Catégorie : حوارات

  • صدى الضيف مع ابراهيم الرامي : من الدار البيضاء إلى القصر الكبير رحلة البحث عن الذات

    العرائش نيوز :

    في هذه الحلقة الجديدة من برنامج صدى الضيف ، نلتقي مع الزجال ابراهيم الرامي ابن مدينة الدار البيضاء ، والذي انطلق في رحلة إكتشاف الذات بسبب ظروف العمل التي جائت به لمدينة القصر الكبير ثم انتقل للقرى المجاورة بإقليم العرائش ليستقر أخيرا بجماعة العوامرة ، لينقل لنا تجربته الفريدة مع السياسة والموسيقى والعمل الجمعوي وشغفه بالزجل والظاهرة الغيوانية في هذا اللقاء الشيق :

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أمكراز: الأرقام تكشف إخفاق الحكومة في الوفاء بوعد مليون وظيفة

    هسبريس – علي بنهرار

    شكك محمد أمكراز، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ووزير الشغل والإدماج المهني السابق، في الأرقام الواردة في الحصيلة التي قدمها عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، بشأن خلق 850 ألف منصب شغل حقيقية في القطاع الخاص، مبرزا أن “طريقة الاحتساب المعتمدة للوصول إليها لا توجد في أي بلد في العالم؛ لأن المعتمد دوليا هو احتساب صافي مناصب الشغل”.

    وأضاف أمكراز، في لقاء خاص مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “القول بكون هذه الحكومة الحالية خلقت ضِعف ما خلقته الحكومة السابقة أو الحكومة التي سبقتها أمر مجانب للصواب، وأرقام المندوبية السامية للتخطيط نفسها تقول عكس ذلك”، مبرزا أن “المشكلة تكمن في أنهم يحتسبون سنة 2021 ضمن حصيلة هذه الحكومة، وذلك يعني الحديث عن 6 سنوات بدل 5، بشكل يتجاوز الولاية الدستورية”.

    وأشار وزير الشغل السابق إلى أنه “عندما يحتسبون حصيلة هذه الولاية الحكومية يعتمدون الأرقام الخام، أي المناصب المحدثة دون خصم المناصب المفقودة؛ لكن عندما يدققون في حصيلة الحكومتين السابقتين يعتمدون الصافي”، موضحا أن “أرقام المندوبية السامية للتخطيط تبين أن هذه الحكومة حققت، خلال أربع سنوات، 575 ألف منصب شغل وفق الطريقة التي تعتمدها الحكومة هي نفسها، على الرغم من أن هذه الطريقة غير منطقية وغير مقبولة، سواء من الناحية الإحصائية أو من حيث انعكاسها الحقيقي على البطالة وسوق الشغل”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    في المقابل، اعتبر أمكراز أن “الحكومة السابقة حققت 506 آلاف منصب شغل، على الرغم من أن سنة 2020 كانت شبه متوقفة بسبب جائحة كورونا وما رافقها من شلل اقتصادي”؛ فيما “حققت الحكومة التي قبلها، أي حكومة عبد الإله بنكيران، 496 ألف منصب شغل، على الرغم من الظروف الصعبة التي عرفتها سنتا 2011 و2012، خاصة في بداية الولاية الانتدابية”.

    ومضى المتحدث قائلا: “إذا اعتمدنا المنطق السليم والطبيعي في احتساب إحصائيات سوق الشغل، فإن النتيجة تكشف أن هذه الحكومة لم تخلق سوى 94 ألف منصب شغل صافٍ”.

    وزاد القيادي في حزب العدالة والتنمية: “لا يصح أن يخرج أحد الوزراء ليقول إن هذه الأرقام هي الحقيقة المطلقة، ومن لا يعجبه الأمر فليثبت العكس؛ هذا كلام غير مقبول، فمن يتحمل مسؤولية التدبير من واجبه أن يشرح للناس كيفية الوصول إلى هذه الأرقام”.

    وتابع: “لا يمكن الحديث في البداية عن ‘الصافي’، ثم العودة إلى قول العكس”، معتبرا أن “التعاقد مع المواطنين في البرنامج الحكومي كان يتعلق بتوفير مليون منصب شغل صافٍ. وإذا لم يتحقق ذلك، فالصدق مع الناس يقتضي الخروج والقول بوضوح: لم نحقق المليون؛ بل حققنا هذا العدد فقط. أمّا تدوير الأرقام لإيهام الناس بوجود إنجاز غير حقيقي، فهذا غير مقبول”، قائلا إن “الإنجازات التي تحققت تستحق التنويه، لكن الإخفاقات أيضا يجب الاعتراف بها”.

    من جهة أخرى، تمسك عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، ضمن لقاء مع الصحافة أواخر أبريل بمقر رئاسة الحكومة بالرباط، بهدف خلق حوالي 850 ألف منصب شغل خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2025، معتبرا أنها “حقيقة” والأرقام متوفرة لدى مؤسسات رسمية؛ مثل المندوبية السامية للتخطيط، ومديرية المالية، وبنك المغرب، مفيدا بأنه “رغم تأثر قطاع الفلاحة بالجفاف، فإن باقي القطاعات واصلت خلق فرص الشغل، خاصة في الصناعة والخدمات والبناء والتجارة”.

    وبخصوص إشارة أخنوش إلى كون الواقع الميداني يظهر دينامية في سوق الشغل، حيث تجد المقاولات صعوبة أحيانا في إيجاد اليد العاملة، وأن المشاريع التي صادقت عليها اللجنة الوطنية للاستثمار ستخلق نحو 200 ألف منصب، رد أمكراز بأن “الأمر يتعلق بالضرورة باليد العاملة المؤهلة (…) وأما ما قد يتحقق مستقبلا فسيُحتسب لحكومة أخرى، بما أن الدولة تقوم على الاستمرارية”.

    وتطرق المتحدث كذلك إلى برنامج التشغيل “إدماج”، موردا أن “هذا البرنامج كان موجودا؛ ولكن أكبر إصلاح وتجويد له تم خلال حكومة العدالة والتنمية الأولى سنة 2015. ومن بين الإجراءات التي اتُّخذت آنذاك أن الدولة أصبحت تتحمل التغطية الصحية للمتدربين المسجلين في البرنامج لمدة 24 شهرا. كما أصبحت تتحمل مساهمة المشغّل في الحماية الاجتماعية، بما في ذلك التقاعد والتعويضات العائلية، بنسبة 21 في المائة لمدة 12 شهرا بعد إدماج المتدرّب في المؤسسة نفسها”.

    وأشار أمكراز إلى فرض عقوبات على المقاولات التي لا تقوم بتشغيل ما لا يقل عن 60 في المائة من المتدربين الذين استفادوا من البرنامج؛ وهو ما أفضى إلى تحسن مؤشرات البطالة وإقبال المقاولات عليه، “بالإضافة إلى برنامج ‘تحفيز’ الذي اتُّخذت إجراءات حقيقية للرفع من مردوديته”، خالصا إلى أن “الحكومة الحالية أطلقت وعد مليون منصب؛ لكنها لم تقدم، في بدايتها، أي برنامج حقيقي للتشغيل، على الرغم من ملحاحيّة هذا الملف”.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • السفير رانا: « تاتا » بداية شراكة صناعية ودفاعية أوسع بين الهند والمغرب

    حاوره: توفيق بوفرتيح

    كشف سانجاي رانا، السفير الهندي بالمغرب، عن وجود نقاشات متقدمة بين الرباط ونيودلهي لتوسيع التعاون الصناعي والدفاعي، تتجاوز مجرد تدشين شركة “تاتا” مصنعا لصناعة المدرعات ببرشيد في العام الماضي؛ لتشمل مشروعا طموحا لإنتاج طائرة كاملة بشكل مشترك في المغرب، إلى جانب توسيع الاستثمارات الهندية في قطاعات الأدوية والسيارات والطاقة المتجددة.

    وأكد رانا، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن المملكة المغربية وجمهورية الهند تمتلكان إمكانات كبيرة لتعزيز التبادل التجاري والسياحي، مع توقعات ببحث اتفاقية تجارة حرة بين البلدين مستقبلا، وكذا إطلاق رحلات جوية مباشرة لدعم تدفق السياح والاستثمارات.

    واعتبر سفير نيودلهي بالرباط أن البلدين يتقاسمان رؤية مشتركة تقوم على تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية والانفتاح على أسواق إفريقيا والعالم.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    على صعيد آخر، سجل الدبلوماسي ذاته أن عملية “سندور” التي شنّتها بلاده منذ عام في إقليم جامو وكشمير لم تنتهِ بعد؛ بل هي في حالة “تعليق مؤقت” ريثما تستدعي الضرورة، موضحا أن هذه العملية التي جاءت ردا على هجوم “باهالجام” الدامي الذي أودى بحياة 26 سائحا هندوسيا، نجحت خلالها الهند في تدمير البنية التحتية للإرهاب عبر الحدود.

    نص الحوار:

    أطلقت الهند، في الـ7 من ماي من العام الماضي، عملية “سندور” التي استهدفت ما وصفته نيودلهي بـ”الإرهاب” في جامو وكشمير. واليوم، بعد مرور عام على ذلك، هل حققت هذه العملية الهندية أهدافها؟

    بينما نحيي ذكرى عملية “سندور”، فإن هذه العملية كانت موجهة ضد جذور الإرهاب ومصادر الهجمات الإرهابية على الهند. ففي 22 أبريل 2025، وقع هجوم إرهابي شنيع على منطقة سياحية تسمى “باهالجام” في جامو وكشمير، حيث قُتل 26 سائحا هنديا على أيدي الإرهابيين بعد التأكد من هويتهم، وكان معظم القتلى من الهندوس.

    لقد كان هذا هجوما على الوئام الطائفي في الهند. وكرد مناسب، قرر رئيس وزرائنا، السيد ناريندرا مودي، القيام بعملية “سندور”. وفي 7 ماي، ضربت قواتنا المسلحة تسعة معسكرات للإرهابيين عبر الحدود الغربية وخط السيطرة في الجانب الغربي. وقد أوضحنا أن هذا الهجوم كان موجها ضد الإرهابيين، وتم تدمير البنية التحتية للإرهاب هناك؛ بما في ذلك المعسكرات.

    وقد أخبرنا جارتنا (باكستان) أن هذا لم يكن هجوما على بنيتها التحتية الدفاعية؛ لكننا قلنا أيضا إنه إذا حدث أي تصعيد، فلن نتردد في صعود سلم التصعيد أيضا. وبالفعل، حدث تصعيد؛ فبين 7 و10 ماي، جرت محاولات هجومية من قبل جارتنا عبر الطائرات المسيرة والصواريخ والطائرات، لكننا اعترضناها جميعا. لقد تمكنا من هزيمة خصمنا الذي أُجبر على طلب وقف إطلاق النار في 10 ماي.

    لكننا أوضحنا، في المقابل، أن عملية “سندور” لم تنتهِ تماما. وفي 12 ماي، تم تعليقها مؤقتا، ولكن لم يتم إيقافها؛ لأن العملية كانت عملا ضد الإرهاب، وأكدت أنه كلما وقع هجوم إرهابي على الهند، ستكون هناك عواقب، حيث ستُدمر المصادر ويُتخذ الإجراء اللازم. لفترة من الوقت، كان هناك نوع من الابتزاز بالرد النووي. لذا، كان الهدف هو توضيح أن الابتزاز النووي لن ينجح، وأننا سنتحرك ضد الهجمات الإرهابية في جميع الحالات وفق شروطنا الخاصة. كما أوضحنا أننا لا نسعى إلى أية وساطة من أحد؛ فنحن نكتفي ذاتيا للتعامل مع مثل هذه التهديدات. وكما قال رئيس وزرائنا، عملية “سندور” لم تنتهِ؛ إنها في حالة تعليق مؤقت، ونحن مستعدون لكل الاحتمالات.

    دعنا نتحدث الآن عن التعاون العسكري بين المغرب والهند. في العام الماضي، دشنت شركة “تاتا” مصنعا لها نواحي مدينة برشيد، بحضور راجناث سينغ، وزير الدفاع الهندي. هل هناك محادثات جارية لتوسيع استثمارات شركات هندية أخرى داخل المناطق الصناعية الجديدة بالمغرب؟

    الهند والمغرب شريكان قديمان جدا، ولدينا شراكات في مجالات عديدة؛ بما في ذلك التصنيع. وتعد هذه الشراكة المتمثلة في افتتاح شركة “تاتا للأنظمة المتقدمة” مصنعا في برشيد فصلا جديدا في مجال شراكة الصناعات الدفاعية. هناك، يقومون بتصنيع مركبات دفاعية معا لصالح القوات المسلحة المغربية، وكذلك للتصدير في وقت لاحق. إنه مثال فريد حيث يعمل الفنيون والمهندسون المغاربة باستخدام التكنولوجيا الهندية والتصميم الهندي لابتكار شيء سيستخدمه المغرب. لذا، فهو منتج مغربي بالكامل بقلب هندي، صُنع بأيدٍ مغربية.

    هناك العديد من المصانع في المغرب، حيث يقوم الفنيون والمهندسون بتجميع سيارات ومركبات أوروبية أو أمريكية أو من مناطق أخرى؛ ولكن لا يوجد مكان يشاركون فيه بشكل كامل كما هو الحال في مصنع “تاتا”. لذا، أود أن أقول إن هذا مثال جديد وبداية جديدة. ومن المهم نقل ذلك إلى مجالات مختلفة؛ بما في ذلك الصناعات الدفاعية وأيضا تصنيع المركبات الآلية.

    بالإضافة إلى ذلك، لدينا أيضا خطط لإنتاج طائرة بشكل مشترك في المغرب. كما تعلم، طوّرت المملكة المغربية قطاع الطيران لديها على مر السنين؛ فأنتم تنتجون الآن هياكل وأجزاء مختلفة من الطائرات للعديد من الشركات الكبرى. ولكن لا يوجد إنتاج لطائرة كاملة، لأن العديد من هذه الشركات ليست مستعدة لمشاركة التصاميم معكم، أو أنها تقوم بالتصنيع على أجزاء. ولكن من الهند، هناك مقترح لإنتاج طائرة كاملة بشكل مشترك هنا. لذا، هناك العديد من هذه الأفكار التي تتم مناقشتها ودراستها، وآمل أن نرى حضورا أكبر للتصنيع المشترك بين الهند والمغرب. لأننا عندما نقول “اصنع في الهند”، فإن ذلك يعني أيضا “اصنع في الخارج” مع شركائنا للتصدير والاستهلاك في أسواق أخرى.

    بعيدا عن الشأن العسكري، أثبتت الهند قدرتها خلال جائحة كورونا كـ”صيدلية العالم”. كيف يمكن تعزيز الشراكة مع المغرب لنقل التكنولوجيا في صناعة اللقاحات والأدوية الحيوية، ليس فقط للاستهلاك المحلي؛ بل للتصدير أيضا إلى الأسواق الإفريقية، خاصة مع المخاوف الحالية بخصوص فيروس “هانتا”؟

    نعم، تُعرف الهند بـ”صيدلية العالم”، كما ذكرت؛ لأنها كانت شريكة لجميع القارات تقريبا. واليوم، نلبي احتياجات الأدوية والمستحضرات الصيدلانية في قارات عديدة؛ بما في ذلك إفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا. خلال الجائحة، كانت الهند واحدة من الدول التي شاركت بلقاحاتها مع أجزاء أخرى من العالم، وقدمنا هذه اللقاحات لشركائنا في القارة الإفريقية. والحالة الماثلة في هذا الصدد هي أن المغرب اشترى ما يقرب من سبعة ملايين جرعة لقاح صُنعت في الهند، مما ساعده أيضا على تحقيق أهدافه في التطعيم.

