Catégorie : حوارات

  • حوار: الترابي يكشف أسرار صعود التانكسودو المغربي وطموح المملكة لقيادة إفريقيا

    تعيش رياضة التانكسودو في المغرب مرحلة ازدهار لافتة، تعكس دينامية جديدة في مسار هذه الرياضة القتالية التي بدأت تفرض نفسها بقوة قاريا ودوليا. هذا التطور لم يأت من فراغ، بل يعد ثمرة عمل طويل وممنهج شمل التكوين، والتأطير، والانفتاح على تجارب دولية، ما مكن من بروز جيل جديد من الأبطال القادرين على رفع راية المغرب عاليا في مختلف المحافل.

    وفي هذا السياق، توج المنتخب الوطني المغربي للتانكسودو بكأس إفريقيا، بعد تألقه في البطولة الإفريقية للكبار، التي احتضنتها مدينة كينشاسا بالكونغو الديمقراطية يوم 27 يوليوز الماضي، حيث نجح الأبطال المغاربة في حصد ما مجموعه 19 ميدالية، توزعت بين 15 ذهبية، وميدالية فضية واحدة، و3 ميداليات نحاسية، في حصيلة تعكس التفوق الواضح للمغرب في هذه المنافسة القارية.

    هذا الإنجاز يعكس حجم العمل الذي تقوم به الأطر التقنية والإدارية، التي راهنت على إعداد لاعبين بمستوى عال، قادرين على المنافسة في مختلف الفئات، كما يعكس أيضا تطور البنية التحتية الخاصة بهذه الرياضة، وتزايد عدد الممارسين على الصعيد الوطني، وهو ما ساهم في توسيع قاعدة الاختيار وإفراز طاقات واعدة.

    ولم يقتصر هذا التألق على النتائج فقط، بل امتد ليشمل الأداء التقني والانضباط التكتيكي الذي أبان عنه اللاعبون خلال مختلف النزالات، حيث أظهروا مستوى عاليا من الاحترافية والجاهزية البدنية، ما مكنهم من التفوق على منافسين من مدارس عريقة في التانكسودو.

    ويجمع المتتبعون على أن هذا التتويج يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار هذه الرياضة بالمغرب، ويعزز مكانة المملكة كقوة صاعدة في هذا التخصص على الصعيد الإفريقي، كما يفتح آفاقا جديدة أمام الأبطال المغاربة للمشاركة في المنافسات الدولية، وتمثيل المغرب في بطولات عالمية بأهداف أكثر طموحا.

    ومن شأن هذا الإنجاز أن يمنح دفعة معنوية قوية للجامعة الملكية المغربية للتانكسودو، من أجل مواصلة العمل على تطوير هذه الرياضة، سواء من خلال تنظيم تظاهرات وطنية ودولية، أو عبر دعم الأندية ومراكز التكوين، بما يضمن استمرارية هذا الزخم الإيجابي.

    وينتظر أن يساهم هذا التتويج في استقطاب مزيد من الشباب لممارسة التانكسودو، خاصة في ظل ما توفره هذه الرياضة من قيم تربوية، كاحترام الخصم، والانضباط، والتحكم في النفس، إلى جانب تطوير القدرات البدنية والذهنية.

    ولتسليط الضوء على هذا النوع الرياضي والتحديات التي يواجهها في المغرب والأوراش التي تشتغل عليها الجامعة مستقبلا، أجرى موقع  » تيلكيل عربي »، حوارا مع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، نور الدين الترابي.

    ما أبرز الأهداف التي تسعى جامعتكم لتنزيلها بعد التألق في كأس إفريقيا

    تسعى الجامعة الملكية المغربية للتانكسودو إلى وضع استراتيجية شاملة وطموحة خلال المرحلة المقبلة، بهدف ترسيخ مكانة هذه الرياضة وطنيا وقاريا، ومواصلة الدينامية الإيجابية التي تعرفها في السنوات الأخيرة، وتندرج هذه الأهداف ضمن رؤية متكاملة تجمع بين التكوين، التنافس، والتأطير المؤسساتي. وتأتي في مقدمة الأولويات، مسألة الإعداد الجيد للاستحقاقات القارية، وعلى رأسها كأس إفريقيا للتانكسودو في نسختها الرابعة، حيث تطمح الجامعة إلى الحفاظ على اللقب الذي توج به المنتخب الوطني للمرة الثالثة سنة 2025 بجمهورية الكونغو الديمقراطية.

    ويشكل الحفاظ على اللقب حافزا لمواصلة العمل التقني المكثف، عبر برمجة تجمعات تدريبية منتظمة، والرفع من جاهزية العناصر الوطنية، بما يضمن حضورا قويا على المستوى الإفريقي، ويفتح المجال أيضا لمنافسة أكبر على الصعيد الدولي، كما تولي الجامعة أهمية خاصة لتوسيع قاعدة الممارسة، من خلال العمل على رفع عدد الممارسين والممارسات في مختلف ربوع المملكة، حيث يشمل ذلك دعم الأندية والعصب الجهوية، وتشجيع انخراط فئات عمرية جديدة، خاصة فئة الشباب والنساء، بما يعزز انتشار هذه الرياضة ويضمن استمراريتها.

    وعلى المستوى التنظيمي والتقني، تسعى الجامعة إلى تطوير أدائها عبر تحديث آليات التدبير، وتحسين جودة التأطير والتكوين، سواء بالنسبة للمدربين أو الحكام، وفي هذا السياق، يبرز مشروع إحداث أكاديمية وطنية خاصة بالتانكسودو كخطوة استراتيجية، تهدف إلى تكوين جيل جديد من الأبطال وفق معايير احترافية، وتوفير بيئة ملائمة لصقل المواهب.

    ما تقييمك لمستوى انتشار هذا النوع الرياضي وطنيا

    في تقييمنا لمستوى انتشار رياضة التانكسودو داخل المملكة، يمكن التأكيد على أن هذه الرياضة تعرف تطورا ملحوظا ومتواصلا على مختلف المستويات حيث يشهد عدد الممارسين والممارسات ارتفاعا سنويا مهما، إلى جانب تحسن واضح في المستوى التقني والبدني للممارسين، وهو ما يعكس نجاح الجهود المبذولة في التأطير والتكوين، كما يتجلى هذا التطور أيضا في تزايد عدد الأندية والجمعيات الرياضية المنخرطة بمختلف العصب الجهوية، مما يساهم في توسيع رقعة انتشار هذه الرياضة وطنيا.

    أما بخصوص الجهود المبذولة لتوسيع قاعدة الممارسين في مختلف جهات المملكة، فإن الجامعة تعتمد على سياسة القرب كخيار استراتيجي، من خلال تنظيم لقاءات تواصلية ودورات تدريبية وأنشطة رياضية متنوعة تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتسعى هذه المبادرات إلى التعريف برياضة التانكسودو وتحفيز الشباب على ممارستها، خاصة في المناطق التي لا تزال تعرف حضورا محدودا لهذه الرياضة، كما يتم العمل على دعم العصب الجهوية وتمكينها من الوسائل اللازمة لتطوير أنشطتها، مع تشجيع الشراكات المحلية، بما يضمن استمرارية هذا الزخم، ويعزز حضور التانكسودو كرياضة صاعدة داخل المشهد الرياضي الوطني.

    كيف يتم اكتشاف المواهب وصقلها سعيا لتكوين أبطال؟

    نعتمد داخل الجامعة الملكية المغربية للتانكسودو على مجموعة من البرامج والاستراتيجيات المتكاملة لاكتشاف وصقل المواهب الشابة، بما يضمن استمرارية التألق وخلق قاعدة صلبة من الأبطال القادرين على تمثيل المغرب قاريا ودوليا، وفي هذا الإطار، يتم انتقاء أجود العناصر خلال المنافسات الوطنية الكبرى، مثل بطولة كأس العرش وكأس الأمير مولاي الحسن، إضافة إلى مختلف البطولات الوطنية، حيث تشرف اللجنة التقنية الوطنية على رصد أبرز المواهب وتقييم مؤهلاتها التقنية والبدنية، قصد ضمها إلى صفوف المنتخب الوطني بمختلف فئاته وأساليبه.

    وبهذا تولي الجامعة أهمية كبيرة لتنظيم معسكرات تدريبية دورية لفائدة عناصر الفريق الوطني، يتم خلالها التركيز على تطوير الجوانب التقنية والتكتيكية، إلى جانب الإعداد البدني والذهني، بما يرفع من جاهزية الرياضيين للاستحقاقات المقبلة، بالإضافة إلى ضمان التكوين المستمر للمدربين والحكام وأطرها التقنية، عبر دورات تكوينية وورشات تأطيرية، تهدف إلى مواكبة أحدث المناهج المعتمدة دوليا في هذه الرياضة، ويساهم هذا النهج في تحسين جودة التأطير داخل الأندية، وتوفير بيئة احترافية تساعد على اكتشاف المواهب في سن مبكرة، وصقل قدراتها بشكل علمي ومنهجي.

    ما تأثير المشاركات الدولية على أداء الرياضين ؟

    تسهم المشاركات الدولية بشكل كبير في الرفع من مستوى الممارسين المغاربة لرياضة التانكسودو، حيث تتيح لهم فرصة الاحتكاك المباشر مع مدارس وتقنيات مختلفة، واكتساب خبرات جديدة تعزز من جاهزيتهم التنافسية، فالمنافسة في البطولات القارية والدولية لا تقتصر فقط على تحقيق النتائج، بل تمثل محطة أساسية لتقييم المستوى، وتصحيح الأخطاء، وتطوير الأداء الفردي والجماعي على حد سواء.

    وقد انعكس هذا الانفتاح على المحيط الدولي بشكل إيجابي على مردودية العناصر الوطنية، التي أصبحت أكثر قدرة على التأقلم مع مختلف أنماط اللعب، وأكثر نضجا في إدارة النزالات تحت الضغط، كما ساهمت هذه المشاركات في تعزيز الثقة بالنفس لدى الرياضيين، وترسيخ روح التحدي والانضباط، بالإضافة إلى إبراز صورة المغرب كقوة صاعدة في رياضة التانكسودو، وهو ما توج بتصدره الترتيب على المستوى الإفريقي.

    ما أبرز التحديات التي تواجه تطوير هذا النوع الرياضي؟

    نواجه مجموعة من التحديات الأساسية في مسار تطوير هذه الرياضة، سواء على مستوى التأطير أو البنية التحتية أو الدعم المالي، حيث يبرز في مقدمة هذه التحديات ضرورة إحداث أكاديمية وطنية متخصصة في التانكسودو بمختلف أشكاله وأساليبه، بما يضمن تكوينا علميا واحترافيا للأجيال الصاعدة، كما يشكل التكوين المستمر للمدربين والحكام وأطر الجمعيات والعصب الجهوية تحديا محوريا، في ظل الحاجة إلى مواكبة التطورات التقنية الحديثة، والرفع من جودة التأطير داخل الأندية.

    ومن بين الإكراهات، أيضا، محدودية الميزانية المخصصة للجامعة، والتي لا تواكب حجم الطموحات والنتائج المحققة على المستويين الوطني والدولي، حيث تزداد هذه التحديات حدة مع الحاجة إلى تعزيز الدعم المالي، خاصة في ظل توجه الجامعة لتنظيم تظاهرات قارية ودولية بالمغرب، وهو ما يتطلب إمكانيات لوجستية وتنظيمية كبيرة، لضمان نجاح هذه الاستحقاقات وتعزيز إشعاع الرياضة وطنيا ودوليا.

    تحدثتم عن تنظيم المغرب لتظاهرات قارية في رياضة التانكسدو، هل هذا رهان أساسي مستقبلا؟

    بالنسبة إلينا، يعتبر تنظيم المغرب لتظاهرات قارية ودولية في رياضة التانكسودو رهانا استراتيجيا أساسيا، سعيا لترسيخ مكانة المملكة كقطب رياضي إفريقي ودولي في هذه الرياضة الصاعدة، لأن استضافة مثل هذه التظاهرات لا تساهم فقط في إشعاع المغرب، بل تشكل أيضا فرصة للاحتكاك المباشر مع نخبة الممارسين العالميين، وتطوير المستوى التقني والتنظيمي على الصعيد الوطني، حيث نسعى أيضا إلى تعزيز التعاون مع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وكذا الجامعة الملكية المغربية للرياضة المدرسية، من أجل الارتقاء بالتانكسودو المدرسي.

    ومن بين أبرز الطموحات أيضا التي نسعى إلى النجاح فيها، استضافة بطولة إفريقيا في نسختها الرابعة بالمغرب، وتنظيم بطولة دولية تحت إشراف الاتحاد الدولي، فضلا عن تكثيف التداريب الوطنية والدولية بمختلف العصب الجهوية، بما يعزز دينامية التطور والانفتاح.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • جدري: المغرب يقدم بيئة آمنة لرساميل لا تقبل المغامرة.. وسيادته المالية تحصنه من الإملاءات الخارجية

    جمال أمدوري

    أكد الخبير الاقتصادي محمد جدري أن المغرب نجح في ترسيخ موقعه كوجهة إقليمية جاذبة للاستثمارات الأجنبية، مستفيدا من استقرار الإطار الماكرو-اقتصادي وتحسن المؤشرات المالية، إلى جانب الإصلاحات التي جاء بها ميثاق الاستثمار الجديد، مبرزا أن بلوغ الاستثمارات الأجنبية مستويات قياسية يعكس ثقة متزايدة لدى المستثمرين الدوليين، مدعومة بتحسن التصنيف الائتماني واستعادة درجة الاستثمار، وهو ما من شأنه تعزيز خلق فرص الشغل ودعم الدينامية الاقتصادية الوطنية.

    وفي السياق ذاته، شدد جدري في حوار مع جريدة “العمق” على أن حصول المغرب على خطوط ائتمان مرنة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعكس مصداقية السياسات الاقتصادية للمملكة وقوة مؤسساتها المالية، مشيرا إلى أن الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والطاقات المتجددة مكنت المغرب من التحول إلى منصة صناعية تنافسية، قادرة على مواكبة التحولات العالمية وتعزيز موقعها داخل سلاسل القيمة الدولية، خاصة في ظل التوجه نحو اقتصاد منخفض الكربون.

    الحوار الكامل:

    سجل المغرب رقما قياسيا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة (أزيد من 56 مليار درهم في 2025)، كيف ساهم استقرار الإطار الماكرو-اقتصادي وميثاق الاستثمار الجديد في جعل المملكة الوجهة الأولى إقليميا لرؤوس الأموال؟

    كما يعلم الجميع، هناك مقولة اقتصادية معروفة مفادها أن “الرأسمال جبان”. بل أكثر من ذلك، فإن الرأسمال يبحث عن الأماكن الآمنة والمستقرة، وبالتالي لا يمكن لأي مستثمر أجنبي أن يأتي إلى المملكة المغربية بدافع المجاملة.

    هذا الارتفاع في الاستثمارات الأجنبية خلال السنة الماضية يرجع بالأساس إلى مجموعة من العوامل التي توفرت في المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة. أولها تحسن المؤشرات الاقتصادية، حيث تظهر مؤشرات النمو، والتضخم، وعجز الميزانية، ومستوى المديونية وضعية إيجابية، وهو ما يشجع عددا من المستثمرين على التوجه نحو المغرب.

    كما أن تحسن التصنيف الائتماني للمملكة، واستعادة درجة الاستثمار (Investment Grade)، يعززان ثقة المستثمرين ويحفزانهم على الاستثمار. بالإضافة إلى ذلك، يساهم الميثاق الجديد للاستثمار في تقديم دعم مهم، سواء على المستوى القطاعي أو الترابي أو المشترك، حيث يمكن أن يصل هذا الدعم إلى 30 في المئة من قيمة الاستثمار.

    وبالتالي، فإن مجموع هذه العوامل ساهم في استقطاب عدد من المستثمرين إلى المملكة المغربية. وقد لاحظنا كيف اقترب حجم الاستثمارات خلال السنة الماضية من عتبة 60 مليار درهم، وهو مؤشر إيجابي جدا، من شأنه أن يساهم في خلق فرص شغل لفائدة الشباب المغربي.

