجربة المغربية بعدا إنسانيا واستراتيجيا بالغ الأهمية يتجاوز أسوار السجون الى مواكبة المدانين خارجها.

    هل تعتقدون أن الفكر المتطرف الذي أنتج “انتحاريي 16 ماي” قد انحسر فعليا، أم أنه أعاد تشكيل نفسه في قوالب رقمية جديدة يصعب رصدها؟
    انحسار الفكر المتطرف من عدمه، يمكن النظر اليه من زاوية الوسائل التي تعتمد من أجل التجنيد والاستقطاب والترويج للفكر المتطرف. ما هو مؤكد أن الفكر المتطرف الذي كان يعتمد على الجماعات الصغرى والضيقة باعتماد وسائل تقليدية مباشرة من كتب وأشرطة و منشورات في التعبئة والحشد والتجنيد والاستقطاب، انحسر فعليا بفضل يقظة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية، و أيضا بفضل يقظة المواطنين المغاربة، و الجهود التي بذلتها الدولة طيلة السنوات الماضية في مجالات التربية والتعليم والاعلام، غير أن الطفرة الرقمية الراهنة أعادت كما جاء في سؤالكم تشكيل التطرف في صيغة جديدة يصطلح عليه اليوم ب”التطرف الرقمي” أو “الالكتروني” لايمكن التكهن بتشكلاته المستقبلية لكون العالم الرقمي اليوم مفتوح على جميع الاحتمالات التي تتيحها التكنولوجيا في مجال التطور.

    لذلك تعمل الحركات المتطرفة على تطويع التكنولوجيا الرقمية لخدمة أجنداتها و أهدافها التخريبية، حيث تحولت منصات التواصل الرقمي، إلى فضاءات لنفث سم التطرف والكراهية والعنف، و استقطاب مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين، الذين يعتبرون الفئة الأكثر اقبالا على شبكات التواصل الاجتماعي. مثلما تستخدم التكنولوجيا الرقمية بشكل ايجابي خدمة لأهداف التواصل الانساني بصفة عامة، وجدت الحركات المتطرفة في هذه الامكانيات الرقمية الجديدة فرصة لتحقيق أهدافها الايديولوجية، خاصة أن هذه المنصات تمتاز بخاصيات الجذب و التواصل التفاعلي، والابهار البصري، مما يحقق لها قابلية لدى فئات عريضة من مرتادي المنصات الرقمية، خاصة فئتي الشباب والأطفال عبر استعمال مثلا الألعاب الإلكترونية في نشر الدعاية المتطرفة والتجنيد و الاستقطاب.

    هذا الوعي المبكر بأن الفكر المتطرف يبرز على شكل قوالب رقمية جديدة، دفع المديرية العامة للأمن الوطني الى اطلاق المنصة الرقمية “إبلاغ” المخصصة للتبليغ عن المحتويات غير المشروعة على شبكة الأنترنيت، والتي تسمح لمستخدمي شبكة الأنترنيت ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتبليغ الفوري والآمن عن كل المحتويات الرقمية الإجرامية والعنيفة، أو تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات، أو تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه، أو تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم.

    هناك اذن وعي مبكر و استحضار للبعد الرقمي في اعادة تشكل الفكر المتطرف، و وتعزيز التفاعل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، وكذا تطوير آليات عملية وناجعة لمكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة عبر إشراك المواطنين في تحقيق الأمن الرقمي وصيانة الانترنت كفضاء آمن وخال من التهديدات والسلوكيات الإجرامية.

    بصفتكم عضواً في منتدى الإنترنت العالمي لمكافحة الإرهاب، كيف تغيرت استراتيجيات الجماعات الإرهابية في استقطاب الشباب المغربي من “الخلايا التقليدية” إلى “الذئاب المنفردة الرقمية”؟
    شهدت استراتيجيات الجماعات الإرهابية خلال العقدين الأخيرين تحولا جذريا؛ فبعدما كانت تعتمد على “الخلايا التقليدية” القائمة على اللقاء المباشر، والتجنيد داخل الفضاءات المغلقة، والارتباط التنظيمي الصارم، أصبحت اليوم تميل أكثر إلى نموذج “الذئاب المنفردة الرقمية”، الذي يقوم على الاستقطاب الفردي عن بعد، دون حاجة إلى بنية تنظيمية واضحة أو اتصال مباشر بالقيادات.

