Catégorie : حوارات

  • أليغريا: « مغاربة البرتغال » يشكلون قوة فاعلة في التعليم والسياحة والفلاحة


    حاوره: عبد الله التجاني

    اعتبر القنصل الفخري للمملكة المغربية في جنوب البرتغال، خوسيه ألبرتو أليغريا، أن موقف البرتغال المؤيد لمبادرة الحكم الذاتي وسيادة المغرب على صحرائه، أنهى تماما المشكلة الوحيدة التي كانت عالقة بين الرباط ولشبونة.

    وأشاد القنصل الفخري للمغرب، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية بمدينة لاغوس على هامش تعزيز اتفاق التوأمة بين المدينة الساحلية ومدينة القصر الكبير، باندماج المغاربة في المجتمع البرتغالي وكفاءتهم وقدرتهم العالية على المبادرة والانخراط الفاعل في المجتمع.

    وأوضح أليغريا أن جنوب البرتغال يسجل حضور حوالي 7 آلاف مغربي، يشتغلون في مجالات مختلفة، مثل التعليم الجامعي والسياحة والفندقة والفلاحة والتجارة، وغيرها من القطاعات الحيوية بالبلاد.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    وشدد على أهمية انعقاد اللقاءات المشتركة بين المغاربة والبرتغاليين لتعزيز الشراكة والثقة والتعاون فيما بينهما، مبرزا أن “هذا السبيل هو الوحيد القادر على مساعدتنا على تجاوز مخلفات الماضي والانطلاق نحو المستقبل”.

    نص الحوار:

    منذ سنوات وأنت تشغل منصب القنصل الفخري للمملكة المغربية في جنوب البرتغال، كيف تقيم مستوى العلاقات بين الرباط ولشبونة في الوقت الراهن؟

    بداية، أنا قنصل فخري للمملكة المغربية في جنوب البرتغال، منذ خمسة وعشرين عاما. ومنذ وقت طويل والعلاقات المؤسسية بين البرتغال والمغرب تسير بشكل جيد جدا؛ وليس لدينا أي خلاف على الإطلاق. والمغرب طوال هذه السنوات، كان لديه سفراء أكفاء جدا في لشبونة، خاصة السفير الحالي عثمان باحنيني، والسفيرة السابقة كريمة بنيعيش، التي تواصل العمل من سفارة مدريد، وأنتم تعلمون كفاءتها، وكل من سبقهم كانوا كذلك. أعتقد أن نقطة وحيدة فقط كانت عالقة، ولكن تم حلها، وهي الاعتراف الرسمي من قبل الحكومة البرتغالية بمغربية الصحراء.

    كيف حدث ذلك؟

    كان هناك تغيير سياسي في البرلمان البرتغالي أفرز حكومة جديدة بعد انتخابات يونيو، ورئيس الوزراء لويس مونتينيغرو كان من بين القرارات الأولى التي اتخذها الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. وهذا الاعتراف أسقط المشكلة الوحيدة التي كانت قائمة، وفيما عدا ذلك، كل شيء يسير على ما يرام.

    ماذا عن حضور الجالية المغربية في البرتغال؟

    عندما تم تعييني قنصلا فخريا للمملكة، كنت أعرف أن هناك جالية مغربية صغيرة هنا في المنطقة آنذاك، كان هناك حوالي 1000 مواطن، لكنهم كانوا مندمجين جيدا في المجتمع، وهادئين ومتحفظين، وكنا نلمس ذلك. الآن، ربما هناك 6000 أو 7000 مغربي، ولا توجد أي مشكلة معهم في جنوب غرب البرتغال. هناك أساتذة جامعيون، وطهاة، ومزارعون، وصيادون، وموظفو فنادق، فضلا عن الطلاب في الجامعات التي تربطها بروتوكولات تعاون مع 14 جامعة مغربية، وهذا أمر بالغ الأهمية.

    كيف تقيم حضور الجالية المغربية واندماجها في البرتغال؟

    أعتقد أنه جيد جدا. في بعض الأحيان، يجد الناس صعوبة في تقبّل أنهم يتعاملون مع مواطن مغربي؛ بل قد يصفونه بأنه برتغالي. نحن متشابهون جدا. وحضرتُ مواقف عدة لمغاربة يتحدثون البرتغالية بطلاقة، بل إن مغاربة آخرين يقولون لهم: “أنت لست مغربيا، أنت برتغالي لأنك تتحدث البرتغالية جيدا، وتتشابه معهم في المظهر”. لقد اندمجوا جيدا، ولا توجد أي مشكلة مع الجالية المغربية، وخاصة في المستوى التعليمي والمهني.

    هل هناك سر وراء ذلك أم إن التاريخ والجغرافيا لعبا دورا والبرتغاليين يقبلون الأجانب بشكل عام؟

    بالنسبة لنا، يكمن السر وراء الاندماج السلس للمغاربة في البرتغال، في العلاقات التاريخية بين البلدين، التي كانت مبنية في هذه المرحلة على التعاون لا الصراع. لا، بل أعتقد أن البرتغاليين بشكل عام يقبلون الآخر، ولكن المغاربة لديهم قدرة كبيرة على التكيف والتأقلم. أنتم المغاربة تتعلمون اللغات الأجنبية بسرعة كبيرة، وتتحدثون لغات متعددة بسهولة؛ ولكن في المقابل يجب أن أكون صريحا، لا يزال هناك بعض التحيز من البرتغاليين الذين ينعتون المغاربة بـ “المُورِيِّين”، وهذا نضالنا اليومي ضد هذه التحيزات، لأن الموريين يعودون إلى العصور الوسطى. وعندما حدث الغزو، غزو المسلمين جنوب البرتغال حتى الشمال، بقي القليل منهم، بات يطلق عليهم اسم “موري” للدلالة على أصولهم.

    كيف يمكن تجاوز هذه الإساءات وغيرها؟

    من واجبنا اليوم أن نعمل على هذا الأمر، فكلمة “موري” التي تقال في البرتغال تشبه إلى حد ما ما تقولونه في المغرب “برطقيزي” عند الحديث عن البرتغالي، وأعتقد أن هذا أمر تاريخي لا نعرف أصله على وجه الدقة، لكنه قديم وهو في المغرب يحمل دلالة إيجابية أكثر مما في البرتغال.

    وأظن أن هذا النوع من اللقاءات والزيارات المتبادلة مهمة لمعرفة الآخر، ولطالما ركزتُ في خطاباتي على أهمية معرفة الآخر كإحدى النقاط المهمة في العلاقات بين الشعوب والدول. وعندما تعرف الآخر، يختفي هذا التحيز، لأنك تتخيل الآخر بطريقة مختلفة، ومن حسنات هذه اللقاءات تغيير هذه النظرة المسبقة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • انتخابات 2026.. عالم اجتماع لـ »تيلكيل عربي »: الذكاء الاصطناعي يؤثر في السلوك الانتخابي للمواطن

    لم يعد يفصلنا عن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة سوى وقت قصير، وهو ما يطرح بقوة سؤال تحولات السلوك الانتخابي في المغرب، في ظل التسارع الكبير الذي تعرفه الوسائط الرقمية واعتماد المواطنين المتزايد على المنصات الرقمية كمصدر للمعلومة والتفاعل السياسي.

    وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول ما إذا كنا نشهد بداية تشكل ناخب رقمي، يتأثر بالمحتوى المتداول عبر الفضاء الافتراضي، وبآليات التوجيه والتأثير التي تتيحها الخوارزميات، وهو ما يعيد طرح سؤال طبيعة القرار الانتخابي في العصر الرقمي وحدود استقلاليته.

    في هذا الصدد، أجرى « تيلكيل عربي » حوارا مع رفاييل ليوجيه، عالم اجتماع فرنسي ومؤسس كرسي الانتقالات (Chair of Transitions) بمعهد الدراسات المتقدمة التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P)، أفاد من خلاله أن الحديث عن « ناخب رقمي » لا يزال مسألة نسبية وغير مكتملة التبلور في العديد من السياقات، بما فيها المغرب.

    وأوضح أن تأثير الفضاء الرقمي على السلوك الانتخابي أصبح واقعا لا يمكن إنكاره، لكنه يظل متفاوتا حسب مستوى الانخراط في العالم الافتراضي، معتبرا أن الخطر الحقيقي يكمن في تزايد قابلية التأثير والتوجيه عبر المنصات الرقمية والخوارزميات، أكثر من كونه تحولا كليا في نمط الناخب.

    إلى أي مدى يؤثر الذكاء الاصطناعي اليوم على السلوك الانتخابي للمواطن المغربي؟

    لا يؤثر الذكاء الاصطناعي فقط على السلوك الانتخابي للمواطن المغربي، بل على السلوك الانتخابي للمواطن بشكل عام في جميع البلدان التي يوجد فيها ناخبون. غير أن الخاصية الأساسية للذكاء الاصطناعي هي أنه يعمل على تضخيم رغباتنا، بما في ذلك أحيانا رغباتنا السلبية، كما يقوم أيضا بتضخيم مخاوفنا وقلقنا.

    ومن المعروف، اليوم، أن السياسة تعتمد بشكل كبير على تضخيم مشاعر القلق والخوف: الخوف من الآخر، والخوف من الأجنبي، والخوف من المستقبل، والخوف من مختلف التهديدات المحتملة.

    وفي هذا السياق، يأتي الفاعل السياسي ليقول: أنا سأحل مشاكلكم، ولن تعودوا بحاجة إلى الخوف، وسأوفر لكم الأمن والطمأنينة.

    ومن هذا المنظور تحديدا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يؤثر فعلا في السلوك الانتخابي للمواطن.

    هل يمكن الحديث عن ناخب « موجه » من طرف الخوارزميات بدل قناعاته؟

    في نهاية المطاف، نعم. لكن هذا يرتبط بمستوى التعليم وبمدى القيام بعمل روحي وفكري. فإذا لم يتم هذا العمل من أجل التحرر من التعلق أو « الإدمان »، وظل الإنسان في حالة إدمان، فإن الشخص المدمن يمكن توجيهه إلى القيام بما يراد منه. فهو لا يعود في حالة وعيه الطبيعية.

    تماما كما هو الحال بالنسبة لشخص مدمن على المخدرات، إذ يمكن دفعه إلى تبني سلوكيات مختلفة، لأنه لم يعد هو نفسه، ويمكن جعله يتصرف وفق ما يريده الآخرون، بما في ذلك سلوكه الانتخابي الذي قد يكون موجها حسب رغبات جهة ما. بل يمكن أيضا دفعه إلى سلوكيات أخرى في مجالات مختلفة، حتى وإن كانت ضد مصلحته، لأنه واقع تحت تأثير الإدمان.

    وبشكل عام، كلما كان الإنسان في حالة إدمان، وهنا تكمن إشكالية الذكاء الاصطناعي، فإنه يمكن أن يخلق نوعا من الإدمان الفكري، أي إدمانا على مستوى القدرة على التفكير واتخاذ القرار، حتى فيما يتعلق بما يخدم مصلحته.