    حصول المغرب على خطوط ائتمان مرنة من المؤسسات الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) يعتبر صك ثقة: ما هي في نظركم الرسائل الاقتصادية التي تبعثها هذه الحصيلة للشركاء الدوليين؟

    بطبيعة الحال، فإن الحصول على ثقة صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي يعد أمرا مهما للغاية. فهذه المؤسسات الدولية تراقب عن كثب أداء الاقتصاد الوطني، وكلما كانت المؤشرات الماكرو-اقتصادية قوية ومستقرة، زادت قدرتها على مرافقتك واعتبارك شريكا موثوقا وقادرا على الوفاء بالتزاماته، خصوصا سداد القروض بكل أريحية.

    اليوم نلاحظ أن المملكة المغربية تعد من بين عدد محدود من الدول على المستوى العالمي التي تستفيد من خط الوقاية والسيولة الذي يتيحه صندوق النقد الدولي، والذي يمكن أن يصل إلى نحو 5 مليارات دولار. ويعد هذا مؤشرا إيجابيا جدا، إذ يمكن اللجوء إليه في أوقات الأزمات، كما حدث خلال الجائحة الصحية حين تم استعمال خط بقيمة 3 مليارات دولار.

    الوصول إلى هذا المستوى من الثقة يتطلب إقناع هذه المؤسسات الدولية بأن العمل الحكومي يعتمد على سياسات عمومية ناجعة تعطي نتائج ملموسة. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار الحصيلة التي قدمها رئيس الحكومة خلال الأسبوع الماضي عاملا من شأنه تعزيز مكانة المملكة المغربية لدى مختلف المؤسسات الدولية.

    كما أن التجربة المغربية خلال السنوات الماضية أظهرت قدرة البلاد على اتخاذ قرارات سيادية، مثل رفض تعويم الدرهم بشكل كامل رغم توصيات صندوق النقد الدولي. إضافة إلى ذلك، فعند لجوء المغرب إلى الأسواق المالية الدولية للاقتراض، كما في طلب 2.5 مليار يورو، يتلقى طلبات اكتتاب تفوق 12 إلى 13 مليار يورو، وهو ما يعكس مستوى الثقة الكبير الذي يحظى به.

    كل هذه المؤشرات تؤكد أن المملكة المغربية استطاعت تحسين وضعيتها الاقتصادية وتعزيز مصداقيتها، بما مكنها من كسب ثقة المؤسسات المالية الدولية.

    الحكومة تتحدث عن خلق 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية: كيف نجحت الاستراتيجيات الصناعية (الطيران، صناعة السيارات) في تعويض الفقدان الناتج عن سنوات الجفاف المتتالية؟

    فيما يتعلق بخلق مناصب الشغل، أعتقد أن الاقتصاد الوطني يعيش اليوم على وقع تناقضات كبيرة جداً. إذ من الضروري التمييز بين القيمة المضافة الفلاحية والقيمة المضافة غير الفلاحية.

    فخلال السنوات الماضية، صحيح أن الاقتصاد الوطني استطاع خلق عدد من مناصب الشغل في قطاعات متعددة، مثل الصناعات الاستخراجية، وصناعة السيارات، وصناعة الطائرات، وقطاع النسيج والألبسة، والصناعات الغذائية، والسياحة، والصناعة التقليدية، والأوفشورينغ، وصناعات الإلكترونيات والميكانيك، إضافة إلى قطاعات التجارة والخدمات. غير أن هذه الدينامية لم تكن كافية لتعويض مئات الآلاف من مناصب الشغل التي تفقد في القطاع الفلاحي، خاصة في العالم القروي. فعلى سبيل المثال، خلال سنتي 2023 و2024، تم فقدان ما يفوق 200 ألف منصب شغل، وهو ما ينعكس سلبا على الحصيلة الإجمالية الصافية لخلق فرص العمل.

    وفي هذا السياق، يمكن القول إن الاقتصاد الوطني قادر على إحداث حوالي 170 ألف منصب شغل سنويا في الأنشطة غير الفلاحية، لكن دون احتساب الخسائر المسجلة في القطاع الفلاحي، ما يطرح إشكالية حقيقية على مستوى التوازن العام لسوق الشغل.

    من جهة أخرى، تبرز مفارقة لافتة، تتمثل في وجود باحثين عن الشغل من جهة، مقابل خصاص في اليد العاملة في بعض القطاعات من جهة أخرى. فاليوم، على سبيل المثال، يعاني القطاع الفلاحي من نقص في العمالة رغم ارتفاع الأجور نسبيا، كما تعاني قطاعات أخرى مثل الأشغال العمومية، والبناء، وتنظيم الأحداث، والصحة، والرقمنة من صعوبات في إيجاد اليد العاملة المؤهلة. ويرتبط هذا الوضع أيضا بتحولات مجتمعية، حيث لم تعد بعض المهن اليدوية أو الحرفية، مثل مهن البناء أو الكهرباء أو الميكانيك، تحظى بالإقبال نفسه من طرف الشباب، ما يفاقم الخصاص في هذه المجالات.

    إضافة إلى ذلك، يساهم توسع القطاع غير المهيكل في تعقيد الوضع، إذ يفضل بعض أرباب الأسر العمل بشكل غير مصرح به، للحفاظ على الاستفادة من الدعم الاجتماعي الذي يتراوح بين 500 و1200 درهم، وهو ما يؤدي إلى نتائج عكسية على مستوى التصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. كل هذه العوامل مجتمعة تفسر ارتفاع معدل البطالة إلى حوالي 13 في المئة، رغم الجهود المبذولة على مستوى خلق فرص الشغل.

    كيف ساهمت البنية التحتية المتطورة (الموانئ، الربط السككي، والطاقة المتجددة) في تحويل المغرب إلى منصة صناعية عالمية قادرة على خلق فرص شغل مستدامة للشباب؟

    بطبيعة الحال، فإن العمل الذي قامت به المملكة المغربية خلال الـ26 سنة الماضية في مجال تهيئة البنيات التحتية يعد أساسيا ومحوريا. فقد شمل ذلك تطوير شبكة الطرق السيارة، وإطلاق القطار فائق السرعة، وتوسيع الطرق السريعة، وإحداث مناطق صناعية، إلى جانب تعزيز قدرات الموانئ والمطارات، والعمل على تأهيل الرأسمال البشري.

    كما أن الجهود الحالية في مجال الطاقات المتجددة تكتسي أهمية خاصة. فاليوم لم يعد كافيا إنتاج سيارة أو طائرة أو منتوج فلاحي أو صناعي أو تقليدي، بل أصبح من الضروري أن تكون هذه المنتجات والخدمات منخفضة أو خالية من الانبعاثات الكربونية.

    وفي هذا الإطار، فإن الاستثمارات التي تقوم بها المملكة في مجالات الطاقة الشمسية، والطاقة الريحية، والهيدروجين الأخضر، من شأنها أن تجعل المغرب من الدول الرائدة في الصناعات منخفضة الكربون. وهو توجه استراتيجي يهدف إلى تعزيز تنافسية المنتجات المغربية في الأسواق الدولية.

    ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى الشريك الاقتصادي الرئيسي للمغرب، وهو الاتحاد الأوروبي، الذي يمضي قدماً في فرض معايير صارمة تتعلق بالبصمة الكربونية، ما يجعل التكيف مع هذه المتطلبات أمراً ضرورياً لضمان ولوج المنتجات المغربية إلى الأسواق العالمية والحفاظ على جاذبيتها.

    ينظر للدعم الاجتماعي المباشر كآلية تضامنية، لكن من منظور اقتصادي؛ كيف يساهم هذا الدعم في تنشيط الدورة الاقتصادية وتحريك الطلب الداخلي؟

    بطبيعة الحال، فإن الدعم الاجتماعي المباشر يهدف أساسا إلى توفير دخل يحفظ كرامة عدد من الأسر المغربية. فمن جهة، يساعد هذا الدعم الأسر على ضمان استمرارية تمدرس أبنائها، ومن جهة أخرى يوفر لها حدا أدنى من الدخل يمكنها من البحث عن عمل وتحقيق نوع من الحركية الاقتصادية، وهي أمور بالغة الأهمية.

    لكن، من بين الأهداف الأساسية أيضا لهذا الدعم، تحريك وتنشيط الطلب الداخلي. فحين نتحدث عن أسرة لم تكن تتوفر على دخل قار في السابق، وأصبحت اليوم تستفيد من مبلغ يتراوح بين 500 و1300 درهم، فإن هذا الدخل يعاد ضخه في الاقتصاد عبر استهلاك سلع وخدمات، غالبا ما تكون مقدمة من مقاولات مغربية، خاصة تلك المرتبطة بمنتوجات “صنع في المغرب”.

    وبالتالي، فإن هذه المبالغ توجه في الغالب نحو الاستهلاك اليومي، وليس نحو اقتناء منتجات مستوردة ذات كلفة مرتفعة، مثل الأجهزة الإلكترونية، وهو ما يعزز الدورة الاقتصادية الداخلية. وعليه، فإن آلية الدعم الاجتماعي المباشر لا تقتصر فقط على أهدافها الاجتماعية، بل تمتد لتشمل أهدافاً اقتصادية واضحة، حيث يساهم تحفيز الطلب الداخلي في تشجيع المقاولات على رفع استثماراتها، وزيادة القيمة المضافة، فضلاً عن تحسين قدرتها على خلق مناصب الشغل لفائدة اليد العاملة المغربية.

    بناء منظومة صحية قوية وتعميم التغطية الإجبارية يتطلب استثمارات ضخمة؛ كيف تمكنت الحكومة من تمويل هذا الورش دون المساس بالتوازنات الميزانياتية للبلاد؟

    لا أعتقد أن هناك دولة في العالم يمكنها تحقيق تنمية مهمة دون تعليم جيد وصحة جيدة لمواطنيها. وبالتالي، فإن هذه القضايا المرتبطة بالصحة تعد قضايا أساسية. فإلى عهد قريب، كان لدينا مركز استشفائي جامعي واحد في الرباط، وآخر في الدار البيضاء. أما اليوم، فسنصبح قريبا نتوفر على مركز استشفائي جامعي في كل جهة من جهات المملكة.

    حاليا، لدينا مراكز استشفائية جامعية في طنجة، ووجدة، وفاس، والرباط، والدار البيضاء، ومراكش، وأكادير، كما سيحدث قريبا مركز في العيون، ثم في كلميم، وبني ملال، والرشيدية. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأنه سيساهم في تسهيل الولوج إلى الخدمات الصحية بشكل سلس وفعال. كما أن تكوين الرأسمال البشري يعد بدوره مسألة محورية، إذ إن إحداث كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان في مختلف جهات المملكة سيسهم في معالجة إشكالية الخصاص في الموارد البشرية الطبية، ويحد من تمركز الأطباء في محور طنجة–الدار البيضاء فقط.

    وأعتقد أن هذا كان من أولويات الحكومة، لأنه لا يمكن المضي في ورش الحماية الاجتماعية دون منظومة صحية قوية وفعالة. وهذا ما يفسر الزيادة المستمرة في الميزانية المخصصة لقطاع الصحة منذ سنة 2022 إلى حدود سنة 2026. كما أن الإصلاح الجبائي المتعلق بالضريبة على الدخل والضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، مكن الحكومة من توسيع هامشها المالي، حيث أصبحت المداخيل الجبائية تتجاوز 400 مليار درهم، بعدما كانت في حدود 250 مليار درهم.

    وقد سمح هذا الارتفاع في الموارد الجبائية بتوفير هامش مهم للحكومة من أجل المضي قدما في الأوراش المهيكلة، مثل إصلاح منظومة التعليم، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتطوير قطاع الصحة، وتشجيع الاستثمار، إلى جانب أوراش أخرى متعددة.

    في ظل موجة التضخم العالمية، كيف تقيمون الإجراءات الحكومية (دعم النقل، دعم المواد الأساسية عبر صندوق المقاصة) في الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن وتجنب انزلاقات اقتصادية

    أول ما يجب التأكيد عليه هو أن الموجة التضخمية الحالية هي موجة عالمية، مست كبريات الدول كما مست الدول الصغرى. فقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطراب سلاسل التوريد ومنظومات الشحن والنقل واللوجستيك، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ارتفاع أسعار عدد من المواد الأولية، مثل الأسمدة والمواد الفوسفاطية، إلى جانب الخشب والحديد والزجاج والإسمنت، التي بلغت مستويات قياسية. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية، مثل القمح والذرة والشعير، وكذلك الأعلاف.

    ونتيجة لذلك، سجلت معدلات التضخم في مختلف دول العالم مستويات قياسية، حيث بلغ التضخم في المغرب حوالي 6.6% سنة 2022، قبل أن يتراجع لاحقاً. واليوم، يُسجل معدل تضخم في حدود 1%، وهو تحسن مهم لم يكن ليتحقق لولا مجموعة من الإجراءات الحكومية.

    في هذا الإطار، عملت الحكومة على دعم القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة من خلال مخرجات الحوار الاجتماعي، الذي أفضى إلى زيادة في الحد الأدنى للأجور بنسبة 20% بين اتفاقي 30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024. كما تم إقرار زيادة عامة في أجور موظفي القطاع العام بقيمة 1000 درهم على مرحلتين، وزيادة 1500 درهم لفائدة نساء ورجال التعليم، إلى جانب تخفيف الضريبة على الدخل لفائدة الطبقة المتوسطة، بما يعادل زيادات صافية تتراوح بين 150 و400 درهم.

    وشملت الإجراءات أيضا تسوية متأخرات معاشات المتقاعدين، خاصة المنخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والتي بلغت في بعض الحالات ما بين 8000 و9000 درهم، إضافة إلى الإعفاء الكامل للمعاشات التقاعدية من الضريبة على الدخل.

    كما تم تخصيص اعتمادات مالية مهمة لدعم صندوق المقاصة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، وهو ما ساهم في الحفاظ على أسعار بعض المواد الأساسية، مثل غاز البوتان الذي ظل في حدود 50 درهماً، رغم أن تكلفته الحقيقية كانت مرشحة للارتفاع إلى 60 أو 70 درهماً، فضلاً عن استقرار نسبي في فواتير الكهرباء لدى الأسر، خاصة من الطبقة المتوسطة.

    ومن جهة أخرى، ساهم دعم مهنيي النقل، الذي وصل إلى مراحل متقدمة، في التخفيف من كلفة نقل البضائع والمسافرين، بما في ذلك سيارات الأجرة والنقل المزدوج والنقل السياحي.

    ورغم هذه الجهود، لا تزال هناك إشكالية مرتبطة بالمضاربين والوسطاء وبعض الممارسات الاحتكارية، التي تستغل الظرفية التضخمية لرفع الأسعار بشكل غير مبرر. لذلك، يبقى من الضروري تعزيز آليات المراقبة، ومحاربة هذه الممارسات، إلى جانب إصلاح منظومة أسواق الجملة بشكل جذري، لضمان وصول السلع والخدمات إلى المستهلك بأسعار عادلة تعكس تكلفتها الحقيقية، بعيداً عن المضاربة والاحتكار.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • غزوي: المغرب يخوض معارك لحماية التراث الثقافي من محاولات السطو

    حاوره: علي بنهرار

    قال الحسين غزوي، الدبلوماسي المغربي مدير إدارة الثقافة بالأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، إن “المملكة المغربية تخوض اليوم معركة قانونية وحضارية شرسة لحماية هويتها من محاولات السطو بجميع أشكالها”، مؤكدا أن الأدلة التاريخية والحرفية الدقيقة تجعل من محاولات نسب “القفطان” أو “الزليج” لغير أهله مجرد “محاولات بائسة” تصطدم بواقع مغربي متجذر لا يقبل التزييف.