    ونريد المضي قدما في هذه العلاقة. فاليوم، لدينا اثنتان من كبريات شركاتنا الصيدلانية تصنعان منتجاتهما في المملكة المغربية. لذا، نأمل في الحصول على المزيد من هذه الأمثلة، والمزيد من الشركات الهندية التي تعمل معا. لأنكم هنا في المغرب لديكم بنية تحتية ممتازة للتصنيع، ويمكننا تطوير التصنيع الدوائي معا لتلبية احتياجات الأسواق الدولية. أما فيروس “هانتا” فهو وافد جديد في سلسلة الفيروسات والبكتيريا والميكروبات الأخرى، وأعتقد أنه يمكننا معا ابتكار الأدوية واللقاحات وكل ما يلزم لمواجهة هذا الخطر الجديد.

    في الشق المتعلق بالتبادل التجاري، يبلغ حجم التجارة بين الهند والمغرب حوالي 4 مليارات دولار، وهو رقم لا يزال منخفضا بالنظر إلى إمكانيات البلدين. ما هي التحديات الرئيسية؟ وأي القطاعات تمتلك أكبر الإمكانات لتحسين التجارة بين البلدين؟

    لقد حققت تجارتنا، في السنوات الأربع أو الخمس الماضية، أداء جيدا للغاية. قبل الجائحة، كانت تجارتنا في حدود 2.5 مليارات دولار، واليوم تجاوزنا 4 مليارات دولار؛ لذا حققنا تقدما جيدا. وإذا استمررنا على المنوال نفسه، فإن المستقبل يحمل وعودا طيبة للغاية لكلا البلدين. تجارتنا متوازنة للغاية؛ فالمغرب لديه ميزان تجاري إيجابي مع الهند، وهو علامة جيدة جدا. وهناك العديد من المجالات الأخرى التي يمكننا فيها تنويع شراكتنا، سواء كانت الطاقة المتجددة أو قطاع السيارات أو التصنيع، أو الأدوية.

    وأعتقد أننا إذا مضينا قدما في المقترحات التي تدرسها الغرف التجارية في البلدين، فسننجح في تنمية تجارتنا واستثماراتنا. ثم إن الشركات الهندية تستثمر باستمرار في المملكة المغربية، ولدينا شعور إيجابي للغاية تجاه بيئة الأعمال في المغرب، بحيث اتخذت القيادة المغربية خطوات حكيمة للغاية. وأعتقد أن شركاتنا مهتمة بالقدوم إلى هنا ووضع الاستثمارات وإنشاء المرافق التي ستخدم احتياجات كلا الشعبين.

    هل هناك خطط أو نقاشات رسمية في الهند لتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع المغرب، مثل العديد من الدول؟

    لدى الهند اتفاقيات تجارة حرة مع العديد من المجموعات الاقتصادية الكبرى أو التكتلات الإقليمية في العالم. فعلى سبيل المثال، لدينا اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي، ولدينا اتفاقية تجارية مؤقتة مع الولايات المتحدة، وعلاقات تجارية ممتازة مع دول أخرى مثل المملكة المتحدة. ولدينا أيضا اتفاقية أخرى مع دول شمال أوروبا. كما أن المغرب لديه اتفاقيات تجارة حرة جيدة جدا وترتيبات أخرى مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. لذا، هناك الكثير من التداخل بين نوعية الاتفاقيات التي نبرمها مع شركائنا الثنائيين. وأعتقد أنها ستكون خطوة طبيعية إلى الأمام للحصول على مثل هذه الاتفاقية معنا. تجارتنا تنمو، وأعتقد أن التطور الطبيعي لتجارتنا هو أننا سنناقش اتفاقية تجارة تفضيلية أو اتفاقية تجارة حرة في الأشهر والسنوات المقبلة.

    ماذا عن الربط الجوي المباشر بين البلدين؟ هل هناك أي جديد في هذا الشأن؟

    عدد المسافرين بين بلدينا في تزايد. فالهنود يحبون قضاء عطلاتهم السياحية في المملكة المغربية، وهناك الكثير منهم يأتون إلى مراكش وفاس ومكناس. لذا، أعتقد أن هناك إمكانات كبيرة للسياحة. والوسيلة الرئيسية التي يمكننا من خلالها تنمية هذه السياحة بيننا هي الرحلات الجوية المباشرة. لذا، أعتقد أن هناك العديد من المقترحات التي تدرسها شركات الطيران من الجانبين لتسيير رحلات مباشرة، ونأمل أن نرى مثل هذه الرحلات قريبا مع تزايد عدد السياح. ففي العام الماضي، زار المغرب قرابة 45 ألف سائح هندي، وأعتقد أن السلطات المغربية تخطط لاستقبال حوالي 100 ألف سائح هذا العام. وبالتالي، سيكون من المنطقي تماما وجود رحلات مباشرة بين بلدينا.

    سؤال أخير، في عالم القوى العالمية متعددة الأقطاب، هل يمكن أن تصبح العلاقة بين المغرب والهند نموذجا للتعاون بين دول الجنوب؟
    كل من الهند والمغرب دولتان تتطلعان إلى الخارج. نحن نعمل مع شركائنا في الجوار وكذلك في المناطق البعيدة، ولدينا علاقات جيدة جدا فيما بيننا. وكما تعلم، فإن للهند روابط وثيقة جدا مع القارة الإفريقية؛ فلدينا علاقة قديمة جدا قائمة على كوننا جيرانا عبر المحيط الهندي. وهذه العلاقة التي تربطنا تقوم على المساواة والشراكة والعمل من أجل التنمية في بلد كل منا الآخر.

    وقد استثمرت الهند مبالغ ضخمة من المال في مشاريع مختلفة في إفريقيا، ونحن حريصون جدا على ضمان أن تجلب هذه المشاريع الرخاء للشعوب الإفريقية. كما نؤمن بالعمل في شراكة؛ ولكن أيضا باحترام متبادل ومساواة، بناء على احتياجات السكان.

    ولمتابعة نقاشاتنا حول هذه المشاريع والنماذج التنموية، تنظم الهند النسخة الرابعة من قمة منتدى الهند وإفريقيا في نيودلهي، في نهاية شهر ماي الجاري. وستجمع هذه القمة رؤساء الدول والحكومات من جميع الدول الإفريقية في الهند، وسنناقش المقترحات المختلفة لخطط التنمية. وكما هو الحال في إفريقيا حيث لديكم “أجندة 2063″، لدينا أيضا في الهند “رؤية الهند المتقدمة 2047” (Viksit Bharat 2047). لذا، هناك توافق وثيق بين أهدافنا، وسنناقش عبر منصة القمة كيف يمكننا العمل مع بعضنا البعض بشكل أوثق وأكثر تركيزا للمضي قدما في تحقيق الاحتياجات التنموية لشريكين رئيسيين: الهند وإفريقيا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • هل يصل خطر « فيروس هانتا » إلى المغرب؟ اليوبي يجيب عن أسئلة « تيلكيل عربي »

    في ظل ما تم تسجيله من حالات إصابة بفيروس « هانتا »على متن سفينة سياحية قادمة من أمريكا اللاتينية، عاد النقاش حول طبيعة هذا الفيروس النادر وآليات انتشاره، خاصة في البيئات المغلقة التي قد تشهد احتكاكا وثيقا بين المسافرين لفترات طويلة. ويثير هذا النوع من الحالات اهتماما خاصا بالنظر إلى محدودية حدوث الانتقال بين البشر مقارنة بالانتقال التقليدي من القوارض إلى الإنسان.

    وتسجل هذه التطورات في سياق صحي يتسم بتشديد المراقبة على مستوى نقاط العبور الدولية، سواء بالمطارات أو الموانئ، حيث يتم التركيز على رصد أي أعراض تنفسية أو علامات مرضية محتملة لدى المسافرين القادمين من مناطق قد تُسجل فيها حالات إصابة. وتظل هذه الإجراءات جزءا من منظومة يقظة صحية دائمة تهدف إلى الاكتشاف المبكر والتدخل السريع عند الحاجة.

    وفي هذا الصدد أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، محمد اليوبي، الذي أكد أن التعامل مع هذه الحالات يندرج ضمن إطار اليقظة الصحية المعتادة، وأن المنظومة الصحية تعتمد على آليات رصد مبكر وتنسيق بين مختلف المتدخلين على مستوى نقاط العبور.

    ما هي الإجراءات الاحترازية التي سيتم اعتمادها بالمطارات والموانئ لمنع دخول فيروس « هانتا » إلى المغرب؟

    أولا، لكي نطبق إجراءات معينة، يجب أن نكون قد قمنا مسبقا بتقييم المخاطر، وتبين بالفعل وجود خطر يستوجب اتخاذ تدابير محددة، سواء بالمطارات أو الموانئ أو بجهات أخرى. مع الإشارة إلى أن الأمر يتعلق بحالات إصابة بفيروس ليس جديدا ولا مستجدا، بل هو فيروس موجود منذ مدة ومنتشر في مناطق بأمريكا اللاتينية وأوروبا وآسيا، ومن المحتمل أيضا أن يكون منتشرا في مناطق أخرى.

    الحدث الذي وقع يتمثل في أن أشخاصا كانوا متواجدين بأمريكا اللاتينية، وتحديدا في الشيلي والأرجنتين، أصيبوا، سواء جميعهم أو بعض منهم، أثناء تواجدهم بهذه المناطق. وبعد قضائهم فترة طويلة معا على متن الباخرة، توفرت الظروف المناسبة لانتقال الفيروس من شخص إلى آخر، رغم أن هذا الفيروس ينتقل عادة من القوارض إلى البشر، ولا ينتقل بين البشر إلا في حالات استثنائية. وبالتالي، فإن الحالة مرتبطة بثمانية أشخاص، من بينهم أربعة فقط تأكدت إصابتهم مخبريا.

    هذه الباخرة السياحية ليست لها أي صلة بالمغرب، إذ لم ترس بأي ميناء مغربي، كما لا يوجد على متنها أي مواطن مغربي، سواء ضمن طاقم السفينة أو بين المسافرين الذين كانوا على متنها. وبالتالي، لا يوجد ما يدعو إلى اتخاذ إجراءات مشددة أو استثنائية بالمطارات، فالمعمول به حاليا هو تشديد المراقبة الصحية التي يتم القيام بها بشكل اعتيادي.

    تتوفر وزارة الصحة على موظفين بمختلف نقط العبور، سواء بالمطارات أو الموانئ أو حتى بمعبر الكركرات، حيث يتم رصد الأشخاص الذين تبدو عليهم أعراض مرضية، وإخضاعهم للاستقصاء والتحري للتأكد مما إذا كانوا مصابين بمرض معدٍ يمكن أن ينقله الشخص أثناء تواجده بالمغرب. لذلك، فإن المطلوب في هذه المرحلة هو التحلي بمزيد من الحيطة وتعزيز مراقبة مثل هذه الحالات بالمطارات والموانئ.

    كيف يتم التعامل مع حالة مشتبه بها فور وصولها إلى أحد المنافذ الحدودية المغربية؟

    يجب أن نعرف أن الإصابة بهذا الفيروس ليست لها خصائص محددة بالضرورة، إذ قد يكون الشخص المصاب حاملا للفيروس دون أن تظهر عليه أي علامات في أغلب الحالات، وقد تظهر عليه أحيانا أعراض تشبه الإصابة بالأنفلونزا. غير أن بعض الحالات قد تكون أكثر حدة، حيث يتطور المرض إلى عسر في التنفس ومضاعفات صحية أكثر خطورة.

    وعندما ترصد المصالح المتخصصة شخصا يعاني من عسر في التنفس، يتم مباشرة القيام بعمليات التقصي والتحري لمعرفة الأماكن التي تواجد بها وما إذا كانت هناك مؤشرات تستدعي الاشتباه، ليس فقط في فيروس « هانتا »، بل أيضا في فيروسات أخرى قد تنتقل إلى أشخاص آخرين.

    وفي حال وجود شك، يتم توجيه الشخص المعني بشكل فوري إلى المصلحة المختصة، حيث تقدم له العلاجات اللازمة ويوضع في معزل عن باقي المرضى، مع أخذ عينات منه وإرسالها إلى المختبرات لتحديد نوع الفيروس، خاصة إذا كانت هناك معطيات تفيد باحتمال احتكاكه في بلده بشخص مصاب بفيروس « هانتا ».

    إلى أي حد تتوفر المنظومة الصحية المغربية على الجاهزية اللازمة لرصد أي حالة وافدة والتعامل معها بسرعة؟

    لدينا جاهزية مائة بالمائة، بالنظر إلى وجود تنسيق بين مختلف المستويات والقطاعات على صعيد المنظومة الصحية، إضافة إلى التنسيق القائم بين جميع المتدخلين بنقط العبور، سواء بالمطارات أو الموانئ. كما تتوفر لدينا الآليات والإجراءات الضرورية للتعامل مع أي حالة مشتبه فيها قد تكون وافدة.

    وتتوفر كذلك الكشوفات المخبرية التي سيتم اعتمادها في حال الاشتباه في أي حالة، من أجل تحليل العينات التي يتم أخذها وإرسالها إلى المختبرات المختصة للتأكد من طبيعة الفيروس واتخاذ التدابير المناسبة وفق المعطيات المتوفرة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • عبد الحق نجيب: عشت إخفاقات مُرعبة ومحنا شديدة وتلقيت ضربات قاسية


    حاوره: عبد الله الساورة

    في فن الحوار، يكمن الإنصات الجيد، وهنا تقدم جريدة “هسبريس” عبد الحق نجيب، الكاتب والإعلامي والمخرج السينمائي.. في حوارٍ يتحوّل إلى مرآةٍ عاريةٍ تكشف ما لا يُقال. صوت واحد يحمل التعدد داخله، وفي الآن ذاته يمثل اعترافاً ومساءلةً واحتجاجاً صامتاً على عالمٍ يتآكل من الداخل. وهو حوارٌ مع كاتب متعدد، وأمام مشروعٍ كتابيٍّ يتشكّل بهدوء، وأمام قلقٍ كونيٍّ يتخفّى في هيئة نصوص، ويصرّ على أن يكتب نفسه ضدّ النسيان.

    وكيف يرى كاتب مثل عبد الحق نجيب الإنسانَ وهو يتشظّى تحت وطأة زمنٍ يتسارع نحو اللاإنساني؟ ثم، ماذا عن اللغة، تلك الكتلة الهشّة من المعنى؟ هل هي أداةٌ لنقل الفكر، أم كائنٌ حيٌّ يتشكّل مع كلّ جملةٍ ويقاوم الانطفاء؟ وكيف تُبنى لغةٌ تستطيع أن تكون جسراً بين التفكير والتخييل؟ وكيف يمكن للكتابة أن تظلّ فعلاً نقيّاً في عالمٍ يُكافئ السطحية ويُعاقب العمق؟

    وفي جوهر هذا الحوار المفتوح على عتبات “هسبريس”، نكتشف كيف تغدو الكتابة، في جوهرها، شكلاً من أشكال المقاومة؛ مقاومة ضدّ التبسيط المفرط، ضدّ الرداءة التي تتسلّل إلى كلّ شيء، ضدّ هذا الإجماع الخانق الذي يُحوّل الاختلاف إلى تهمة.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ثم ماذا يبقى بعد كلّ هذه الرحلة، بعد الكتب، بعد البرامج، بعد الأسئلة التي لا تنتهي؟ هل يصل الكاتب يوماً إلى أجوبةٍ تُطمئنه، أم أنّه محكومٌ بأن يظلّ في حالة بحثٍ دائم، كمن يطارد معنىً يعرف مسبقاً أنّه لن يُمسك به؟ وهل يمكن للمعرفة أن تكون شفاءً، أم أنّها جرحٌ يتّسع كلّما اقتربنا من حقيقته؟

    وهذه ليست مقدّمةً لحوارٍ عابر، بقدر ما هي مدخلٌ إلى عتمةٍ مضيئة، إلى صوتٍ يكتب ليقاوم، ويفكّر ليبقى حيّاً، ويطرح الأسئلة لا لأنّه يجهل الأجوبة، وإنما لأنّه يدرك، في عمق هذا العالم المتصدّع، أنّ السؤال هو الشكل الأخير للحرية.