    في مرحلة ما بعد 16 ماي، كان التجنيد يتم غالبا عبر شبكات محلية محددة: أحياء هامشية، حلقات مغلقة، علاقات شخصية، أو خطاب تعبوي مباشر، لكن تغيرات المعادلة حيث انتقلت الجماعات المتطرفة إلى استثمار البيئة الرقمية بشكل مكثف، مستفيدة من سرعة انتشار المحتوى، ومن الخوارزميات التي تعيد إنتاج ما يصطلح عليه بـ”فقاعات فكرية” مغلقة تسهل عملية التأثير النفسي والفكري على الشباب.

    التحول الأخطر في سيرورة استقطاب وتجنيد الشباب نحو الجماعات المتطرفة والارهابية، هو أن التنظيمات لم تعد تبحث دائما عن عضو منضبط تنظيميا، بل عن فرد قابل للتأثر، يمكن دفعه إلى التطرف الذاتي أو تنفيذ فعل عنيف بشكل منفرد دون الحاجة الى العودة الى القواعد كما كان عليه الأمر سابقا، ومن هنا ظهر نموذج “الذئب المنفرد”، الذي قد لا تكون له علاقة تنظيمية مباشرة، لكنه يتشبع بخطاب التطرف عبر الإنترنت، ويتحول إلى مشروع تهديد قائم بذاته.

    كما تغيرت أدوات الاستقطاب نفسها، فبدل الخطاب الدعوي التقليدي المتعارف عليها، أصبحت الجماعات المتطرفة توظف تقنيات رقمية حديثة، مثل فيديوهات قصيرة عالية التأثير العاطفي، ألعاب ورموز بصرية، غرف دردشة مشفرة، استغلال قضايا الهوية والتمييز والغضب الاجتماعي، توظيف الذكاء الاصطناعي والتعديل البصري لإنتاج محتويات أكثر جاذبية واحترافية. واللافت أن هذه التنظيمات أصبحت تخاطب الشباب بلغتهم النفسية والثقافية، لا فقط بلغتهم الدينية. فهي تستثمر مشاعر العزلة، وفقدان المعنى، والرغبة في البطولة أو الانتقام الرمزي، وهو ما يجعل المقاربة الأمنية وحدها غير كافية.

    المثال على هذا التحول من الخلايا التقليدية الى الذئاب المنفردة الرقمية، هو حالة الشاب الذي تم توقيفه يوم الأحد 10 غشت 2025، بمدينة سطات، من قبل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بناء على معلومات استخباراتية وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حيث أظهرت الأبحاث أنه قام بالترويج عبر منصات إعلامية لمحتويات تتضمن عمليات إرهابية لمقاتلي ‘داعش’ وأخرى تحرض على تنفيذ مشاريع تخريبية، بعد أن كان على اتصال مع أحد القياديين الميدانيين المغاربيين لتنظيم داعش والذي قام بتحريضه على تنفيذ مشروع إرهابي بالمملكة ومده بمراجع وإصدارات تتطرق لكيفية صناعة المتفجرات.

    أحداث 16 ماي تم التخطيط لها في فضاءات مادية؛ اليوم، ما مدى خطورة “الخلايا النائمة افتراضيا”، وكيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تعقيد مأمورية رصد خطاب الكراهية؟
    خطورة الخلايا النائمة افتراضيا تكمن في كونها تجاوزت الحيز المادي الجغرافي في مجالات الحشد والتعبئة والتجنيد والاستقطاب، لتنتقل في عملها نحو فضاءات رقمية افتراضية، فهذه الخلايا تواكب الطفرة الرقمية المعاصرة، و آخرها بروز الذكاء الاصطناعي، مما يضع الدول و منها المغرب أمام تحديات جديدة ينبغي الاشتغال على مواكبتها بتكوين جيل جديد من الموارد البشرية مؤهلة لمجارة هذه الدينامية المدمرة.

    على المستوى الرقمي نحن اليوم أمام أفراد أو مجموعات قد لا تجمعهم علاقة تنظيمية مباشرة مبنية على التسلسل الاداري الهرمي، كما كان عليه الأمر في الفضاءات التقليدية المباشرة، حين كانت اللقاءات تتم بشكل مباشر في أماكن مغلقة، لكن اليوم نحن أمام بروفايلات قد لا تستطيع الوصول الى هويتها و تتلبس على شكل هويات مجهولة داخل فضاءات رقمية مشفرة وعابرة للحدود، ما يجعل عملية الرصد و التتبع أصعب بكثير مما كان عليه الأمر سابقا.