    وأضاف غزوي، في الحوار التالي مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن استهداف التراث المغربي يعكس توترات جيو-سياسية تتجاوز حدود الموروث لتستهدف القوة الناعمة للبلد، موردا أن الرباط “تكسب صراع الملكية الفكرية والأخلاقية للتراث المحلي على المستوى الدولي”، مستحضرا النجاح في تثبيت عناصرها التراثية لدى منظمة “اليونسكو” والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) كحصن قانوني ضد “المصادرة غير المشروعة”.

    وشدد نائب رئيس البعثة الدبلوماسية لكوريا الجنوبية سابقا على أن “التوقيع الثقافي الوطني عصي على الاختطاف أو الاستنساخ المشوه، ويبقى تحويل الثقافة إلى رافد اقتصادي وتنموي هو الرد الأمثل على محاولات التهميش أو السطو”، ودعا إلى ضرورة الخروج من “منطقة الراحة”، مؤكدا أن حماية “الرأسمال الرمزي” المغربي تتطلب توازنا دقيقا بين الانفتاح على الاقتصاد العالمي والصمود أمام موجات “التمييع” التي تحاول اختراق الوعاء الحضاري الإسلامي والمغربي.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    نص الحوار:

    أنت تتولى إدارة الشؤون الثقافية بمنظمة التعاون الإسلامي. كيف تقيم الدور الحالي لما تقومون به على مستوى تثمين العنصر الثقافي أمام التغيرات العالمية المتسارعة وضعف الاهتمام بالرأسمال الرمزي؟

    أولا، أود التذكير بأن منظمة التعاون الإسلامي تضم 57 دولة من ثلاث مناطق جغرافية كبرى في آسيا وإفريقيا والعالم العربي. وقد تأسست بمدينة الرباط سنة 1969 عقب الحريق المتعمد الذي أصاب المسجد الأقصى، وبطبيعة الحال يعد المغرب دولة مؤسسة لهذه المنظمة. المنظمة سياسية بالدرجة الأولى، ولكن هناك قطاعات حيوية نشتغل عليها، بما فيها الاقتصاد، والإعلام، والسياحة، والثقافة، والشؤون الإنسانية، ومجموعة من القضايا الأخرى التي تهم العالم الإسلامي بصفة عامة.

    نحن نشتغل على بلورة الاستراتيجيات الثقافية. وبطبيعة الحال، فإن الثقافة، كمنظور كلي وشامل، تطرح تحديات كثيرة نظرا للاختلافات والتنوعات الثقافية الواسعة في عالمنا؛ فالدول الآسيوية لها نسق تاريخي وإنساني واجتماعي وفكري وسياسي معين، وللدول الإفريقية نسق مختلف تماما. والأمر ذاته ينطبق على الدول العربية ودول شمال إفريقيا.

    ثمّة تقاطعات وتشابهات متحقّقة في مواضيع محددة، منها تجربة الاستعمار الغربي ونشأة هذه الدول وصعودها. وبالتالي، نحاول التعامل مع القطاع بطريقة عرضانية تأخذ بعين الاعتبار المحددات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وتطور هذه البلدان ونشأتها عشية تجربة الاحتلال وبعده.

    ورغم كبر التحديات وتعددها، نحاول وضع تصور استراتيجي واضح للنشاط والفعل الثقافي عبر القرارات التي تصدر عن مجالس وزراء الخارجية والقمم الإسلامية. هناك كل سنة اجتماع لوزراء الخارجية يُعقد في إحدى الدول، هدفه دراسة مدى تنفيذ القرارات الصادرة عن الدول الأعضاء، بما فيها القرارات الثقافية المعنية بمجموعة من القضايا، وعلى رأسها قضية العرب والمسلمين الأولى “قضية فلسطين”، والحفاظ على التراث الإسلامي، والتنمية الثقافية، ومواكبة التغيرات التكنولوجية المتسارعة وتأثيراتها.

    دورنا الثقافي يتجلى في التعاون وتحقيق مبدأ التضامن الثقافي بين كل هذه المناطق الجغرافية في حدود الإمكانات المتاحة. في إفريقيا مثلا، نقوم بأنشطة كثيرة ومتعددة، كان آخرها نشاط نظمناه بالعاصمة السنغالية “داكار” احتفاء بالذكرى الـ1500 لميلاد النبي محمد، وهذا يأتي في إطار تحقيق اللحمة الحضارية والإنسانية بين الدول الأعضاء.

    في إحدى أوراقك العلمية، ذكرتَ أن من بين التحديات التي تواجه تقوية الفعل المعرفي تحويلُ الثقافة إلى “سلعة” أو “بضاعة”، مع أن المنظمة تساند من جهة أخرى الاقتصاد الإبداعي، أي تحصيل مداخيل من الثقافة. هل من توضيح؟

    هذه حقيقة نقطة يحيط بها قدر من الجدل وتطرح نقاشا كبيرا على المستوى العالمي. فعندما نتحدث عن الثقافة كسلعة، فنحن نتحدث عن الاقتصاد الإبداعي أو ما يسمى “الاقتصاد البرتقالي”. الثقافة الآن أصبحت رافدا من روافد التنمية الشاملة، ولعلّ السينما من أبرز الأمثلة.

    نحن نتحدث عن الثقافة في جانبها الإيجابي، كإمكانية لخلق فرص الشغل والثروة وتحقيق النماء والنمو، وليس بمعنى “التمييع الثقافي” أو تسليع الثقافة لتصبح مجرد بضاعة متداولة بدون أي قيمة فكرية أو علمية أو تنموية أو حضارية. يجب أن نفرق بين الثقافة كعنصر يمكن تثمينه ليخلق لنا فرص الشغل والثروة وإشعاعا عالميا، وبين الثقافة كوسيلة للترفيه المبتذل وتغييب عقول الشباب وإدخال قيم غريبة عن وعائنا الحضاري الإسلامي.

    الثقافة قاطرة للتنمية. والسينما صناعة بحد ذاتها. حتى المهرجانات الموسيقية فهي تخلق طفرة اقتصادية وتنموية بمناطق مختلفة. وبالتالي، المعنى الخيّر لتبضيع الثقافة هو جعلها مساهما في النهضة التنموية.

    وهذه التنمية لا يجب أن تكون في المركز فقط. يقتضي الوضع أن تستفيد كل المناطق في إطار المفهوم الشامل للتنمية المندمجة في الجهات والأقاليم.

    كمثال مهم هنا، أذكر أننا نظمنا مؤخرا المهرجان الثقافي للمنظمة بالعاصمة الأذربيجانية باكو، وكان التركيز فيه على الصناعات الإبداعية ودورها في التنمية.

    ولكن، على هذا المستوى، هناك منافسة تبدو أحيانا مشروعة؛ فالكثير من دول المنطقة تراهن على ما هو ثقافي لتعزيز تموقعها الإقليمي، ضمن ما كان يعرف بالإستراتيجيات الناعمة. ماذا حقق المغرب في هذا السباق الإقليمي والقاري؟

    أتصور أنه حقق فعلا طفرة كبيرة في جوانب “القوة الناعمة”، بما فيها دعامات الدبلوماسية الثقافية والأمنية والروحية والاقتصادية. المؤشرات الدولية التي ترصد صعود القوى الناعمة تظهر أن المغرب يحتل مراكز متقدمة جدا؛ فهو الأول في شمال إفريقيا والأول على مستوى القارة. وبالنسبة للعالم العربي، هناك دول لديها إمكانيات مادية كبيرة مثل الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية وقطر، وتسخر جهودا ضخمة.

    المغرب، رغم كل شيء، لديه من الإمكانات ما يمكنه من ريادة القوة الناعمة في العالم العربي والإسلامي لعوامل متعددة: منها الاستقرار السياسي، التطور الاقتصادي المهم، والطفرة الرياضية، على غرار ما أبان عنه من قدرة تنظيمية خلال استضافة كأس الأمم الإفريقية 2025 ونتائج المنتخبات الوطنية المتميزة في مختلف الفئات السنية، والاستعدادات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.

    حتى على مستوى الموسيقى والسينما، يعد المغرب “رائدا” اليوم. الفن السابع في بلدنا، وهو عموما لا يضاهي السينما المصرية التي باتت تتقهقر في السنين الأخيرة، يقود نوعا ما الصناعات السينمائية في العالم العربي، وإن كانت الجهود المبذولة محليا تتطلب المزيد من تكثيف الميزانيات لضمان ريادة فعلية ومستدامة.

    ( مقاطعا).. ومع ذلك ما زالت تحديات كثيرة تواجهنا في ناحية تنفيذ المشاريع الثقافية…

    بالفعل، وهي كثيرة. لكن الرهان هو كيف نستطيع خلق الفرص من رحمها. من أبرز الصعوبات الموجودة قلّة الموارد المالية، والبيروقراطية أو البطء الإداري الذي يواجه المشاريع الثقافية، وتعقيدات الصفقات العمومية، إضافة إلى غياب الكوادر المؤهلة لإدارة المشاريع الثقافية وتنسيق التربية الفنية. نحتاج لمؤسسات تشتغل على تكوين العقول القادرة على إدارة هذه المشاريع وجعلها مربحة، لا مجرد مستهلك للميزانيات.

    كما نعاني من المركزية على مستوى اتخاذ القرار وحصر الفعاليات في المدن الكبرى؛ فمعظم التظاهرات القوية تكون في الرباط أو الدار البيضاء، بينما تعاني هوامش البلد من تمييز واضح. لهذا يجب أن يكون لدينا تصور شمولي يرتكز على صيغة مؤسساتية تتولى إحداث تغيير إيجابي. التغيير سوف يؤهل ذوق الشباب الذي يواجه تحديات الثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي التي انعكست سلبا على التنمية المعرفية.

    وفي دراسة أعددتها حول القوة الناعمة ودور الثقافة في التنمية، أشرت إلى حالة التمييع والابتذال المتفشية في وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرهما السلبي على فئة الشباب؛ لذا يتعين دعم المثقفين الحقيقيين والمبدعين والمجددين لخلق التوازن الضروري، كونه أمرا جوهريا لتحقيق ما نصبو إليه في كل مناطق المغرب.

    التقطيع الترابي ينسحب كذلك إلى نطاقات حيوية في الفعل الإبداعي والمعرفي، على غرار القراءة؛ فاليونسكو اختارت الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026. لكن، هل العاصمة تكفي لوحدها بحكم مؤهلاتها ليظلّ الرهان عليها أم نحن أمام حاجة إلى “دمقرطة” فعلية تنفتح على مدن أخرى في الهوامش؟

    دعني أنبه إلى نقطة ضرورية، هي أن هناك حقيقة مؤلمة وهي تدني القراءة بصفة عامة في العالم العربي والإسلامي، وليس في المغرب فقط. لقد أُهمل الكتاب وأصبح التركيز على شبكات التراسل الفوري. لذا، يجب تقوية اللامركزية واللاتمركز حتى على مستوى الشأن الثقافي. فمبادرات مثل “الرباط عاصمة الكتاب” أو “مراكش عاصمة الشباب 2025” هي مبادرات جيدة، لكن لا يتعين أن تنحصر في هذه الحواضر الكبرى.

    المملكة المغربية بلد متنوع وضارب في التاريخ؛ فالثقافة الحسانية في أقاليمنا الجنوبية رافد قوي، ومدن الشمال تزخر بموروث مهم أيضا ينتظر تثمينه بعيدا عن منطق السياسات العمومية التي مازالت تهمش المناطق البعيدة عن مركز ثقل القرار.

    الحلول تظل موجودة، ويمكن التفكير في إنشاء مراكز ثقافية إضافية في كل المدن والحواضر تهتم برقمنة وتسويق التراث المحلي باستثمار النظم التكنولوجية، وإنشاء مكتبات ومتاحف رقمية لتحقيق اللامركزية الحقيقية في التدابير الرسمية، تماشيا مع دينامية مغرب الجهات، وتكريسا لأفق الجهوية المتقدمة عمليا.

    هناك تحديات أخرى يمكن أن نستحضرها، تتعلق بتنامي حالات “السطو الثقافي” في العالم الإسلامي من خلال نسب بعض الممارسات التراثية أو الرموز الحضارية إلى ثقافات أخرى، سواء في الأزياء أو المأكولات أو الفنون. منظمة التعاون الإسلامي أعلنت إنشاء منصة لحماية التراث الثقافي والحفاظ عليه في العالم الإسلامي، قرّبنا من المشروع.

    تمت التوصية بأن تقود المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة مشروع منصة منظمة التعاون الإسلامي للحفاظ على التراث الثقافي في العالم الإسلامي ككل. و”الإيسيسكو” هي منظمة متخصصة تابعة للمنظمة الأم، نعتبرها “الذراع الثقافي” لنا، حالها كحال “الألكسو” لجامعة الدول العربية و”اليونسكو” بالنسبة للأمم المتحدة. نحن نثق في قدرتها على صناعة الفارق وتثمين التراث ورقمنته وتسويقه بطرق عصرية، وهذا يتم بالتعاون مع مراكز أخرى كمركز الأبحاث في التاريخ والفنون والثقافة الإسلامية بإسطنبول “إرسيكا” (IRCICA)، حيث يوجد تكامل بين هذه المؤسسات لحماية التراث الممتد من آسيا إلى إفريقيا.

    هناك خلط يجب توضيحه؛ فعندما نتحدث عن كبار العلماء المسلمين مثل الفارابي وابن سينا والترمذي والنسائي، فأغلبهم ليسوا من المنطقة العربية بل من دول وسط آسيا. لذا نحن نشتغل على الاستراتيجيات الثقافية في مختلف المناطق لتعريف الشباب بتاريخهم الممتد، خصوصا دولا على غرار طاجيكستان، أوزبكستان، تركمنستان، كازاخستان، وأذربيجان.

    هذه الدول كانت تابعة للاتحاد السوفييتي، لكن بعد استقلالها صارت تحاول التقرب للعالم العربي عبر الثقافة، لأن الفعل السياسي قد يتأثر بمصالح قومية مغايرة وأجندات متباينة. الثقافة جسر يمكنه إحداث الفارق في التواصل والتقارب. ونحن نعول على هذه المنصة التفاعلية لإيصال رسالة إلى شبابنا بأن الإسلام ليس فقط مكة والمدينة، بل هو ممتد وغني غنى منقطع النظير في آسيا وإفريقيا وأوروبا.

    “الإيسيسكو” تسجل حقا بعض عناصر التراث المغربي، ولكن هذا لا يوفر حماية قانونية. ما رأيك؟

    هي عموما تعمل على تسجيل كثير من العناصر المادية وغير المادية، ولكن لا ننسى أن المغرب دخل في معركة قانونية وثقافية تعكس توترات جيو-سياسية أعمق من الموروث نفسه. محاولات السطو على التراث المغربي بائسة أمام الأدلة التاريخية والحرفية. القفطان مثلا ثابت في المخزون التراثي الوطني، ولذلك استطاع المغرب تسجيله بنجاح لدى اليونسكو؛ فكانت المعركة خاسرة لمن يحاول اختطاف موروث غيره.

    حين نستحضر ما يتوفر عليه المغاربة، نحن نتحدث عن مزيج من التراث العربي والأمازيغي واليهودي في بوتقة التراث المغربي. ونتحدث عن الآلاف من الحرفيين والحرفيات في المدن العريقة والإمبراطورية على غرار فاس ومكناس. هذه المدن اشتهرت تاريخيا بصنعة القفطان المغربي الأصيل، وكانت اللمسة المحلية قوية في إرساء توقيع وطني خاص لا يمكن، بأي حال، تزييفه.

    أما “الزليج”، فكانت معركة كبيرة، حتى في جانبها القانوني مع شركة “أديداس” التي اعترفت في الأخير بأنها استوحت تصميم قميص المنتخب الجزائري من المنتوج المغربي وليس من قصر المشور في مدينة تلمسان كما ادعى الإخوة الجزائريون. وإذا عدنا للتاريخ، فهذه المدينة كانت تحت الحكم المغربي المباشر في فترات تاريخية، وهذا يفسر التشابه.