    هل يهدد الاستهداف السياسي الدقيق (الميكرو-تارغيتينغ) حرية اختيار الناخبين؟

    مرة أخرى، إذا كان الناخبون يسمحون بذلك، فبالطبع يمكن أن يهدد هذا الاستهداف حرية الاختيار لديهم. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في أنه في مجتمع أصبح فيه من الصعب الانفصال عن عالم الصور والترفيه، يتم فقدان العنصر الأساسي، أي القدرة على التمييز.

    وإذا غاب هذا التمييز، فإن الإنسان يتحول إلى ما أسميه في عملي، وفي كتابي الأخير « النجاح: تصدير الكذب » الذي تناولت فيه السياسة وأنماط هذا الاستهداف، إلى حالة يتم فيها « توصيف » العالم، أي أننا نصبح جميعا عبارة عن ملفات بيانات (data). بل إننا نقوم نحن أنفسنا بعملية « توصيف ذواتنا ».

    وعندما نحول أنفسنا إلى ملفات بيانات، نصبح مجرد « بروفايل » رقمي، ونقدم ونصنف على هذا الأساس، بحيث ينظر إلينا كأننا مجرد نمط معين من الناخبين، أي كفئة إحصائية.

    هذا التصنيف يجعل الإنسان لا يعدو كونه مجموعة من البيانات. وكما أقول، نحن أنفسنا نتحول إلى نوع من الذكاء الاصطناعي أو إلى ملف إحصائي. وبالتالي فإنه يفقد وجوده الفعلي، ويصبح موضوعا دائماً للاستهداف الدقيق، ليس فقط في السياسة، بل في كل المجالات، لأن السياسة نفسها أصبحت شكلا من أشكال التسويق.

    وهو ما يسميه هابرماس التسويق السياسي. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي هو المرحلة القصوى للتسويق السياسي، أي الاستهداف الدقيق بواسطة الذكاء الاصطناعي.

    هل نشهد بروز « ناخب رقمي » في المغرب؟

    لا أعرف إن كنا في المغرب قد وصلنا إلى هذا المستوى، ولا حتى في دول أخرى مثل فرنسا أو أوروبا. ربما يكون هذا الطرح أكثر انطباقا على الولايات المتحدة، حيث يصبح الناخب أكثر قابلية للتوجيه لأنه يعيش بشكل دائم داخل العالم الافتراضي، وبدرجة أقل داخل العالم الواقعي.

    أما في المغرب، فيمكن القول إن التحول نحو « الناخب الرقمي » موجود بشكل جزئي فقط. وهذا سؤال مهم، لأن الخطر الأساسي لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في أن يصبح الإنسان نفسه شبيها بالذكاء الاصطناعي، نتيجة الصورة التي يبنيها عن ذاته وتفاعله المستمر مع الفضاء الرقمي.

    لكن هذا « الذكاء » سيكون ضعيفا مقارنة بالذكاء الاصطناعي الحقيقي، لأنه لا يمتلك نفس القدرة على الربط والتحليل الإحصائي. وبالتالي، قد يتحول الإنسان إلى نوع من الذكاء الاصطناعي غير المتطور أو ما يشبه « العبودية الرقمية »، أي خضوعه المستمر لنزواته ودوافعه التي يمكن استغلالها وتوجيهها.

    ومن هذا المنظور، فإن القرار السياسي، وخاصة التصويت، يرتبط إلى حد كبير بدوافع وانفعالات لا تكون دائما خاضعة للوعي أو التحكم العقلاني الكامل.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • أجعير: المؤرخ جندي في معركة الذاكرة .. ومناهج التاريخ تحتاج نفساً جديداً


    حاورها: عبدالله الساورة

    لا يُختزل التاريخ في كونه سردًا لما مضى، إذ يتجاوز ذلك إلى ما يستمر أثره في الوعي الجماعي ويؤثر في طريقة فهم الحاضر؛ لذلك لا تبدو الكتابة التاريخية عملًا محايدًا، وإنما مجالًا تتقاطع فيه الوقائع مع التأويل، وتتشكل فيه الذاكرة تحت تأثير موازين القوة والمعرفة. وعند استحضار تاريخ المغرب، يبرز سؤال مركزي يتعلق بكيفية قراءته: هل كما وقع فعلًا، أم كما صيغت روايته عبر مصادر متعددة لا تنتمي كلها إلى سياقه الأصلي؟

    في حوار هسبريس مع الكاتبة والباحثة المغربية حياة أجعير، يُطرح التاريخ بوصفه موضوعًا للنقاش النقدي لا مجرد مادة للتوثيق، حيث تنطلق أجعير من قراءة تستحضر تعقيد المرحلة التي سبقت فرض الحماية، وتشير إلى أن التدخل الأجنبي لم يكن نتيجة مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما حصيلة مسار طويل من التغلغل عبر المعاهدات والامتيازات الاقتصادية والتأثير القانوني.

    هذه المقاربة تفتح نقاشًا مرتبطًا بطبيعة الهوية وحدود الذاكرة، خاصة حين تُبنى معرفة الماضي على وثائق كُتبت في سياقات غير محلية، كما تطرح سؤال موقع المغرب في توازنات القرن التاسع عشر، ودور موقعه الجغرافي وتماسكه الحضاري في استهدافه، إلى جانب تأثير الأوضاع الداخلية التي ساهمت في تسهيل هذا المسار.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    كما يتوقف الحوار عند أدوار النخب المغربية في تلك المرحلة، في سياق اتسم بتداخل العوامل الداخلية والخارجية، وهو ما يجعل قراءة هذه الأدوار مرتبطة بفهم تعقيد اللحظة التاريخية بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، ويعيد في الآن نفسه طرح مسألة الوعي التاريخي وحدود القدرة على إنتاج معرفة مستقلة بالماضي في ظل الاعتماد على أرشيف موزع بين لغات ورؤى مختلفة.

    بهذا المعنى، لا يظهر تاريخ المغرب كوقائع منتهية، وإنما كمسار مفتوح على التأويل يفرض إعادة قراءته في ضوء أسئلة الحاضر؛ حيث لا يتعلق الأمر فقط بما حدث، وإنما بكيفية فهمه، وبالقدرة على توظيفه في بناء وعي تاريخي متماسك.

    نص الحوار

    أستاذة حياة أجعير، حين نعود إلى الوثائق التاريخية التي تكشف أطماع القوى الأجنبية في المغرب، هل نحن أمام تاريخ من المواجهة الصريحة أم أمام تاريخ من الاختراق الناعم الذي اشتغل عبر المعاهدات والامتيازات والتغلغل الاقتصادي قبل المدافع والبوارج؟

    تظهر الوثائق الدبلوماسية والاقتصادية أن التغلغل الأجنبي في المغرب منذ القرن التاسع عشر، وخاصة بعد معركة إيسلي، لم يبدأ بالمواجهة العسكرية المباشرة، بل عبر مسار طويل من التغلغل التدريجي. فقد اعتمدت القوى الأوروبية على أدوات متعددة مثل المعاهدات التجارية، نظام الحماية القنصلية والامتيازات الاقتصادية، وهي آليات قانونية واقتصادية سمحت بتوسيع النفوذ داخل المجتمع والاقتصاد المغربي قبل اللجوء إلى القوة العسكرية. ومن خلال اطلاعنا على الوثائق الفرنسية والإسبانية، فإن المرحلة التي سبقت توقيع معاهدة الحماية لم تكن دائمًا مرحلة تنافس وصدام، بل كانت تتخذ أحيانًا شكل تفاهمات دبلوماسية حول مناطق النفوذ، وهو ما كشف أن مسار التغلغل الاستعماري لم يكن مجرد مواجهة مباشرة مع المغرب، بل كان أيضًا نتاج توازنات أوروبية معقدة انعكست على المجال المغربي.

    وقبل توقيع معاهدة الحماية، أرسلت القوى الأوروبية بعثات استخباراتية مكنتها من تحديد مواطن الضعف للدولة المغربية، ثم تلتها معاهدات مجحفة: بدأت باتفاقية تجارية مع بريطانيا العظمى سنة 1856، التي قوضت السيادة الاقتصادية، والمعاهدة التجارية سنة 1861 مع إسبانيا، ثم معاهدة بيكلار مع فرنسا التي وسعت نظام الحماية القنصلية، وانتهاء بمؤتمري مدريد والجزيرة الخضراء اللذين أخضعا المغرب لوصاية دولية كاملة. وهذه كلها أشكال من أشكال الاختراق الناعم، وهو ما جعل المواجهة العسكرية لاحقًا حاسمة لصالحهم.

    إلى أي حد يمكن القول إن المغرب كان مستهدفًا بسبب موقعه الجيوسياسي فقط، أم أن تماسكه الحضاري والديني شكل بدوره تهديدًا لمشاريع الهيمنة الأوروبية منذ القرن التاسع عشر؟

    لا شك أن الموقع الاستراتيجي للمغرب كان عاملًا مركزياً في استهدافه بواجهتيه المتوسطية والأطلسية وعمقه الإفريقي، خاصة بعد فتح قناة السويس التي زادت من أهمية البحر المتوسط، فأصبح له بوابتان: الشرقية والغربية. وقد تطلب احتلال المغرب الكثير من جس النبض من جانب الأوروبيين الذين كانوا يقيمون اعتبارًا خاصًا لقوة المغرب، سواء عسكريًا أو سياسيًا، بالنظر إلى عراقة نظامه السياسي المستقل عن الخلافة العثمانية. لكن الوثائق والمراسلات الدبلوماسية كشفت أن المغرب كان ينظر إليه كفضاء سياسي وحضاري يتمتع بدرجة من التماسك المؤسساتي والديني، وهو ما منح الدولة المغربية القدرة على الاستمرار لقرون عديدة.

    أما الحديث عن التهديد الحضاري فهو صحيح إلى حد ما، ولو بطريقة غير مباشرة، وذلك بمحاولة فصل المجتمع المغربي عن تاريخه وثوابته. وما المؤتمرات التي عقدت قبل توقيع عهد الحماية إلا دليل على إدراك القوى الأوروبية لأهمية المغرب الاستراتيجية والحضارية.