    كيف تشكّلت ملامح مشروعك الفكري والكتابي بين الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع، وهل كان هذا التداخل اختياراً واعياً أم نتيجة قلق معرفي فرضه عليك البحث في أكثر من حقل لفهم الإنسان؟

    إنها بالفعل رؤية تتجه نحو إضفاء جوهر على عمل معقد دون أن يكون معقداً، يمزج بين الفلسفة والشعر والرواية والعلوم الإنسانية، مع انفتاحات وتداخلات مع الأنثروبولوجيا وعلم الآثار وفقه اللغة والخيمياء وما يسمى بالعلوم الخفية وتاريخ العالم وتتابع الحضارات والثقافات والفيزياء والكيمياء والمساهمة المهمة للرياضيات، ولا ننسى النظرة العميقة إلى تاريخ الفنون والعمارة والموسيقى والسينما ومصادر المعرفة الأخرى، والتي أعتبرها ضرورية لكي نتمكن من الادعاء ببدء قراءة معينة للعالم والحياة، ومحاولة فهم المعنى الحقيقي لوجودنا كبشر في هذا العالم من خلال تداخل كل مصادر المعرفة هذه.

    لطالما كنتُ قارئاً نهماً وجاداً منذ نعومة أظفاري. شعرتُ منذ صغري بميلٍ عميقٍ للكلمات واللغة، ولقوة الجملة، سواءً أكانت أدبيةً أم موسيقيةً أم سينمائيةً أم لونية. ومن خلال القراءة، اكتشفتُ عوالمَ تبلورت لتُشكّل أفكاراً ووجهات نظرٍ كتابية. ومن هذا الشغف العميق للتعبير عن المشاعر والأحاسيس بلغةٍ حميمةٍ وشخصيةٍ أكثر فأكثر، وُلِدَ الشعر. هذا الميل نفسه هو الذي دفعني لكتابة أطروحتي عن فكر فريدريك نيتشه، والدفاع عن أطروحةٍ أخرى عن شعر رينيه شار، واقتراح أطروحةٍ ثالثةٍ عن تاريخ الفن.

    ومن كل هذه الثمار انبثقت رواياتي، ومجموعاتي الشعرية، ومقالاتي الفلسفية، وتحليلاتي الاجتماعية والسياسية، وأعمالي النقدية الفنية، وتأملاتي في السينما والأدب. ولا أنسى عملي كمخرج، بفيلمي الروائي الطويل: “الهاربون من تندوف”. كل شيء جزء من نفس الرؤية، وهي أن أكون متناغماً مع من أنا، ومع أفكاري، ومع عملية تفكيري، ومع نظرتي للعالم الذي أعيش فيه، وذلك من خلال دمج الماضي والحاضر والمستقبل في نفس المنطق التحليلي.

    في كتبك، يبدو الإنسان ككائن مهدد بالهشاشة والتفكك، كيف ترى اليوم صورة الإنسان المعاصر داخل هذا العالم الذي يتسارع نحو اللاإنساني؟

    لطالما كان وجود البشرية محفوفاً بالمخاطر، يعاني من الفوضى، سريع التأثر، وعرضة للكوارث. تاريخ الحضارات يشهد على ذلك بوضوح. في الواقع، كُتِب تاريخ البشرية بالدماء، وفترات ما يُسمى بالسلام ليست سوى فترات هدوء مؤقتة في انتظار الأسوأ. هذه هي حقيقة البشرية والعالم. اليوم، بلغ الرعب مستويات غير مسبوقة، وهذا ينطبق على جميع المستويات.

    سرعان ما ننسى، لأننا جنسٌ مُصاب بفقدان الذاكرة، أنه قبل 80 عاماً، اندلعت حرب عالمية خلّفت أكثر من 80 مليون قتيل، وخمسة أضعاف هذا العدد على الأقل من الجرحى والمُرحّلين واللاجئين والمنفيين قسراً. وقبل ذلك، في بداية القرن العشرين، كشفت حرب أخرى عن مدى وحشية الإنسان. وكلما عدنا إلى الوراء، في كل قرن، كانت هناك حروب ونزاعات مسلحة دمرت حضارات بأكملها. يعود هذا إلى بدايات ما يُسمى بالحضارة الإنسانية، التي ظهرت رسمياً في سومر قبل أكثر من 6000 عام. يستند هذا إلى بيانات واضحة وقابلة للتحقق بشأن المجازر التي ارتكبها البشر ضد بعضهم البعض. لقد بلغنا اليوم مستوىً مروعاً من الوحشية والعبثية.

    تزداد البشرية حماقةً يوماً بعد يوم، فقد فقدت جوهرها الذكي. تتدهور قدراتها الإدراكية وتتلاشى أمام التكنولوجيا الجبارة. في هذا الانحدار المبرمج والمنهجي، يُفقر الإبداع البشري فقراً عميقاً لا رجعة فيه. لم يسبق للعالم أن كان يزخر بمصادر المعرفة بهذا القدر، ومع ذلك نعيش في أحلك فترات تاريخنا. كما لم يسبق أن بلغ التقدم الطبي هذا الحد من قبل، لدرجة أن كوكب الأرض بأكمله تقريباً يعاني من المرض.

    يمكنك أن ترى هذا في كل مجال: في كل مكان، فقدنا حدتنا، ومهاراتنا في التفكير، ومنطقنا، وعطشنا للمعرفة، ورغبتنا في أن نصبح أفضل نسخة من أنفسنا. وعندما نضيف إلى كل هذا الانحطاط جاذبية العالم الافتراضي، وإملاءات التكنولوجيا الرقمية، وحلم ما يسمى بالذكاء الاصطناعي الذي سيحل محل البشر، أعتقد أننا نتجه مباشرة نحو كارثة. في هذا الحقل من الخراب، لا تزال هناك أقلية من الأشخاص الذين لا يقهرون والذين يرفضون بيع إنسانيتهم من أجل مظاهر الحداثة الزائفة التي يتمثل هدفها النهائي في دق ناقوس الموت لما يشكل جوهرنا: إنسانيتنا.

    تكتب بلغة تجمع بين التأمل الفلسفي والنَفَس السردي، كيف تبني هذه اللغة، وهل تعتبرها جسراً بين الفكر والخيال أم محاولة لتفكيك الحدود بينهما؟

    أؤمن بأننا جميعاً نسكن، كلٌّ بطريقته، لغةً نبتكرها بأنفسنا؛ يسميها البعض أسلوباً. شخصياً، لا أحب هذا المصطلح، تحديداً لأني أرفض أي تكلف أسلوبي في كتاباتي. ولأكون صادقاً قدر الإمكان مع كيفية تعاملي مع عوالمي اللغوية، عليّ أن أقول إنني أكتب كما أفكر؛ إنها عملية منطق داخلي، عقلانية ذهنية وروحية تُرسّخ قوتها في الكلمات والأفكار التي تولد وتتفاعل، وتتطور في نهاية المطاف إلى طبقات ومراحل من التأمل. رواياتي فلسفة، وشعري سردٌ معقد يستمد من مصادر دقيقة ومتشعبة. كتاباتي عن الفنون نثر فلسفي تغذيه أبحاثي ودراساتي في مجالات عديدة، يؤثر كل منها في الآخر بشكل غير مباشر. سواء كتبت بالفرنسية أو العربية أو الإسبانية أو الإنجليزية، وحتى في محاولاتي للتعبير عن نفسي بالألمانية، فإن عملية التفكير نفسها هي التي تنطلق دائماً.

    بهذا المعنى أرفض استخدام كلمة “ترجمة” لوصف أعمالي، لأنها في كل لغة تمثل بالنسبة لي نوعاً مختلفاً من الكتابة، وطريقة مختلفة للتعامل مع النص، إذ يتغير نطاقه عند الانتقال من العربية إلى الفرنسية، على سبيل المثال. هذه اللغة متعددة الأوجه تُضفي شكلاً على تعابير كتابية متباينة ومتطورة باستمرار. وهذا ما يُزيل الحدود بين ما يُسميه الكثيرون بالأنواع الأدبية، ويخلق جسوراً وروابط متحركة بين مستويات أدبية متكاملة للغاية. سواء كتبتُ “متاهة رئيس الملائكة” أو “الشمس في قلب الرجال”، أو “وليمت العالم القديم”، أو أخرجتُ “الهاربون من تندوف”، فإن منطق الفكر واحد، مُترجم إلى لغة وصور.

    إلى أي حد يمكن اعتبار الكتابة لديك شكلاً من أشكال المقاومة ضد التفاهة، وضد تراجع القيم الرمزية في المجتمعات المعاصرة؟

    الكتابة اليوم، في هذا العالم الذي يتسم بالغباء والقبح والسطحية والعبثية والملل والعقم والتقليد الأعمى، هي فعل صمود ومقاومة. بالنسبة لي، فإنّ أكثر الأعمال ثورية اليوم هو رفض التخلي عن ذرة من قدرة المرء على رفض “التواضع القسري” الذي أصبح هو السائد في المجتمعات التي تعاني من التوافق المزمن والحاد. إنّ التأمل والتفكير واستخدام العقل ليست موهبة فطرية للجميع؛ لهذا السبب، تُصدر الغالبية العظمى من الناس أحكاماً بدلاً من التفكير.

    إنها نفس القوة المطلوبة للفرد للثورة ضدّ برمجة العقل من خلال التفكير التوافقي، الذي يُساوي الفرص (بالمعنى السلبي) ويمنع الأفراد من التميّز في المجتمعات النمطية. عدم الانتماء إلى القطيع هو عمل ثوري، عدم التفكير كالأغلبية هو عمل تحريضي، وتنمية الاختلاف هو هجوم على النظام القائم. إنّ مجمل أعمالي مُكرّس لهذا النضال ضدّ تلقين الجماهير من خلال دكتاتورية الفكر الأحادي التي تُؤثّر على الكوكب بأكمله.

    في اشتغالك على مفاهيم مثل الكرامة والحرية والهوية، هل تكتب انطلاقاً من تجربة شخصية أم من قلق جماعي يعكس تحولات المجتمع المغربي والعالمي؟

    يبدأ المفكر الحقيقي دائماً بتجاربه الحياتية ليقدم منظوراً متعدد الأوجه وبصيراً للحياة والعالم الذي يعيش فيه؛ فالتجربة الحياتية هي منبع لا ينضب يُمكّننا من الرؤية بوضوح. التعلم من الحياة عبر المواقف، واللقاءات، والأسفار، والأحداث غير المتوقعة، والمحن، والمعاناة، والوعي بالعالم؛ هذه هي العناصر التي تُشكّل منطقنا، وهي تُحدد إلى حد كبير إحساسنا بالحرية، وتؤثر على نظرتنا لهويتنا، وهي أساس مكانتنا في هذا العالم وفي المجتمع الذي نتفاعل معه.

    ولكن هناك أيضاً قراءاتي، وبحوثي، ورحلاتي في الفكر الكوني، والأفلام التي شاهدتها مراراً وتكراراً، والفنانين الذين غذّوني وألهموني، والعقول العظيمة التي عززت حدّتي كمراقب ومحلل ومفكر. قراءة أعمال فلاسفة ما قبل سقراط، وقضاء سنوات في استكشاف فلسفتهم، والشعور بقرب شديد من نيتشه، وهايدغر، وفتغنشتاين، وشيشرون، وماركوس أوريليوس، ومايستر إيكهارت، وسبينوزا، وليبنيز، وشوبنهاور، وراسل، وهوسرل، وتاسيتوس، وسقراط، وهيراقليطس، وزرادشت، وغيرهم؛ هؤلاء يغيرون مستوى انتباهك تجاه الأفكار التي أصفها بالسطحية والتقليدية. لأن القراءة ليست كلها على نفس المستوى؛ فقراءة هيسه، ومان، ودوستويفسكي، وكافكا، وبروست، وبيكيت، وجويس، وبرنارد شو، ووولف، وشار، وبيرس، وكوسيري، وميلفيل، وهامسون، وميشيما، وكاواباتا، ودانتي، ولاروشفوكو، وسيوران، ومنيف، والكوني، ودي أونامونو، وباسكال، ومونتين، وميلر، ودوريل، وكونراد، ورامبو، وحكمت، وماياكوفسكي، وماندلشتام ليست كقراءة الروايات الرخيصة.

    أن نبحث عن معنى الفن عند دافنشي، ومايكل أنجلو، ودي لا تور، وبوسان، وبراك، وبيكاسو، ودي ستايل، وروثكو، ودي كونينغ، وشاغال، وماتيس، وموديلياني، وراوشينبيرغ، وبولوك… أو في فن الكهوف، وسحر كهوف مثل لاسكو أو ألتاميرا؛ لاستخلاص المعرفة السرية من زينون، وزوسيموس، ونيكولاس فلاميل، ومايكل ماير، وباسيل فالنتين، وباراسيلسوس، وفولكانيللي؛ لقراءة أينشتاين، وهايزنبرغ، وشرودنغر، وبلانك، وبور، وديراك، وماري كوري، وتيسلا؛ لنكون متيقظين من خلال التفاعل مع عقول مثل باخ، وموزارت، وبيتهوفن، وفاغنر، ودڤوراك، وتشايكوفسكي، وبروكوفييف، وشوستاكوفيتش، وفيردي، وألبينوني، ومالر، وبرامز، وغيرهم الكثير من الملحنين العظماء؛ الأمر أشبه بتذوق نوع مختلف من الرحيق الإلهي، وامتلاك حاسة تذوق شديد الحساسية. هذا ما يصنع الفرق، ولهذا السبب، قليلون هم من يفكرون حقاً للعالم، وكثيرون هم من يكتفون بالكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي.

    كيف أثرت تجربتك في إعداد وتقديم برنامج “صدى الإبداع”، بما يزيد عن خمسمائة حلقة، على رؤيتك للثقافة والمثقف المغربي ودور الإبداع في المجتمع المغربي؟

    يمنحك العمل على 500 حلقة في برنامج من هذا القبيل منظوراً معيناً لما يحدث في المشهد الثقافي المغربي؛ كما يتيح لك استقبال أكثر من 1500 اسم فرصة الملاحظة والتحليل والمقارنة وتكوين رأي. أنا معروف بصراحتي ووضوحي، ولطالما تمسكت بآرائي؛ وانطلاقاً من هذا، أستطيع أن أؤكد أن الثقافة في المغرب في حالة يرثى لها، فهي تعاني من أمراض مزمنة عديدة لا شفاء منها.