    لتدارك الوضع، وقّع المغرب اتفاقية مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وهذه الاتفاقية توفر الحماية القانونية للتراث الثقافي المغربي. هل تعتقد أننا “ننجح” كما تروج الجهات الرسمية في صون الموروث الثقافي من التشويه أو المصادرة غير المشروعة؟

    هذه عموما معركة، وهي تدار بكل الوسائل المتاحة. المغرب اختار المضي في المسالك القانونية، ومنها هذه الاتفاقية مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) واليونسكو. ولكن البلد الذي يسعى إلى نسب مقدرات المغاربة التراثية إليه لديه بالضرورة إمكانات تراثية وثقافية خاصة به، ولا داعي للجوء إلى حالات المصادرة الثقافية التي تنطوي على نوايا تسيء للبلد المعتدي أكثر من أي شيء آخر.

    المغرب، عموما، يربح بتفوق صراع الملكية الفكرية والأخلاقية لتراثه؛ فهو بلد صاعد ولديه من الإمكانات ما يؤهله لصدارة المشهد الثقافي في العالم الإسلامي، بفضل تنوعه وغناه الروحي والإنساني، وتاريخه الممتد من المرابطين إلى العلويين دون وجود قطيعة تاريخية. وهو الدولة الوحيدة التي استطاعت التمسك بهذه الاستمرارية في بناء الدولة الوطنية، رغم فترتي الحماية الفرنسية والإسبانية اللتين شكلتا فاصلا في هذه السيرورة التاريخية.

    ولكن، في الوقت نفسه لا يتعين علينا الركون لـ”منطقة الراحة” (The Comfort Zone)، وإنما يجب مواصلة الجهد الوطني في كافة المجالات وتعبئة الميزانيات وتكوين الأطر المؤهلة للتعاطي بالقوة اللازمة مع مرتكزات الإرث الوطني.

    هذه المعضلات تواجه بلدانا كثيرة، بيد أن المغرب، طبعا قبل هذه الحكومة، انخرط في ترميم بعض المواقع التراثية، سواء في المدن الإمبراطورية كمراكش والرباط وفاس ومكناس، أو سجلماسة. ألا توجد آفاق للتعاون مع المغرب، خصوصا وأن الاكتشافات الأثرية متواصلة، ما يجعل البنية التراثية قوية وقابلة للاستثمار الثقافي والسياحي؟

    هدفنا في المنظمة هو ألّا نترك أي بلد خلفنا (Don’t leave any country behind). المغرب بلد عضو مؤسس وصاعد، ومناطقه ومآثره التاريخية تستحق جهدا كبيرا لإشعاعها وإعادة هيكلتها وتأهيلها بمنطق الصناعة الثقافية لجعلها مدرة للدخل. السياحة المستدامة في هذه المناطق تمكن المجتمعات المحلية من إدراك الوعي الحضاري وتخلق فرص شغل وثروة.

    نحن نقوم بهذا العمل في المغرب كما نقوم به في “سمرقند” بأوزبكستان أو “تمبكتو” في مالي. وعندما نتحدث عن “القرويين” كأول جامعة في العالم، فنحن نتحدث عن إرث قل نظيره. نحن في الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي نؤازر هذه التحركات التي يقوم بها المغرب تجاه تراثه المادي، وحتى غير المادي، وندعم كافة هذه المبادرات بالتنسيق وتقديم الموارد والاستشارات الفنية وإقامة فعاليات متنوعة بهذه المناطق لتسليط الضوء عليها، وهذا بمواكبة من “الإيسيسكو” والبنك الإسلامي للتنمية الذي يوفر الموارد المادية ويهتم بالصناعة الثقافية كرافد من روافد التنمية الشاملة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدى الضيف مع سعيد الوطني الجزء الثاني

    العرائش نيوز:

    نلتقي في الجزء الثاني من صدى الضيف لنستكمل مسيرة أحد ابرز لاعبي كرة القدم بمدينة العرائش سعيد الوطني، نرصد رحلته الى اتحاد طنجة، قصة الإصابة التي اثرت على مشواره الكروي، الهجرة الى اسبانيا، وتجربته في تأطير كرة القدم النسوية بالعرائش :

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نعمل على إخراج سوق جديد بـ«رياض الألفة» يستوعب المتضررين من الهدم

    رئيس مقاطعة الحي الحسني أكد أن السياج الحديدي بحديقة أفغانستان قرار تقني وليس سرقة

    يطلعنا طاهر اليوسفي، رئيس مجلس مقاطعة الحي الحسني، في الحوار التالي على التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، منذ تولي الأغلبية الحالية مسؤولية الولاية التدبيرية الحالية. ويتطرق اليوسفي بلغة الأرقام والمشاريع إلى حصيلة الولاية الحالية، انطلاقا من مشاريع فتح الشرايين الطرقية الكبرى، إلى افتتاح المنشآت الثقافية والرياضية.

    ويفصل رئيس المقاطعة في ما يلي بشأن عدد من الملفات التي تثير جدلا بالمنطقة؛ سيما في ما يخص ملف الأسواق العشوائية وهدم «سوق صورصا»، أو احتلال الملك العمومي، موضحا رؤية المجلس لتحويل الحي الحسني إلى قطب حضاري متكامل يقطع مع التدبير العشوائي الماضي.

    بصفتكم رئيسا لمجلس مقاطعة الحي الحسني، وبعد مرور نحو خمس سنوات على توليكم المسؤولية منذ 2021، كيف تقيمون حصيلة عمل الأغلبية المسيرة؟ وهل نجحتم في ملامسة الأهداف المسطرة؟

    التقييم في نظرنا إيجابي جدا ومتفائلون بما أنجزناه. يمكنني القول بلغة الأرقام إننا وصلنا إلى نحو 70 بالمائة من الإنجازات، بل وتجاوزنا سقف طموحاتنا في بعض الملفات.

    هذا لم يأتِ صدفة، بل اعتمدنا مقاربة احترافية وعلمية منذ البداية؛ حيث أطلقنا دراسة ميدانية، وعملية «إنصات لنبض الساكنة» دامت أكثر من شهرين، شملت لقاءات تشاورية مع السكان وجمعيات، وبلورنا هذه المطالب في «كتيب» من 96 صفحة حدد الأولويات التي تم إدراج عدد منها لاحقا في برنامج عمل جماعة الدار البيضاء.

    بالحديث عن هذه الأولويات، ما هي أبرز الإشكالات التي كانت تؤرق سكان الحي الحسني، ووضعتموها على رأس قائمة التدخل؟

    بالنظر إلى شساعة المقاطعة الممتدة على مساحة 45 كيلومترا مربعا، كان الهاجس الأكبر هو النقل والتنقل. ركزنا على تجويد هذه الخدمة عبر ربط الأحياء بشوارع جديدة، وتجويد البنية التحتية، خاصة «تزفيت» الطرق والإنارة العمومية والنظافة. بالإضافة إلى ذلك كان هناك طلب ملح من الشباب للاهتمام بمجالي الثقافة والرياضة، وهو ما اشتغلنا عليه بقوة.

    في عهد الولاية الحالية تم افتتاح المركب الثقافي «الحسني» الذي ظل مغلقا لأكثر من 20 سنة، وبفضل جرأة العمدة وقرار إداري شجاع، أصبح اليوم منارة إشعاعية وطنية للمسرح والندوات.

    رياضياً، انتقلنا من 3 ملاعب فقط إلى نحو 16 ملعبا للقرب، بالإضافة إلى الملاعب الكبيرة، مثل «الزموري»، «الألفة»، و«ليساسفة».

    ملف البنية التحتية وفتح الشرايين الطرقية يحظى بالأولوية بتراب المقاطعة، خاصة في ظل شساعتها، كيف تعاملتم مع تصميم التهيئة لفك العزلة عن بعض المناطق؟

    أهم مشروع حاليا هو طريق HH26 بطول 6 كيلومترات، وتربط طريق الجديدة بطريق أزمور، وهو مشروع ضخم كلف جهة الدار البيضاء 13 مليار سنتيم والجماعة نحو 4 مليارات.

    فتحنا أيضا طريقا أخرى، HH20، انطلاقا من سيدي الخدير نحو دار بوعزة وطريق HH18 بشارع الزبير، بالإضافة إلى مسالك طرقية أخرى تربط بوسكورة بحد السوالم، وكلها مشاريع استراتيجية لتخفيف ضغط السير.

    هناك من ينسب هذه المشاريع الكبرى لمجلس العمالة، ما هو الدور الحقيقي للمقاطعة في تسريع هذه الأوراش؟

    المقاطعة ليست لديها الميزانيات الكافية لتمويل طرق بمليارات السنتيمات، لذا دورنا هو الترافع واقتراح البناء.

    قمنا بتهيئة ما يقارب 100 ألف متر مربع من الأرصفة شملت مناطق ليساسفة، النسيم، سيدي الخدير، والحي الحسني المركز. دورنا كمنتخبين هو صرف أموال المواطنين في ما ينفعهم، سواء كانت من ميزانية المقاطعة، أو عبر الترافع لجلب استثمارات من مجلس الجهة أو العمالة. العيب ليس في طلب الشراكة، بل في توفر المال وعدم برمجته.

    الفائض الذي لا ترافقه إنجازات هو «سوء تسيير». نحن في الحي الحسني لا نراكم الأموال للتباهي، بل نبرمجها في مشاريع تنموية حقيقية.

    نضع المقترحات ونقنع الشركاء (الجماعة، الجهة، العمالة) بجدواها. الترافع يتم في اللجان والدورات، وبالتواصل المباشر مع العمدة ووالي الجهة الوالي.

    النجاح ثمرة عمل تشاركي، ونحن كمنتخبين في المقاطعة من أحزاب الأغلبية (الاستقلال، الأصالة والمعاصرة، الأحرار) نشتغل يدا في يد لجلب الاستثمارات للمقاطعة.

    هناك من يروج لسرقة السياجات الحديدية لبعض الحدائق، أو غيابها كما في «شارع أفغانستان»، والبعض يتهمكم بإهمال هذه التجهيزات، أو تعويض أسواق نموذجية بأخرى تفتقر للأسقف، ما حقيقة هذه الادعاءات؟

    في الواقع، أنا أعتبر هذا النوع من النقاش «دون المستوى»، ولا أريد اختزال مجهودات سنوات في «سياج» حديدي».. لكن تنويرا للرأي العام، السياج الحديدي الخاص بحديقة أفغانستان، موجود ومحفوظ في مستودعاتنا، وتحويله لم يكن سرقة، بل هو  قرار تقني.

    التوجه الحديث في تهيئة المساحات الخضراء يميل إلى جعلها مفتوحة لتندمج مع المحيط، والشركة أثناء الأشغال قامت بإزالته، ونحن احتفظنا به كممتلكات جماعية. المهم ليس السياج، بل «الحديقة» ذاتها التي تم إنجازها بجودة عالية في شارع أفغانستان، بتعاون مع مجلس العمالة.

    بالحديث عن شارع أفغانستان، يلاحظ الجميع تغيرا جذريا في ملامحه. هل كانت هذه التهيئة مجرد واجهة، أم خضعت لدراسات تقنية مسبقا؟

    المشروع خضع لدراسة مكتب دراسات متخصص، وتحت إشراف مباشر من محمد مهيدية، والي الجهة،. لم نكتفِ بالجانب الجمالي فقط، بل أعدنا تأهيل شبكة التطهير السائل، لتفادي أي أشغال ترقيعية مستقبلا، ثم انتقلنا لتجديد الإنارة، وتوسعة الشارع، وإحداث مواقف للسيارات. هذا المشروع غير ملامح الحي الحسني بشكل كامل، وانتقلنا منه لتأهيل الطرقات الجانبية والأسواق المجاورة.

    ذكرت الأسواق، السكان يتساءلون عن وضعية «السوق البلدي» وسوق «سيدي الخدير»، ما هي المقترحات المقدمة من طرف الأغلبية بمقاطعة الحي الحسني لتطوير الأسواق الحالية؟

    واجهنا فوضى عارمة في تدبير الكهرباء بهذه الأسواق، حيث كانت النفقات تُسدد من ميزانية الجماعة، وتصل إلى 250 مليون سنتيم سنويا لكل سوق.

    قمنا بعملية جريئة لترشيد النفقات عبر تثبيت عدادات فردية لكل مستفيد، ليتحمل كل تاجر مسؤولية استهلاكه. اليوم، هذه الأسواق منظمة، وقد انتقلنا إلى مرحلة ترخيص التهيئة للممرات، بالتنسيق مع السلطات المحلية، لضمان مظهر لائق داخل هذه الأسواق وتدبير عقلاني داخلها.

    وماذا عن الأسواق التي شملها الهدم، مثل سوق «صورصا»؟ هناك انتقادات متواصلة حول مصير التجار والبدائل المطروحة..

    سوقا «دالاس» و«صورصا» كانا من الأسواق القديمة، زاول داخلهما التجار أنشطتهم منذ أكثر من 30 عاما، وخرج تدبيرهما عن السيطرة منذ سنوات طويلة، بسبب فسخ بعض العقود وتخبط السوقين في العشوائية.

    نحن كمنتخبين لم نكن طرفا في قرار الهدم، لكننا نتحمل مسؤولية إيجاد الحلول. حاليا، نحن بصدد المصادقة على مشروع سوق جديد في «رياض الألفة»، بشراكة مع مجلس العمالة، والذي سيحل جزءا كبيرا من هذه المشاكل، ويوفر بدائل لائقة للمتضررين.

    هناك انتقادات تتحدث عن وجود «محاباة» أو غض طرف عن بعض المقاهي والمحلات التي تحتل الرصيف بالكامل وتعرقل حركة المارة، كيف تردون على هذه الانتقادات؟

    يجب أن نقر بأن احتلال الملك العمومي معضلة بنيوية تعاني منها مدينة الدار البيضاء ككل، وليست حصرا على الحي الحسني. نحن في المقاطعة، وبتنسيق وثيق مع السلطات المحلية، وعلى رأسها باشا المنطقة والقواد، نقوم بحملات دورية ومنتظمة لتحرير الفضاء العام.

    القانون يطبق على الجميع دون استثناء، لكن ما يجب أن يستوعبه المواطن هو أن المسطرة القانونية تأخذ وقتا؛ فنحن ملزمون بتقديم إنذار أولا، تليها فترة مراجعة، وصولا إلى استصدار قرارات الهدم.

    نتفق على أن الحل لا يكمن في الحملات العابرة فقط، لذا نحن بصدد إعداد مخطط تنظيمي شامل. الهدف هو وضع «دفتر تحملات» واضح وصارم يحترم فيه أصحاب المحلات والمقاهي الحيز المسموح به، بما يضمن حق المواطن في الرصيف، وفي الوقت نفسه يحافظ على الرواج الاقتصادي للمنطقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كايا كالاس: الشراكة المغربية الأوروبية تنفتح على قطاعات جديدة واعدة


    هسبريس من الرباط

    أكدت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، أن الرباط وبروكسل بصدد “توسيع تعاونهما ليشمل قطاعات جديدة من قبيل الرقمنة والطاقات المتجددة والابتكار، مما سيعود بالنفع على الأوروبيين والمغاربة على حد سواء”.

    وأوضحت كالاس، في حوار مع هسبريس، أن “تمديد أفضليات الاتحاد الأوروبي التعريفية للمنتجات الصادرة من الصحراء تم تصميمه بعناية ليتماشى مع قرار محكمة العدل الأوروبية، والهدف منه منح إطار شفاف ومتماسك من الناحية القانونية ويحظى بثقة الشركات”.

    وحول ملف الوحدة الترابية للمملكة، أكدت المسؤولة ذاتها أن “أفضل سبيل لإحراز تقدم في مسألة الصحراء هو إيجاد حل سياسي عادل ومقبول من الطرفين في إطار الأمم المتحدة”، معتبرة بالمناسبة أن “الاتحاد الأوروبي يدعم كليا جهود الأمم المتحدة في هذا المجال”.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وشددت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي على أهمية “خلق بيئة قانونية واضحة ومحفزة للاستثمار، خاصة في ظل الرغبة في توسيع الاستثمارات الأوروبية داخل مختلف الجهات بالمغرب”، مفيدة بأن مبادرة “الميثاق من أجل المتوسط” تطمح إلى “بناء شراكات متكافئة وأكثر قوة”.