    الخطر المحدق يتمثل في كون هذه الخلايا الافتراضية تعتمد على مايسمى بالتخفي ، أي أن مستخدما لموقع أو منصة معينة في الفضاء الرقمي، قد يبدأ بمتابعة محتويات تبدو عادية توفر كل خصائص الابهار البصري والجاذبية التي تبنى عليها المضامين الرقمية، ثم يجد نفسه تدريجيا دون أن يعي ذلك داخل دوائر أو فضاءات أكثر تشددا بفعل الخوارزميات والتوصيات الآلية للذكاء الاصطناعي، إلى أن يصل إلى مرحلة التطبيع مع خطاب الكراهية أو العنف الذي قد يأتي على شكل ألعاب الكترونية مثلا، وهنا مكمن الخطر الحقيقي لأن الشباب والأطفال والمراهقين واليافعين أكثر اقبالا على هذه الألعاب والمضامين التي تقدم على انها ترفيهية أو سياسية أو دينية عادية في الأساس، لكنها في الواقع تنفث خطابات تحرض على التطرف والارهاب والعنف والكراهية.

    ما هو مؤكد أن الذكاء الاصطناعي، وامكانياته الهائلة يسهم في اعادة تشكيل المضامين الرقمية، بشكل يصعب معه معرفة هل هي حقيقية أم معدلة، وهو ما أضاف بعدا جديدا للتهديدات الارهابية. اليوم الحركات المتطرفة والارهابية لم تعد تكتفي بإعادة نشر الدعاية التقليدية، بل تشتغل على تطويع أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى أكثر احترافية وإقناعا، بتوظيف أكثر تقنيات الابهار البصري، من خلال إنشاء فيديوهات وصور مفبركة عالية الجودة، تقليد الأصوات والخطب، وتوليد محتوى بلغات متعددة بشكل فوري، و التحايل على أنظمة الرصد عبر تعديل الكلمات والصور والرموز، وهذا ما يعقد مأمورية المنصات الرقمية وأجهزة الرصد المتخصصة في التتبع والتعقب. وضع يفرض على المغرب ضرورة أولا الرصد التكنولوجي عبر تطوير أدوات ذكاء اصطناعي مضادة قادرة على اكتشاف الأنماط الجديدة للخطر الارهابي، و تعزيز تعاونه الدولي المتعدد الأطراف خاصة مع الشركات العالمية في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، خاصة وأن العالم اليوم يعمل على تعزيز التعاون الدولي والمنصاتي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا ومنظمات المجتمع المدني، الى جانب ورش يتعين العكوف عليه وهو ضرورة ادماج الثقافة الاعلامية والرقمية في مناهجنا التعليمية على مختلف المستويات من أجل تمنيع الأجيال الناشئة ضد كل أضرب الاختراقات القيمية والسلوكية، وعلى رأسها التطرف والارهاب، في عصر رقمي لا يؤمن بالحدود الجغرافية.

    في ذكرى 16 ماي، دائماً ما نستحضر الضحايا؛ كيف يمكن توظيف “شهادات الناجين” وضحايا الإرهاب في المنصات الرقمية لإنتاج خطاب مضاد يؤثر في الأجيال الناشئة؟
    سؤال وجيه يفرض نفسه اليوم في عز الثورة الرقمية الحالية التي ينبغي حسن استثمارها بعقلانية قصد بلورة مضامين رقمية بديلة ومضادة لخطابات العنف والتطرف والكراهية، من منطلق أن المعركة مع الحركات المتطرفة هي في واقع الأمر معركة سرديات وخطابات ومضامين تجري أطوارها اليوم على المستوى الرقمي الافتراضي، لذا أعتقد أن توظيف شهادات الناجين وضحايا الإرهاب في الفضاء الرقمي يمكن أن يشكل أحد أكثر الطرق تأثيرا في بناء خطاب مضاد للتطرف على المستوى الرقمي، لأن هذه الشهادات تنقل النقاش من مستوى الترف الفكري حول أسباب وعوامل التطرف والارهاب، على أهمية هذا النقاش، إلى مستوى آخر يغوض في التجربة الإنسانية الحية المؤثرة التي تمتزج فيها الأحاسيس والمشاعر خاصة الحزينة منها، ومعلوم أن الانسان بطبعه يتأثر بمشاعر خاصة اذا كانت صادقة ونابعة من شهادات حية حقيقية معاشة، كما هو الحال بالنسبة للناجين من أحداث الدار البيضاء الأليمة، التي لازالت جرحا لم يندمل في وجدان كل المغاربة.