    التشخيص الأول هو أن من يطلقون على أنفسهم “مثقفين” في المغرب يفتقرون في الغالب إلى الثقافة والتعليم المتين؛ من الواضح أن العاملين في المجال الثقافي يقرؤون قليلاً أو بشكل رديء للغاية. وبالمثل، فإن الكثير ممن يجرؤون على ادعاء أنهم مخرجون سينمائيون في المغرب لا يعرفون شيئاً عن السينما الحقيقية، ونادراً ما يشاهدون أفلاماً رائعة. وينطبق الأمر نفسه على الفنون البصرية، حيث لا يعرف معظمهم حتى تاريخ الفن، ويكتفون بتقليد وإعادة تدوير ما سبق رؤيته واستهلاكه. والأمر أسوأ في الأدب: انعدام الخيال، وضعف إتقان اللغة، وانعدام المراجع الأدبية الراسخة، وعدم القدرة على الجمع بين العمق والبساطة.

    أغلب من يُطلقون على أنفسهم شعراء ليسوا، في أحسن الأحوال، سوى ناظمين أو مهذبين. وهذه ليست ظاهرة مغربية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية؛ ففي كل مكان، يتنافس الغباء مع الرداءة، وهذا هو السائد. سباق الانحدار مُحتدم، والناس يميلون بطبيعتهم إلى الزيف والسطحية والموضات العابرة، وقليلون هم القادرون على الغوص عميقاً في ذواتهم لاكتشاف بصيص نور يُنير عقولهم.

    من خلال احتكاكك بالمبدعين في برنامج “صدى الإبداع”، ما الذي اكتشفته عن التحولات العميقة في الكتابة والإبداع في المغرب؟

    المؤسف أن الجميع تقريباً يرغبون في تقليد الآخرين؛ المبدأ الأساسي لديهم هو: “إذا نجح الأمر معهم، فسينجح معي أيضاً”. يا له من تفكير بائس! على المبدع الحقيقي، الكاتب الذي يغذيه شغف الكتابة، والرجل أو المرأة الطامحين إلى الفن، أن ينمّوا أولاً ما يُميّزهم بدلاً من محاولة التوافق مع النماذج السائدة. خذ على سبيل المثال ما يُسمى بالبحث الأكاديمي: الغالبية العظمى تختار المواضيع نفسها؛ إنه لأمر محزن ومُفقر.

    وخذ على سبيل المثال من يرغبون في صناعة الأفلام: جميعهم يقعون في فخ توقعات الجمهور، فينتج عن ذلك هراء، وفوضى عارمة، وغرائب لا يمكن وصفها بأي شيء إلا بالسينما. إنه النهج نفسه في الأدب والشعر؛ كلاهما يُقلّد الآخر ويُنتج نصوصاً غير مفهومة، خالية من أي قيمة أدبية. من هذا المنطلق أقول إن الفكر في المغرب يذبل ويصبح عادياً، كما هو حال الكتابة عموماً؛ حيث لدينا الكثير من الكُتّاب، ولكن القليل جداً من الكُتّاب الجادين والمُحترمين.

    هل يمكن القول إن الكتابة بالنسبة لك هي محاولة لفهم الذات أم لإعادة خلقها، أم أنها شكل من أشكال الاعتراف غير المباشر بما لا يقال؟

    الكتابة حاجةٌ فطريةٌ عميقةٌ بالنسبة لي، إنها فعلُ الحياة. الإبداع، بالنسبة لي، هو منح نفسي فرصة عيش حيواتٍ متعددة؛ يسمح لي بالغوص في أعمق زوايا نفسي، ويكشف لي عن ذاتي بكل تعقيداتها، وعيوبي، وآلامي المكبوتة، وتطلعاتي، وشكوكي، وتوقعاتي، وأحلامي التي لم أُفصح عنها، وآمالي، ويأسي في عالمٍ يتدهور.

    الكتابة، وصناعة الأفلام، والحياة؛ كلها تنبع من الحاجة نفسها للشعور بالحياة، والتفاعل مع كل لحظة، وقياس قدرتي على تقبّل ما يأتي، ومقاومة الانحلال الإنساني، والبقاء وفياً لقيمي وأخلاقي كإنسانٍ حر، يناضل من أجل كل ذرةٍ من إنسانيتي في عالمٍ مُجرّدٍ من الإنسانية. الكتابة، والإنتاج، والتأمل، والتفكير، والتخيل، والكلام، والصمت، والرفض، والشعور؛ كل ذلك هو مشاركة أعمق ما في الذات مع العالم، وبلوغ أقصى حدودها، كحاجٍّ اختار دروباً مجهولة، ومسارات منعزلة، وطرقاً لا يرغب أحد في سلوكها أو يستطيع، ليكتشف ذاته مع كل خطوة.

    بالنسبة لي، التفكير هو جرأة على كتابة ما لا يستطيع الآخرون حتى تخيله، هو جعل ما لا يجرؤ الآخرون على صياغته سراً أمراً مفهوماً. الكتابة، بالنسبة لي، تحدٍّ للنظام القائم؛ إنها مغامرة رهيبة وشاقة، كمغامرة رجل يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة، وهو يعلم أنها ليست هناك.

    بعد هذا المسار الطويل بين الكتابة والإعلام الثقافي، ما الذي لم تقله بعد، وما الذي لا يزال يؤرقك ككاتب ويدفعك للاستمرار في طرح الأسئلة بدل البحث عن الأجوبة؟

    لا يزال هناك الكثير لأقوله. عليك أن تعلم أن كل شيء قد قيل بالفعل، ولكن يجب تكراره مراراً وتكراراً لأن قلةً قليلةً تستمع، فضلاً عن أن تُصغي. بعد أكثر من 120 كتاباً كُتبت ونُشرت، وبعد أكثر من عشر روايات، واثنتي عشرة مجموعة شعرية، وعشرة أعمال فنية، وعشر مقالات في السياسة وعلم الاجتماع، وبعد أكثر من 70 مقالة في الفلسفة، وبعد 35 عاماً من العمل كصحفي وكاتب، وبعد أكثر من 20 عاماً في التلفزيون والإذاعة، وبعد أن سافرت تقريباً حول العالم كمسافر فضولي، وبعد العديد من اللقاءات والاكتشافات العظيمة وخيبات الأمل العميقة، وبعد إخفاقات مُرعبة وضربات قاسية وخيانات ومحن شديدة، وبعد مشاريع حياتية وتقلبات؛ ما زلت في مرحلة التعلم، في مرحلة الدراسة، في مرحلة السعي للمعرفة، لمعرفة المزيد، والمزيد؛ أنا طالب دائم، وحالم كبير، وباحث عن المعرفة لا شفاء منه. كل شيء يثير اهتمامي: الناس، الأشياء، الحياة، أسرارها، زواياها غير المتوقعة، الطبيعة، نعمة الوجود هنا والآن، نعمة التنفس، والرؤية، والشعور، والحب، وجعلها جوهر حياتي.

    كلمة مفتوحة لك

    بعد كل هذا، ما زلت أشعر بعمق أنني ما زلت أكتب كتابي الأول. ما زلت أستمتع بالكتابة بنفس القدر، وأخشى ألا أكون صادقاً مع نفسي، وألتزم التزاماً راسخاً بالدقة، وأعشق كل ما أجهله.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • لقاء مع زهرة داراس من تلميذة في العرائش الى الوسام الجمهوري في فرنسا

    العرائش نيوز:

    خلال هذه الحلقة من برنامج AH poudcast مع الاسم البارز على المستوى الوطن وخارج الوطن، ابنة اقليم العرائش السيدة زهر داراس ، نتعرف على مسيرة شابة انتقلت للعيش في الديار الفرنسية مع زوجها، لتتحول من ربة بيت الى مؤطرة جمعوية ومناضلة في مجال حقوق المهاجرين، الى مستشارة جمعية وممثلة لشريحة انتخابة واسعة بأحد المدن الفرنسة:

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. شعون لـ « تيلكيل عربي »: الاستقرار السياسي شرط أساسي لتأمين حركة النقل في إفريقيا

    في إطار التحضيرات الجارية للدورة الثالثة من المنتدى والمعرض الدولي للتنقل والنقل واللوجستيك « لوجيتير 2026″، احتضنت مدينة الدار البيضاء لقاء تواصليا خصص لتقديم الخطوط العريضة للبرنامج الجديد ومناقشة مستجداته مع مختلف الفاعلين في القطاع.

    وفي هذا السياق، أجرى موقع « تيلكيل عربي » حوارا مع مصطفى شعون، رئيس الاتحاد الإفريقي لمنظمات النقل واللوجستيك، الذي كشف أن هذه الدورة تتميز برؤية جديدة ترتكز على تطوير الرأسمال البشري وتعزيز آليات التكوين والتشغيل داخل قطاع النقل واللوجستيك، إلى جانب تقوية البعد الإفريقي للمعرض من خلال توسيع دائرة المشاركة والشراكات.

    وأوضح أن الهدف هو جعل « لوجيتير 2026 » منصة عملية لتبادل الخبرات وبناء مشاريع تعاون ملموسة بين مختلف الفاعلين.

    ما خلفيات تنظيم لقاء إطلاق الدورة الثالثة من « لوجيتير » وما أبرز أهدافه والجهات الشريكة فيه؟

    يشكل لقاء اليوم محطة لإطلاق الدورة الثالثة من المنتدى والمعرض الدولي للتنقل والنقل واللوجستيك « لوجيتير »، حيث سيتم تقديم التصور الجديد والبرنامج العام لهذه الدورة، التي تندرج ضمن الدينامية التي يقودها الاتحاد الإفريقي لمنظمات النقل واللوجستيك.

    وينظم هذا الحدث بشراكة مع وزارة النقل واللوجستيك ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، إلى جانب مجلس جهة الدار البيضاء-سطات، وبدعم من الاتحاد الإفريقي، بما يعكس البعد المؤسساتي والقاري لهذا الموعد.

    كما يهدف هذا اللقاء إلى عرض البرنامج ومناقشته مع مختلف الفاعلين من مؤسسات وشركاء ورعاة، إضافة إلى مكونات قطاع النقل واللوجستيك في المغرب وإفريقيا، من أجل ضمان إنجاح الدورة الثالثة المرتقبة بالدار البيضاء شهر أكتوبر المقبل.

    ما أبرز المستجدات التي يحملها « لوجيتير 2026 » مقارنة بالدورات السابقة؟

    تتميز هذه الدورة باعتماد تصور جديد للبرنامج العلمي، إلى جانب تطوير مقاربة جديدة لبرامج الـB2B وآليات التوظيف، في ظل الحاجة المتزايدة في إفريقيا إلى الكفاءات البشرية.

    ويركز هذا التوجه على تعزيز الرأسمال البشري باعتباره عنصرا أساسيا لتطوير قطاع اللوجستيك وسلاسل الإمداد.

    كيف يعكس البرنامج مكانة المغرب كمنصة لوجستية إفريقية؟

    يترجم البرنامج هذا الدور من خلال إبراز موقع المغرب كمنصة لوجستية قارية، وهو موقع تعززه السياسات الوطنية في هذا المجال، خاصة عبر تطوير البنيات التحتية المينائية مثل ميناء طنجة المتوسط، وميناء الناظور غرب المتوسط مستقبلا، وميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى شبكة الموانئ والمنشآت السككية.

    وتساهم هذه المشاريع في تعزيز تموقع المغرب كقطب محوري للنقل واللوجستيك، مع العمل على إتاحة الفرصة للشركاء الأفارقة لاكتشاف هذه التجربة وبناء شراكات تعاون، خصوصا في إطار التعاون العمومي-العمومي.

    ما هي المحاور الرئيسية التي ستركز عليها هذه الدورة من « لوجيتير »؟

    ترتكز هذه الدورة على محور أساسي يتمحور حول دور اقتصاد النقل في دعم التنمية المستدامة بإفريقيا، وهو موضوع متعدد الأبعاد يعكس التحديات والفرص المرتبطة بالقطاع.

    كما تعمل لجنة علمية متخصصة منذ عدة أشهر على بلورة تصور جديد للبرنامج، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم. وسيتم أيضا التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية في مجال النقل باعتبارها رافعة لتعزيز التعاون والشراكات.

     كيف تقيمون الوضع الأمني في مالي عقب الحوادث الأخيرة التي طالت مهنيي النقل؟

    ما وقع في مالي مؤسف للغاية، خاصة وأننا كنا قد وجهنا نداء سابقا لمهنيي النقل والسائقين بضرورة تجنب المجازفة بالتوجه إلى هناك بالنظر إلى الوضع الأمني. ورغم ذلك، اختار بعض المهنيين من المغرب وموريتانيا والسنغال سلوك هذا المسار، في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية واضحة.

    وتبرز هذه الحادثة مجددا خطورة الوضع في مالي، حيث كانت النتائج التي تم تسجيلها مؤلمة، خصوصا فيما يتعلق بالشاحنات وحوادث الاستهداف. وهذا يؤكد أن الاستقرار السياسي والأمني يعد شرطا أساسيا لتأمين حركة النقل.

     وفي هذا الإطار، يظل الحفاظ على الاستقرار في المغرب وتعزيزه عاملا محوريا لدعم تطوير قطاع النقل واللوجستيك على مستوى القارة الإفريقية.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخور: ممارسات مهينة تجهز على كرامة الرحل… و”الشناقة” والغلاء يمصان دمهم (حوار)

    جمال أمدوري

    عبر لحسن الخور، الفاعل المدني المدافع عن قضايا الرحل، عن تشاؤم واضح تجاه مستقبل هذه المهنة، مؤكدا أنه “لا ينصح أحدا بها” رغم أنها إرث عائلي امتد عبر الأجيال، مضيفا أن سنوات الجفاف الطويلة، وتدهور الظروف المعيشية، إلى جانب ما وصفه بسوء المعاملة والضغوط الإدارية، جعلت ممارسة الرعي “مهمة شاقة وغير إنسانية أحيانا”، رغم التحسن النسبي الذي عرفته بعض المراعي بفعل التساقطات الأخيرة. واعتبر أن الوضع الحالي لا يعكس أي جاذبية للشباب، بل يدفعهم نحو الهجرة إلى المدن أو البحث عن بدائل مهنية أكثر استقرارا.

    وأضاف الخور في حوار مطول مع جريدة “العمق” أن الإكراهات لا تقتصر على الجانب الطبيعي فقط، بل تمتد إلى اختلالات بنيوية مرتبطة بالدعم العمومي، والتنقل، وارتفاع التكاليف، فضلاً عن تعقيدات الاستفادة من البرامج الموجهة للكسابة، مشيرا إلى أن الرحل يعيشون بين ضغط الغلاء وهيمنة الوسطاء وصعوبات إدارية تعرقل الاستفادة من التلقيح والدعم، ما يجعل استمرار هذه المهنة، في نظره، “أمرا غير مضمون العواقب”، موضحا أن ما يدفع بعض الرحل للاستمرار ليس ظروف المهنة، بل ارتباطهم العائلي والتقليدي بها، في وقت تتزايد فيه الأصوات داخل الوسط الرعوي التي تعتبر أن هذه المهنة لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل الحالي.

    الحوار الكامل:

    استبشر الجميع خيرا بالتساقطات المطرية الأخيرة؛ كيف انعكس هذا “الفرج” على معنوياتكم كرحل وعلى حالة القطيع؟
    بحكم أنني من الرعاة الرحل، يمكنني القول إننا، والحمد لله، استبشرنا خيرا بالتساقطات المطرية التي عرفها المغرب هذه السنة، والتي كان لها أثر إيجابي على الغطاء النباتي. صحيح أن مناطق الجنوب الشرقي، كما تعلمون، لم تستفد بالشكل الكافي من هذه التساقطات، ولا يزال الجفاف قائما بها، وهو ما نلمسه بشكل مباشر في تنقلاتنا اليومية بحثا عن الكلأ. هذه السنة، والحمد لله، تنقلنا بين عدة مناطق؛ حيث انتقلنا إلى الصحراء، وزرنا بوجدور، ثم عدنا إلى جهة سوس. ويمكن القول إن الكلأ متوفر بشكل كبير. أما حالة القطيع، فهي، والحمد لله، في وضع جيد وعلى أحسن حال، رغم الإكراهات المرتبطة بندرة الموارد في بعض المناطق.