    عندما نقرأ نصوص المعاهدات التي فُرضت على المغرب قبيل الحماية، نشعر أحيانًا أن اللغة القانونية كانت غطاءً لانتزاع السيادة تدريجيًا، كيف تفسرين هذا الانتقال من “التعاون” إلى “الوصاية” ثم إلى الاحتلال المقنّع؟

    تفسيري لهذا الانتقال هو أن اللغة القانونية التي صيغت بها المعاهدات الثنائية التجارية خاصة في القرن التاسع عشر، تبدو ثنائية مثل معاهدة 1856 مع بريطانيا، لكنها في جوهرها كانت تقدم التدخل الأجنبي في إطار التعاون والإصلاح، وتفتح المجال لتقليص السيادة بشكل تدريجي ومقنن، بما يخدم المصالح الأوروبية. فالتوسع في نظام الحماية القنصلية والإعفاءات الضريبية ومنح امتيازات واسعة للأوروبيين، أفقد الدولة السيطرة على اقتصادها، وهذا شكل من أشكال “السيطرة المقنعة”. حاول السلطان الحسن الأول في الربع الأخير من القرن التاسع عشر تجنيب البلاد مصير الوقوع في مخالب الدول الاستعمارية عبر إجراء إصلاحات كبرى في عدة مجالات: عسكرية، اقتصادية، اجتماعية وثقافية، إلا أنها باءت بالفشل لعدة أسباب لا يتسع المجال لذكرها. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مرحلة الإصلاحات المقترحة، والتي كانت في جوهرها وصاية، وتجسد ذلك بشكل واضح في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 حيث أخضع المغرب لمجموعة من الإصلاحات، وهي إصلاحات جردت الدولة من سيادتها، وكان هذا هو المدخل الحقيقي لفرض الحماية في 30 مارس سنة 1912.

    هناك من يرى أن الضعف الداخلي كان مدخلاً للأطماع الأجنبية، هل كان التفكك السياسي والاقتصادي سببًا حاسمًا، أم أن المغرب كان سيُستهدف مهما بلغت قوته بحكم موقعه بين المتوسط والأطلسي وعمقه الإفريقي؟

    من الصعب تفسير الظاهرة الاستعمارية بعامل واحد، فقد كانت هناك تحديات داخلية مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية، التي كانت هذه الدول الإمبريالية جزءًا وسببًا لها. لكن في الوقت نفسه، كان المغرب سيُستهدف مهما بلغت قوته بسبب موقعه وثرواته ودوره في التوازنات المتوسطية والإفريقية. يمكن القول إن الأزمات الداخلية في تلك الفترة كانت عاملًا مساعدًا جعل من مهمة القوى الأوروبية أقل تكلفة. ولا ننسى أيضًا محاولة لعب ورقة التوازنات الدولية، والهزائم التي مُني بها المغرب في معركة إيسلي وحرب تطوان، كل هذه الأسباب أدت إلى إجباره على تقديم الكثير من التنازلات.

    في ضوء الوثائق التاريخية، كيف تقيمين دور النخب المغربية آنذاك؟ هل كانت مقاومة بما يكفي، أم أن بعض أشكال التواطؤ أو سوء التقدير ساهمت في تسريع فقدان القرار السيادي؟

    تشير الوثائق التاريخية أن مواقف النخب المغربية اتسمت بالتباين وعدم تجانسها، فقد ظهرت داخل الدولة والمجتمع أصوات طالبت بالإصلاح ونبهت إلى خطر التغلغل الأجنبي ودعت إلى عصرنة الإدارة والجيش والمالية، غير أن هذه المبادرات اصطدمت بمعيقات منها: ضعف الموارد، شدة الضغوط الدولية، سياسة القروض التي أثقلت كاهل خزينة الدولة. بينما نجد تيارًا آخر انبهر بالقوة الأوروبية وانخرط في شبكات المصالح مع القوى الخارجية، ودخل في صراعات داخلية. لذلك لا يمكننا إصدار حكم على النخب المغربية آنذاك، فدراسة دورها تقتضي مقاربة تاريخية تأخذ بعين الاعتبار تعقيد السياقين الدولي والداخلي الذي كانت تتحرك فيه هذه النخب.

    إذا اعتبرنا أن الوثيقة التاريخية تكشف التربص بالمغرب، فهل نملك اليوم وعيًا أرشيفيًا كافيًا لحماية ذاكرتنا من التزييف، أم أننا ما زلنا نقرأ تاريخنا بعيون الآخر؟

    في الحقيقة، أنا أعتبر هذا السؤال يمس لب الإشكال المنهجي في الكتابة التاريخية المغربية المعاصرة، إذ ما زلنا نعاني من إشكالية مهمة وهي: هل نملك وعيًا أرشيفيًا؟

    فبعد مرور أكثر من نصف قرن من استقلال المغرب، نجد أرشيفًا هائلًا عن بلادنا كتب بعيون المستعمر وبمنظوره وغاياته، وما زال الباحث المغربي مضطرًا للسفر إلى هذه الأرشيفات لكتابة تاريخ بلاده بوثائق كتبها المستعمر آنذاك.

    لكن، ورغم كل هذا، فإن الدراسات التاريخية خلال العقود الأخيرة عرفت تطورًا مهمًا بفضل الانفتاح المتزايد على الأرشيفات الدولية والوطنية. فالأرشيفات الأمريكية والفرنسية والإسبانية على سبيل المثال توفر رصيدًا وثائقيًا هائلًا من الوثائق يتعلق بتاريخ المغرب الحديث والمعاصر والراهن، خاصة وأن جزءًا مهمًا من هذا الأرشيف أصبح متاحًا بصيغة رقمية، وهو ما فتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين المغاربة.

    ويتضح أن هذه الأرشيفات تقدم معطيات مهمة حول التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها المغرب في سياق محيطه الدولي والإقليمي والداخلي. وهنا أعطي مثالًا عن تطور العلاقات الأمريكية المغربية، سواء خلال مرحلة مفاوضات الطرفين حول القواعد العسكرية في خمسينيات القرن الماضي، أو المرحلة المرتبطة بتطورات قضية الصحراء المغربية في سياق الحرب الباردة وما بعدها.

    غير أن الحديث عن الأرشيف لا يقتصر على الأرصدة الوثائقية الموجودة خارج المغرب، بل يشمل أيضًا ما يوجد داخل بلدنا من وثائق تحتاج إلى مزيد من العناية العلمية والتنظيمية. فهناك العديد من المجموعات الأرشيفية خاصة المرتبطة بفترة الحماية ما تزال بحاجة إلى جهود أكبر في مجالات الفهرسة. وقد أتيحت لنا فرصة الاطلاع على جزء من الأرشيف الإسباني المودع في قبو المكتبة العامة بتطوان، وهي تجربة بسيطة لكنها كشفت لنا أهمية هذا الرصيد، وفي نفس الوقت أبرزت الحاجة إلى مزيد من العمل العلمي من أجل تنظيمه وفهرسته لفتحه أمام الباحثين واستثماره.

    وهنا يمكن القول إن الإشكال الأساسي هو مدى قدرتنا على بناء ثقافة أرشيفية حقيقية تقوم على حفظ الذاكرة الوثائقية الوطنية وتسهيل الوصول إليها. كما أن تطوير البحث التاريخي يقتضي فتح المجال للباحثين ومؤرخي المستقبل للانخراط في العمل الأرشيفي والمشاركة في النقاشات العلمية حول هذا الموضوع، وهذه أحد الشروط الأساسية لاستمرارية المدرسة التاريخية المغربية وتطورها.

    ولابد، ونحن نتحدث عن الأرشيف، أن نذكر مؤسسة “أرشيف المغرب” التي تقوم بصيانة التراث الأرشيفي الوطني، وهي خطوة مهمة واستراتيجية لبناء ذاكرة وطنية مستقلة، لكن الطريق ما زال طويلًا لأن الذاكرة الوطنية تواجه ما يمكن وصفه بالمنافسة و”العولمة الأرشيفية الأجنبية”، وتكمن في رقمنة بعض البلدان لأرصدتها الوثائقية وجعلها متاحة عبر منصات مؤسساتها العلمية، بينما نتخلف نحن عن هذا المضمار، مما يغري الباحث المغربي بالولوج للمنصات الأجنبية لكتابة تاريخه. كما أن السيادة على أرشيف الحقبة الاستعمارية يظل محدودًا في ظل تفوق المؤسسات الأرشيفية التي تملك وثائق هائلة عن تلك الفترة، مما يجعلها مرجعًا أساسيًا للباحثين المغاربة، وبالتالي نبقى أمام تبعية معرفية حقيقية.

    إلى أي حد يمكن اعتبار معركة استرجاع السيادة معركة مستمرة بأشكال جديدة، اقتصادية وثقافية وإعلامية، حتى بعد نهاية الحماية الرسمية؟

    بالتأكيد، معركة السيادة لم تنته برحيل آخر جندي عن بلادنا، فالاستقلال السياسي كان الباب، لكن بناء الدولة القوية وقدرتها على تعريف الذات أمام العالم هي جوهر السيادة في القرن الحالي. وفي هذا المجال، قطع المغرب أشواطًا مهمة في سبيل بناء سيادة اقتصادية وثقافية، وفي مواجهة الغزو الثقافي وطمس الهوية، والحفاظ على اللغة والثوابت الدينية.

    في سياق الدفاع عن الوحدة الترابية، كيف يمكن استثمار الوثيقة التاريخية لتفنيد السرديات المعادية التي تحاول التشكيك في عمق الانتماء المغربي لأقاليمه الجنوبية؟

    سؤال مهم. فعلًا، أثبتت الدراسات التاريخية والهيئات الوطنية المعنية بالأرشيف والدراسات التاريخية، بالاعتماد على الوثائق، ارتباط الصحراء بالمغرب منذ عصور ضاربة في القدم، وساهمت هذه الوثائق التاريخية في إبراز الامتداد التاريخي للعلاقات السياسية والاقتصادية والروحية بين المغرب وأقاليمه الجنوبية. فالمراسلات السلطانية والخرائط التاريخية، إضافة إلى الوثائق الدبلوماسية الأجنبية، تؤكد بشكل ملموس طبيعة هذه الروابط قبل المرحلة الاستعمارية.

    لذلك، فسلاحنا في مواجهة الأطماع الخارجية هو الوثيقة التي تؤكد الحقيقة، واستثمارها يعني تحويل الصراع من صراع سياسي إلى صراع قانوني وتاريخي لتفنيد الأطروحات الانفصالية الواهية. ومن هنا نثمن جهود بعض المؤرخين المغاربة الذين انكبوا على هذا النوع من الكتابة التاريخية لإثبات وحدتنا الترابية. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المؤرخ يؤدي دورًا معرفيًا يشبه إلى حد ما دور الجندي، فكلاهما في حالة استعداد دائم لخدمة الوطن، غير أن المؤرخ يمارس هذه المسؤولية عبر الكتابة والدفاع عن الحقيقة بالحجة والوثيقة التاريخية والتحليل العلمي الأكاديمي.

    هل تعتقدين أن تدريس تاريخ المغرب في المدارس يعكس حقيقة الصراع مع الأطماع الأجنبية، أم أنه يُقدَّم في صيغة مختزلة لا تُبرز حجم التضحيات ولا تعقيد الرهانات؟

    لا شك أن تدريس التاريخ خطا بعض الخطوات، لكنها تبقى محدودة ولا ترقى إلى مستوى التحديات. فما زال التاريخ في مدارسنا رهينًا بين خطاب وطني للحفاظ على الذاكرة والهوية، وبين تحويل هذا التاريخ إلى مادة إنشائية جامدة قائمة على سرد البطولات والتواريخ المجردة. لذلك أرى أننا ما زلنا بحاجة ماسة إلى التجديد، والتعمق في تحليل البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساهمت في صناعة الحدث التاريخي.