    الطرق التقليدية للتواصل مع الأجيال الحالية التي أسميها ب” الأجيال الرقمية”، خاصة جيلي “ز” و ألفا”، وهي أجيال بالمناسبة لها مميزات خاصة، وانتظارات معينة، وطرق تواصل خاصة، ( الطرق التقليدية ) للتواصل معهم، لم تعد نجدي نفعا في عز انتشار الذكاء الاصطناعي، بتطبيقاته المختلفة، وشبكات التواصل الاجتماعي، لذلك أعتقد أن الأجيال الناشئة تميل أكثر الى شهادات انسانية حية حقيقية نابعة من الواقع، يمكن بلورتها على شكل كبسولات رقمية هادفة حاملة لقيم الحب والسلام والتسامح، تمزج بين مضامين مختزلة ومكثفة المعاني و الدلالة، و مبهرة شكلا تتوفر فيها كل أشكال الجاذبية والابهار البصري، لأن العملة الأثمن في الفضاء الرقمي اليوم هي “شد وجذب الانتباه” ومن يحسن تملك ناصية هذه العملة المؤثرة سيكون له قصب السبق في الفضاء الرقمي بغض النظر عن ما ينشره من مضامين.

    لذلك أعتقد أن الورش المضموني على المستوى الافتراضي، ينبغي العكوف عليه قصد بلورة مضامين رقمية هادفة بانية متزنة وسطية معتدلة تبرز من جهة مخاطر التطرف والارهاب، وتعلي من قيم الحب والسلام والتعايش بين الأديان و الثقافات، من جهة ثانية، و الدور منوط هنا بالفاعلين الدينين، و الاعلاميين، و الشباب، والفاعلين في جمعيات المجتمع المدني، وكذا المؤثرين و المؤثرات، و صناع ألعاب الفيديو، وكتاب القصص القصيرة، الذين ينبغي أولا تكوينهم معرفيا وقانونيا في المجالات المتصلة بمكافحة التطرف والارهاب، وبالاستراتيجية المغربية بهذا الخصوص، و بالخصوصيات الدينية للمغرب، و أيضا بناء كفاياتهم التقنية حتى يكونوا مؤهلين معرفيا و تقنيا، لبلورة مضامين رقمية متزنة بانية توظف شهادات الناجين من أحداث 16 ماي الارهابية، وضحايا الارهاب بصفة عامة، توظيفا يراعي خصوصيات وانتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة الشباب واليافعين و المراهقين، ويراعي كذلك ما يفرضه الفضاء الرقمي من ابداع في مجالات بناء الخطابات المضادة والبديلة على مستوى الشكل والمضمون، لأن الخطابات المضادة تسهم بشكل كبير في تفكيك المقولات والمفاهيم التي تستند اليها الحركات المتطرفة والارهابية، خاصة كما قلت اذا كانت هذه الخطابات المضادة فعالة وناجعة شكلا ومضمونا تراعي انتظارات مستخدمي الانترنت، خاصة فئة الشباب واليافعين و المراهقين.

    ان المطلوب اليوم هو العمل على تفكيك الخطاب المتطرف، عبر تقديم خطاب بديل ومضادة، أصيل ومتزن ووسطي، يزاحم المضامين المتطرفة و الارهابية، داخل الفضاء الرقمي ويعيد الاعتبار لقيم الرحمة والتعايش والاختلاف والتنوع.