    رغم أن مشكل الجفاف بدأ يخف حدة بفضل الأمطار، إلا أن التحديات لا تزال قائمة. هل تعتقد أن هذه التساقطات كافية لتعويض سنوات القحط الماضية أم أن “الكسيبة” لا تزال في مرحلة النقاهة؟
    نعم كما أشرت إلى ذلك، فإن حالة القطيع لا تزال في مرحلة نقاهة. فسبع سنوات من الجفاف ليست بالأمر الهين، وقد أثرت بشكل كبير على وضعية القطيع، رغم المجهودات التي بذلتها الدولة، سواء فيما يتعلق بتوفير الأعلاف أو برامج التلقيح. ومع ذلك، يبقى هناك إشكال نواجهه نحن، كرحل، يتمثل في صعوبة الاستفادة من حملات التلقيح في بعض المناطق التي نمر بها. فمثلا، منذ شهر مارس انطلقت الحملة الوطنية لتلقيح القطيع ضد مرض الجدري وبعض الأمراض الأخرى، لكن في هذه المناطق لا يتم تلقيح قطعاننا، ما يضطرنا إلى الانتظار إلى حين التنقل إلى مناطق أخرى من أجل الاستفادة من هذه الخدمات. وهذا الوضع يطرح تحديات حقيقية بالنسبة لنا، خاصة في ظل تنقلاتنا المستمرة وارتباطنا بالمجالات الرعوية.

    باعتباركم رحلا، هل تجدون صعوبة في الاستفادة من الدعم المباشر (الذي رصدت له الدولة ميزانية ضخمة لعامي 2025 و2026) بسبب طبيعة تنقلكم المستمر؟ وهل “نظام الترقيم” الحالي ينصف الراعي الذي يتنقل بين الأقاليم؟
    بالنسبة لنا كرحل، يمكنني القول إن نسبة المستفيدين من البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع الوطني تصل تقريبا إلى 80 في المئة. غير أن جزءا من هؤلاء لم يستفد من المبالغ كاملة، في حين أن حوالي 20 في المئة، أو أكثر، لم يستفد إطلاقا، لا من الشطر الأول ولا من الشطر الثاني. سبب هذا الوضع، في نظرنا، يعود أساسا إلى تعقيدات إدارية لا تراعي طبيعة عيش الرحل وتنقلاتهم المستمرة. فالمسؤولون يشترطون، مثلا، أن يبقى الكساب في نفس الجماعة أو القيادة التي أنجز فيها الإحصاء، من أجل استكمال الإجراءات، كعملية “الترقيم بوضع حلقة في الأذن” والمرور أمام اللجنة للاستفادة من الشطر الثاني.

    لكن هذا شرط يتعارض مع واقعنا كرحل، إذ نحن نتنقل حسب توفر الماء والكلأ، حيثما نزل الغيث نرتحل. أعطيك مثالا: هناك رحل قاموا بالإحصاء في قيادة أمسمرير، ثم انتقلوا إلى مناطق أخرى مثل الرشيدية، لكنهم لم يتمكنوا من استكمال الإجراءات هناك، وطُلب منهم العودة إلى أمسمرير. فهل يعقل أن يجبر الكساب الرحل على نقل قطيعه لمسافات طويلة فقط من أجل استكمال إجراء إداري؟ نفس الإشكال يطرحه رحل آخرون أجروا الإحصاء في مناطق الغرب أو دكالة أو عبدة، ثم انتقلوا إلى الصحراء، ولم يتمكنوا من الاستفادة بسبب نفس الشروط. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول توحيد الإدارة وتبسيط المساطر: هل نحن أمام إدارة واحدة تراعي خصوصيات جميع المواطنين، أم أمام ممارسات مختلفة تعقد الولوج إلى الدعم؟ من المفروض أن تتم رقمنة المعطيات وتعميمها مركزيا، بحيث يتمكن الكساب من استكمال إجراءاته أينما حل وارتحل، دون الحاجة للعودة إلى نقطة البداية.

    في البداية، رحبنا بهذا البرنامج باعتباره مبادرة ملكية مهمة تعترف بقيمة الكساب ودوره، لكن للأسف، طريقة تنزيله على أرض الواقع من طرف بعض المسؤولين لم تكن في المستوى المطلوب. وأقول هذا الكلام وأنا أتحمل مسؤوليتي، لأننا نعيش هذه الإكراهات يوميا. فليس من المنطقي، مثلا، أن أكون متواجدا حاليا في تيزنيت حيث الظروف مناسبة والكلأ متوفر، ثم يتم إجباري على العودة إلى مناطق باردة كـ “تلمي”، فقط من أجل المرور أمام لجنة. الحل، في نظرنا، هو أن تنتقل اللجان أو تفوض الصلاحيات محليا، حتى يتمكن الرحل من استكمال الإجراءات في أماكن تواجدهم، بما يضمن العدالة والنجاعة في الاستفادة من هذا البرنامج.

     هذا البرنامج يهدف بالأساس إلى “إعادة تشكيل القطيع الوطني” عبر تشجيع الحفاظ على الإناث؛ من وجهة نظرك كشاب ممارس، هل المبالغ المرصودة كافية لإقناع الكساب بعدم بيع إناث القطيع في ظل إغراءات أسعار اللحوم المرتفعة بالأسواق؟
    بالنسبة للبرنامج، يمكن القول إنه في الأصل برنامج جيد، لكن الإشكال يكمن في طريقة تنزيله على أرض الواقع. فهو يحتاج أن ينفذ وفق الأهداف والتوجيهات التي وضع من أجلها، وبالروح التي أطلق بها، حتى يستفيد منه جميع الكسابين كما ينبغي. لكن، كما أشرت سابقا، هناك نسبة مهمة من الرحل، قد تصل إلى 20 أو 30 في المئة، لم تستفد إطلاقا من هذا الدعم. ومن جهة أخرى، من المهم التوضيح أن الكساب ليس مسؤولا عن غلاء أسعار اللحوم. فالمشكل الحقيقي، في نظرنا، مرتبط بالوسطاء أو “الشناقة” الذين يستفيدون بشكل أكبر من هذا الوضع، إلى جانب بعض المتدخلين في سلسلة التوزيع. على سبيل المثال، هنا في سوس، يصل ثمن الجدي إلى حوالي 2800 درهم، والخروف إلى نحو 2400 درهم، في حين أن الكساب يبيع الجدي بأثمنة تتراوح بين 1400 و1600 درهم.

    وهذا يوضح أن الكساب لا يستفيد من ارتفاع الأسعار، بل يحمل فقط المسؤولية أمام الرأي العام. أما بخصوص كفاية الدعم، فيمكن القول إنه غير كاف إطلاقا، بالنظر إلى حجم التكاليف التي يتحملها الكساب الرحل. فمصاريف التنقل وحدها مرتفعة جدا؛ إذ قد تصل تكلفة نقل القطيع إلى حوالي مليون سنتيم في رحلة واحدة، ثم مئة ألف سنتيم في تنقل آخر، ومئة وعشرين ألف سنتيم في رحلة إضافية، دون احتساب باقي المصاريف. إلى جانب ذلك، هناك مشكل كبير في اليد العاملة، حيث أصبح من الصعب إيجاد من يرعى القطيع، رغم أن الأجور تتراوح بين 3000 و4000 درهم، ومع ذلك لا يتوفر العمال. كما أن الأعلاف عرفت ارتفاعا كبيرا في الأسعار، خاصة بعد تقليص أو توقف توزيع الأعلاف المدعمة، حيث سجلت بعض المواد زيادات قد تصل إلى 60 في المئة، مثل النخالة والشعير. وفي هذا السياق، يرى عدد كبير من الكسابين الرحل أن توفير الأعلاف المدعمة بشكل منتظم قد يكون أكثر نجاعة من الدعم المالي المباشر، لأن هذا الأخير يستفيد منه بالأساس موردو الأعلاف وقطاع النقل، في حين يبقى الكساب هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة.

    بعيدا عن الدعم المالي المباشر، هل استفدتم من عملية توزيع الشعير المدعم والأعلاف المركبة بالشكل الكافي خلال هذه الفترة؟ وكيف تقيم جودة هذه الأعلاف وتأثيرها على صحة القطيع؟
    الدولة لم تعد توفر الأعلاف المدعمة كما في السابق؛ فلا الأعلاف المركبة المدعمة متوفرة، ولا الشعير المدعم، وهو ما أثر بشكل مباشر على الكسابين. تم تعويض ذلك بدعم مالي، لكن هذا الخيار لم يحقق النتائج المرجوة.

    فبمجرد حصول الكسابين على هذا الدعم، شهدت أسعار الأعلاف في السوق ارتفاعا كبيرا، حيث استغل بعض الموردين هذا الوضع، لترتفع الأسعار بشكل ملحوظ. فبعدما كانت الأثمنة في مستوى معقول خلال فترة توفر الأعلاف المدعمة، أصبحت اليوم مرتفعة بشكل كبير، إذ سجلت بعض أنواع الأعلاف زيادات تتراوح بين 50 و60 في المئة مقارنة بالسابق. وبالتالي، يجد الكساب نفسه أمام وضع صعب: دعم مالي محدود من جهة، وارتفاع كبير في تكاليف العلف من جهة أخرى، مما يضعف قدرته على الاستمرار ويزيد من الأعباء اليومية المرتبطة بتربية القطيع.

    يشتكي العديد من الكسابة من سطوة “الشناقة”؛ كيف يواجه الرعاة الرحل هؤلاء الذين يستغلون حاجة الراعي ويتحكمون في الأثمنة قبل وصولها للمستهلك؟
    إن مسألة “الشناقة” لم تعد تقتصر فقط على قطاع تربية الماشية، بل أصبحت ظاهرة أوسع تشمل عدة مجالات، وهو ما يجعلها مشكلا حقيقيا ومعقدا. صحيح أن دور الوسيط بين الكساب والمستهلك موجود منذ زمن، وكان له دور في نقل الماشية من الضيعات إلى الأسواق ثم إلى المدن والمجازر، لكن ما تغير في السنوات الأخيرة هو ارتفاع مستوى الجشع لدى بعض هذه الفئة، حيث أصبحت الممارسات تتجاوز حدود المعقول. ففي السابق، كان الوسيط يشتغل في إطار توازن معين داخل السوق، أما اليوم فقد أصبحت المضاربات والمبالغة في هوامش الربح تؤثر بشكل كبير على الأسعار، وهو ما ينعكس سلبا على كل من الكساب والمستهلك على حد سواء. بعبارة أخرى، وجود الوسيط ليس هو المشكل في حد ذاته، بل طريقة تدخله في السوق حاليا، والتي اتسمت في الآونة الأخيرة بقدر كبير من الجشع والمبالغة، مما جعل هذه الظاهرة تتفاقم وتخرج عن إطارها الطبيعي.

    بالرغم من تحسن الحالة الجوية، لا تزال أسعار الأعلاف (النخالة، الشعير، وغيرها) مرتفعة؛ كيف تدبرون ميزانية العلف في ظل هذا الغلاء، وهل تجدون أن الدعم المخصص يصل إلى الراعي الحقيقي في الفيافي؟
    أقول بكل صراحة إن الإشكال اليوم تفاقم وأصبح واضحا وملموسا على عدة مستويات. هناك انطباع عام بأن المراقبة داخل الأسواق قد تراجعت، وأصبح كل طرف يحدد الأسعار وفق ما يراه مناسبا، سواء تعلق الأمر بالمواشي أو اللحوم أو الأعلاف. في تقديري، ينبغي أن يكون دور الحكومة أكثر حضورا في ضبط السوق ومراقبة الأسعار، إذ نلاحظ تفاوتا كبيرا بين الباعة؛ فقد نجد فرقا ملحوظا في أسعار اللحوم بين جزار وآخر، وكذلك بين موردي الأعلاف.

    على سبيل المثال، ارتفع ثمن النخالة بشكل كبير، بعد أن كان في متناول الكساب، ليصل اليوم إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالسابق. كما شهدت الأعلاف عموما زيادات مهمة، تبرر أحيانا بعوامل مختلفة، لكن النتيجة واحدة: الكساب هو المتضرر الأول، والمواطن كذلك يتأثر بارتفاع الأسعار. ونحن لسنا ضد أن يقتني المواطن الأضحية بثمن مناسب، بل على العكس، نتمنى أن تكون في متناول الجميع، لكن يجب أن يتحقق توازن عادل بين مختلف المتدخلين. إضافة إلى ذلك، ارتفعت تكاليف النقل بشكل ملحوظ، إذ إن الرحلات التي كانت لا تتجاوز كلفتها 3500 درهم، أصبحت اليوم تصل إلى حوالي 6000 درهم أو أكثر، وهو ما يزيد من الأعباء على الكساب. خلاصة القول، إن المشكلة لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها ارتفاع التكاليف، واختلال توازن السوق، وضعف المراقبة. والحل، في نظرنا، يكمن في تعزيز آليات المراقبة وتنظيم السوق بما يضمن الإنصاف للكساب، ويحافظ في الوقت نفسه على القدرة الشرائية للمواطن.

     هل تضطرون أحيانا لبيع جزء من قطيعكم بأثمنة بخسة فقط لتوفير العلف للجزء المتبقي؟
    أود أن أوضح أن هذا هو المنطق الذي نعمل به نحن الرحل في إدارة القطيع. فمثلا، إذا كان لدي حوالي 150 رأسا من الأغنام، فإنني عادة أخصص حوالي خمسين رأسا للتضحية والإعلاف، بحيث أتمكن من المحافظة على الـ 100 رأس المتبقية وإعالتها بشكل مستمر، مع تغطية جميع المصاريف المرتبطة بالأعلاف والنقل والأدوية وغيرها. والحمد لله، في الآونة الأخيرة، ومع تأسيس فرع الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز، أصبحنا نستفيد من تسهيلات كبيرة، خاصة في ما يتعلق بالأدوية. فالجمعية أصبحت تتحمل جزءا من تكاليف العلاج، ما يقلل العبء المالي علينا، كما أن بعض الحملات التي تقوم بها وزارة الفلاحة عبر الوكالات الوطنية لـ “أونصا” تلعب دورا مهما في دعم الكسابين. لكن، رغم هذه الجهود، يبقى المشكل الأكبر في تكلفة الأعلاف والنقل والصرفيات الأخرى.

    فالناس، عند رؤيتهم أن الكساب لديه 150 أو 200 رأس، يقدرون الأمر بشكل مبالغ فيه، ظنا منهم أن قيمته تبلغ 40 أو 50 مليون، بينما الواقع مختلف تماما. فبعد سنوات الجفاف والارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، يكون العائد محدودا، ولا يغطي إلا جزءا صغيرا من التكاليف الفعلية، والحمد لله على كل حال. الخلاصة، هي أن الكساب يعيش ضغوطا كبيرة بسبب التكاليف المرتفعة والاستثمارات المتواصلة للحفاظ على القطيع، خاصة بعد سنوات الجفاف الطويلة، وهذا ما يجعل إدارة القطيع مهمة شاقة بالفعل.