    ولبلوغ هذا الهدف، لابد من إصلاح حقيقي منفتح على الدراسات التاريخية الحديثة، عبر إشراك المؤرخين الجدد في كتابة المناهج الدراسية، وتعليم الشباب مهارات التفكير النقدي للقضايا التاريخية لا التلقين فقط. كما أننا بحاجة إلى إدماج البعد الأرشيفي في الممارسة التربوية، وربط الأجيال الصاعدة بالأرشيف وتمكينهم من قراءة الوثائق بأنفسهم واكتشاف تعقيدات الماضي لاستشراف المستقبل.

    لو طلبنا منك رسالة موجزة إلى الشباب المغربي، ماذا تقولين لهم عن معنى السيادة اليوم؟ وهل الدفاع عن الوطن يبدأ من استحضار الوثيقة وفهم الماضي، أم من بناء مشروع تنموي وفكري يحصّن المستقبل؟

    أقول للشباب المغربي: اهتموا بالتاريخ، لأن فهم الماضي هو درس من الدروس التي من خلالها نفهم كيف تنتهك الأمم، وكيف تنهض، كما نفهم مخططات الآخر وطرق تفكيره، وكيفية مواجهته. فمن لا ماضي له، لا حاضر له ولا مستقبل، وهو أحد أسس الدفاع عن الوطن، حتى لا تتكرر نفس الأخطاء.

    أما من ناحية المشروع التنموي الفكري، فهو ضرورة ملحة، لأن تطوير الكفاءات البشرية هو من جهة حماية لهؤلاء الشباب من الاختراقات الفكرية بأدوات العولمة الحديثة، ومن جهة أخرى هو تعزيز للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن هذا المشروع هو شكل من أشكال الدفاع الاستباقي، فعندما يكون المجتمع قويًا ومتعلمًا وواعيًا، يصبح الوطن محصنًا أكثر من أي تهديد خارجي.

    كلمة مفتوحة

    إن قراءة تاريخ المغرب من خلال الوثائق الأرشيفية كشفت لنا أن هذا البلد ظل يشكل محورًا للتفاعلات الدولية، سواء في سياق التنافس الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر، أو في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى خلال القرن العشرين. ومن ثم، فإن تعميق البحث وحفظ الرصيد الوثائقي الوطني وتثمينه يعد ضرورة منهجية لتعميق فهمنا لتاريخ بلادنا. ولا يمكن لهذا المشروع أن يزدهر دون ضخ دماء جديدة من الباحثين الجدد، يحملون رؤى معاصرة تجعل من التاريخ أداة لفهم الحاضر وصناعة المستقبل، مع التشبث بالثوابت الوطنية المغربية الأصيلة القائمة على الوسطية والتسامح.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • برنامج حوار مع عبد المنعم العمراني يستضيف مدرب فريق ليكسوس لكرة السلة عطيل عويج

    العرائش نيوز:

    في هذه الحلقة من حوار مع عبد المنعم العمراني، نتعرف على الاطار التونسي “عطيل عويج” اسم صنع امجاده كع الكرة التونسية قبل ان ينتقل للاحتراف بتدريب فريق الفتح الرباطي لكرة السلة، لينتقل بعدها لتدريب فريك ليكسوس لكرة السلة بمدنة العرائش، مشوار طويل وحافل لرجل يحمل حبا خاصا لمدينة العرائش

    إقرأ الخبر من مصدره

  • كليمو: الوعي الفني المغربي تشكّل من خشبة الصديقي إلى « ناس الغيوان »


    حاوره: عبد الله الساورة

    في سياقٍ تتقاطع فيه الذاكرة مع أسئلة الحاضر، ويستعيد فيه المشهد الثقافي المغربي بعضًا من توتره الخلّاق، يأتي هذا الحوار مع المؤرخ والباحث المستعرب جون-فرانسوا كليمو، ليقدّم قراءة مركّزة لمسار طويل من التحولات التي لم تكن مجرد انتقالات شكلية، وإنما مست بنية الوعي الثقافي في عمقه، حيث لا ينشغل الحوار بسرد التاريخ الفنون بقدر ما يتوقف عند لحظات تحولها، وهي تعيد صياغة موقعها بين إرث متجذر وحداثة لم تستقر بعد.

    وعلى صفحات هسبريس، يشتغل كليمو من موقع معرفي يقوم على مسافة تحليلية واعية، تتيح تفكيك البنى الرمزية للثقافة المغربية وربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية، وهي مسافة لا تعني الانفصال عن الموضوع، وإنما تمنح أدوات للفهم تتجاوز الأحكام السريعة، وتتيح قراءة أكثر تركيبًا لظواهر تتقاطع فيها مستويات متعددة، من التعبير الفني إلى التحولات الاجتماعية العميقة.

    ويحضر في هذا الحوار اسم الطيب الصديقي باعتباره علامة فارقة في تاريخ المسرح المغربي، حيث لم يكتف بإخراج العروض، بل أعاد تشكيل معنى الخشبة، وحرّك العلاقة بين الجمهور والنص، وبين التراث والحداثة، كما تتقاطع تجربته مع تحولات موسيقية بارزة، خاصة مع مجموعة “ناس الغيوان”، التي نقلت الفن من فضاء الترفيه إلى مجال التعبير عن نبض المجتمع، حيث يغدو الأداء الجماعي شكلاً من أشكال التفكير المشترك.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    ويمتد النقاش إلى تحولات أحدث، حيث تتجاور أشكال فنية متعددة، من المسرح إلى موسيقى الراب، في سياق يعكس تغيرات أعمق داخل المجتمع المغربي، إذ لم يعد الفن معزولًا عن محيطه، وإنما صار مدخلًا لفهم توترات الهوية، في ظل تفاعل مستمر بين المحلي والعالمي، وبين التقاليد والوسائط الجديدة، وهو ما يكشف عن مشهد ثقافي متعدد، يعيد تشكيل نفسه باستمرار دون أن يفقد صلته بجذوره.

    ويضع هذا الحوار القارئ أمام أسئلة مفتوحة تتصل بقدرة الثقافة المغربية على التجدد دون القطيعة مع ذاكرتها، وبكيفية تحقيق توازن بين البعد الجمالي والالتزام، وبين الفردي والجماعي، في سياق ثقافي يتغير بوتيرة متسارعة.

    نص الحوار انطلاقاً من الذكرى العاشرة لرحيل الطيب الصديقي، كيف يمكن قراءة تحوّل المسرح المغربي بعد الاستقلال من مجرد ممارسة فنية إلى مشروع ثقافي يحمل وعياً جماعياً، خاصة مع بروز فرق مثل “دابا المسرحية”، وما الذي مثّله الصديقي في هذا التحول؟

    كان الطيب الصديقي شخصية ثقافية بارزة في تاريخ المغرب، كما ذكّرنا ابنه بكر مؤخرًا في بن جرير، وكان أحد مؤسسي المسرح كشكل ثقافي أساسي للحداثة، وذلك في سياق تغيرات سياسية مرتبطة بالقومية، إذ ورث المغرب الجديد دولة مركزية ظهرت في مطلع القرن العشرين، ما يعني غياب سلطان الزعيم الاسمي وظهور سلطات أخرى في الأقاليم والمدن، إدارات يهيمن عليها الباشا وهو رجل يعينه السلطان ولا ينتخبه الشعب، ونتج هذا التغيير أيضًا عن تغيرات اقتصادية أتاح العمل المأجور من خلالها فرصًا جديدة وحرر النساء اللواتي شاركن في الإنتاج ضمن المؤسسات الرأسمالية، وغالبًا ما يُلاحظ هذان النوعان من التغيير فقط السياسي والاقتصادي بينما تُتجاهل التغيرات الثقافية رغم أهميتها البالغة، ومن هذه التغيرات ظهور الرسم على القماش أولًا في طنجة عام 1903 بعد محاولة فاشلة في القرن السادس عشر، وشهدت الساحة الفنية تطورًا في الموسيقى النغمية ذات السلالم الموسيقية السباعية، والموسيقى والرواية في ثلاثينيات القرن العشرين، وموسيقى السينما في مراكش عامي 1900 و1901، وأخيرًا موسيقى المسرح السياسي باللغة العربية في مطلع عشرينيات القرن العشرين لا سيما في سلا مع الفرق المصرية والفلسطينية، وكل هذا بالإضافة إلى أساليب التعابير القديمة السائدة والتي تمثلت في الشعر وأحيانًا أدب الرحلات.

    وكان مسرح الطيب الصديقي جزءًا لا يتجزأ من النشاط الثقافي الذي أعقب الاستقلال، وعلى مدى سنوات عديدة سنحت فرص عديدة لأنشطة جديدة، إلا أن الحياة الثقافية تعثرت لاحقًا بسبب حالة الطوارئ التي فُرضت بعد عام 1965 ومحاولتي الانقلاب عامي 1971 و1972، وقد أدى ذلك إلى تطوير عروض ترفيهية أكثر داخل المسرح وهو ما لم يُنقذ مسرح الدار البيضاء في نهاية المطاف فأغلق أبوابه عام 1984، وبعد عشرين عامًا واكبت فرقة مسرح “دابا تياتر” موجة جديدة من النشاط السياسي والثقافي المكثف الذي ظهر عام 2004 مع حركة “النايدا” المغربية وهو مصطلح صِيغ لوصف عدة حركات ثقافية نشأت في مطلع الألفية الجديدة، وظهر هذا الشكل المسرحي الجديد بعد فترة من التراجع النسبي على الرغم من جهود العديد من خريجي معهد ISADAC في الرباط، تلتها محاولات من قبل عبد الواحد عوزري عام 1997 وأحمد مسايا عام 2013، ولم يلعب الصديقي سوى دور ثانوي في هذه التجربة المسرحية الجديدة، بل كان جواد السوناني وإدريس كسيكس هما المبدعان الحقيقيان لهذا الشكل المسرحي الجديد.

    كيف تفسرون، بصفتكم مورخاً وباحثاً فرنسياً، التداخل بين التراث الشعبي المغربي (الحلقة، الحكواتي، الفرجات) وبين الأشكال المسرحية الحديثة التي اشتغل عليها الطيب الصديقي، وهل يمكن اعتبار ذلك شكلاً من أشكال “الحداثة المحلية” ؟

    ما يربط رواة القصص بممثلي المسرح هو نقل السرد عبر تسلسلات منظمة، ولهذا السبب أشار الطيب الصديقي في مسرحيته “العشاء الاحتفالي” إلى رواة القصص كمرشدين له، مع ذلك ثمة اختلافات ثقافية جوهرية بين “البساطة” أو البنية الدائرية لحلقات سرد القصص والفضاء المستطيل للمسرح، ففي المسرح يوجد العديد من الممثلين وليس ممثلاً واحداً فقط يجسد أحياناً شخصيات مختلفة أثناء العرض، علاوة على ذلك تُحدَّد خشبة المسرح بثلاثة جدران لا يستطيع الممثلون تجاوزها، أما الجدار الرابع فهو غير مرئي يفصل الجمهور عن المتفرجين، فهل يرمز هذا الجدار غير المرئي والمُحكم إلى الحداثة؟ إنه الجدار الذي يمنع المتفرجين من مخاطبة الممثلين، ويشهد هذا الجدار على أحد شروط الحداثة وهو أن الفرد محكوم عليه بأن يكون متلقياً صامتاً لسرد يمكنه تفسير معناه بحرية دون أن يتأثر بالممثلين أو المتفرجين الآخرين، كما يجب على المتفرج تأجيل التعبير العلني عن مشاعره حتى نهاية العرض وبالتالي يجب ضبطها، لذا يستحيل الحديث عن المسرح الشعبي المغربي لأنه ليس مسرحاً بالمعنى الدقيق إذ يفتقر إلى الجدار الرابع والجمهور المؤلف من أفراد منفصلين عن بعضهم، وهنا ثمة استمرارية وانقطاع في آنٍ واحد، فالحياة الثقافية لا تقتصر على التقاليد بل تشمل أيضاً تحولات قد تكون بالغة الأهمية أحياناً.