    هل يمكن القول إن المغرب اليوم، بفضل ترسانته القانونية ومؤسساته (مثل BCIJ)، قد طوى صفحة 16 ماي للأبد، أم أن “السيولة الإرهابية” في منطقة الساحل تفرض تحديات لا يمكن التكهن بها؟
    أحداث 16 ماي الارهابية نبهت المغرب الى أن الخطر الارهابي قائم، و أنه من الضروري العكوف قصد استجلاء جميع العوامل والأسباب المؤدية الى التطرف والتطرف العنيف والارهاب، وهو ما نجحت فيه المملكة كما أسلفت الذكر سابقا من خلال اعتماد الاستراتيجية الوطنية المندمجة والشمولية لمكافحة التطرف والارهاب.

    لاشك أن جراح أحداث 16 ماي لم تندمل بعد و لازالت حاضرة في المخيال الشعبي لكل المغاربة، غير أن المغرب نجح في تجاوز هذه الذكرى بفضل اللحمة الوطنية بين الشعب وجميع المؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الملكية، وهو ما يتضح من خلال نجاح السلطات المغربية في القضاء على أصل التطرف ومظاهر الغلو، من خلال تفكيك عدة خلايا متطرفة وتوقيف عدد من العناصر في مراحل مبكرة دون أي كلفة اجتماعية أو أمنية، لكن الارهاب بطبيعته ظاهرة متحولة وعابرة للحدود الجغرافية لتصل اليوم الى ماهو رقمي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح تحديات جمة ينبغي على المؤسسات الوصية مواكبتها والقيام بالمتعين ازاءها خاصة على مستوى تكوين الموارد البشرية والتأطير والتأهيل لمواجهة هذه التحديات الرقمية المتزايدة.

    لقد نجح المغرب منذ أحداث 16 ماي بالدار البيضاء، في بناء منظومة أمنية وقانونية جعلته من أكثر الدول يقظة وفعالية في مكافحة الخطر الإرهابي، سواء عبر العمل الاستباقي أو تطوير التعاون الاستخباراتي الدولي أو إحداث مؤسسات متخصصة مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية، لكن التحولات الجيوسياسية والإقليمية تجعل التهديد الارهابي، قائما وإن بأشكال مختلفة، كما يؤكد على ذلك المسؤلون الأمنيون المغاربة في مختلف المناسبات التواصلية و الاعلامية.

    بالعودة الى التقارير الدولية، نجد أن المغرب مصنف ضمن البلدان الأقل تأثرا بالارهاب على الصعيد العالمي، وفقا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، بعدما حل في المركز الـ100 من أصل 163 دولة، برصيد صفر نقطة، مصنفا ضمن خانة الدول التي تكاد تنعدم فيها التهديدات الإرهابية. لكن ما يعتمل داخل منطقة الساحل من نزاعات و أجندات ورهانات يتقاطع فيها ماهو ايديولوجي بما هو سياسي، بسبب تداخل الإرهاب مع شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والانقلابات السياسية، يفرض على المغرب بحكم موقعه الجغرافي وانخراطه الإقليمي والدولي في مواجهة الخطر الارهابي، ضرورة اليقظة الدائمة والتفكير في الانتقال من منطق مكافحة الإرهاب فقط إلى منطق إدارة المخاطر الأمنية المتغيرة خاصة المخاطر السيبيرانية، لأن الجماعات المتطرفة في الساحل لم تعد تتحرك وفق النموذج التقليدي، بل أصبحت أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الحاصلة أمنيا واستخباراتيا ورقميا، وعلى استثمار الفراغات الأمنية والاجتماعية، بل وحتى التحولات التكنولوجية والرقمية خدمة لأجنداتها ورهاناتها.

    اجمالا، يمكن القول أن المغرب نجح في الحد من تكرار سيناريو أحداث 16 ماي الارهابية، لكن يواجه اليوم تهديدات أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ، خاصة مع التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، وتنامي التطرف في بعده الرقمي، وبالتالي فالتحدي الارهابي لازال قائما و يكتسي طبيعة جديدة و بأدوات جديدة، و اليقظة واجبة لمواجهته.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مصطفى عنترة: الهوية المغربية رحلة الانتقال من الأحادية إلى التعددية


    حاوره: عبد الله الساورة

    بين سؤال الهوية وسؤال الدولة، وبين الذاكرة التي تسكن الجبال والقرى واللغات المنسية، وبين الخطابات التي عبرت دهاليز السياسة والدساتير، ظل المغرب يكتب ذاته بمداد التعدد لا بلون واحد. وهذه الأرض التي عبرتها الحضارات، ونامت في وجدانها العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، لم تكن يوما مجرد جغرافيا صامتة، بقدر ما كانت دائما فضاءً تتصارع داخله الأسئلة الكبرى حول معنى الانتماء، وحدود الوحدة، وإمكانية العيش المشترك داخل وطن تتعدد أصواته ولا يتشظى.