    بصفتكم “رحل”، التنقل هو قدركم اليومي؛ ما هي الصعوبات اللوجستية التي تواجهونها أثناء شحن المواشي والتنقل بين المناطق (تكلفة الشاحنات، ترخيص التنقل، والاعتراضات التي قد تواجهونها)؟
    ما حدث هذا العام يمثل تحديا كبيرا للرحل والكسابة. فالدولة أصدرت القانون 113.13 المتعلق بتنظيم الترحال الرعوي واستغلال المراعي والمراسيم التنظيمية المرتبطة به، لكنها لم تقم بتوفير كل التدابير اللازمة لتطبيقه بشكل عملي، مثل تنظيم المراعي وإتاحة الموارد الضرورية للكسابة، مثل الماء والأعلاف. المشكل الأعظم يكمن في رخص التنقل؛ فالقوانين الدولية تعطي الحق في حرية التنقل، لكن التطبيق العملي يفرض قيودا تعيق حياة الرحل. على سبيل المثال، إذا أراد الكساب التنقل بقطيعه، يجد نفسه مضطرا للذهاب من إدارة إلى أخرى، ومن جماعة إلى قيادة، ومن دائرة إلى مركز الاستثمار الفلاحي، وفي كل مكان يقال له “ليس اختصاصنا”، حتى يصل إلى الغرفة الجهوية، ويظل يقذف بين الجهات دون حل فعلي. القانون نفسه مأخوذ عن تجارب أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا، لكن التطبيق هنا مختلف تماما، وهو يشكل جريمة بحق الرحل والكسابة، وسيكون سببا رئيسيا في اندثار الماشية وتهديد مهنة الترحال. فالقانون يلزم الدولة بتوفير المراعي والمياه والأعلاف، لكن على أرض الواقع، لا يوجد أي شيء من ذلك، ويكتفي المسؤولون بفرض الغرامات على من لا يحمل رخصة، تصل أحيانا إلى 4 ملايين سنتيم.

    مثال، إذا أردت الانتقال إلى قلعة أمكونة، يرفضون منحك الرخصة بحجة تفادي احتكاكات مع السكان، في حين كان بالإمكان إدارة الأمور عبر الأعراف المحلية كما كان الحال في السابق، وكانت الأمور تدار بشكل جيد. فترة كورونا أضرت بالقطيع الوطني، وهذا القانون سيواصل الإضرار به. هذا العام، استطاع البعض الاستفادة من الدعم والاحتفاظ بالقطيع، لكن في العام المقبل، وبدون دعم، سيتعرض القطيع للخطر، وسيضطر الكساب لبيعه أو ذبحه. الأسباب كلها مرتبطة بتصرفات بعض المسؤولين الذين يعرقلون عمل الرحل، يهاجمونهم، يقتحمون خيامهم، ويأخذون قطعانهم بشاحنات جمع النفايات، ويستعملون القوة من المقدم والدرك والشيوخ وعناصر السلطة الأخرى، مما يجعل هذه المهنة صعبة للغاية ويهدد استمرارها.

    في ظل غلاء المحروقات، كيف أصبحت تكلفة “الترحال” اليوم مقارنة بالسنوات الماضية؟ وهل أصبح الاستقرار في مكان واحد خيارا يراودكم؟
    غلاء المحروقات زاد الطين بلة بالنسبة للرحل والكسابة. فمثلا، كانت تكلفة التنقل إلى تيزنيت تتراوح بين 3000 و4000 درهم، أما الآن فقد ارتفعت إلى حوالي 6000 درهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود. رغم أننا نخبر أصحاب الشاحنات أن الحكومة منحت دعما للمهنيين، إلا أنهم يرفضون نقلنا بأسعار معقولة، ويصرون على أن 3000 أو 3500 درهم لا تكفي لتغطية مصاريف الطريق. وعندما لا يعجب الكساب بهذا الثمن، يطلب منه البحث عن شاحنة أخرى، ما يفرض عليه القبول بالأغلى. والسبب في ذلك هو أن الجميع يريد العودة إلى مكان إحصاء ماشيتهم للاستفادة من الدعم، وهو ما يجعل الكساب مضطرا للذهاب إلى الأماكن التي تم فيها ترقيم قطيعه، سواء في تنغير أو سوس أو طاطا، رغم أنه من الممكن أن تقوم الدولة بإحصاء القطيع في مكان تواجده الحالي وصرف الدعم له مباشرة، دون الحاجة للتنقل لمسافات بعيدة. نتيجة لذلك، يستغل أصحاب الشاحنات الوضع ويرفعون الأسعار، وهذا ينعكس بدوره على أسعار المواشي في الأسواق. فالكبش الذي كنت أبيعه سابقا بـ 3000 درهم، سأضطر الآن لبيعه بـ 3500 درهم، والمتضرر النهائي هو المواطن الذي يتحمل هذه الزيادة.

    بصفتك شابا يمثل صوت الرعاة الرحل، ما هي المطالب الآنية التي ترفعها للجهات المسؤولة؟
    أتحسر صراحة على ما سأقوله، لأن هذه المهنة لا أنصح بها أحدا، رغم أنني مارستها وورثتها عن آبائي وأجدادي، وتنقلت بها في ربوع المملكة، وتعاملت مع جميع الإدارات وكل أصناف المسؤولين. لكن للأسف، بعد كل الجهود والمطالب والصراخ، لم نجد الاستجابة المطلوبة. المطلب الأساسي هو مساعدة الرحل للاستفادة من دعم الكسابة. فمن غير المعقول أن أتنقل بمصاريف تصل إلى 6000 درهم مع قطيعي فقط للاستفادة من الدعم في تنغير، خاصة وأننا أبناء تنغير وتم ترقيم قطيعنا هناك. هل تتعامل الإدارة بقانون موحد يغطي كل المغرب، أم أن كل إدارة لها قواعدها الخاصة؟ هذا التفاوت يرهقنا كرحل، ويجعلنا نضطر لنقل قطعاننا من جديد والبدء من الصفر فقط للحصول على الدعم. مثلا، يوم الأحد المقبل سأضطر لنقل قطيعي إلى تنغير، وفور وصولي سأبدأ من جديد في توفير العلف من شعير وفصة، رغم أن الطقس في منطقتنا بارد جدا، ويصل أحيانا إلى درجتين تحت الصفر، وكل ذلك فقط لأن المسؤولين قالوا إنه إذا لم نذهب فلن نستفيد من الدعم. أقول لهم: نحن في مغرب واحد، سلموا لنا الاستمارة وسنقوم بملئها وتسليمها حيث نتواجد. أمر آخر، يجب على الدولة الاستمرار في توفير الأعلاف المدعمة، لأنه إذا تخلت عن ذلك، سيتضرر القطيع من جديد. فالكسابة غير قادرين على مواجهة الغلاء الكبير في سوق الأعلاف بالمغرب، وما لم يتم دعمهم، ستصبح المهنة صعبة جدا وستتعرض القطعان للضرر.

    هناك موجة هجرة كبيرة للشباب من “الرحل” نحو المدن أو العمل المأجور؛ ما الذي يدفع لحسن لخور للتمسك بمهنة الأجداد رغم كل هذه المعاناة؟
    والدتي فقط هي السبب الوحيد الذي يجعلني أتمسك بهذه الحرفة، لأن هذه المهنة تعرضنا فيها لممارسات مهينة وغير إنسانية لا يمكن تصورها. نحن كرحل في المغرب نتعرض للاضطهاد والحكرة، حتى في أرض أجدادنا التي فديناها بدمائهم، حيث يتم احتقارنا من طرف المسؤولين الذين كنا نظن أنهم سيحموننا. نتعرض للإهانة من قبل بعض القياد والدرك، بممارسات لا تمت للإنسانية بصلة. فمثلا، يأتي قائد ويهجم على خيام الرحل التي تضم نساء وأطفالا صغارا، ويقوم بتمزيقها ويقذف بها في شاحنات نقل النفايات، ويصدح بكلام ناب لا يحتمل سماعه حتى في الشارع. هذا مسؤول مفروض أن يتحدث معك باحترام ويوفر لك الأمن، ويخاطبك بلغة المسؤول ولغة الإدارة، لكن للأسف هذا هو الواقع الذي نعيشه. حتى عناصر المياه والغابات، ما إن تجدك ترعى غنمك في الغابة تقوم هي الأخرى بفرض غرامات على الرحل تصل إلى 5 ملايين سنتيم، وبهذه الممارسات كرهونا في هذه الحرفة تماما. لهذا أنا لا أنصح أحدا بممارسة مهنة الترحال أو الرعي. عندما ألتقي بالشباب في منطقتي، أنصحهم دائما بعدم السير على خطى آبائهم في هذه المهنة، لأننا عانينا الكثير، ولا أريد لهم أن يعانوا كما عانينا نحن. من الأفضل لهم أن يمارسوا مهنا أخرى، حتى لو كانت بأجور متواضعة، حفاظا على كرامتهم وحياتهم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • يونس السكوري: كلفة الحوار الاجتماعي ستقارب 50 مليار درهم سنة 2027

    بمناسبة الاحتفال بعيد الشغل، يقدّم يونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، في هذا الحوار مع جريدة “الأخبار”، قراءة شاملة لحصيلة الحكومة في المجالين الاجتماعي والتشغيلي، مستعرضاً بالأرقام حجم المجهودات المبذولة لفائدة الأجراء والموظفين، والتي بلغت كلفتها حوالي 50 مليار درهم في إطار الحوار الاجتماعي، واستفاد منها أزيد من 4,2 ملايين شخص في القطاعين العام والخاص، ويتوقف الوزير عند أبرز المكتسبات المحققة، من زيادات في الأجور، وتحسين الحد الأدنى للدخل، ومراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، كما يسلط الضوء على التحول النوعي الذي عرفه الحوار الاجتماعي، من خلال مأسسته وتوقيع اتفاقات كبرى، وما أفرزه ذلك من إصلاحات تشريعية، أبرزها إخراج قانون الإضراب ومراجعة مدونة الشغل، فضلاً عن إجراءات عملية لتحسين ظروف العمل، من بينها إنصاف فئة حراس الأمن الخاص عبر تقليص ساعات العمل، كما يستعرض الوزير حصيلة مناصب الشغل المحدثة، خلال الولاية الحكومية الحالية.

    حاوره: محمد اليوبي

    • بمناسبة الاحتفال بعيد العمال الذي يصادف فاتح ماي من كل سنة، ماذا قدمت الحكومة للموظفين والأجراء؟

    الحكومة قدمت الكثير للموظفين والأجراء ويمكن الاستدلال على ذلك أولا بالأرقام. هذه الإجراءات التي جاءت في إطار الحوار الاجتماعي كلفت ما يقارب 50 مليار درهم على مدى هذه الولاية الحكومية. وهو ما يتجاوز حصيلة عدة ولايات حكومية سابقة. وعندما أقدم هذه المعطيات فإن ذلك يأتي فقط في إطار حق المواطن في أن يكون على علم بالمجهودات المبذولة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة.

    وتكمن أهمية هذه الإجراءات في كونها تهم أزيد من 4,2 ملايين أجير وموظف في القطاعين العام والخاص (1,25 مليون في القطاع العام و3 ملايين في القطاع الخاص).

    لن أستطيع أن أسرد كل ما تم تحقيقه بالتفاصيل، ولكن يمكن أن أعطيكم نبذة عن أهم ما تم تحقيقه، ففي القطاع العام تم إقرار زيادة عامة في الأجور بقيمة 1.000 درهم صافية شهرياً لفائدة 1.127.842 موظفاً من الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية الذين لم يستفيدوا من مراجعة أجورهم.

    ولقد همت هذه المكتسبات كل القطاعات ومن بينها قطاع التربية الوطنية عبر زيادة عامة في الأجور بلغت 1.500 درهم صافية شهرياً لحوالي 330.000 موظف، بكُلفة إجمالية تجاوزت 18,47 مليار درهم. كما همت قطاعات أخرى من قبيل قطاع الصحة والحماية الاجتماعية وكذلك قطاع التعليم العالي وقطاع الشغل.

    وكنتيجة لهذه الإجراءات فقد ارتفع متوسط الراتب الشهري الصافي في القطاع العام من 8.237 درهماً سنة 2021 إلى 10.600 درهم سنة 2026، أي بزيادة إجمالية تبلغ +28,7 في المائة.. كما تم رفع الحد الأدنى الصافي للأجر من 3.258 درهم إلى 4.500 درهم، أي بزيادة تقارب نسبتها 50 في المائة خلال خمس سنوات. وكذا رفع حصيص الترقية في الدرجة من 33 في المائة إلى 36 في المائة، وإقرار رخصة الأبوة لمدة 15 يوماً مدفوعة الأجر في الوظيفة العمومية.

    في ما يخص القطاع الخاص، فقد تم رفع الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة غير الفلاحية (SMIG) بنسبة 20 في المائة على مدى الولاية، لينتقل الأجر الشهري الخام من 2.828,71 درهم إلى 3.422,72 درهم ابتداءً من يناير 2026، أي بزيادة تقارب 600 درهم.

    وتم كذلك رفع الحد الأدنى القانوني للأجر في الأنشطة الفلاحية (SMAG) بنسبة 25 في المائة، لينتقل الأجر الشهري الخام من 1.994,20 درهم إلى 2.533,44 درهم ابتداءً من أبريل 2026، أي بزيادة شهرية تقارب 540 درهم.

    كما تم تخفيض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة من 3240 يوما أي عشر سنوات اشتراك من التأمين الى 1320 يوم أي أربع سنوات، وذلك بأثر رجعي يشمل المؤمن لهم الذين أحيلوا على التقاعد بتاريخ 1 يناير 2023.

    وهمت بعض الإجراءات القطاعين العام والخاص معا من قبيل الرفع من قيمة التعويضات العائلية بالنسبة للأبناء الرابع والخامس والسادس من 36 درهما إلى 100 درهم في الشهر. وكذا مراجعة نظام الضريبة على الدخل وذلك ابتداء من فاتح يناير 2025 بالنسبة للشغيلة في القطاعين العام والخاص والتي وصلت قيمتها إلى 400 درهم بالنسبة للفئات متوسطة الدخل، مع رفع الشريحة المعفاة من 30.000 إلى 40.000 درهم سنوياً، بكُلفة إجمالية تبلغ 7,6 مليارات درهم.

    وفي إطار ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، باشرت الحكومة إصلاحاً هيكلياً غير مسبوق لمنظومة الحماية الاجتماعية.

    • ونحن على مشارف نهاية الولاية الحكومية، ما هي أهم مخرجات الحوار الاجتماعي مع المركزيات النقابية وأرباب العمل؟

    إن أهم مخرجات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية الحكومية تمثلت في الانتقال من منطق الحوار الظرفي إلى منطق المأسسة والاستدامة، من خلال انتظام جولات الحوار والتوقيع على الاتفاقين الاجتماعيين لـ30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024، إضافة إلى الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي.

    وعلى المستوى الملموس، أسفر الحوار الاجتماعي عن مكتسبات اجتماعية غير مسبوقة لفائدة الأجراء في القطاعين العام والخاص، كما مكّن الحوار الاجتماعي من تحقيق تقدم مهم على المستوى التشريعي، خاصة عبر إخراج القانون التنظيمي للإضراب بعد عقود من الانتظار والذي حدد عقوبات قاسية لكل مشغل لا يحترم حقوق المضربين، وإطلاق ورش مراجعة مدونة الشغل، بالإضافة إلى إطلاق ورش مراجعة قانون التكوين المستمر (القانون رقم 60.17)

    إضافة إلى ذلك، أكدت الحكومة على التزامها بتعزيز قدرات مختلف الفاعلين في مجال الحوار الاجتماعي، واتخذت التدابير اللازمة من أجل إطلاق أكاديمية التكوين في مجال الشغل والتشغيل والمناخ الاجتماعي خلال الأسابيع القادمة من سنة 2026، وإحداث المرصد الوطني للحوار الاجتماعي، كأداة للرصد والدعم العلمي للقدرات التفاوضية قبل نهاية شهر يونيو 2026.