    إذا انتقلنا إلى الموسيقى، كيف تقرأون التحول من الأغنية التقليدية إلى الأغنية الملتزمة مع أسماء مثل ناس الغيوان وجيل جيلالة، وما علاقتها بالسياق السياسي والاجتماعي لما بعد الاستقلال؟

    إن ظهور إحدى هذه الفرق الموسيقية الكبرى مرتبطٌ بالفعل بمسرح الطيب الصديقي مع تميزه في الوقت نفسه، فما انبثق في حي المحمدي بالدار البيضاء مع العربي بطمة وموسيقيين آخرين في أوائل سبعينيات القرن الماضي يكشف عن رغبة سكان المدينة المهمشين ثقافيًا في أن يصبحوا مشاركين فاعلين في الحياة الثقافية وبالتالي في الاندماج في المجتمع الحضري، وقد تزامن ذلك مع فترة شكّل فيها الشباب دون العشرين نصف إجمالي السكان، وتغذّى هؤلاء الشباب على إيقاعات التقاليد الموسيقية العيطية والكناوية وعلى الشعر الشعبي المعروف باسم “الملحون” وعلى النصوص الصوفية وهي حقيقةٌ غالبًا ما يتم تجاهلها، وقد عبّروا عن تطلعاتٍ جديدة من خلال استلهام الأشكال التقليدية.

    وسرعان ما ضمّ الطيب الصديقي موسيقيين ومغنين من هذه الفرق إلى إنتاجاته لمعالجة الأزمة المسرحية التي بدأت تتفاقم بين عامي 1970 و1972، وكان جمهوره الذي تنوّع بفضل جولات فرقته الوطنية والدولية أكثر شغفًا بالترفيه من التثقيف المدني وكان أيضًا ذا نزعةٍ ثوريةٍ إلى حدٍ ما، فقد كسر العديد من المتفرجين الحاجز الرابع وهتفوا للممثلين، وبإدخاله أشكالاً شعبية من الأداء الموسيقي في مسرحه منذ البداية تمكن الطيب صديقي من إسكات هؤلاء المتفرجين المشاغبين مانحاً العرض بعداً سياسياً أقوى مع إضفاء لمسة شعرية عليه، كما سعى إلى استعادة انتباه الجمهور بنوع جديد من العروض التي قد تستمر لساعات.

    إلى أي حد يمكن اعتبار تجربة ناس الغيوان امتداداً مسرحياً بقدر ما هي موسيقية، خاصة من حيث الأداء الجماعي والبعد الطقوسي الذي يربطها بالمسرح الشعبي؟

    لم تكن هذه الفرق الموسيقية الكبيرة – وكان هناك غيرها مثل فرق مماثلة تتحدث لغة التشلحيت في أكادير على سبيل المثال – امتدادًا لمسرح الطيب الصديقي بل كيانات مستقلة، وقد ساهم هذا التعاون في تسريع انتشارها الإعلامي وشهرتها، يؤكد عمر السيد هذا في مذكراته وكذلك رضا بهسو الذي يشدد على أن فرقة رولينغ ستونز لم تكن بحاجة إلى مسرح لتصبح مشهورة، علاوة على ذلك حظيت فرقة جيل جلالة باعتراف كبير بفضل الإذاعة والتلفزيون المغربيين مما أتاح لهم ملء مسرح محمد الخامس في أكتوبر 1972.

    كيف تنظرون إلى مسار الفنانين الذين عبروا بين المسرح والموسيقى، مثل بوجمعة أحكور، وهل يمكن الحديث عن “هوية فنية هجينة” طبعت التجربة المغربية في القرن العشرين؟

    تُعدّ الهويات الفنية الهجينة شائعة جدًا في الفنون المغربية في جميع التخصصات دون أن تقتصر على تخصص واحد، فمن جهة يوجد تعليم رسمي في مدارس ومعاهد الموسيقى يتكون أساسًا من دورات نظرية، ولكن قبل الاحتراف كانت هناك أشكال مختلفة من التعلّم حيث كان الطلاب يراقبون أستاذًا ثم يمارسون العمل دون تدريب نظري رسمي، وينطبق هذا على الفنون البصرية والتطبيقية والموسيقى والحرف اليدوية عمومًا، لذا فإن بوجمعة أحكور ليس الفنان الهجين الوحيد، ففي استوديو الفنون الحية بالدار البيضاء يوجد عثمان مولين الذي يُغني موسيقى الشعبي ويُقدّم أيضًا عرضًا مسرحيًا يُعرّف بهذا النوع الموسيقي، وقد أخرج هذا العرض أمير رواني، ويمكننا أيضًا ذكر عثمان الخلوفي الفنان متعدد المواهب عازف الساكسفون والمخرج من بين تخصصات أخرى والذي قدّم عروضًا في إسباس ماج، وكذلك حسن الفد عازف الساكسفون والمهندس المعماري والممثل الموهوب، وعدنان موهيجة المغني والممثل، وحسين آيت جمحي المعروف باسم تاسكيوين موسيقي وممثل سينمائي ومسرحي، أما جاد المالح فهو مغنٍّ معروف لا سيما في كندا وممثل في العديد من الأفلام الكوميدية الرومانسية.

    تُعدّ هذه الظاهرة المتمثلة في تعدد الخلفيات الفنية نادرة في أوروبا بين الفنانين من أصل مغربي، وهي آخذة في التراجع في المغرب في القرن الحادي والعشرين نتيجةً لانتشار مراكز التدريب والمدارس الفنية، مع ذلك كانت هذه الظاهرة شائعةً في القرن العشرين.

    في قراءتكم لتاريخ المسرح المغربي، ما موقع الفرق المستقلة التي ظهرت بعد الاستقلال، وكيف ساهمت في خلق خطاب نقدي موازٍ للمؤسسات الرسمية؟

    لا يجب أن ننسى فرق المسرح الهاوية التي ساهمت في نشر الأفكار القومية قبل الاستقلال، وبعد الاستقلال ظل التنوع المسرحي محدودًا رغم إنشاء مركز الفنون الأدائية الذي بدأ نشاطه في غابة المعمورة عام 1954، فقد تغير الوضع مع إنشاء وزارة الثقافة التي سمحت بتوزيع الدعم ولا سيما لمسرحية “أوفيليا لم تمت” التي كتبها وأداها نبيل لحلو وفرقته المسرحية الجامعية، فلولا دعم الدولة لما تمكنت الفرق الأولى بدءًا من هذه الفرقة المسرحية المغربية من البقاء، وحدها فرق المسرح الهاوية العديدة في الجديدة ومراكش وغيرها تمتعت بحرية كبيرة في اختيار برامجها مع توحيدها في هدف مشترك هو بناء تراث مسرحي باللغة المغربية يعرض أشكالًا مميزة من الشرق الأقصى وأوروبا، ومن هنا جاءت ترجمات واقتباسات أعمال كبار الكتاب المسرحيين العالميين، وهذه المسرحيات ذات الأصل الأجنبي في البداية وإن احتوت أحيانًا على إشارات إلى الواقع المغربي لم تعكسه بدقة، أما الأعمال الأصلية المكتوبة في المغرب للمغاربة فلم تظهر إلا لاحقًا، مع ذلك لم تُعبّر هذه المسرحيات عن خطاب نقدي حقيقي نظراً لتطور آليات الرقابة المتعددة داخل المسرح الاحترافي والاختفاء التدريجي للمسرح الهاوي، ونتيجةً لذلك تطور النقد الاجتماعي في إطار الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية وربما أيضاً من خلال الأغاني.

    مع بداية الألفية الثالثة، شهدنا تحولات جديدة في الموسيقى المغربية مع صعود أنماط مثل الراب، كيف تقارنون بين خطاب ناس الغيوان وخطاب فناني الراب المعاصرين من حيث الاحتجاج والتعبير عن الهامش؟

    يتميز الراب وهو فن حضري تحكمه قواعده الخاصة بانخفاض تكلفة بدايته نسبيًا، وعلى عكس فرق السبعينيات الشهيرة يستخدم مغنو الراب لغة مختلفة أكثر حدة بل وربما مبتذلة يمزجون فيها بين الإشارات الصريحة إلى صراعات الماضي – بدلًا من التصوف – والسرديات الشخصية، وهذه العناصر الثلاثة إلى جانب التأثير الأمريكي تظهر بشكل حديث نسبيًا، ويُضاف إلى ذلك تأثيرات موسيقية أخرى مثل أسلوب “كوبيه إيه ديكاليه” من أفريقيا جنوب الصحراء والذي يظهر جليًا في أعمال إتش-كين على سبيل المثال، وثمة اختلاف آخر يكمن في ميل الراب إلى أشكال مختلفة من الانحراف كما يتضح من غسيل الأموال الممارس حاليًا في مراكش والذي يظهر أيضًا في كلمات مافيا-سي، ويخدم هذا في المقام الأول التعبير عن هويات متميزة غائبة عن المطالب الجماعية لناس الغيوان وهي نقطة تُلاحظ أيضًا في كلمات إتش-كين، لكن هذا لا يؤدي إلى أي عمل سياسي ملموس بل هو مجرد متنفس، ونرى هذا مع دون بيغ، في الواقع سعت فرق مثل فناير بالدرجة الأولى إلى ابتكار أشكال موسيقية قادرة على استبدال الأغاني التي تراجعت شعبيتها في الفترات السابقة مع الاحتفاء بالهوية المغربية، علاوة على ذلك لا يحظى هؤلاء الموسيقيون الجدد بجمهور فرق مثل جيل جيلالة أو ناس الغيوان.