    نص الحوار:

    الاتحاد الأوروبي يصف المغرب بأنه “شريك ضروري ومهم”. هل سيستفيد المغرب في هذه المرحلة الجديدة من أشياء لم يستفد منها في الاتفاقات السابقة؟

    المغرب تربطه أصلا شراكة قوية مع الاتحاد الأوروبي الذي يُعد أكبر شريك تجاري للمغرب وأكبر مستثمر أجنبي فيه. تجارة السلع تبلغ قيمتها 650 مليار درهم تقريبا، أي خمسة أضعاف ما كانت عليه سنة 2000. وبالتالي، فإن الأساس الذي تقوم عليه علاقتنا قوي جدا من الأصل.

    لكننا نريد أن نذهب أبعد من ذلك. نحن الآن بصدد توسيع تعاوننا إلى قطاعات جديدة من قبيل الرقمنة والطاقات المتجددة والابتكار، وهذا سيعود بالنفع على الأوروبيين والمغاربة على حد سواء. ففي قطاع الطاقة مثلا، ساهم الاتحاد الأوروبي في تمويل الحقول الريحية على امتداد الساحل الأطلسي المغربي، مما زوّد الشبكة الوطنية بمئات الميغاواط. بفضل هذا الاستثمار، تم خلق فرص شغل ومداخيل محلية.

    نعمل كذلك على أن تصل هذه الفوائد الاقتصادية إلى كل الجهات. في هذا الصدد، يُعتبر تمديد الأفضليات التعريفية للاتحاد الأوروبي لمنتجات الصحراء جزءا من هذا المجهود.

    اعتبر الاتحاد الأوروبي “الميثاق من أجل المتوسط” بمثابة إطار لتعميق الروابط. هل سيعيد هذا الإطار تعريف وضع المغرب: هل سيكون شريكا أم مركزا (إقليميا) أم متعاقدا من الباطن؟

    المغرب شريك قيّم، لا شك في ذلك.

    الميثاق من أجل المتوسط سيعبّئ مليارات أخرى في إطار الاستثمار الأوروبي من أجل ما يفوق 100 مشروع عبر كل المنطقة المتوسطية. لكن الطموح الحقيقي هو بناء شراكات متكافئة وأكثر قوة. في المُجمل، الأهداف بسيطة، وهي مزيد من الاستقرار والازدهار ومزيد من الفرص لفائدة مجتمعاتنا. نستطيع أن نجتمع كلنا حول هذه الأهداف.

    هذه ليست مبادرة من بروكسل نعمل على تصديرها إلى الجنوب. هذه المبادرة صُممت بشراكة مع المغرب والشركاء المتوسطيين الآخرين. وبالفعل، عدة أفكار جاءت مباشرة من محادثات رفيعة المستوى احتضنها المغرب السنة الماضية. هذا ميثاقكم بقدر ما هو ميثاق أوروبا.

    بعد التوترات القانونية والسياسية بين المغرب ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، ما هي الضمانات المتاحة لكي تدوم هذه المرحلة الجديدة من التعاون وألا تتعرض لنزاعات أخرى في المستقبل (بما في ذلك ضمن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)؟

    ليست هناك ضمانات، لكن أفضل ما يمكننا الحصول عليه هو من خلال الإرادة السياسية والوعي بأن كلا الطرفين يمكنهما أن يجنيا استفادة من ذلك.

    عندما استقبلت وزير الخارجية السيد بوريطة في يناير الماضي، أيّد جميع وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هذه المرحلة الجديدة من التعاون. هذه إشارة سياسية واضحة على أننا ملتزمون بإنجاح هذه الشراكة.

    كلا الطرفين يعرفان أن التعاون يجعلنا أقوى. خذ على سبيل المثال التحديات الأمنية المشتركة من قبيل مكافحة الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، فإننا نواجه هذه المشاكل على نحو أفضل عندما نشتغل سويا.

    بطبيعة الحال، يمكن أن يحصل توتر في أي علاقة. في حالتنا، غالبا ما يتعلق الأمر بقضية الصحراء. في هذا السياق، لا نزال نعتقد أن أفضل سبيل لإحراز تقدم في مسألة الصحراء هو إيجاد حل سياسي عادل ومقبول من الطرفين في إطار الأمم المتحدة. والاتحاد الأوروبي يدعم كليا جهود الأمم المتحدة في هذا المجال.

    هل يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تقديم ضمانات لحماية وتشجيع الاستثمارات الأوروبية في الأقاليم الجنوبية للمغرب؟

    يتوفر المغرب على مناخ استثمار من ضمن الأكثر استقرارا في المنطقة، وهذا ما يفسر الحضور المهم للشركات الأوروبية. لكن حالة الارتياب القانوني قد تجعل المستثمرين يعودون أدراجهم. الشركات تحتاج إلى الوضوح وإمكانية استشراف المستقبل.

    ولهذا السبب بالذات، فإن تمديد أفضليات الاتحاد الأوروبي التعريفية للمنتجات الصادرة من الصحراء تم تصميمه بعناية ليتماشى مع قرار محكمة العدل الأوروبية، والهدف منح إطار شفاف ومتماسك من الناحية القانونية يحظى بثقة الشركات. دورنا يتمثل في أن نجعل عنصر اليقين حاضرا، وأنا واثقة أننا سننجح في ذلك.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. بنعبد الله: حاولنا مع الاتحاد الاشتراكي تجاوز بعض العقبات لكن ذلك لم يتحقق

    تطلق « تيلكيل » سلسلة من الحوارات مع قادة الأحزاب السياسية. الضيف الأول: محمد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي دعا إلى قطيعة واضحة مع حكومة أخنوش، ودافع عن فكرة أن بالبديل التقدمي ممكن، شريطة أن يقبل المواطنون على صناديق الاقتراع.

    لا تتوقفون عن انتقاد حكومة أخنوش. ما البديل الذي تقترحونه؟

    على مدى أكثر من أربع سنوات، منحنا هذه الحكومة ما يسمى بفسحة الشك. منذ البداية، كنا قد اعتبرنا أن توجهاتها تتعارض مع مبادئنا وأنه لا يمكننا المشاركة فيها. الآن، يحق لنا أن نطرح السؤال، أو الأسئلة: أين ذهبت مئات الآلاف من مناصب الشغل سنويا؟ وماذا عن محاربة الفقر؟ طوال ولايتها، لم تقم هذه الحكومة سوى بصرف إعانات لمهنيي النقل، ويمكن تخمين من يستفيد منها في المقام الأول. ماذا نفعل بتقارير مجلس المنافسة، وبفرض الضرائب على شركات المحروقات الكبرى؟ هذه الحكومة لم تحترم التزاماتها، وثانيا، أثبتت أنها غارقة في علاقات مشبوهة مع أوساط مالية واقتصادية.

    ماذا تقترحون إذن؟

    نحن بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامجنا الانتخابي، الذي سيكون جاهزا خلال الأيام المقبلة. إنه برنامج مفصل، مرقم، ويشمل جميع القطاعات، مع التزامات من شأنها أن تفضي إلى قطيعة حقيقية. هذه القطيعة تعني تدبير الشأن العام بروح ديمقراطية تحافظ في الوقت نفسه على الحرية والدور المركزي للمؤسسات على جميع المستويات.

    كما أننا ندعو إلى إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وإلى تهدئة عامة. ويجب تصحيح أخطاء هذه الحكومة، خاصة في تنظيم قطاع الصحافة. بشكل عام، نريد إرساء احترام القوانين ووضع حد للإفلات من العقاب. لقد حان الوقت لمواجهة اقتصاد الريع. كما يجب إعادة الاعتبار للخدمة العمومية بشكل فعلي.

    لسنا ضد القطاع الخاص، لكننا نعتبر أن المدرسة والجامعة العموميتين يجب أن تكونا في صلب كل إصلاح. وينطبق الأمر نفسه على قطاع الصحة؛ يجب أن نتوقف عن خداع أنفسنا. اليوم، أكثر من 8 ملايين من مواطنينا لا يتوفرون على أي نوع من التغطية الصحية. في المقابل، حوالي 90 بالمائة من نفقات العلاج تذهب إلى خزائن المصحات الخاصة. فكيف يمكن بعد ذلك الاستمرار في الحديث عن بقاء المستشفى العمومي؟

     عندما أتحدث عن القطيعة، فأنا أشير أيضا إلى طريقة جديدة ومختلفة في التعامل مع الاستثمارات العمومية، تضمن الشفافية ومحاربة جميع أشكال الريع. يجب تنقية مناخ الأعمال العام لإعادة الثقة للناس للقدرة على خلق فرص الشغل. كما ينبغي إعادة توجيه اقتصادنا نحو تصنيع حقيقي، وعدم الاعتماد على فلاحة يستفيد منها أساسا عدد محدود من المصدرين. اليوم، الطبقة المتوسطة تتعرض لتآكل كامل.

    كيف؟

    مثال بسيط جدا؛ تواصل هذه الحكومة صرف مساعدات لمهنيي النقل رغم أن هذا النموذج أظهر قصوره. بالنظر إلى الظرفية الحالية، يجب أن نطرح السؤال: هل نحن في وضع أفضل من دول أخرى مثل فرنسا وإسبانيا التي قررت تسقيف أسعار المحروقات أو التي قررت التدخل على مستوى الضريبة الداخلية على الاستهلاك؟ هذه الدول أوضحت للفاعلين في هذا القطاع أنه لم يعد من الممكن الاستفادة من هشاشة الوضع الاقتصادي للمواطنين لمواصلة الاغتناء.

    رسالتي ورسالة حزبي واضحة جدا: « توقفوا عن استغلال الأزمات من أجل الاغتناء أكثر ». وأتحدى أي شخص أن يخبرني بأي دعم تم تقديمه للمقاولات الصغيرة والمتوسطة في البلد لكي تخرج من أزمتها. الآلاف من هذه المقاولات على حافة الإفلاس، مع ما يترتب عن ذلك من فقدان مناصب الشغل، وأسر في ضائقة، ومآسٍ اجتماعية… وبالعودة إلى ما يخصني أنا وحزبي، ألتزم بتعميم حقيقي للتغطية الاجتماعية ابتداء من السنة الأولى.

    مع من ستحكمون، وفي أي تحالف؟

    من حيث المبدأ، أقول إنه ما دمنا قادرين على أن نكون حزبا قويا، فسنكون قادرين على فرض توجهاتنا. صحيح أنه في المغرب لا يمكن لأي حزب أن يحصل على أغلبية قوية للحكم. لكننا نعول على صحوة اليسار والفئات الاجتماعية التي تضررت أكثر من السياسات اللاإجتماعية للحكومة الحالية. هذه الفئات هي التي يجب أن تعبّر في الوقت المناسب.

    كما كنا دائما نرغب في توحيد مكونات اليسار، بمختلف تعبيراته الاجتماعية والنقابية والجمعوية، من أجل خلق المفاجأة ومنحنا إمكانية تغيير المعادلة. للأسف، قمنا ببعض المحاولات، لكنها لم تكلل بالنجاح.

    يستحيل الحديث عن اليسار دون الإشارة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. ما هو مشكلكم مع هذا الحزب، وبالضبط مع إدريس لشكر؟

    أشدد دائما داخل المكتب السياسي على أن الأهم ليس الأشخاص بل كيفية إيجاد أرضية مشتركة للعمل معا من أجل مصلحة البلد والمغاربة. حاولنا مع الاتحاد الاشتراكي تجاوز بعض العقبات وبعض الاختلافات في الرأي على مستويات متعددة. وفي النهاية توصلنا إلى إعداد مشروع ميثاق مشترك كان من المفروض تقديمه للرأي العام، لكن ذلك لم يتحقق.

    من يتحمل المسؤولية؟

    الاتحاد الاشتراكي. ما زلت أحتفظ في منزلي بهذا المشروع من الميثاق، وهو وثيقة لم يقبل الاتحاديون أبدا الكشف عنها.

    وماذا عن باقي مكونات اليسار المغربي؟

    لقد بادرنا بخطوات في هذا الاتجاه منذ أكثر من ستة أشهر، لكن ذلك لم يسفر عن أي نتائج ملموسة. كنا نود أن نعمل يدا في يد من أجل أن يكون لنا وزن أكبر في المشهد السياسي الوطني، لكن ذلك لا يكفي. ما نحتاج إليه أيضا هو تصويت مكثف من طرف جميع الفئات المهمشة، بما في ذلك شباب جيل زد، للمساهمة في تغيير المعادلة ومنح نفس جديد لمشهدنا السياسي.

    للأسف، بعض مكونات اليسار مقتنعة بأنها لن تتمكن من الوصول إلى الحكومة إلا مقابل إصلاح دستوري. وهو موقف إيديولوجي أحترمه. ومع ذلك، لا أفقد الأمل، وسأواصل العمل من أجل أن نجد، جميعا، أرضية مشتركة خلال السنوات المقبلة. وفي نهاية المطاف، وبالنظر إلى علاقاتنا مع عدة قوى سياسية، سنحسم بعد الانتخابات: المشاركة في الحكومة أو البقاء في المعارضة.

    هل ستترشحون للانتخابات؟

    أعتقد أنني لن أترشح. هذا ليس إشكالا شخصيا بالنسبة إلي. أنا أحاول حاليا أن أؤدي مهامي كأمين عام للحزب على أفضل وجه، وأقول إنه بعد ذلك سأغادر. سأكرس كل جهودي لقيادة الحملة الانتخابية لحزبي من خلال التنقل بين مختلف الدوائر الانتخابية في البلاد. ومرة أخرى، يبقى همي الأساسي هو إقناع الناخبين، من مختلف الفئات الاجتماعية، وخاصة الشباب، بالتصويت لحزبي. سنعمل رفقة باقي الرفاق، نساء ورجالا، على أن تفرض تشكيلتنا نفسها في المدن الكبرى. كما سنبرز شخصيات تحظى بالتعاطف مع حزب التقدم والاشتراكية، من بينهم بعض الفنانين.

    فنانون أم مؤثرون؟

    لم أتحدث عن المؤثرين! لدينا 92 دائرة انتخابية، وفي كل واحدة منها توجد انتظارات، بل وحتى مساءلة مطلوبة. نحن نبحث عن حضور فعلي للنساء والشباب، وعن منتخبين نزهاء، وليس عن مرشحين فاسدين مدينين بمقاعدهم لشراء الأصوات. ومن أجل إعادة الثقة للمواطنين الذين أصيبوا بالنفور من السياسة، سنحاول أن نظهر لهم أننا هنا من أجل القطيعة مع ما كان سائدا دائما: الفساد، تضارب المصالح، وأبطال القطاع غير المهيكل… نحن نلتزم بتقديم مرشحين قادرين على إعادة الاعتبار للعمل السياسي.
    ولا ينبغي أن ننسى، وهذا جزء من مهمتكم كصحافيين في التذكير به، أن 20 مليون مغربي لا يصوتون (18 مليونا سنة 2016، وحوالي 17 مليونا في 2021 في الواقع)، وأن 10 ملايين غير مسجلين في اللوائح الانتخابية. هؤلاء المواطنون هم من ننتظر منهم صحوة. الناس لم تعد تثق لأن السياسة تم تحريفها. المواطنون ينظرون نظرة قاسية إلى الأحزاب السياسية، وهناك فقدان للثقة في العمل الحكومي. هذا يشكل ضربة قاضية لديمقراطية البلد، خاصة وأننا نستعد لتنزيل مخطط الحكم الذاتي للصحراء. ماذا سيحدث آنذاك؟

    في أي اتجاه؟ وضحوا أكثر.