    ومن بين النتائج المهمة أيضاً، ترسيخ السلم الاجتماعي وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمار، حيث ساهم الحوار المسؤول بين الحكومة والمركزيات النقابية وأرباب العمل في الحفاظ على استقرار المناخ الاجتماعي رغم الظرفية الدولية الصعبة والتحديات الاقتصادية المتتالية.

    والأهم ربما، هو أن الحوار الاجتماعي المغربي أصبح اليوم نموذجاً قائماً على الثقة والتوافق والمسؤولية المشتركة، بدل منطق التوتر والصدام… وهذا في حد ذاته مكسب استراتيجي لبلادنا.

    أما بخصوص هذه السنة فقد تم الاتفاق على تعديل المادة 193 من مدونة الشغل بشكل يقلص عدد ساعات العمل بالنسبة لحراس الأمن الخاص من 12 ساعة إلى 8 ساعات وتعديل القانون رقم 60.17 المتعلق بالتكوين المستمر من أجل مراجعة حكامة منظومة بالتكوين المستمر وتمويلها.

    • كم ستبلغ الكلفة المالية لتنزيل مخرجات الحوار الاجتماعي ؟

    الكلفة الإجمالية التراكمية لمخرجات الحوار الاجتماعي بلغت 49,7 مليار درهم، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الولايات السابقة مجتمعة:

    48,3 مليار درهم: الكلفة الإجمالية للحوار الاجتماعي في نهاية الولاية 2026،

    49,7 مليار درهم: الكلفة المتوقعة في أفق 2027.

    وأؤكد مرة أخرى بأن هذا المجهود هو حق المواطنين علينا وهو رقم مهم بالنظر للإكراهات الاقتصادية المرتبطة بالظرفية الدولية على الخصوص.

    • قمتم بتعديل مدونة الشغل في آخر عمر الولاية الحكومية، ما هي أهم هذه التعديلات؟

    إن تعديل مدونة الشغل لم يكن تعديلاً ظرفياً، بل جاء تتويجاً لمسار طويل من الحوار الاجتماعي والتشاور مع المركزيات النقابية والمنظمات المهنية للمشغلين، واستجابة لتحولات عميقة يعرفها سوق الشغل المغربي.

    تعديل المادة 193 من مدونة الشغل، المرتبطة بقطاع الحراسة والأمن الخاص، وهو تعديل ذو بعد اجتماعي وإنساني مهم، لأنه يهم فئة يتراوح عددها بين 130 ألف و160 ألف أجير يعملون لصالح مؤسسات تابعة للقطاع العام ومئات الآلاف يعملون في حراسة مؤسسات تابعة للقطاع الخاص.

    فالمقتضيات الحالية كانت تسمح باحتساب جزء من ساعات الحضور على أنها ليست ساعات عمل فعلية، على أساس أن طبيعة العمل تتخللها فترات راحة طويلة، وهو تصور كان مرتبطاً بالحراسة التقليدية قبل سنة 2007.

    لكن بعد صدور القانون رقم 27.06 المنظم لقطاع الحراسة الخاصة ونقل الأموال، أصبحنا أمام مهنة مهيكلة ومؤطرة قانونياً، تفرض حضورا مستمرا، وتكوينا إلزاميا، وترخيصا مهنيا، واحترام ضوابط مهنية صارمة، دون وجود فترات راحة فعلية كما كان في السابق.

    لذلك جاء التعديل من أجل إقرار مبدأ بسيط وواضح: الأجير الذي يشتغل 12 ساعة يجب ألا يُؤدى له على أساس 8 ساعات فقط. ولهذا تم الاتفاق، في إطار الحوار الاجتماعي، على تخفيض مدة العمل اليومية من 12 ساعة إلى 8 ساعات بالنسبة لأجراء شركات الحراسة الخاصة، بما يضمن عدالة أكبر في الأجر ويحسن ظروف العمل ويحفظ الكرامة المهنية لهذه الفئة وبلغة مباشرة رفع هذه الحكرة على هذه الشريحة الواسعة من الشغيلة.

    التوصل لهذا الاتفاق لم يكن سهلا لأن تطبيقه يحمل في طياته مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية والمالية خصوصا على المقاولات والقطاع العام. وفي هذا الإطار أود أن أنوه بالروح الوطنية العالية التي أبان عنها جميع الشركاء الاجتماعيين من حكومة ونقابات ومقاولات من أجل رفع هذا الحيف الكبير على هذه الفئة من المواطنين، كما أن أهمية هذا الإجراء تكمن في قاعدة المستفيدين التي تعد بعشرات الآلاف وهذا الإصلاح يجسد وفاء الحكومة بالتزاماتها الواردة في اتفاق 29 أبريل 2024، ويعكس إرادة حقيقية لجعل الحوار الاجتماعي آلية لإنتاج إصلاحات ملموسة تمس الحياة اليومية للأجراء، وليس فقط إطاراً للنقاش النظري.

    • أنصفتم فئة حراس الأمن الخاص بتخفيض ساعات العمل، لماذا هذه الفئة بالضبط، وكم عدد المستفيدين من هذا الإجراء؟

    لقد حرصت الحكومة على إنصاف فئة حراس الأمن الخاص لأنها تُعد من أكثر الفئات التي تعاني من الهشاشة داخل سوق الشغل، رغم الدور الحيوي الذي تقوم به في حراسة الإدارات والمؤسسات العمومية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والأبناك والمنشآت الصناعية والتجارية.

    فهذا القطاع يشغل، وفق التقديرات المتداولة، ما بين 130 ألفا و160 ألف عون حراسة يشتغلون لصالح مؤسسات تابعة للقطلع العام ومئات الآلاف يعملون لدى مؤسسات تابعة للقطاع الخاص، في حين تشير تقديرات الهيئات النقابية إلى أن العدد الإجمالي للعاملين، بما في ذلك الأنشطة غير المهيكلة، قد يتجاوز مليون حارس أمن. كما يُقدَّر عدد الشركات غير المهيكلة أو غير المصرح بها بحوالي 50 ألف شركة، وهو ما يعكس حجم الاختلالات التي يعرفها القطاع والحاجة الملحة إلى إصلاحه وتنظيمه ومحاربة المنافسة غير المشروعة.

    ومن الأمثلة الدالة على أهمية هذه الفئة، أن حوالي 16 ألف عون حراسة يشتغلون بقطاع التعليم العمومي وحده، إضافة إلى أعداد كبيرة جداً بالمستشفيات والمؤسسات الصحية، فضلاً عن آلاف الأعوان العاملين بالجماعات الترابية وباقي المؤسسات العمومية والقطاع الخاص.

    • بحكم إشرافك على قطاع التشغيل، ما هي في نظرك المواد التي تحتاج إلى مراجعة والتعديل؟

    هناك عدد من المقتضيات التي أرى، بحكم الإشراف على قطاع التشغيل ومتابعة تحولات سوق الشغل، أنها أصبحت تحتاج إلى مراجعة وتحيين حتى تواكب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المغرب والعالم.

    أولاً، هناك مقتضيات مرتبطة بالأشكال الجديدة للعمل، لأن مدونة الشغل الحالية وُضعت في سياق اقتصادي مختلف قبل أكثر من عشرين سنة، بينما اليوم أصبحنا أمام واقع جديد مرتبط بالعمل عن بعد، والمنصات الرقمية، والعمل الحر، والاقتصاد الرقمي، وهي مجالات تحتاج إلى تأطير قانوني يحمي الحقوق ويضمن المرونة في الوقت نفسه.

    ثانياً، هناك حاجة إلى مراجعة بعض المقتضيات المرتبطة بمدة الشغل وتنظيم الوقت المهني، خاصة في بعض القطاعات التي تعرف خصوصيات مهنية أو تحولات كبيرة، كما هو الحال بالنسبة للعمل الموسمي، بهدف تحقيق توازن أفضل بين الإنتاجية وكرامة الأجير والصحة المهنية.

    ثالثاً، نعتبر أن تعزيز المفاوضة الجماعية والحوار داخل المقاولة أصبح ضرورة، لأن التجارب الدولية أثبتت أن الاستقرار الاجتماعي لا يُبنى فقط بالقوانين، بل أيضاً بوجود آليات دائمة للحوار والتفاوض والوساطة داخل فضاءات العمل.

    رابعاً، هناك مقتضيات مرتبطة بتبسيط المساطر وتحسين الأمن القانوني، سواء بالنسبة للأجراء أو للمقاولات، لأن تعقيد بعض الإجراءات يخلق أحياناً نزاعات كان يمكن تفاديها، ويؤثر على جاذبية الاستثمار وإحداث فرص الشغل.

    كما نعتبر أن قضايا الصحة والسلامة المهنية يجب أن تأخذ حيزاً أكبر داخل المنظومة القانونية، خاصة في ظل توسع بعض القطاعات الصناعية والخدماتية وظهور مخاطر مهنية جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا والرقمنة.

    وفي المقابل، نحن واعون أن أي مراجعة لمدونة الشغل يجب أن تحافظ على التوازن الدقيق بين حماية الحقوق الاجتماعية وتشجيع الاستثمار والمقاولة، لأن الرهان اليوم ليس فقط حماية من يشتغل، بل أيضاً خلق فرص شغل جديدة للشباب والنساء والفئات الهشة.

    • دبرتم العديد من جلسات الحوار، كيف كانت الأجواء التي تنعقد فيها هذه الجلسات؟

    بصراحة، ما ميّز جلسات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية هو أنها لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية أو مناسبات لتبادل المواقف الجاهزة، بل كانت فضاءات حقيقية للنقاش الصريح والمسؤول، تُطرح فيها الملفات الاجتماعية الكبرى بكل وضوح، أحياناً بنقاشات صعبة وحادة، لكن دائماً في إطار الاحترام المتبادل والإحساس المشترك بمصلحة الوطن.

    طبعاً، عندما نتحدث عن الأجور أو التقاعد أو مدونة الشغل أو القدرة الشرائية، فمن الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في الرؤى والمواقف، لأن كل طرف يدافع عن انتظارات ومصالح الفئة التي يمثلها. لكن ما كان مهماً هو وجود إرادة جماعية للحفاظ على الحوار وعدم السقوط في منطق القطيعة أو التصعيد.

    وأعتقد أن ما ساعد كثيراً على خلق هذه الأجواء الإيجابية هو عودة الثقة بين مختلف الأطراف، بعد سنوات كان فيها الحوار الاجتماعي يعرف نوعاً من التوتر أو عدم الانتظام. نحن حرصنا على احترام الالتزامات، وعلى الإنصات الحقيقي للمطالب، وعلى اعتماد مقاربة تشاركية في إعداد الإصلاحات، وهذا خلق دينامية جديدة داخل الحوار.

    كما أن الأجواء كانت في كثير من الأحيان وطنية بامتياز، لأن الجميع كان واعياً بأن الظرفية الدولية والاقتصادية صعبة: تضخم، جفاف، تداعيات الأزمات الدولية… وبالتالي كان هناك إدراك بأن الحفاظ على السلم الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي مسؤولية جماعية.

    وفي الحقيقة، رغم اختلاف المواقع، كانت هناك لحظات يُحس فيها الإنسان أن جميع الأطراف، حكومة ونقابات ومشغلين، يجلسون حول نفس الطاولة ليس فقط للتفاوض، بل أيضاً لحماية التوازن الاجتماعي للبلاد.

    وطبعاً، كانت بعض الجلسات تمتد لساعات طويلة جداً، وأحياناً يكون الاتفاق على فاصلة أو كلمة أصعب من الاتفاق على الفكرة نفسها… لكن هذا جزء طبيعي من أي حوار اجتماعي جدي ومحترم.

    المهم هو أننا جئنا بصيغة جديدة للحوار مفادها استبدال المقايضة marchandage بالمفاوضة négociation وكذلك إعادة المصداقية للحوار الاجتماعي عبر احترام الالتزامات أو “الكلمة” كما نقول بالدارجة.

    • مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، كيف كانت تجربتك في الحكومة وخصوصا أنك تدبر قطاعا فيه الكثير من الحساسيات؟

    كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس، لأنها جمعت بين صعوبة الظرفية وحساسية القطاع في الآن نفسه وتتطلب تمالكا كبيرا للأعصاب.

    فقطاع التشغيل والحوار الاجتماعي ليس قطاعاً تقنياً عادياً، بل هو قطاع يوجد يومياً في قلب انتظارات المواطنين، لأنه يرتبط مباشرة بالشغل، والقدرة الشرائية، والاستقرار الاجتماعي، وكرامة الناس.

    تدبير هذا القطاع بنجاح يتطلب استعدادا للتواصل والحوار، وقدرة على الانفتاح وفهم الآخر كما يتطلب تملكا لمختلف الرهانات عبر قراءة أفقية شاملة لمتطلبات السياسات العمومية.

    منذ بداية الولاية، كنا أمام تحديات كبيرة ومتراكمة: آثار جائحة كوفيد على سوق الشغل، سنوات الجفاف، ارتفاع التضخم، تنامي انتظارات الشباب، وضعف مشاركة النساء في سوق العمل، إضافة إلى الملفات الاجتماعية الثقيلة المرتبطة بالأجور والتقاعد ومدونة الشغل والحماية الاجتماعية. وبالتالي، كان علينا أن نشتغل في سياق دقيق يتطلب التوازن بين البعد الاجتماعي والواقعية الاقتصادية.

    صراحة، تدبير هذا القطاع أكد لي أن الحوار ليس فقط آلية للتفاوض، بل هو أيضاً وسيلة لبناء الثقة وتخفيف التوترات وحماية الاستقرار. وكانت هناك لحظات صعبة جداً داخل بعض جولات الحوار الاجتماعي، لأن المطالب كانت كبيرة والإمكانيات ليست دائماً بنفس الحجم، لكن ما ساعد على تجاوز كثير من الصعوبات هو وجود روح وطنية ومسؤولية مشتركة لدى مختلف الأطراف.

    كما أن هذه التجربة أكدت لي أن الإصلاحات الاجتماعية الكبرى لا يمكن أن تُدار بمنطق الشعبوية أو القرارات السهلة، لأن أي قرار غير متوازن قد يؤثر على الاستثمار أو على مناصب الشغل أو على التوازنات المالية للدولة. ولهذا كنا نشتغل دائماً بمنطق البحث عن حلول واقعية ومستدامة، حتى وإن كانت أحياناً تحتاج وقتاً أطول.

    وفي المقابل، كانت هناك أيضاً لحظات اعتزاز حقيقية: عودة انتظام الحوار الاجتماعي، التوقيع على اتفاقات اجتماعية مهمة، تحسين دخل ملايين الأجراء، توسيع الحماية الاجتماعية، وإطلاق إصلاحات كبرى في التشغيل والتكوين المهني وآخرها رفع الحيف على مئات الآلاف من حراس الأمن الخاص.

    وأعتقد أن أهم ما يميز هذه التجربة هو أنها جعلتني أعيش يومياً نبض المجتمع المغربي انتظاراته وآماله. لأنك في هذا القطاع لا تتعامل مع أرقام فقط، بل مع قصص بشرية حقيقية: شاب يبحث عن فرصة، أسرة تنتظر تحسناً في الدخل، مقاولة تحاول الحفاظ على مناصب الشغل، ونقابي يدافع عن فئة اجتماعية يشعر بمسؤولية تجاهها.