    كيف أثرت العولمة والوسائط الرقمية على تمثلات الفنان المغربي لذاته، مقارنة بجيل ما بعد الاستقلال الذي كان يشتغل داخل حدود محلية أكثر وضوحاً؟

    يُتيح الإنترنت فرصًا ولكنه يحمل أيضًا خوارزمياته التي قد تعزل المجتمعات الصغيرة مانعةً إياها من التواصل فيما بينها، وهكذا غيّرت وسائل الإعلام الرقمية نظرة الفنانين المغاربة لأنفسهم من منظور وطني ومحلي في المقام الأول إلى هوية أكثر هجينة، فلم يعد هناك صراع ضد إرث الاستعمار، علاوة على ذلك ينظر هؤلاء الفنانون إلى أنفسهم بشكل أقل كمتحدثين باسم مختلف المطالب الاجتماعية وأكثر كفاعلين فرديين يتنقلون بين التراث والشتات الذي يُشكّل جزءًا من سوقهم وشبكات التواصل الاجتماعي والمشاهد الفنية العالمية التي تُمثّل أعلى درجات التقدير، وحلّ التنافس في الأسواق الصغيرة محلّ غياب السوق في الماضي، ولا يمحو هذا الانفتاح البُعد المحلي بل يُعيد تشكيله بأشكال مختلفة من الرقابة الذاتية، لكن هذه القضايا تتجاوز بكثير مجال الموسيقى.

    هل يمكن القول إن المسرح المغربي فقد بعضاً من وهجه أمام صعود الصورة الرقمية والسينما، أم أنه أعاد تشكيل نفسه بطرق جديدة تحافظ على روحه التي أسس لها الطيب الصديقي؟

    لا، إن أزمة المسرح الاحترافي والهواة الذي يؤديه الممثلون المغاربة تعود إلى ما قبل ظهور الإعلام الرقمي، وينطبق الأمر نفسه على السينما، ولمواجهة ما لاحظه الطيب الصديقي في سلوك الجمهور قرر ابتكار عروض فنية متكاملة تمزج بين النص والموسيقى والغناء، وكان الهدف هو إثارة المشاعر بوسائل أخرى غير الكلمات وحدها والأهم من ذلك الحفاظ على انتباه الجمهور طوال مدة العرض.

    في ضوء هذا المسار الممتد من الاستقلال إلى اليوم، كيف ترون مستقبل الوجوه الفنية المغربية، سواء في الموسيقى أو المسرح، وهل نحن أمام قطيعة مع الماضي أم إعادة تأويل مستمرة لذاكرة فنية غنية؟

    لا شيء يُشير إلى انقطاع تام للفنانين المغاربة، فباستثناء اضطرابات سياسية كبرى غير متوقعة في الوقت الراهن من المرجح أن نشهد إعادة تفسير مستمرة لتراث غني ومتعدد الثقافات، فمنذ الاستقلال انخرط المشهد الفني المغربي باستمرار في حوار بين التقاليد الوطنية والإقليمية والتأثيرات الأجنبية، وبين التقاليد الأكاديمية العريقة والأشكال الحديثة مما أثرى الموسيقى والمسرح والفنون الأخرى حتى يومنا هذا.

    ويُجسد مثال الموسيقى المغربية منطق التحول الداخلي هذا خير تجسيد، فالأنواع التقليدية تتطور وتتغلغل التناغمات في الأسلوب وتتحول الإيقاعات في المقطوعات الموسيقية، ويتزامن هذا مع اندماج الأشكال وظهور المشاهد الحضرية وإعادة تفسير الأعمال القديمة في العصر الحديث، بعبارة أخرى لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الماضي بل بالتحديث مدفوعًا غالبًا بلغات جديدة وأشكال تعبير جديدة وجماهير جديدة.

    وفي المسرح أيضًا يُنظر إلى التطور على أنه تكيف لا انقطاع تام، فشهدت فترة ما بعد الاستقلال ظهور مسرح وطني متجذر في الواقع الاجتماعي واللغوي والسياسي للبلاد، وتلاه انفتاح على أشكال فنية تجريبية وحضرية وهجينة مما وسّع الآفاق الفنية.

    من المرجح أن يكون فنانو المغرب في المستقبل هم أولئك الذين يواصلون التعبير عن الذاكرة والابتكار، وسيُترجم هذا بلا شك إلى انتشار الأشكال الهجينة واستخدام أكثر تواتراً للغة العربية العامية والأمازيغية والإنجليزية في العديد من السياقات الحضرية، ومن غير المرجح أن تتطور العديد من الأشكال الفنية الجديدة بالسرعة نفسها التي تطور بها فن الخط العربي الحديث الذي يسعى إلى الجمال فقط ويرفض نقل المعنى في الفنون البصرية، قد لا تتاح لنا في المستقبل سوى فرص قليلة لمشاهدة تطور أشكال فنية نشأت في المغرب وانتشرت عالمياً كما هو الحال حالياً مع موسيقى البوب الكورية في كوريا الجنوبية.

    على أي حال يعتقد الكثيرون أن التحولات ستؤثر على الشكل أكثر من المضمون، ستتطور الجماليات وستتغير المشاهد وسيتحول الجمهور لكن المنطق الأساسي سيبقى قائماً وهو منطق ثقافة مغربية تجدد نفسها استناداً إلى خصوصياتها التاريخية، إن هذه القدرة على التحول في الحاضر تسمح لنا بتصور مستقبل فني يتسم بالحداثة والوفاء لتراث غني للغاية.

    كلمة مفتوحة لك

    إلى من يُرسل المرء رسالة كهذه دون تحديد مُرسَل إليه؟ يُمكن للمرء كما فعل أحد الأولياء في أزمور قبل نحو ثمانية قرون حين ألقى برسائله في البحر أن يكتبها للتعبير عن قلقه إزاء التناقص المستمر في عدد الأجانب الذين يمتلكون معرفة عميقة بالثقافة المغربية تمتد لعقود ورؤية شاملة لآلاف السنين، وهذه حوارات ستُستبدل بلا شك بآراء أخرى أسرع وأكثر محدودية كتلك الموجودة في أطروحات يكتبها زوار عابرون، قد يكون زيادة عدد حالات التجنيس بديلاً، وهذا أمر وارد إذا صحّ ما جاء في الحديث: “فإنّك لا تدري يا عبدالله ما اسمك غدًا”.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدى الضيف مع محمد شحل : صوت احد اقدم احياء الصفيح بالعرائش

    العرائش نيوز:

     في هذه الحلقة من برنامج صدى الضيف نلتقي مع احد اصوات احياء الصفيح “محمد لشحل” نضال طويل من اجل الحق في السكن الكريم لساكنة المحصحص احد اقدم احياء الصفيح بالعرائش، وخلال هذا الحديث نتطرق لعلاقته برئيس المجلس الجماعي السابق عبد الاله حسيسن ، متابعته بتهمة الإخلال بالحياء العام بعد احتجاجه امام رئيس المجلس الجماعي الأسبق : 

    إقرأ الخبر من مصدره

  • دلال العلوي تكشف تفاصيل استفادة الصحافيين والمؤسسات الصحفية من مستحقات النسخ التصويري

    حاورها: النعمان اليعلاوي

    في سياق البحث عن موارد جديدة لدعم الصحافة بالمغرب، يبرز ورش مستحقات النسخ التصويري كآلية قانونية تهدف إلى تعويض الصحافيين والمؤسسات الإعلامية عن استغلال مقالاتهم عبر النسخ أو الرقمنة.

    في هذا الحوار، توضح دلال المحمدي العلوي، مديرة المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بالنيابة، أن هذا النظام يندرج ضمن التزامات المغرب الدولية لحماية حقوق المؤلف، ويشمل مختلف أشكال استنساخ المحتوى الصحفي. وكشفت أن مداخيل هذه المستحقات بلغت حوالي 3 مليارات سنتيم إلى حدود نهاية 2025، تشمل سنتي 2024 و2025، لكنها تظل دون الإمكانيات الحقيقية للسوق.

    كما تتطرق إلى الجدل الذي رافق تنزيل هذا الورش، مؤكدة أن الحلول المعتمدة جاءت بشكل توافقي دون المساس بحقوق الصحافيين. وفي ما يخص معايير الاستفادة، تبرزت أن التمييز يتم بين المحتوى الإخباري والتحليلي وفق ضوابط محددة.

    كما تتفصل العلوي في النقاش الدائر حول تعديل الإطار القانوني من أجل إدماج الصحافة الإلكترونية، بما يوسع قاعدة المستفيدين ويعزز استدامة هذا المورد، الذي يظل دعماً مكملاً للمقاولات الصحفية وليس بديلاً عن مصادر تمويلها الأساسية.

    ما المقصود بالنسخ التصويري في الجانب الصحفي؟

    النسخ التصويري هو نسخ المقالات الصحفية بواسطة الماسحات الضوئية أو الطابعات أو أي جهاز أو أداة قادرة على استنساخ هذه المصنفات، بما في ذلك رقمنتها، قصد استغلالها على نطاق واسع. وتبقى هذه العملية هي الأساس الذي يمكن الصحفي وكذا المؤسسة الصحفية من الاستفادة من مستحقات النسخ التصويري.

    ما السياق الذي جاء فيه تفعيل استخلاص مستحقات النسخ التصويري في المغرب؟

    يأتي هذا الورش في إطار التزامات المغرب الدولية المرتبطة بحماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، والتي تشمل حقوق الاستنساخ التصويري لفائدة مؤلفي الكتب وناشريها، وكذا مؤلفي المقالات الصحفية والمؤسسات الصحفية.

    كما أن المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة عضو في منظمة IFRRO، التي تضم هيآت التدبير الجماعي المختصة باستخلاص وتوزيع هذه المستحقات على الصعيد الدولي.

    ما هي أهم الأهداف التي يسعى المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة إلى تحقيقها من خلال هذا الورش؟

    يهدف المكتب أساسا إلى تفعيل مقتضيات القانون، وتشجيع الصحافيين والمؤسسات على الانخراط والتصريح بمقالاتهم الصحفية، إضافة إلى توزيع المستحقات المالية المستحقة على ذوي الحقوق.

    هل يمكن اعتبار هذا الورش خطوة نحو إنصاف الصحافيين ماديا بعد سنوات من استغلال المحتوى دون مقابل؟

    بطبيعة الحال، يشكل هذا الورش خطوة نحو إنصاف الصحافيين، حيث تمثل مستحقات النسخ التصويري مورداً مالياً إضافياً لفائدة مؤلفي المقالات الصحفية مقابل استغلال مصنفاتهم.

    تحدثتم عن حوالي 3 مليارات سنتيم كمداخيل إلى حدود دجنبر 2025، كيف ستوزع هذه الموارد بين المؤسسات الصحافيين، وهل ستوزع أيضا عن المقالات المنشورة في 2024؟

    هذا المبلغ يهم سنتي 2024 و2025، وبالتالي فإن التوزيع سيشمل المقالات المنشورة خلال هذه الفترة، وفق النسب المحددة قانوناً بين الصحفيين والمؤسسات الصحفية.

    هل هذا الرقم يعكس الإمكانيات الحقيقية للسوق، أم أنه لا يزال دون المستوى المتوقع؟

    تحتسب مستحقات النسخ التصويري بناء على استيراد أو تصنيع الأجهزة المعنية، وهو ما يخضع لمنطق العرض والطلب، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا الرقم معبراً بشكل كامل عن الإمكانيات الحقيقية للسوق.