    أقصد أنه إذا لم تكن لدينا أحزاب سياسية قادرة على التعبئة والتأطير، فإننا سنواجه صعوبات كبيرة. أتحدث طبعا عن تأطير مواطناتنا ومواطنينا الذين سيتمكنون من مغادرة مخيمات تندوف للعودة إلى وطنهم. اليوم، المجتمع الدولي، في أغلبيته الساحقة، غير موقفه. وحتى الذين لا يدعمون بشكل واضح ومباشر ونهائي سيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، فإنهم على الأقل يصطفون وراء حل الحكم الذاتي.

    صحيح أن ما يحدث حاليا في منطقة الشرق الأوسط قد يؤخر قليلا تطور الأمور بخصوص الصحراء. ومع ذلك، يجب أن نحافظ على المسار وأن نقطع مع حكومة لا تؤمن بالديمقراطية وبفضائلها. وكباقي الأحزاب السياسية، كنا قد تقدمنا في هذا الاتجاه بمذكرة إلى جلالة الملك.

    اليوم، نحن بحاجة إلى أحزاب قوية قادرة على التعبئة. كما أننا بحاجة إلى نخب جديدة، وإلى القطيعة، خاصة مع ثقافة الريع. ومرة أخرى، نحن بحاجة إلى القطع مع ما كان سائداً منذ زمن طويل، ومع هذه الحكومة التي أظهرت ضعفها على جميع المستويات. إنها حكومة لا تؤمن ببساطة بالديمقراطية وغير قادرة على تغيير أي شيء.

    إن تقوية الجبهة الداخلية تحتاج إلى أحزاب قادرة على مواجهة كل محاولات تحريف خيار الحكم الذاتي لأغراض انفصالية، كما رأينا في دول أخرى (مثل إسبانيا مع كتالونيا) التي اختارت هذا النمط من الحكم. الشعب والمواطنون بحاجة إلى إعادة تعبئة، وعلى الأحزاب أن تقوم بدورها، ويجب أن تكون الجهوية فعلية وليس فقط على الورق. كما يجب الحفاظ على الحريات في كل مكان وللجميع. لقد عاش المغرب مرحلة مميزة مع بداية عهد جلالة الملك محمد السادس، حيث عرف بلدنا تقدما كبيرا على جميع المستويات، وهذا هو النفس والزخم الذي ينبغي إحياؤه من جديد.

    لكن لماذا تتحدثون بصيغة الماضي؟

    من أجل البقاء في الحاضر والمستقبل، أدعو إلى نفس ديمقراطي جديد، وإلى نخب جديدة، وهذا ليس بالضرورة مرتبطا بملف الصحراء.

    الأحزاب المكونة للأغلبية الحالية كلها تريد تشكيل ما تسميه « حكومة المونديال ». هل أنتم في نفس التوجه؟

    هناك مثل شعبي عندنا يقول: « لي كيحسب بوحدو كيشيط ليه »! على الأحزاب أن تنصت أكثر لنبض الشارع. إذا اختار المغاربة سلوك طريق صناديق الاقتراع، أؤكد لك أنه ستكون هناك مفاجآت. وإلا، سنظل دائما ضحايا للفساد، وسيزداد فقط اتساع الفجوة بين المواطنين والطبقة السياسية. يجب إقناع الشباب والنساء وسكان المناطق المهمشة بأن هناك بديلا. هذا البديل، التقدمي والديمقراطي والإصلاحي، يحمله حزب التقدم والاشتراكية إلى جانب كل من يتقاسم نفس القيم والطموحات من أجل بلدنا.

    إعداد: خديجة القدوري

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. الهزيتي يتحدث لـ »تيلكيل عربي » عن رهانات الجيل الجديد من برامج التنمية

    صادق المجلس الوزاري، الخميس الماضي بالقصر الملكي بالرباط، على مشروع قانون تنظيمي يتعلق بالجهات، يروم تعزيز الجهوية المتقدمة عبر تقوية اختصاصات الجهات ومواردها المالية، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع، إلى جانب مشروع قانون تنظيمي آخر يهم التعيين في المناصب العليا، شمل إضافة مؤسسات ومناصب جديدة ضمن لائحة التعيينات المتداولة.

    كما قدم وزير الداخلية عرضا حول الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تقوم على مقاربة تشاركية تنطلق من الحاجيات المحلية للمواطنين، بغلاف مالي إجمالي يناهز 210 مليارات درهم موزعة على مدى ثماني سنوات، وذلك خلال المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس.

    في هذا السياق، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع محمد أنوار الهزيتي، الخبير في التنمية الترابية وإصلاح الإدارة، كشف خلاله أن « الجيل الجديد » من برامج التنمية الترابية المندمجة يمثل خطوة مهمة نحو تحديث مقاربة تدبير التنمية المحلية، غير أنه لا يمكن اعتباره قطيعة كاملة مع المقاربات السابقة، بقدر ما هو تطور تدريجي يستحضر محدودية المنظومة الحالية وضرورة إصلاحها بشكل متكامل لضمان الانتقال من منطق التشخيص والتتبع إلى منطق تسريع الإنجاز وتحقيق الأثر.

    إلى أي حد يمكن أن يشكل هذا « الجيل الجديد » من برامج التنمية الترابية المندمجة قطيعة مع المقاربات السابقة في تدبير التنمية المحلية؟

    لفهم طبيعة هذه القطيعة، ينبغي استحضار المسار التاريخي للسياسات الترابية في المغرب، خاصة منذ اعتماد اللاتمركز الإداري ومروراً بإرساء الجهوية المتقدمة بموجب دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية لسنة 2015.

    المقاربات السابقة كانت تتسم بثلاث سمات بنيوية: هيمنة المقاربة القطاعية، حيث كانت كل وزارة تشتغل بمنطق عمودي دون تنسيق فعلي مع باقي القطاعات، ومركزية القرار رغم وجود برامج ترابية، إذ ظلت سلطة البرمجة والتحكيم المالي متمركزة، ثم ضعف الالتقائية مما أدى إلى تكرار المشاريع أو غياب تكاملها داخل نفس المجال الترابي.

    أما الجيل الجديد فيسعى إلى تجاوز هذه الاختلالات عبر ثلاث تحولات رئيسية: الانتقال من منطق البرامج إلى منطق المشاريع الترابية المندمجة، حيث يتم تجميع تدخلات متعددة ضمن رؤية موحدة، واعتماد التخطيط المبني على النتائج بدل منطق الوسائل، ثم تعزيز دور الجهة كفاعل استراتيجي في التنسيق والقيادة، انسجاما مع مبدأ التدبير الحر.

    ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن قطيعة إبستمولوجية كاملة، لأن البنيات الإدارية والثقافة التنظيمية ما تزال تحمل إرث المقاربة المركزية، لذلك نحن أمام قطيعة تدريجية مشروطة بمدى تنزيل إصلاح اللاتمركز الإداري بشكل فعلي، خاصة عبر نقل السلط والموارد إلى المستوى الترابي.

    كيف تقيمون اعتماد مقاربة تشاركية مبنية على تشخيص ميداني شامل يشمل التشغيل والصحة والتعليم والماء؟ وهل هي كافية لضمان نجاعة السياسات العمومية؟

    هذه المقاربة تعكس تبني ما يعرف في الأدبيات الحديثة بالتخطيط الترابي التشاركي، وهو توجه يتقاطع مع توصيات مؤسسات دولية كالبنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، التي تؤكد على ضرورة « إقليمية السياسات العمومية ».

    في السياق المغربي، تتجلى أهمية هذه المقاربة في تصحيح اختلالات الاستهداف، إذ أن العديد من البرامج السابقة عانت من ضعف دقة المعطيات الترابية، خاصة في مجالات كالهشاشة الاجتماعية أو البطالة المحلية، إضافة إلى إدماج البعد متعدد الأبعاد للفقر عبر الجمع بين مؤشرات التعليم والصحة والبنيات الأساسية، وهو ما يتقاطع مع مقاربات المندوبية السامية للتخطيط، ثم تعزيز الشرعية الديمقراطية المحلية من خلال إشراك الفاعلين المحليين (منتخبين، مجتمع مدني، فاعلين اقتصاديين).

    غير أن الإشكال يكمن في أن التشخيص، مهما كان دقيقا، لا يضمن لوحده النجاعة، فهناك ثلاثة محددات حاسمة: القدرة المؤسساتية التي تعاني فيها العديد من الجماعات الترابية من ضعف التأطير التقني والهندسي، وإشكالية التنسيق متعدد المستويات بين الدولة والجهات والجماعات، ثم استدامة التمويل في ظل محدودية الموارد الذاتية للجماعات واعتمادها الكبير على تحويلات الدولة، لذا فإن المقاربة التشاركية تمثل مدخلا ضروريا لكنها تحتاج إلى هندسة تنفيذية قوية لضمان التحول من التشخيص إلى الأثر الفعلي.

    ما دلالة إحداث شركات مساهمة جهوية لتعويض وكالات تنفيذ المشاريع؟ وهل يشكل ذلك فعلاً رافعة لتحسين الحكامة أم يطرح مخاطر جديدة في التدبير؟

    هذا التحول يندرج ضمن تحديث الإدارة المحلية، الذي يسعى إلى استلهام أدوات القطاع الخاص لتحسين نجاعة المرفق العمومي، حيث تُعتبر شركات المساهمة الجهوية آلية هجينة تجمع بين الطابع العمومي والمرونة التدبيرية الخاصة.

    في الحالة المغربية، تتعدد دوافع هذا الاختيار، من بينها تجاوز بطء مساطر الصفقات العمومية، وتحسين جاذبية الهياكل التنفيذية للكفاءات التقنية، إضافة إلى تسريع وتيرة الإنجاز، خاصة في المشاريع المهيكلة. ومن حيث الإمكانات، يمكن لهذه الشركات أن تحقق مرونة مالية وتدبيرية أكبر، وتقليص آجال الإنجاز عبر تبسيط مساطر التعاقد، إلى جانب تحسين حكامة المشاريع عبر اعتماد مؤشرات أداء واضحة.

    وفي المقابل، يطرح هذا النموذج مجموعة من التحديات البنيوية، أبرزها إشكالية المساءلة، إذ قد تصبح هذه الشركات خارج الرقابة التقليدية للمجالس المنتخبة إذا لم يتم تأطيرها جيدا، فضلا عن مخاطر الخوصصة المقنعة خاصة إذا تم تفويض مهام ذات طابع اجتماعي لمنطق ربحي، إضافة إلى تضارب المصالح وإشكالات الشفافية في الصفقات. وبالتالي، فإن نجاح هذا النموذج يقتضي إرساء حكامة تعاقدية عبر عقود برامج دقيقة، وربط التمويل بالأداء، وتعزيز دور أجهزة الرقابة كالمجلس الأعلى للحسابات.

    كيف يمكن تقييم ربط هذه البرامج بالتدقيق السنوي والمنصة الرقمية للشفافية في ظل التحدي المزمن المرتبط ببطء تنفيذ المشاريع العمومية؟

    هذا التوجه يعكس إدماج أدوات الحكامة الرقمية والتدقيق المبني على المخاطر في تدبير البرامج العمومية. ومن الناحية النظرية، فإن الجمع بين التدقيق السنوي والمنصات الرقمية يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز الشفافية عبر إتاحة المعطيات للعموم بشكل مفتوح، وتحسين التتبع اللحظي بما يسمح بالتدخل المبكر لتصحيح الاختلالات، ثم ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

    في السياق المغربي، تتقاطع هذه الآليات مع أوراش كبرى مثل التحول الرقمي للإدارة وتبسيط المساطر. غير أن الإشكال العميق لا يزال مرتبطا بما يمكن تسميته « عنق الزجاجة التنفيذي »، والذي يتجلى في تعقيد مساطر نزع الملكية والعقار، وبطء مساطر الصفقات العمومية رغم الإصلاحات، إضافة إلى ضعف التنسيق بين المتدخلين ومحدودية القدرات التقنية على المستوى المحلي.

    وبالتالي، فإن المنصة الرقمية والتدقيق يمكن أن يحسنا الشفافية، لكنهما لا يعالجان بالضرورة جذور البطء. لذلك، يقتضي الأمر مقاربة شمولية تشمل تبسيط الإطار القانوني للمشاريع العمومية، وتعزيز اللاتمركز الفعلي للقرار الإداري، وتأهيل الموارد البشرية الترابية، واعتماد آليات للتدبير السريع للمشاريع الاستراتيجية.

    الخلاصة أن هذه الأدوات تمثل تقدما مهما في اتجاه تحديث الحكامة، لكنها تظل جزءا من منظومة أوسع ينبغي إصلاحها بشكل متكامل لضمان الانتقال من منطق « تتبع التعثر » إلى منطق تسريع الإنجاز وتحقيق الأثر.

     

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مالكي: موقف الهند إيجابي من الصحراء .. والمبادلات فوق 4 ملايير دولار


    حاوره: توفيق بوفرتيح

    أكد محمد مالكي، السفير المغربي بدولة الهند والسفير غير المقيم لدى كل من جمهورية المالديف، ومملكة بوتان، وجمهورية سريلانكا الديمقراطية الاشتراكية، ونيبال، أن المغرب، بفضل رؤية قيادته، اختار نهج الانفتاح الذكي على القوى الصاعدة، وفي مقدمتها الهند، بما ينسجم مع سعيه إلى تعزيز موقعه كفاعل إقليمي وازن وشريك موثوق على الساحة الدولية.

    وأشار الدبلوماسي المغربي ذاته، ومؤلف كتاب “ماذا لو… لم لا؟”، في الحوار الذي أجرته معه هسبريس الأسبوع الماضي، إلى أن العلاقات المغربية-الهندية عرفت خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية، انتقلت بها من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل مجالات الاقتصاد، والتكنولوجيا، والدفاع، والطاقة، مبرزا أن هذه الدينامية كانت نتيجة إرادة سياسية قوية وتراكمات إيجابية عززتها زيارات رفيعة المستوى واتفاقيات نوعية أسست لمرحلة جديدة أكثر عمقاً وتكاملاً بين البلدين.

    ووصف مالكي موقف نيودلهي من قضية الوحدة الترابية للمملكة بـ”الإيجابي”، مبرزا أن آفاق التعاون بين الرباط ونيودلهي تظل واعدة، بالنظر إلى ما يتوفر عليه البلدان من مؤهلات متكاملة، إذ تمثل الهند قوة تكنولوجية وصناعية صاعدة، فيما يوفر المغرب بيئة استثمارية جاذبة وموقعاً إستراتيجياً يربط بين إفريقيا وأوروبا.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    نص الحوار:

    في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم، كيف يرى المغرب دور الهند كشريك إستراتيجي، وما هي المجالات التي تعتبرها الرباط حيوية لتعزيز هذه الشراكة؟.

    في سياق التحولات التي عرفها العالم منذ بداية الألفية الثالثة، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، انتهج المغرب سياسة تنويع شراكاته الدولية بما يخدم مصالحه الإستراتيجية. لذا برزت الهند كشريك مهم، بالنظر إلى العلاقات الجيدة التي تجمع البلدين وإلى الإمكانات الكبيرة التي يتوفران عليها؛ فالمغرب يلعب دوراً أساسياً في تزويد الهند بالأسمدة ومكوناتها، ما يساهم في دعم الأمن الغذائي الهندي، كما يشكل، بفضل موقعه الجغرافي وحضوره الاقتصادي المتنامي في إفريقيا، شريكاً مهماً لها في انفتاحها على أسواق القارة، خاصة غرب ووسط إفريقيا.

    وترتكز العلاقات المغربية-الهندية اليوم على عدة محاور رئيسية، من بينها التعاون الاقتصادي والتعاون السياسي والتعاون الثقافي، إضافة إلى التنسيق داخل المؤسسات متعددة الأطراف. كما كثف البلدان تواصلهما الدبلوماسي من خلال تبادل الزيارات الرسمية وتوقيع العديد من الاتفاقيات في مجالات متنوعة. ولم تعد هذه الاتفاقيات تقتصر على المجالات التجارية التقليدية، بل شملت أيضاً التعليم والطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والتعاون التقني، ما ساهم في تحويل العلاقة تدريجياً إلى شراكة أكثر عمقاً ودينامية.