    في هذا الحوار على جريدة هسبريس مع الكاتب المغربي مصطفى عنترة، الباحث في قضايا التعدد الثقافي واللغوي، لا يتعلق الأمر فقط بتتبع تطور مفهوم الهوية الوطنية بين دستور وآخر، أو بين خطاب سياسي وآخر، وإنما بمحاولة الإنصات إلى التحولات العميقة التي عرفها الوعي المغربي وهو ينتقل، ببطء وحذر، من فكرة التجانس إلى الاعتراف بالتنوع.

    وكيف استطاعت الهوية المغربية أن تحافظ على وحدتها وهي تفتح أبوابها لاختلافاتها الداخلية؟ وهل يمكن للغة ظلت طويلا في الهامش أن تتحول إلى قلب الرمزية الوطنية؟ ثم أي معنى للمواطنة حين يصبح الاعتراف الثقافي جزءا من العدالة نفسها؟

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    إنه حوار على عتبات هسبريس يدخلنا إلى منطقة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع السياسة بالتاريخ، والثقافة بالسلطة، والذاكرة الجماعية بمستقبل الدولة الحديثة، وحيث تتحول الهوية من مجرد تعريف ثابت إلى سؤال مفتوح على القلق، والتعدد، وإمكانية بناء وطن يتسع للجميع وينسج باحترام ثقافة الاختلاف.

    كيف يمكن فهم تطور مفهوم الهوية الوطنية في المغرب بين الخطاب السياسي المتغير والمراحل الدستورية المتعاقبة، خاصة من دستور 1962 إلى دستور 2011؟

    يمكن فهم تطور مفهوم الهوية الوطنية في المغرب باعتباره مسارا انتقل من منطق الهوية الأحادية إلى منطق الهوية التعددية المركبة، وذلك تحت تأثير التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال.

    فدستور 1962 جاء في سياق بناء الدولة الوطنية الحديثة، حيث غلب عليه تصور يربط الهوية المغربية بالعروبة والإسلام، باعتبارهما عنصرين موحدين للدولة والمجتمع. وقد استمر هذا التوجه في الدساتير اللاحقة في ظل الرؤية والفلسفة التي كانت لدى الملك الراحل الحسن الثاني.

    لكن أعتقد أن التحولات التي عرفها المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصة مع تصاعد موجة الحركات الثقافية والحقوقية وتأثيرات التغيرات الدولية المتسارعة، دفعت نحو مراجعة هذا التصور التقليدي للهوية. وقد شكل الخطاب الملكي التاريخي بأجدير سنة 2001 محطة مفصلية؛ إذ اعترف لأول مرة بالأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية الوطنية. ثم جاء دستور 2011 ليكرس هذا التحول بشكل دستوري واضح، من خلال التنصيص على الطابع التعددي للهوية المغربية، باعتبارها هوية موحدة بانصهار مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والحسانية وروافدها الثقافية والحضارية الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.

    ويمكن القول في هذا السياق إن “خطاب أجدير” شكل محطة حاسمة في تطور تصور الدولة المغربية للهوية الوطنية؛ إذ قاد جلالة الملك محمد السادس تحولا يشبه “ثورة ثقافية هادئة”، فقد تم الانتقال من رؤية تميل إلى التجانس نحو مقاربة تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي باعتباره جزءا أصيلا من الشخصية المغربية. وقد أكد الخطاب الملكي أن الأمازيغية ليست قضية فئوية، بل مكوّن مشترك لجميع المغاربة، مما منحها شرعية وطنية ومؤسساتية تجسدت في إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما مهد هذا التحول للاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011، وترسيخ تصور للهوية المغربية باعتبارها هوية متعددة المكونات والروافد ومنفتحة على التنوع داخل إطار الوحدة الوطنية.