    ما هي العوامل التي تفسر محدودية هذه المداخيل رغم حجم الاستنساخ الواسع للمحتوى الصحفي؟

    ترجع محدودية المداخيل إلى طبيعة النظام المعتمد على مبالغ جزافية محددة قانوناً، وهي مقاربة معمول بها في مختلف الدول التي تعتمد نظام النسخ التصويري.

    إلى أي حد أثر تخفيض النسبة المفروضة على تراجع العائدات؟

    لا يمكن تقييم أثر هذا التخفيض في الوقت الحالي، ومن المنتظر أن تتضح نتائجه بعد نهاية سنة 2026.

    أشرتم إلى وجود “لوبي” ضغط من أجل تخفيض الرسم، من هم الفاعلون الأساسيون في هذا اللوبي؟

    في هذا المجال لا نتحدث عن رسوم، بل عن حقوق. وما حدث في البداية كان نتيجة عدم الإلمام بطبيعة هذه الحقوق وباختصاصات المكتب، غير أنه تم فتح باب الحوار مع مختلف الفاعلين، خاصة المستوردين، والتوصل إلى صيغة توافقية تضمن حقوق جميع الأطراف.

    كيف تعامل المكتب مع هذه الضغوط، خاصة في ظل تدخل وزارة الصناعة والتجارة؟

    مهمة المكتب الأساسية كما نصت عليها المادة 60 من القانون رقم 2.00 هي حماية استغلال حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، والسهر على تطبيق القانون.

    هل تعتبرون أن التنازل عبر تخفيض النسبة كان حلاً واقعياً أم تراجعاً عن مكتسبات؟

    لا يعد ذلك تراجعاً عن المكتسبات، بل حلاً واقعياً تم التوصل إليه بشكل توافقي، مع الحرص على عدم المساس بحقوق ذوي الحقوق.

    إلى أي حد ما زالت هذه الضغوط تؤثر على مسار تفعيل هذا الحق؟

    يمكن القول إن هذه المرحلة قد تم تجاوزها.

    ما هي أبرز التعديلات التي أدخلت على المرسوم المنظم لمستحقات النسخ التصويري؟

    همت التعديلات أساساً طريقة احتساب المستحقات، حيث تم الانتقال من نسبة موحدة إلى نسب تنازلية حسب قيمة الأجهزة، مع تحديد سقف أقصى، وذلك لتحقيق توازن بين حماية الحقوق وتشجيع الاستثمار.

    هل الإطار القانوني الحالي كافٍ لضمان استخلاص عادل وفعال؟

    بالنسبة للصحافة الورقية، لا يطرح الإطار القانوني الحالي أي إشكال، في حين يشتغل المكتب حاليا على تعديل القانون رقم 2.00 لتمكين الصحافة الإلكترونية من الاستفادة.

    ما هي التحديات القانونية التي تواجهونها في هذا الملف مقارنة بباقي حقوق المؤلف (كالموسيقى مثلاً)؟

    لا يخلو أي ورش من تحديات، غير أن الأهم هو الحرص على التطبيق السليم لمقتضيات القانون.

    هل هناك تفكير في مراجعة أوسع للمنظومة القانونية المرتبطة بحقوق الصحافيين؟

    نحن حاليا في مرحلة التفعيل، وعند بروز بعض الإكراهات أثناء التنزيل يمكن التفكير في مراجعات أوسع.

    ذكرتم أن معيار “الابتكار” هو الأساس، كيف يتم تحديد هذا الابتكار بشكل عملي؟

    التمييز يكون واضحا بين المقال الإخباري والمقال التحليلي الذي يتضمن مجهوداً فكرياً وإبداعياً من طرف الصحفي.

    من يحدد ما إذا كان المقال “عادياً” أو “إبداعياً”؟

    ستتولى لجنة داخلية بالمكتب هذه المهمة وفق معايير محددة.

    ألا يطرح هذا المعيار إشكاليات تتعلق بالذاتية أو التقدير؟

    يعتمد المكتب على معايير دولية معتمدة، وكما أشرت سابقا فالمكتب عضو بـIFRRO والأطر العاملة بالمكتب تلقت تكوينات في المجال منذ سنة 2020 ولا زالت مستمرة إلى غاية الآن.

    هل هناك لجان مستقلة أو آليات واضحة لضمان الشفافية في التقييم؟

    تتم عملية التوزيع تحت إشراف خبراء مختصين، بما يضمن الشفافية.

    هل يمكن أن يدفع هذا النظام الصحافيين نحو إنتاج محتوى تحليلي وإبداعي أكثر؟

    هذا التوجه يعد إيجابياً، لأنه يعزز جودة المحتوى الصحفي ويشجع الإبداع.

    هل هناك تخوف من تهميش الأخبار اليومية لصالح المواد “القابلة للتعويض”؟

    لا ينبغي طرح المسألة بهذا الشكل، لأن الأمر يتعلق بمستحقات إضافية يستفيد منها الصحفي دون التأثير على طبيعة عمله.

    كيف يمكن تحقيق التوازن بين الصحافة الخبرية والصحافة التحليلية في ظل هذا النظام؟

    هذا الموضوع يدخل ضمن تنظيم المهنة الصحفية، في حين يقتصر دور المكتب على تدبير الحقوق واستخلاصها وتوزيعها.

    ما هي أبرز ملامح التعديل القانوني المرتقب لتمكين الصحافة الإلكترونية من الاستفادة؟

    يرتكز التعديل المرتقب على إدخال مقتضى قانوني يمكن الصحافة الإلكترونية من الاستفادة من حقوق مالية عن استغلال المقالات الصحفية رقميا.

    متى يمكن أن يدخل هذا التعديل حيز التنفيذ؟

    من المرتقب أن يتم ذلك في أقرب الآجال.

    كيف سيتم احتساب حقوق الصحافيين في المنصات الرقمية التي تعتمد على النشر السريع والمكثف؟

    سيتم تحديد المعايير بعد صدور التعديل القانوني.

    هل ستشمل هذه الحقوق أيضاً الفيديوهات والروبورتاجات والوثائقيات مستقبلاً؟

    نأمل ذلك، ويتم الاشتغال على هذا الموضوع بشكل تدريجي، مرحلة بعد مرحلة.

    ما أبرز الصعوبات التي تواجهونها حالياً في استخلاص هذه المستحقات؟

    تتمثل أبرز الصعوبات في استمرار بعض التحفظات من طرف فئة من المستوردين، غير أن احترام المقتضيات القانونية يظل إلزامياً، سواء بالأداء أو بعدم تسويق هذه الأجهزة.

    كيف يمكن توسيع قاعدة المساهمين في الأداء (المستوردين، الشركات…)؟

    يمكن توسيع القاعدة مستقبلا عبر إدماج الصانعين المحليين، غير أن هذا المعطى غير متوفر حاليا.

    هل هناك وعي كافٍ لدى الفاعلين الاقتصاديين بأهمية هذه الحقوق؟

    لا يزال مستوى الوعي محدودا نسبيا.

    ما هي رهانات المرحلة المقبلة لضمان استدامة هذا المورد المالي؟

    ترتبط أساسا بارتفاع الطلب على الأجهزة المعنية.

    كيف ترون مستقبل حقوق المؤلف في المجال الصحفي بالمغرب خلال السنوات القادمة؟

    يبقى الأمل قائما في تعزيز هذا المسار، وفي هذا السياق يمكن استحضار قول الشاعر:

    “أُعلّلُ النفسَ بالآمالِ أرقُبُها… ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأملِ”.

    هل يمكن أن تتحول هذه الآلية إلى مورد أساسي لدعم المقاولات الصحفية؟

    يمكن اعتبار هذه المستحقات مورداً مكملاً يساهم في دعم المقاولات الصحفية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن باقي مصادر التمويل، بل يدخل في إطار تنويع الموارد وتعزيز الاستدامة الاقتصادية للقطاع.

    ما هي الرسالة التي توجهونها للصحافيين والمؤسسات بخصوص الانخراط في هذا النظام؟

    ندعو كافة الصحافيين والمؤسسات الصحفية إلى الانخراط بكثافة في هذا الورش، لما يوفره من عائدات مالية إضافية وحماية قانونية للإبداع الصحفي.

    في سطور

    دلال العلوي محمدي

    – حاصلة على الإجازة بالتفوق من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية شعبة القانون الخاص – من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس يونيو 1985

    – التحقت بالمكتب المغربي لحقوق المؤلف و الحقوق المجاورة في شتنبر 1987 وتقلدت عدة مناصب إدارية :

    – رئيسة لمصلحة المنازعات ، رئيسة القسم القانوني ، رئيسة قطاع الشؤون القانونية، كاتبة عامة ، ثم مديرة المكتب بالنيابة.

    – خلال مدة العمل بالمكتب تلقت عدة تكوينات أكاديمية في مجال الملكية الفكرية و حصلت على شهادات في ذلك.

    – مثلت المكتب ومن خلاله المغرب في العديد من اللقاءات والمناظرات والاجتماعات الدولية التي تعنى بمجال الملكية الأدبية و الفنية و أيضا المتعلقة بهيات التدبير الجماعي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ونفس الشيء على الصعيد الوطني.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الخبير الأممي محمد العبيدي يفكك لـ”العمق” آليات “الحصار الدولي” للمجتمع المدني (حوار)

    عبد المالك أهلال

    كشف الدكتور محمد العبيدي، عضو الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي بالأمم المتحدة أن الدول تتصرف حاليا وفق الإطار القانوني النافذ لمنظومة الأمم المتحدة، لكنها تستغل هذا الإطار لقمع وتحديد أدوار المجتمع المدني.

    وأكد المسؤول الأممي، بناء على اطلاعه التام على الإشكاليات التي تعترض مساهمة المنظمات غير الحكومية وحضورها الفاعل في الاجتماعات الرسمية لأجهزة الأمم المتحدة، أن الممارسات البيروقراطية أو التمييزية، وتأخير الاعتماد أو رفضه، والتعقيدات المتصاعدة، تؤثر بلا شك على التنفيذ الفعال لإعلان الأمم المتحدة بشأن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان لعام 1998.

    وفي قراءته للبيان الصحفي المشترك الأخير للمكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة، اعتبر العبيدي أن الأمر لا يعود إلى فشل بنيوي في لجنة المنظمات غير الحكومية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، بقدر ما هو عدم مواكبة البنية الحالية للجنة مع تعظيم أدوار المجتمع المدني، مشددا على أن التقييد غير المنطقي لمنح الصفة الاستشارية لم يعد يواكب الزيادة الكبيرة في دور المدافعين أمام الآليات التعاهدية، مما جعل البيان يمثل صيغة تضامنية حقيقية ورسالة واضحة بضرورة إعادة النظر في الأوضاع القانونية الحالية وتعديل التنظيم القانوني ليواكب هذا التطور الكبير.