    توليتم منصب سفير صاحب الجلالة في الهند لقرابة عقد من الزمن، كيف يمكن أن تصفوا لنا تطورات مضامين الشراكة والتعاون بين البلدين منذ الزيارة الملكية إلى الهند عام 2015؟.

    أعتبر نفسي محظوظاً جداً، إذ حظيت بشرف استقبال صاحب الجلالة الملك حفظه الله، وتعييني سفيراً لجلالته لدى جمهورية الهند في أكتوبر 2016، إلى جانب اعتمادي كسفير غير مقيم لدى أربع دول أخرى هي: جمهورية المالديف، ومملكة بوتان، وجمهورية سريلانكا الديمقراطية الاشتراكية، ونيبال. وقد جاء هذا التعيين في ظرفية خاصة، إذ لم تكن مرت على الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة الملك إلى الهند أكثر من سنة، وذلك للمشاركة في أشغال القمة الثالثة لمنتدى الهند–إفريقيا في أكتوبر 2015. وتكمن أهمية هذه المحطة في أن قائدي البلدين، جلالة الملك ورئيس الوزراء الهندي، التقيا على هامش هذه القمة، وقررا الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة إستراتيجية، بعد أن راكمت هذه العلاقات زخماً مهماً على مختلف الأصعدة.

    وإثر هذا القرار كان لزاماً على حكومتي البلدين، إلى جانب التمثيليتين الدبلوماسيتين في كل من الرباط ونيودلهي، العمل على وضع اللبنات الأساسية لهذه الشراكة الإستراتيجية، بما يليق بطموحات البلدين، وخاصة في مجالات التعاون ذات الطابع الإستراتيجي، مثل محاربة الإرهاب، والتعاون العسكري، والتعاون في قطاع الفضاء، إضافة إلى مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار.

    ومنذ ذلك الحين عمل البلدان في إطار هذه الشراكة، إلى أن بلغت العلاقات الثنائية هذا المستوى الإستراتيجي والمتقدم من الزخم والتنوع. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الهند أصبحت في صلب التوجه الذي أرساه صاحب الجلالة حفظه الله خلال العقد الثاني من حكمه، في ما يتعلق بالسياسة الخارجية للمملكة، والقائم على تنويع الشركاء والانفتاح على الدول الصاعدة ذات الوزن الجهوي والدولي، مع تطوير العلاقات والمكتسبات المحققة في علاقاته التقليدية. وقد منح هذا التوجه للعلاقات المغربية الهندية بعداً إستراتيجياً واضحاً، يسعى قائدا البلدين إلى تعزيزه بما يخدم مصالح البلدين الصديقين ويتماشى مع طموحاتهما المشتركة.

    ويمكن القول، بكل ثقة، إن العلاقات بين البلدين بلغت مستوى متميزا، وتشهد على ذلك عدد الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، فضلاً عن تطور المبادلات التجارية، التي انتقلت من معدل سنوي يقارب ملياراً ونصف المليار دولار إلى ما يفوق أربعة مليارات دولار.

    أما في ما يخص حضور الشركات الهندية في المغرب فقد ارتفع عددها من 13 شركة قبل الزيارة الملكية إلى ما يزيد عن 45 شركة تشتغل بصفة مباشرة في المغرب، إضافة إلى حوالي 200 شركة بصفة غير مباشرة، وهو ما يساهم في خلق فرص الشغل وتعزيز الاستثمار بالمملكة.

    ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، اعتبار هذه النتائج ثمرة عمل شخص واحد أو مجموعة محدودة من الأشخاص، بل هي نتاج إرادة سياسية على أعلى مستوى، وعمل متواصل لحكومتي البلدين، إلى جانب توفر إطار قانوني ملائم ومناخ استثماري متطور بالمغرب، الذي أصبح يحظى باهتمام متزايد من قبل المستثمرين الهنود. ومن هذا المنطلق أعتبر أن دور السفارة يندرج ضمن منظومة متكاملة من المؤسسات التي تعمل، كل من موقعها، على تنفيذ السياسة الحكيمة لصاحب الجلالة نصره الله، وتعزيز حضور وإشعاع المملكة في الخارج وتقوية علاقاتها الإستراتيجية على الصعيد الدولي.

    … يعني أن العلاقات تطورت كثيرا مقارنة بما كانت عليه في العقود الماضية؟

    تعود العلاقات المغربية-الهندية إلى قرون مضت، لكن علاقاتهما الدبلوماسية انطلقت سنة 1957، أي بعد فترة قصيرة من حصول المغرب على استقلاله. وعلى مدى عقود طويلة ظلت هذه العلاقات ودية ومستقرة، لكنها بقيت محدودة نسبياً من حيث العمق والتنوع؛ فقد حافظ البلدان على علاقات دبلوماسية جيدة وتعاونا أساساً داخل الأطر متعددة الأطراف، مثل حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة، وكانت العلاقة بينهما تقوم في الغالب على حسن النية السياسية أكثر من كونها شراكة متطورة أو إستراتيجية.

    إلا أنه إثر اعتراف نيودلهي بالكيان الوهمي في أكتوبر 1985 بإيعاز من بعض الدول المعادية للوحدة الترابية للمغرب خفضت المملكة مستوى التمثيل في دلهي وأصبحت العلاقات الثنائية شبه متوقفة. وبعد أول زيارة إلى المغرب قام بها رئيس الوزراء الهندي الأسبق أتال بيهاري فاجبايي في فبراير 1999، حيث أجرى مباحثات مطوّلة في الرباط مع المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، تناولت عدة مواضيع ذات اهتمام مشترك، وتركّزت على مستقبل وآفاق التعاون بين البلدين، رفع المغرب مستوى التمثيل إلى مستوى السفراء؛ وأعقبت هذه الزيارةَ زيارةُ نظيره المغربي إلى الهند في فبراير 2000، الوزير الأول الراحل السيد عبد الرحمن اليوسفي. وترتب على هذا التبادل للزيارات رفيعة المستوى سحب الهند اعترافها بالجمهورية الوهمية في 26 يونيو 2000، وإعلانها دعم جهود الأمم المتحدة بشأن قضية الصحراء المغربية.

    وفي سياق هذه الدينامية عرفت هذه العلاقات منعطفاً مهماً من بعد الزيارتين الملكيتين سنتي 2001 و2015، إذ شكلتا محطتين مفصليتين أعطتا دفعة جديدة للعلاقات الثنائية وأسستا لمرحلة أكثر دينامية، ما ساهم في إعطاء نفس جديد للعلاقات بين البلدين وتشجيع توسيع مجالات التعاون بينهما، بحيث شهدت العلاقات الثنائية زخماً متزايداً، تجلى في تكثيف الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، التي تجاوزت ثلاثين زيارة على المستوى الوزاري، إضافة إلى تعزيز التعاون العسكري بين البلدين.

    في موضوع التبادل التجاري بين المغرب والهند كيف يمكن الرقي به ليعكس فعلا طبيعة الشراكة التي تريد القيادة في كلا البلدين ترسيخها؟.

    عرفت التجارة الثنائية بين المغرب والهند نمواً مهماً، خاصة في السنوات الأخيرة، إذ صارت المبادلات التجارية بعد سنة 2020 تراوح ملياري دولار سنويا، إلى أن حققت رقما قياسيا بما يفوق 4 مليارات دولار برسم سنة 2022. ومن المتوقع، حسب أول المعطيات المتوفرة أن يصل حجم المبادلات إلى حوالي 4.5 مليارات دولار برسم سنة 2025. وتعكس هذه الدينامية اشتغال البلدين على تنويع وعاء منتجات المبادلات التجارية وتعزيز دينامية العلاقات الاقتصادية وتطويرها. وتتشكل الصادرات المغربية للهند أساسا من الفوسفاط والحمض الفسفوري والأسمدة، وخردة الألمنيوم والنحاس والحديد والفولاذ والرصاص والزنك، وبعض الأجزاء الكهربائية والإلكترونية ومنتجات النسيج. أما في ما يخص صادرات الهند إلى المغرب فتتكون أساسا من بعض زيوت المحروقات والأجهزة الميكانيكية والإلكترونية والسيارات، والمنسوجات والأدوية ومنتجات كيميائية والقطن والتوابل والقهوة والأرز.

    كما أن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى، خاصة زيارة جلالة الملك نصره الله إلى الهند سنة 2015، كانت حاسمة في جعل العلاقات بين البلدين إستراتيجية على أكثر من صعيد. ومع ذلك هناك إمكانات هائلة لتطوير المبادلات الثنائية، وذلك من خلال تنويع القطاعات التجارية وتشجيع الاستثمارات، خاصة أن الفاعلين الاقتصاديين الهنود واعون بالمؤهلات اللوجستية للمغرب وبنيته التحتية، من موانئ ومطارات، التي تمكن المملكة من لعب دور منصة تسهل وتحفز التجارة والاستثمار في المغرب وعبر العالم.

    وفي هذا السياق يبرز اهتمام متزايد من طرف الفاعلين الاقتصاديين لكلا البلدين في تعزيز التعاون في مجالات واعدة مثل الطاقات المتجددة، والصناعات الدوائية، والتكنولوجيات الحديثة، والصناعة الغذائية. كما يشكل موقع المغرب الإستراتيجي كبوابة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية عاملاً جاذباً للمستثمرين الهنود الراغبين في توسيع حضورهم في هذه الأسواق. ومن شأن تعزيز الشراكات بين المقاولات، وتكثيف المنتديات الاقتصادية والبعثات التجارية، أن يفتح آفاقاً جديدة لتطوير المبادلات الاقتصادية وترسيخ شراكة أكثر توازناً واستدامة بين المغرب والهند.

    هل تعتقد أن هذا التقارب المغربي-الهندي ينسجم مع التحولات في النظام الدولي وصعود القوى الآسيوية؟.

    بالإضافة إلى ما ذكرته سابقا فإن المغرب يعتبر، في إطار سياسة تنويع الشراكات، أن الهند التي تعد من بين القوى الآسيوية الكبرى الصاعدة خيار طبيعي في إطار شراكة رابح-رابح. وتقارب المغرب والهند تمليه الظروف، والتحولات الجيوسياسية، وكذا مراعاة كل طرف ما يقدمه الآخر من فرص؛ فعلى سبيل المثال يرى المغرب في الهند العديد من الفرص في ميدان التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه تقدم المملكة للهند وشركاتها بوابة لولوج الأسواق الإفريقية.

    كما أن هذا التقارب لا يقتصر فقط على الجوانب الاقتصادية والتجارية، بل يمتد ليشمل مجالات إستراتيجية أخرى كالتعاون في الأمن الطاقي، والبحث العلمي، والابتكار. فالهند، بما راكمته من خبرة في مجالات الصناعات الدوائية والتكنولوجيا الرقمية، تمثل شريكاً مهماً يمكن أن يساهم في دعم التحول التنموي الذي يسعى إليه المغرب. وفي المقابل يوفر المغرب بيئة استثمارية مستقرة، وموقعاً جغرافياً متميزاً، وبنية تحتية متطورة، ما يعزز من جاذبيته كشريك موثوق للهند في المنطقة.

    ومن جهة أخرى ينسجم هذا التقارب مع التوجهات الكبرى للنظام الدولي الذي يشهد تعددية متزايدة في مراكز القوة، إذ لم تعد العلاقات الدولية حكراً على المحاور التقليدية. وفي هذا السياق يسعى المغرب إلى ترسيخ مكانته من خلال انفتاحه على مختلف الشركاء، مستفيداً من دينامية القوى الصاعدة مثل الهند، بما يتيح له تعزيز استقلالية قراره الإستراتيجي وتوسيع آفاق التعاون جنوب-جنوب؛ وهذا من شأنه أن يخدم مصالح بلادنا ويواكب التحولات العالمية.

    في ما يخص الوحدة الترابية، كيف ترى الموقف الهندي الحالي من هذا الملف؟.

    يعتبر المغرب الموقف الحالي للهند بخصوص القضية الوطنية إيجابيا، لكونه يحث على معالجة الموضوع في إطار أممي، ويكرس الحوار من أجل التوصل إلى حل سياسي. ويشتغل المغرب مع الهند للتوصل إلى موقف أكثر شجاعة وأهمية بالنسبة إليه، على ضوء ما نصت عليه القرارات الدولية، خاصة قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797، الذي يكرس مقترح الحكم الذاتي كإطار لحل هذا النزاع المفتعل.

    وللإشارة فإن المغرب والهند يتقاسمان مبادئ مهمة جدا نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: احترام سيادة والوحدة الترابية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وكذا مبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومبدأ تفضيل حل النزاعات والخلافات الدولية عن طريق الحوار. ومن الجدير بالذكر أيضا أن الهند تعتبر من المساهمين في تعزيز صفوف القبعات الزرقاء، في مهمة بعثة المينورسو لحفظ السلام.

    مؤخرا افتتحت شركة “تاتا” الهندية مصنعا لها نواحي برشيد، ما هي أهمية هذه الخطوة وكيف ترى الرباط نيودلهي كشريك لتطوير الصناعة العسكرية؟.

    يشكل قرار Tata Advanced Systems فتح وحدة صناعية ببرشيد خطوة مهمة تعكس ثقة المستثمر الهندي في مناخ الأعمال المغربي. هذه المبادرة لا تقتصر على بعدها الاقتصادي، بل تحمل أيضًا دلالة إستراتيجية في مجال الصناعات الدفاعية ونقل التكنولوجيا والبعد الإستراتيجي للعلاقات الثنائية، إذ يعتبر نجاح هذه التجربة ذا أهمية لكلا البلدين، على اعتبار أن هذه المنشأة تعتبر أول وحدة للصناعة العسكرية للهند خارج مجالها الترابي. فهذه إذن تجربة سخرت لها جميع الظروف المواتية ووسائل النجاح، لما ستحققه للهند من ثقة للاستثمار في هذا المجال في الخارج.

    لذلك كان اختيار المغرب لإقامة هذه المنشأة اﻷولى من طرف شركة “تاتا” بمثابة ضمان لنجاح هذه التجربة، ليس فقط للمجموعة الهندية، بل للهند بشكل عام. ولا يستبعد أن تؤدي هذه التجربة الاستثمارية في الصناعة الدفاعية إلى إقامة تجارب مماثلة بالمغرب؛ فبعد نجاحها أظهرت الكثير من الشركات الهندية رغبتها في الاستثمار في بلدنا في مجال الصناعة الدفاعية وقطاعات أخرى. وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركة “تاتا” الهندية مشهود لها بالنزاهة والعمل في شفافية، ما يعكس المستوى العالي لمناخ الأعمال بالمغرب.

    أما بالنسبة لبلادنا فتعتبر هذه التجربة محفزا لشركات من دول أخرى للاستثمار في هذا المجال الذي يوليه المغرب، تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك نصره الله، أهمية قصوى، وذلك لتحقيق سيادة وطنية في مجال الصناعة الدفاعية، ليس فقط لسد حاجيات القوات المسلحة الملكية من منتجات دفاعية، ولكن أيضا لاكتساب تكنولوجيا وتعزيز علامة “صنع بالمغرب”. كما وجب التذكير بأن منشأة “تاتا” للصناعات الدفاعية هي أول مصنع منتج في هذا المجال بالمغرب بهذا الحجم وبهذه الأهمية.

    أما بخصوص آفاق التعاون الدفاعي بين الرباط ونيودلهي فهي واعدة، في ظل تطور الصناعة الدفاعية الهندية ورغبة المغرب في تنويع شراكاته الإستراتيجية. وقد شكلت زيارة وزير الدفاع الهندي، راجنات سينغ، إلى المغرب السنة الماضية، وتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الدفاع، تجسيدا للآفاق الواعدة في هذا المجال. ويمكن تعزيز هذا التعاون في مجالات التصنيع المشترك، وتعزيز الدورات التكوينية، وتبادل الخبرات التقنية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.