    إن تطور مفهوم الهوية يعكس مسارا تاريخيا وفكريا انتقلت فيه الدولة المغربية من تصورٍ اندماجي يراهن على بناء وحدة وطنية قائمة على التجانس الثقافي واللغوي، إلى تصور تعددي أكثر انفتاحا، يقوم على الاعتراف بالتنوع باعتباره مكونا بنيويا للهوية الوطنية وليس عنصرا هامشيا فيها. فقد أصبحت الهوية تفهم بوصفها هوية مركبة وغنية بتعدد مكوناتها وروافدها، في إطار وحدة وطنية جامعة تستوعب الاختلاف وتحوله إلى مصدر قوة وتماسك بدل اعتباره عامل توتر وتفرقة أو تهديد.

    إلى أي حد ساهم الاعتراف الدستوري بالأمازيغية في إعادة تشكيل بنية الهوية المغربية بوصفها هوية متعددة المكونات والروافد الثقافية واللغوية؟

    ساهم الاعتراف الدستوري بالأمازيغية بشكل كبير في إعادة تشكيل بنية الهوية المغربية، لأنه نقل الأمازيغية من وضع ثقافي هامشي إلى مكون رسمي داخل البناء الدستوري للدولة.
    فدستور 2011 لم يكتف فقط بترسيم اللغة الأمازيغية، بل أعاد صياغة مفهوم الهوية الوطنية نفسها، عبر الاعتراف بتعدد مكوناتها وروافدها. وهذا التحول يحمل دلالة سياسية ورمزية عميقة، لأنه يقطع مع التصورات التقليدية التي كانت تربط الهوية المغربية ببعد واحد مهيمن.

    كما أن هذا الاعتراف ساهم بدوره في تعزيز مفهوم المواطنة الثقافية، من خلال إقرار حق مختلف المكونات في الاعتراف والتمثيل داخل الفضاء العمومي والمؤسساتي.

    وهذا التحول، رغم أهميته، لا يزال يواجه تحديات مرتبطة ببطء التفعيل القانوني والمؤسساتي، وباستمرار بعض التمثلات الاجتماعية والسياسية التي تنظر إلى التعدد الثقافي باعتباره تهديدا للوحدة الوطنية بدل اعتباره مصدر غنى وتكامل.

    لذلك، يمكن القول إن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية أسهم في إعادة تعريف الهوية المغربية نظريا ورمزيا، لكنه في نظري ما يزال في حاجة إلى تعميق عملي يضمن ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات ثقافية ولغوية عادلة ومنصفة.

    هل استطاع “المفهوم الجديد للهوية” أن يترجم التعدد الثقافي واللغوي إلى واقع اجتماعي فعلي أم ظل محصورا في الإطار الرمزي والمؤسساتي؟

    يطرح “المفهوم الجديد للهوية” إشكالية الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التفعيل الواقعي. فمن الناحية النظرية والمؤسساتية، حقق المغرب تحولا مهما من خلال دسترة التعدد اللغوي والثقافي وإحداث مؤسسات معنية بالنهوض بالأمازيغية والثقافة الوطنية المتعددة، إلا أن الترجمة الاجتماعية الفعلية لهذا التحول لا تزال تواجه عدة حدود.

    فعلى مستوى التعليم والإدارة والإعلام، ما يزال حضور الأمازيغية متفاوتا ومحدودا مقارنة بالمكانة التي منحها لها الدستور وكذلك القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. كما أن التعدد الثقافي لم يتحول بالكامل إلى ممارسة يومية داخل السياسات العمومية أو داخل الوعي المجتمعي العام. وهذا ما يجعل المفهوم الجديد للهوية يتحرك أحيانا داخل مستوى رمزي ومؤسساتي أكثر من كونه تحولا مجتمعيا شاملا.

    ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا المفهوم ساهم في توسيع النقاش العمومي حول معنى الهوية الوطنية، وأعاد الاعتبار لفكرة أن الوحدة الوطنية لا تعني الإلغاء أو التجانس، بل تعني تدبير الاختلاف داخل إطار المواطنة المشتركة التي تعد من المرتكزات الأساسية لبناء دولة حديثة تقوم على المساواة والاعتراف بالتنوع؛ إذ تعني انتماء جميع الأفراد إلى الوطن على أساس الحقوق والواجبات المشتركة، بغض النظر عن اختلافاتهم اللغوية أو الثقافية أو الجهوية، بما يساهم في ترسيخ قيم الانتماء والتعايش والتماسك الاجتماعي.