    في النهاية، رغم صعوبة المسؤولية وضغطها، يبقى الشعور الأهم هو الإحساس بأنك ساهمت، ولو بجزء بسيط، في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ودفع بعض الأوراش الإصلاحية إلى الأمام… وهذا في حد ذاته شرف ومسؤولية كبيرة.

    • الحكومة قدمت وعودا في برنامجها، بخلق مليون منصب شغل، هل نجحتم في ذلك؟

    يجب التعامل بموضوعية مع موضوع التشغيل، لأن الحكومة عندما تحدثت عن هدف إحداث مليون منصب شغل، كانت تطرح طموحاً استراتيجياً في ظرفية استثنائية اتسمت بتداعيات جائحة كوفيد، وتوالي سنوات الجفاف، وارتفاع التضخم العالمي، والتوترات الجيوسياسية التي أثرت على مختلف الاقتصادات، بما فيها الاقتصاد المغربي.

    ورغم هذه التحديات، فإن المؤشرات تُظهر أن سوق الشغل الوطني عرف خلال الفترة 2021-2025 تطوراً إيجابياً ونوعياً، بفضل السياسات العمومية المعتمدة في مجالات إنعاش التشغيل، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع الحماية الاجتماعية، ومواكبة المقاولة الوطنية والقطاع الخاص المنظم.

    وتُظهر هذه المعطيات أن الاقتصاد الوطني تمكن، خلال الفترة 2021-2025، من إحداث حوالي 851 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية، خاصة الخدمات والصناعة والبناء والأشغال العمومية، رغم فقدان حوالي 527 ألف منصب بقطاع الفلاحة نتيجة توالي سنوات الجفاف. وقد تمكنت الحكومة من خلق 170,000 منصب شغل سنويا في النشاطات غير الفلاحية في المتوسط مقابل 90 ألف منصب شغل بالنسبة للحكومة السابقة و60 ألف منصب شغل بالنسبة للحكومة الأسبق.

    وخلال سنة 2025 وحدها، عرف سوق الشغل انتعاشاً واضحاً، حيث تم:

    إحداث حوالي 193 ألف منصب شغل صافٍ على الصعيد الوطني، مقابل 82 ألف منصب فقط سنة 2024؛ وإحداث حوالي 233 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية؛ وتقليص فقدان مناصب الشغل في القطاع الفلاحي إلى 41 ألف منصب فقط، مقابل 137 ألف منصب مفقود سنة 2024.

    كما سجلت مؤشرات جودة التشغيل تحسناً مهماً، حيث ارتفع عدد مناصب الشغل المؤدى عنها بحوالي 809 آلاف منصب خلال الفترة 2021-2025، مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ486 ألف منصب. وخلال سنة 2025 فقط، تم إحداث 249 ألف منصب شغل مؤدى عنه، مقابل تراجع الشغل غير المؤدى عنه بـ55 ألف منصب، وهو ما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو شغل أكثر استقراراً وكرامة.

    ويُضاف إلى هذه الدينامية الإيجابية، الدور المهم الذي لعبه ميثاق الاستثمار الجديد في تعزيز إحداث فرص الشغل وتحفيز الاستثمار المنتج. ففي هذا الإطار، تمت المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بأهداف تشغيلية تناهز 245.500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، وهو ما يعكس الدور المحوري لهذا الميثاق في تشجيع المبادرة الاستثمارية الوطنية والدولية.

    ومن المؤشرات الإيجابية كذلك، تراجع معدل البطالة من 13,7 في المائة إلى 13 في المائة سنة 2025؛ وانخفاض بطالة حاملي الشهادات من 19,6 في المائة إلى 19,1 في المائة؛ وتراجع البطالة بالوسط الحضري من 16,9 في المائة إلى 16,4 في المائة؛

    كما سجل عدد الأجراء المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ارتفاعاً بحوالي 740 ألف أجير خلال الفترة 2021-2024، وهو مؤشر مهم على توسع الشغل المهيكل.

    وفي موازاة ذلك، شهدت بلادنا دينامية قوية في مجال الاستثمار والمبادرة المقاولاتية، حيث تم تسجيل رقم قياسي في عدد المقاولات المُحدثة سنة 2025 بلغ 109.644 مقاولة، بارتفاع يفوق 14,6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

    طبعاً، نحن لا ندعي أن إشكالية التشغيل تم حلها بشكل كامل، لأن بطالة الشباب والنساء وحاملي الشهادات ما تزال تشكل تحدياً وطنياً كبيراً، لكن من الإنصاف أيضاً القول إن الحكومة استطاعت، رغم ظرفية صعبة وغير مسبوقة، الحفاظ على دينامية الاقتصاد الوطني وإعادة تحريك سوق الشغل تدريجياً، مع التركيز ليس فقط على عدد المناصب، بل أيضاً على جودة واستدامة فرص الشغل.

    نوافذ

    أهم مخرجات الحوار الاجتماعي خلال هذه الولاية الحكومية تمثلت في الانتقال من منطق الحوار الظرفي إلى منطق المأسسة والاستدامة، من خلال انتظام جولات الحوار وتوقيع اتفاقين اجتماعيين إضافة إلى الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي

    من المؤشرات الإيجابية كذلك، تراجع معدل البطالة من 13,7 في المائة إلى 13 في المائة سنة 2025؛ وانخفاض بطالة حاملي الشهادات من 19,6 في المائة إلى 19,1 في المائة؛ وتراجع البطالة بالوسط الحضري من 16,9 في المائة إلى 16,4 في المائة

    شهدت بلادنا دينامية قوية في مجال الاستثمار والمبادرة المقاولاتية، حيث تم تسجيل رقم قياسي في عدد المقاولات المُحدثة سنة 2025 بلغ 109.644 مقاولة، بارتفاع يفوق 14,6 في المائة مقارنة بسنة 2024.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الحويج: توحيد ليبيا يحتاج إلى مسار شامل .. ونرفض المساس بتراب المغرب


    حاوره: توفيق بوفرتيح

    وصف عبد الهادي الحويج، وزير الخارجية في الحكومة الليبية المكلفة من طرف البرلمان، التوافق التاريخي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على ميزانية موحدة للبلاد بأنه خطوة فارقة في طريق توحيد المؤسسات الليبية، مشددا على أن استمرار حالة الانقسام يضعف تأثير ليبيا إقليميا ودوليا، ويعطل دورها المحوري في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي.

    وفي شأن العلاقات مع المغرب، ثمن الدبلوماسي الليبي ذاته، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، دور الرباط في دعم الحوار الليبي، موضحا أن الحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد ترفض المساس بسيادة ووحدة أراضي الدول، وذلك عقب عرض خريطة المغرب منقوصة من أقاليمه الجنوبية خلال مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط الذي احتضنته مدينة طرابلس قبل أسابيع.

    نص الحوار:

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} وافق كل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لأول مرة منذ حوالي 13 عاما، على ميزانية موحدة للبلاد. كما استضافت مدينة سرت مؤخرا تمرين “فلينتوك” بمشاركة قوات من شرق وغرب ليبيا. كيف يمكن لهكذا خطوات أن تساهم في توحيد المؤسسات الليبية ووضع حد لحالة الانقسام الذي يطالب الشعب الليبي بإنهائه لما له من تبعات وتكاليف أمنية وحتى اقتصادية؟

    لا شك أن التوافق الذي تم التوصل إليه بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن الميزانية الموحدة يعد خطوة مهمة في اتجاه إعادة بناء الثقة بين المؤسسات الليبية. كما أن استضافة مدينة سرت لتمرين “فلينتوك” بمشاركة قوات من شرق وغرب ليبيا يعكس تطورا إيجابيا في مسار تعزيز العمل المشترك في المجال الأمني والعسكري. هذه الخطوات، رغم أهميتها، تحتاج إلى البناء عليها عبر مسار سياسي ومؤسساتي شامل، يهدف إلى توحيد السلطة التنفيذية وتكريس مبدأ الدولة الواحدة ذات المؤسسات الموحدة بما ينعكس إيجابا على الأمن والاستقرار والتنمية.

    ألا ترون أن الوضعية السياسية الحالية في ليبيا، وأعني “الانقسام”، تضعف موقف الدولة الليبية أو لنقل تأثيرها في العديد من الملفات الإقليمية والدولية؟

    من الطبيعي أن أي انقسام مؤسساتي يحد من فاعلية الدولة على المستويين الإقليمي والدولي، ويقلل من قدرتها على التأثير في القضايا المشتركة. وليبيا، بحكم موقعها الجغرافي ووزنها التاريخي، مؤهلة للعب دور محوري في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي. غير أن استعادة هذا الدور تمر حتما عبر توحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وتثبيت الاستقرار السياسي والأمني. نحن نؤمن بأن الليبيين قادرون، بإرادتهم الوطنية، على استعادة هذا الدور إذا ما توفرت بيئة سياسية مستقرة وإرادة حقيقية لإنهاء المرحلة الانتقالية.

    في العام الماضي، قررت الحكومة المكلفة من طرف البرلمان إنهاء كل أشكال التعاون مع البعثة الأممية في ليبيا، بعد توقيعها اتفاقا مع دولة قطر لتمويل “الحوار السياسي”. ألا تعتقدون أن خطوة البعثة هذه هي تأكيد للمخاوف التي طالما يعبر عنها الليبيون بوجود أطراف لا يخدمها الاستقرار في ليبيا أو تحاول فرض الوصاية على خيارات الشعب الليبي؟

    الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد تتعامل مع البعثة الأممية على أساس دعمها للمسار السياسي، لكن في إطار يحترم السيادة الوطنية وقرارات المؤسسات الشرعية الليبية. ونحن نرى أن أي دور دولي يجب أن يكون مسهلا للحل وليس بديلا عن الإرادة الوطنية، وأن تكون الأولوية دائما للقرار الليبي المستقل. وفي هذا السياق، فإن تقييمنا لأي مبادرات أممية أو دولية يظل مرتبطا بمدى التزامها بالحياد، وبما يخدم وحدة ليبيا واستقرارها دون تدخل أو توجيه للمسار السياسي الداخلي.

    مؤخرا، تم ترشيح النائب يوسف الفاخري، عضو مجلس النواب الليبي، لمنصب رئاسة البرلمان الإفريقي. على ماذا كانت تراهن ليبيا من خلال هذا الترشيح؟

    ترشيح النائب يوسف الفاخري لرئاسة البرلمان الإفريقي يعكس رغبة ليبيا في استعادة حضورها الطبيعي داخل المؤسسات القارية. ونحن نراهن على هذا الترشيح للمساهمة في القضايا الإفريقية الكبرى، خصوصا في مجالات السلم والأمن والتنمية. كما كنا نعتبر أن هذا الترشيح يمثل فرصة لتصحيح الوضع في هذه المؤسسة التشريعية القارية، وكذلك أيضا لإعادة تموضع ليبيا كفاعل إفريقي أساسي بعد سنوات من الغياب النسبي.

    ننتقل الآن للحديث عن العلاقات المغربية الليبية. كيف تصفون الدور المغربي في الأزمة الليبية؟

    نثمن الدور الذي لعبته المملكة المغربية منذ بداية الأزمة الليبية، خصوصا احتضانها لمسار الحوار السياسي الليبي في الصخيرات، وما تلاه من جهود دعم التقارب بين الأطراف الليبية. والمغرب ظل من الدول التي اعتمدت مقاربة تقوم على الحوار والتوافق دون تدخل في الشأن الداخلي الليبي، وهو ما نعتبره رصيدا إيجابيا في العلاقات الثنائية.

    في هذا الشأن دائما، احتضنت طرابلس مؤخرا مؤتمرا أمنيا حضرته شخصيات سياسية في الغرب وعرضت خلاله خريطة المغرب منقوصة من الصحراء. كيف استقبلتم هذه الواقعة؟ وما هو موقف حكومتكم من قضية النزاع الإقليمي حول الصحراء؟

    فيما يتعلق بما تم تداوله حول عرض خريطة غير مكتملة للمغرب في أحد المؤتمرات، نؤكد أن الحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد لا علاقة لها بهذا المؤتمر، وهي حريصة على احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، وعدم الانخراط في أي مواقف من شأنها أن تسيء للعلاقات بين الدول الشقيقة. كما نؤمن بأن المنطقة في حاجة إلى مزيد من التقارب والتعاون، وليس إلى تغذية الخلافات أو الانقسامات.

    ألا تعتقدون أن الذين يقومون بهكذا تصرفات يخاطرون بالزج بمستقبل الدولة الليبية في اصطفافات هي في غنى عنها، خاصة في الوقت الحالي، أو حتى رهن مطامح الشعب الليبي بمصالح أطراف خارجية ربما؟

    كما قلت سابقا، الحكومة الليبية حريصة على احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية، ولا ترى مصلحة لها في الانخراط في أي اصطفافات إقليمية، وتعتبر أن أولويتها الأساسية هي إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي.

    بالحديث دائما عن العلاقات مع المغرب، أين وصل ملف التأشيرات، خاصة وأنكم انتقدتم في تصريح سابق لجريدتنا استمرار ما وصفتموه بالقيود التي تفرضها السلطات المغربية على تأشيرات الليبيين، بما في ذلك تأشيرات رجال الأعمال والمتزوجين من مغربيات؟

    نحن نعي أهمية تسهيل حركة الأفراد بين ليبيا والمغرب، خاصة بالنسبة لرجال الأعمال والعائلات المشتركة. وقد تم فتح قنوات تواصل مع الجانب المغربي من أجل معالجة بعض الإشكالات الإجرائية، ونتطلع إلى تطوير هذا الملف بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين ويعزز التعاون الاقتصادي والإنساني بين البلدين.

    عقدتم لقاءات عدة مع القنصل المغربي في بنغازي حول قضايا مختلفة، وربما قضية أوضاع الجالية المغربية تبقى أهمها، خاصة في ظل معاناة فئات كبيرة منها من التوقف الطويل للخدمات القنصلية، الشيء الذي حال دون تسوية وضعيتهم القانونية. ما هي أهم المبادرات التي قمتم بها في هذا الصدد؟

    تولي الحكومة الليبية اهتماما خاصا بأوضاع الجاليات الأجنبية المقيمة على أراضيها، ومن بينها الجالية المغربية التي نكنّ لها كل التقدير. وقد تم عقد لقاءات عدة مع القنصل المغربي في بنغازي لبحث تسهيل الخدمات القنصلية ومعالجة بعض التحديات الإدارية، ونؤكد استعدادنا الدائم للتعاون من أجل ضمان ظروف إقامة كريمة ومنظمة لهذه الجالية.

    سؤال أخير، إذا أتيحت لكم فرصة توجيه رسالة مباشرة إلى الشعب الليبي والرأي العام المغربي حول طبيعة العلاقة التي تطمحون إليها بين البلدين خلال السنوات القادمة، فماذا ستكون كلماتكم؟

    نؤكد أن العلاقات بين ليبيا والمغرب علاقات تاريخية وأخوية، تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك. ونطمح إلى أن تشهد السنوات القادمة تعزيزا أكبر لهذه العلاقات في مختلف المجالات، السياسية والاقتصادية والثقافية، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز الاستقرار في المنطقة. فليبيا تنظر إلى المغرب كشريك مهم في دعم الاستقرار والحوار في المنطقة، ونأمل أن تتطور هذه العلاقة نحو شراكة استراتيجية أوسع في المستقبل.

    إقرأ الخبر من مصدره