    وفي أفق تعزيز التعاون في هذا المجال عمل الجانبان على تعيين ملحقين عسكريين بعاصمتي البلدين، إذ تم تعيين ملحق عسكري بسفارة المغرب بنيودلهي سنة 2022، كما قررت الهند تعيين ملحق عسكري بسفارتها بالرباط ابتداء من هذه السنة، وذلك رغبة منهما في الرقي بهذا التعاون الإستراتيجي، على اعتبار أن التعاون العسكري يعبر عن أسمى مستوى للثقة بين البلدين، وخاصة دولتين صديقتين منذ القدم كالمغرب والهند.

    الهند متقدمة أيضا في عدة مجالات منها في التكنولوجيا الرقمية والصناعات الدوائية، ما هي خطط المغرب للاستفادة من هذه الخبرات بشكل ملموس في مشاريعه الوطنية؟.

    يسعى المغرب إلى تعميق التعاون مع الهند في مجالات التحول الرقمي، الأمن السيبراني، الابتكار، وصناعة الأدوية واللقاحات. ويمكن الاستفادة من التجربة الهندية عبر نقل التكنولوجيا وإنشاء مراكز بحث وتطوير مشتركة، وشركات لترحيل الخدمات، وتشجيع استقرار المزيد من الشركات الهندية بالمغرب لإنتاج موجه للسوق المحلية والإفريقية والدولية. وفي قطاع الصناعات الدوائية يشكل تعزيز الإنتاج المحلي للأدوية والمواد الفعالة أولوية إستراتيجية للمملكة، فيما يمكن للخبرة الهندية أن تساهم في دعم السيادة الصحية في البلاد، خاصة في ظل التحولات العالمية والخلل في سلاسل التوريد، علما أن الاستثمار الهندي يمكن من نقل التكنولوجيا وتكوين الموارد البشرية في إطار منطق رابح-رابح.

    تجدر الإشارة هنا إلى أن المغرب تعاون مع الهند لبلورة السجل الاجتماعي الموحد (RSU) ببلدنا، الذي سيمكن من إدارة عقلانية للموارد لتوجيه الدعم الاجتماعي إلى الأسر المعوزة. ويأتي هذا التعاون في إطار شراكة تقنية ومؤسساتية بين وزارة الداخلية المغربية وعدد من المؤسسات الهندية المتخصصة في الحكامة الرقمية، بدعم من البنك الدولي، بهدف الاستفادة من التجربة الهندية في مجال الأنظمة الرقمية لتحديد المستفيدين من البرامج الاجتماعية.

    ويقوم هذا النظام على ركيزتين أساسيتين هما السجل الوطني للسكان (RNP) والسجل الاجتماعي الموحد (RSU)، بحيث يتم تسجيل الأفراد أولاً في قاعدة بيانات وطنية تمنح لكل مواطن رقماً مدنياً واجتماعياً فريداً يسمح بربط مختلف قواعد البيانات الحكومية، وبعد ذلك يتم تقييم الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للأسر المسجلة عبر مؤشر اجتماعي-اقتصادي يعتمد على عدة معايير، مثل الدخل، ظروف السكن وعدد أفراد الأسرة، وذلك بهدف تحديد الفئات الأكثر هشاشة واستهدافها بدقة في برامج الدعم العمومي. ومن المنتظر أن يساهم هذا النظام في تحسين فعالية السياسات الاجتماعية بالمغرب من خلال تقليص أخطاء الاستهداف والحد من الهدر في الموارد العمومية، إضافة إلى تعزيز العدالة الاجتماعية عبر توجيه الدعم مباشرة إلى الفئات التي تستحقه.

    ويمكن للمغرب الاستفادة كذلك من تجربة الهند في مجال الأداء عبر الهاتف من خلال نظام المدفوعات الموحد Unified Payments Interface (UPI) الذي تمكنت من خلاله البلاد من تغيير منظومات الدفع بشكل جذري، إذ يكون كل هاتف ذكي بمثابة بنك صغير متنقل يسمح بإجراء تحويلات مالية فورية بين الحسابات البنكية على مدار الساعة. وأُطلق هذا النظام سنة 2016 من طرف المؤسسة الوطنية للمدفوعات في الهند (NPCI)، وأصبح خلال سنوات قليلة العمود الفقري لمنظومة الأداء الرقمي في البلاد.

    ففي السنوات الأخيرة تجاوز عدد العمليات المنجزة عبر UPI مئات المليارات سنوياً بقيمة مالية هائلة، وأصبح يمثل النسبة الأكبر من المدفوعات الرقمية في الهند. ويستعمل هذا النظام مئات الملايين من المستخدمين ويعالج يومياً ملايين العمليات المالية، ما ساهم بشكل كبير في تقليص الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز الشمول المالي، خاصة لدى الفئات التي لم تكن تتوفر على خدمات بنكية تقليدية. كما يتميز النظام بسهولة استعماله، إذ يمكن الدفع أو تحويل الأموال في ثوانٍ عبر مسح رمز QR أو باستعمال رقم الهاتف فقط، وهو ما جعل التجربة الهندية نموذجاً عالمياً في مجال الابتكار المالي والتحول نحو الاقتصاد الرقمي. ومن شأن هذا النظام كذلك أن يؤطر بشكل أحسن الاقتصاد غير المنتظم، الذي تصل قيمته في بلادنا إلى أكثر من 30 في المائة من الدخل العام.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مسؤول مالي لـ”العمق”: الاعتراف بمغربية الصحراء يمهد لتصحيح تاريخي وسحب “الكيان” من الاتحاد الإفريقي

    عبد المالك أهلال

    كشف الدكتور يوسف ز. كوليبالي، رئيس لجنة الإدارة الترابية واللامركزية والشؤون الدينية والمصالحة الوطنية بالمجلس الوطني الانتقالي في مالي، أن قرار حكومة بلاده سحب الاعتراف بـ”الجمهورية الصحراوية” يمثل تحولا باراديغميا ومنعطفا حاسما في علاقات باماكو مع المملكة المغربية، واصفا إياه بضبط جيوسياسي استراتيجي يخدم المصالح العليا المشتركة.

    وأوضح كوليبالي في حوار خص به جريدة “العمق”، أن هذا الموقف ليس مجرد إجراء سياسي عابر، بل هو تجسيد لإرادة سياسية تهدف إلى إعادة تموضع مالي ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب، وتعزيز آفاق التعاون البنيوي مع المغرب في المجالات الأمنية والاقتصادية والأكاديمية.

    واعتبر المسؤول المالي أن القرار يوجه رسالة إقليمية وازنة لدول منطقة الساحل وغرب إفريقيا حول ضرورة تبني الواقعية السياسية، كما يرسخ حضورا دوليا فاعلا لمالي كطرف ذي مصداقية في النقاشات الإفريقية والأممية المتعلقة بنزاعات السيادة.

    وأكد المصدر ذاته أن الخطوة المالية تنضوي تحت منطق احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتصون الشرعية الدولية ومبادئ الوحدة الوطنية والترابية، مرجحة كفة استقرار الدول القائمة على فتح الباب أمام كيانات جديدة، وهو ما يساهم في تجريد “المطالب الانفصالية” من شرعيتها.

    وأشار إلى أن انضمام مالي إلى الإجماع الدولي المتنامي الذي يصف المقترح المغربي للحكم الذاتي بـ”الجدي وذي المصداقية”، يؤثر على القوة الإثباتية للمخطط كحل سياسي وحيد وتوافقي، معتبرا أن المبادرة المغربية ينظر إليها تدريجيا كـ”قانون خاص” يحل محل القاعدة العامة المتمثلة في تقرير المصير عبر الاستفتاء الذي تجاوزه الزمن.

    وشدد على أن إنهاء الغموض الدبلوماسي يسهم في تبلور جبهة موحدة ضد انعدام الأمن والتهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب والتهريب، لافتا إلى أن الاعتراف بالسيادة المغربية يعد “شرطا جوهريا لا غنى عنه” لبقاء واستمرارية أمن دول المنطقة عبر إزالة التباينات التي تعيق التعاون الأمني الفعال.

    وأضاف كوليبالي أن الموقف المالي الجديد يسلط الضوء على ضرورة إخراج سكان مخيمات تيندوف من وضعية “الفراغ القانوني”، والمطالبة بإحصائهم تحت إشراف دولي لضمان كرامتهم وحقوقهم الأساسية، مرجحا أن تفتح هذه الديناميكية الباب أمام عملية “تصحيح تاريخي” داخل الاتحاد الإفريقي لمعالجة ما وصفه بـ”شذوذ قانوني” عبر السحب النهائي لكيان غير دولتي من هياكله.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا:

    كيف تحللون قرار باماكو في ضوء المبادئ الجوهرية للقانون الدولي العام، لاسيما مبدأي الوحدة الوطنية والوحدة الترابية؟ وإلى أي مدى يساهم هذا التنصل من الأطروحة الانفصالية من قبل دولة محورية في منطقة الساحل في إضعاف عقيدة “قدسية الحدود” كما يؤولها دعاة النزعات الانفصالية؟

    إن الإجابة على هذا التساؤل تحيلنا مباشرة إلى المبادئ التأسيسية للقانون الدولي العام (السيادة الوستفالية والمطالب الانفصالية). إن قرار مالي ينضوي تحت منطق احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما يترجم إرادة سياسية لتعزيز سلطة الدول المعترف بها، تماشيا مع المبدأ القائل بأن السلم الدولي يرتكز على كيانات ترابية مستقرة وغير متنازع عليها قانونيا.

    ويكرس القانون الدولي الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار مبدأ الحيازة القانونية، وبسحب بماكو اعترافها بالبوليساريو، فإنها تعيد التأكيد ضمنا على هذا المبدأ، مرجحة كفة استقرار الدول القائمة على فتح الباب لكيانات جديدة.

    ومن خلال فك الارتباط مع الأطروحة الانفصالية، تساهم مالي في تجريد المطالب الانفصالية من شرعيتها، وهي المطالب التي تستند إلى قراءة موسعة لحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا يقلص من حجة النزعات الاستردادية التي تطعن في الحدود الموروثة.

    وعليه، يمكن القول دون مواربة إن مالي من خلال هذه الخطوة، تصون الشرعية الدولية والسيادة الوستفالية، ومبادئ الوحدة الوطنية والترابية، وعقيدة عدم المساس بالحدود، كما تعزز هذه الخطوة نهج الواقعية الدبلوماسية، إذ يجسد الموقف المالي توجها إفريقيا متزايدا يمنح الأولوية للحلول السياسية الواقعية (الحكم الذاتي، الفيدرالية، التكامل الإقليمي) بدلا من خيار الاستقلال الراديكالي الذي غالبا ما يولد عدم الاستقرار.

    وبوصفها دولة محورية في الساحل، تبعث مالي برسالة معيارية قوية مفادها أن الاستقرار الإقليمي يسمو على المطالب الهوياتية المجزأة، وهو ما قد يؤثر على دول أخرى تواجه حركات انفصالية داخلية أو عابرة للحدود.

     تنضم مالي اليوم إلى إجماع دولي متنام يصف المقترح المغربي بأنه “جدي وذو مصداقية”. وفقا لتحليلكم الأكاديمي، كيف يؤثر هذا الدعم على القوة الإثباتية لمخطط الحكم الذاتي كحل سياسي وحيد وتوافقي في مواجهة مأزق الاستفتاء الذي تجاوزه ممارسات مجلس الأمن؟

    إن تساؤلكم حول أولوية مخطط الحكم الذاتي المغربي باعتباره “قانونا خاصا” (lex specialis) يعد جوهريا لفهم الديناميكية المعيارية الراهنة. في القانون الدولي، يشير مصطلح lex specialis إلى قاعدة خاصة تحظى بالأولوية على القاعدة العامة. وهنا، ينظر إلى المبادرة المغربية تدريجيا كحل محدد ومصمم خصيصا لحالة الصحراء، ليحل محل القاعدة العامة المتمثلة في تقرير المصير عبر الاستفتاء.

    وقد أكد القرار الأممي رقم 2797 لعام 2025 هذا التوجه بوصفه مخطط الحكم الذاتي المغربي بـ “الجدي وذي المصداقية”، واضعا بذلك حدا لمأزق الاستفتاء. إن المؤسساتية التدريجية لمخطط الحكم الذاتي تميل لتصبح قاعدة عرفية لتسوية النزاعات الترابية في إفريقيا، عبر تفضيل الحكم الذاتي الداخلي على الانفصال.

     في ظل التهديدات العابرة للحدود (إرهاب، تهريب سلع غير مشروعة)، كيف يسهم إنهاء الغموض الدبلوماسي لمالي في تبلور جبهة موحدة ضد انعدام الأمن؟ وهل يمكن اعتبار الاعتراف بالسيادة المغربية شرطا جوهريا لا غنى عنه لبقاء واستمرارية أمن دول المنطقة؟

    نسلط الضوء هنا على الترابط الوثيق بين الدبلوماسية والأمن في الفضاء الصحراوي الساحلي المتسم بتهديدات عابرة للحدود الوطنية. مبدئيا، ينهي هذا الإجراء حالة الضبابية الدبلوماسية لمالي عبر تبني موقف استراتيجي واضح، يتسق مع الاصطفاف الإقليمي الرامي لخلق جبهة موحدة ضد التهديدات الأمنية.

    إن مكافحة الإرهاب والاتجار غير المشروع والجريمة المنظمة تتطلب تعاونا وثيقا بين الرباط وباماكو، وهو ما قد يترجم إلى تحكم أفضل في التدفقات عبر الصحراء، لاسيما في مجالات الاستخبارات ومراقبة الطرق التجارية. إن الاعتراف بالسيادة المغربية كشرط جوهري يعد حجة لضمان البقاء الأمني، ففي سياق تضعف فيه التهديدات العابرة للحدود كيانات الدول، يصبح الاعتراف بالسيادة المغربية مؤشرا على الاستقرار، إذ يزيل التباينات التي تعيق وضع آليات تعاون أمني مشترك وفعال.

    من زاوية حقوق الإنسان، ما هي قراءتكم لأثر هذا التموضع الدبلوماسي الجديد على مسألة المسؤولية الدولية للدول المضيفة؟ ألا يعزز دعم مالي للأطروحة المغربية من ضرورة إحصاء سكان مخيمات تيندوف وحماية حقوقهم الأساسية التي غالبا ما يغيبها الصراع السياسي؟

    في ظل تجاهل القانون الدولي الإنساني، لاسيما اتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، تبدو قضية حقوق الإنسان والمسؤولية الدولية للدول وكأنها أزيحت إلى المرتبة الثانية، وتعد مخيمات تيندوف المثال الأبرز على ذلك.

    ففي القانون الدولي الإنساني، تلتزم الدولة التي تستضيف سكانا لاجئين أو نازحين بضمان حمايتهم واحترام حقوقهم الأساسية. إن الموقف المالي الجديد يسلط الضوء على ضرورة خروج هؤلاء السكان من وضعية “الفراغ القانوني” والمطالبة بإحصائهم تحت إشراف دولي لضمان كرامتهم وحقوقهم.

     هل ترون أن هذه الديناميكية المالية تفتح الباب أمام عملية “تصحيح تاريخي” لا رجعة فيها داخل الاتحاد الإفريقي، تهدف إلى معالجة شذوذ قانوني عبر السحب النهائي لكيان غير دولتي من الهياكل الإفريقية؟

    يمكن للديناميكية المالية أن تلعب دور المحفز، حيث قد تدفع دولا أخرى لإعادة النظر في مواقفها، مما يعزز فكرة وجوب امتثال الاتحاد الإفريقي الصارم لمبادئ السيادة والوحدة الترابية. تمس هذه القضية رهانا مؤسسيا بالغ الأهمية، وهو دور الاتحاد الإفريقي كحارس للشرعية القارية، وإمكانية إجراء “تصحيح تاريخي” في مواجهة خلل قانوني يتمثل في عضوية كيان لا يستوفي مقومات الدولة.

    إقرأ الخبر من مصدره