    كيف يمكن قراءة العلاقة بين الخطاب الأمازيغي والفاعلين السياسيين والمدنيين؟ هل يتعلق الأمر بمطلب ثقافي صرف أم بمشروع أعمق لإعادة تعريف الدولة والمواطنة في المغرب؟

    يمكن قراءة العلاقة بين الخطاب الأمازيغي والفاعلين السياسيين والمدنيين باعتبارها علاقة مركبة تتجاوز البعد الثقافي الضيق. فالحركة الأمازيغية انطلقت في البداية من مطالب مرتبطة بالاعتراف باللغة والثقافة والهوية والذاكرة التاريخية، لكنها تطورت تدريجيا لتطرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة والمواطنة والديمقراطية والعدالة المجالية والثقافية.

    لذلك، فالخطاب الأمازيغي لا يتعلق فقط بالدفاع عن مكون ثقافي، بل يندرج ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنوع المجتمعي. وهو ما يظهر من خلال التركيز على قضايا التعددية الثقافية، والمساواة اللغوية، والإنصاف الرمزي، وإعادة التوزيع العادل للرموز الثقافية والاعتراف داخل المجال العمومي.

    في المقابل، تعاملت الأحزاب السياسية والفاعلون المؤسساتيون مع هذا الملف بدرجات متفاوتة؛ فبعضهم اعتبره مدخلا لتحديث الدولة وتعزيز الديمقراطية، بينما نظر إليه آخرون بمنطق الحذر أو التخوف من تأثيره على وحدة الدولة أو التوازنات السياسية.

    وفي هذا الإطار، برزت المؤسسة الملكية بوصفها فاعلا متقدما في إقرار الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي، خاصة في ما يتعلق بالأمازيغية، مقارنة مع جزء مهم من الأحزاب السياسية التي ظلت مترددة أو متأخرة في استيعاب هذا التحول والانخراط في تصور تعددي للهوية الوطنية.

    وعلى العموم، التجربة المغربية أظهرت تدريجيا أن تدبير التعدد الثقافي لا يؤدي بالضرورة إلى التفكك، بل يمكن أن يشكل أساسا لتعزيز الانتماء الوطني إذا تم في إطار ديمقراطي وتشاركي وإذا تم تدبيره وفق آليات مؤسساتية وديقراطية سليمة.

    في ضوء هذا العمل، كيف يمكن للباحث أن يوازن بين التحليل الأكاديمي لمسألة الهوية وبين حساسية الواقع السياسي والاجتماعي المرتبط بها؟ وما الذي يمكن أن تضيفه المقاربة العلمية لقضايا التعدد داخل المجتمع المغربي؟

    يقتضي التوازن بين التحليل الأكاديمي لمسألة الهوية وحساسية الواقع السياسي والاجتماعي اعتماد مقاربة علمية تقوم على الموضوعية والابتعاد عن الأحكام الإيديولوجية المسبقة. فالباحث في قضايا الهوية يشتغل داخل مجال شديد الحساسية، تتداخل فيه الأبعاد التاريخية والسياسية والثقافية والرمزية، مما يفرض التعامل معه بأدوات تحليلية دقيقة تراعي تعقيد الظاهرة.

    وتكمن أهمية المقاربة العلمية في قدرتها على تفكيك التمثلات السائدة، وفهم التحولات التي عرفها مفهوم الهوية بعيدا عن منطق التخندق أو الصراع الهوياتي. كما تسمح هذه المقاربة بإبراز أن التعدد ليس حالة استثنائية أو تهديدا للدولة، بل هو معطى بنيوي في المجتمع المغربي يمكن تدبيره عبر آليات الاعتراف والإنصاف والمواطنة كما سبق للمفكر حسن أوريد أن تناوله في مجموعة من كتاباته المتميزة، وخاصة مؤلفه القيم “فخ الهويات”.

    ومن ثم، فإن القيمة الأساسية للعمل الأكاديمي تكمن في فتح فضاء للنقاش الرصين حول قضايا التعدد، وتقديم أرضية فكرية تساعد على بناء سياسات عمومية أكثر انسجاما مع الواقع الثقافي والاجتماعي للمغرب، بما يعزز الوحدة الوطنية على أساس الاعتراف بالتنوع لا على أساس إنكاره.

    إقرأ الخبر من مصدره