    وأوضح الخبير الأممي، في معرض تفكيكه للتقاطع الحاصل بين قضايا الاختفاء القسري وتقلص الفضاء المدني، أن فرضية استخدام عضوية لجنة المنظمات غير الحكومية لـ”الانتقام” من المنظمات التي تتابع حالات الاختفاء القسري أو تقدم تقارير للآليات الأممية، هو سلوك متوقع من طرف بعض الدول.

    وسجل المتحدث في حوار مطول مع جريدة “العمق” مفارقة لافتة، تتجلى في كون أغلب الدول التي تمر بمراحل العدالة الانتقالية تعمد إلى تعويض الضحايا وتسهيل عمل المنظمات التي توثق انتهاكات العهد الدكتاتوري السابق، لكن إذا ما قامت هذه المنظمات بتوثيق حالات جديدة للاختفاء القسري تحصل في العهد الجديد، فإنها تصبح محط مضايقات وعقوبات وترهيب.

    وفيما يلي نص الحوار كاملا:

    يدعو البيان الصحفي المشترك للمكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة الدول الملتزمة بدعم وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان إلى الترشح لانتخابات لجنة المنظمات غير الحكومية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وفقا لتقديركم المهني، إلى أي مدى يعكس التكوين الحالي لهذه اللجنة أو يقوض المعايير المعيارية المكرسة في إعلان الأمم المتحدة بشأن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان لعام 1998، لا سيما فيما يتعلق بالحق في المشاركة في الهيئات والآليات الدولية؟

    شكرا لكم على هذا اللقاء وصياغة الأسئلة التي تعكس خبرة متطورة في مجال حقوق الإنسان، وربما بحكم عملنا التطوعي في إطار الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي نتعامل بطريقة مناسبة لحماية المصادر وأصحاب البلاغات أو أي منظمة غير حكومية أو مدافع عن حقوق الإنسان يتواصل معنا، حيث تغلب الطبيعة السرية على اجتماعات الفريق العامل مع مصادر معلوماته.

    وعلى هذا الأساس فإننا على اطلاع تام بكل الإشكاليات التي تعترض مساهمة المنظمات غير الحكومية وبشكل خاص حضورها الفاعل في الاجتماعات الرسمية لأجهزة الأمم المتحدة وتمتعها بحق إلقاء البيانات أو تنظيم الأحداث الجانبية أو غيرها من الحقوق المرتبطة باكتساب الصفة الاستشارية، وإن الممارسات البيروقراطية أو التمييزية أو تأخير الاعتماد أو رفضه أو التعقيدات التي واجهتها المنظمات غير الحكومية.

    لكننا لسنا منخرطين بشكل مباشر في تقييم التشكيلة الحالية بشكل مباشر، دون أن يمنع ذلك من اطلاعنا بشكل شخصي على المعلومات، ومن المؤكد أن تلك الممارسات سوف تؤثر على التنفيذ الفعال لإعلان الأمم المتحدة بشأن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.

    وثق الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي نمطا ثابتا تواجه بموجبه منظمات المجتمع المدني التي تبلغ عن حالات الاختفاء عرقلة في الحصول على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي أو الاحتفاظ بها. هل تعتبرون هذا النمط بمثابة فشل مؤسسي بنيوي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الإصلاحات الهيكلية التي ترونها ضرورية ولا غنى عنها في ولاية اللجنة وإجراءات عملها؟

    لا بد لنا من مراجعة تاريخية لتحديد الإشكالية وتقديم الحلول المقترحة، فالقبول بدور مؤثر للمجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان بشكل عام لم يكن وليد اللحظة بل جاء بعد مخاض طويل وتغيير تدريجي في السردية التاريخية لفكرة السيادة ودور الآليات الدولية.

    ومن هذا المنطلق لا نجد أن الأمر يعود لفشل بنيوي بقدر ما هو عدم مواكبة البنية الحالية للجنة مع تعظيم أدوار المجتمع المدني وأن التقييد غير المنطقي لعملية الاعتماد ومنح الصفة الاستشارية لم يعد يواكب الزيادة الكبيرة في دور المجتمع المدني أمام الآليات التعاهدية والإجراءات الخاصة التي أفردت لهم مع المؤسسات الوطنية سبلا مناسبة لسماع صوت آخر غير صوت الدول وتلقي البلاغات والمعلومات ومتابعة الأوضاع على الأرض.

    لذا فإن البيان الذي قادته المقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان وانضم إليه أغلب أصحاب الولاية يمثل الصيغة التضامنية الحقيقية للإجراءات الخاصة ويعبر عن رسالة تتضمن ضرورة إعادة النظر بالأوضاع القانونية الحالية وتعديل التنظيم القانوني ليواكب التطور الكبير لأدوار المدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني.

    من منظور الاتساق بين هيئات المعاهدات والهيئات المنشأة بموجب الميثاق، كيف توفقون بين الالتزامات المعيارية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، لا سيما المادتين 24 و25 المتعلقتين بحقوق الضحايا، وبين سلوك هذه الدول نفسها عندما تشغل عضوية لجنة المنظمات غير الحكومية وتبت في اعتماد المنظمات التي توثق حالات الاختفاء؟

    حيث إني الآن عضو في الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري أو غير الطوعي فلا يفضل أن أتحدث عن تنفيذ الاتفاقية، على الرغم من أني كنت عضوا في لجنة حالات الاختفاء القسري، لذا سوف أركز على الجانب الأهم في السؤال، فإن فرضية استخدام عضوية لجنة المنظمات غير الحكومية للانتقام من تلك المنظمات التي تنشط في إطار متابعة حالات الاختفاء القسري أو تسجيل الحالات لدى الفريق العامل أو تقديم التقارير للجنة الاختفاء القسري أو تلك التي تنظم أنشطة توعية وتدريبات لعوائل الضحايا فإنه سلوك متوقع.

    لذا جاءت إجراءات كل من الآليات التعاهدية والإجراءات الخاصة لحماية تلك المنظمات والعاملين فيها من أعمال التهديد والانتقام، وعلى الرغم من ضعف تلك الإجراءات الحمائية إلا أنها تمثل الآليات المتاحة حاليا أمام تلك الآليات.

    ومن المفارقة القول إن أغلب الدول التي تعمد إلى تعويض الضحايا هي تلك الدول التي تمر في مراحل العدالة الانتقالية بفرضية أن حالات الاختفاء القسري قد حصلت في العهد القمعي أو الدكتاتوري، كما تسهل تلك الإجراءات إنشاء المنظمات وتسجيلها كلما كانت تعمل في إطار متابعة حقوق الضحايا أو توثيق انتهاكات العهد السابق.

    ولا أجزم في ذلك لكن من خلال تجربة بسيطة، فإن تلك المنظمات إذا سجلت أو وثقت أو تعاملت مع حالات جديدة للاختفاء القسري تحصل في العهد الجديد فإنها ستكون محط مضايقات وعقوبات وترهيب. لذا فإن البيان الصحفي الصادر عن الإجراءات الخاصة جاء ليخلق توازنا قانونيا يمنح المجتمع المدني صوتا داخل تلك اللجنة وتحييد تصرفاتها ومنحها مهنية أعلى.

    إلى أي حد تنجح البيانات الصحفية للمكلفين بالولايات في تجاوز عقبة “عدم الإلزام القانوني” لتتحول إلى أداة ضغط سياسي ومؤسسي؟ وفي ظل غياب جزاءات مباشرة، كيف يراقب نظام الإجراءات الخاصة مآلات هذه البيانات ومدى تفاعل الدول معها على أرض الواقع؟

    إن عملية إعداد البيانات الصحفية تتم من خلال لفت انتباه أصحاب الولايات إلى مشكلة أو حالة قانونية معينة من قبل المجتمع المدني أو المدافعين عن حقوق الإنسان أو المجسات التي تتواصل مع أصحاب الولايات، وعندما تتضمن تلك البيانات في مسوداتها الأولى اهتمامات أكثر من صاحب ولاية فإنها تعرض عليهم للانضمام وهذا يمنحها قوة أكبر لأنها تمثل وجهة نظر مشتركة، وهي جزء من ولاية الإجراءات الخاصة للتعبير عن موقف قانوني وتكييف قانوني واضح يعبر عن وجهة نظر صاحب الولاية وتنصرف إلى أعماله وتقاريره وخطاباته، وهي تثير اهتمام الدول بشكل كبير حيث تراقب الدول تلك البيانات وتتفاعل معها بشكل كبير وعلى أعلى المستويات فهي جزء من عملية تكاملية يمكن أن يستفيد منها المجتمع المدني ويتواصل مع تلك الآليات للترويج لهذه المواقف القانونية ومتابعتها، لكن بشكل عام هذه هي الولاية القانونية الممنوحة للإجراءات الخاصة في إطار البيانات الصحفية التي تنقل الإجراء من الثنائية إلى العمومية.

    هل تعكس هيمنة دول “قمعية” على قرارات لجنة المنظمات غير الحكومية حالة استحواذ مؤسسي تُفرغ آليات الأمم المتحدة من محتواها؟ وإلى أي حد يُعتبر تحويل هذه اللجنة إلى أداة لمحاصرة المجتمع المدني انتهاكاً صريحاً للمادة 1 (الفقرة 3) من الميثاق التي تُلزم المنظمة بتعزيز حقوق الإنسان؟

    في هذا السؤال أعيدكم إلى الإجابات أعلاه في أن القانون الدولي لحقوق الإنسان قانون ما زال قيد التطور لضمان الاستجابة المناسبة للاحتياجات، لذا تقدم بشكل مستمر مبادرات للإصلاح المؤسسي، وأن الدول حاليا أيا كانت نواياها فهي تتصرف وفق الإطار القانوني النافذ لكنها تستغل هذا الإطار لقمع وتحديد أدوار المجتمع المدني، وهو ما دفع الإجراءات الخاصة لإصدار هذا البيان.

    في ضوء قرار الجمعية العامة رقم 68/268 بشأن تعزيز نظام هيئات المعاهدات، وأجندة إصلاح الأمم المتحدة الأوسع نطاقا ضمن تقرير الأمين العام “خطتنا المشتركة”، هل تعتقدون أن البيان الصحفي الحالي يمثل نزعة إصلاحية تدريجية، أم أنه يشير إلى مواجهة أكثر جوهرية مع الهشاشة البنيوية لنظام الإجراءات الخاصة تجاه التدخلات السياسية من قبل الدول المعادية للمجتمع المدني؟

    إن مثل هذه المقترحات التي جاء بها البيان الصحفي قدمت من خبراء مستقلين بناء على معطيات من أرض الواقع وهذا يمنح المقترح قيمة مضافة سوف تتفاعل بشكل تدريجي في أروقة النقاشات كلما سنحت الفرصة لذلك، ولا يخفى على حضراتكم أن كل الأطر القانونية الحالية بدأت بفكرة أو مقترح أو مبادرة، ولا توجد هشاشة بنيوية لكنها صلاحيات محددة قانونا لا يمكن تجاوزها، وتعمل الإجراءات الخاصة على تطوير تدخلاتها وفقا لما يمكنها أن تقدمه حيث إن ولايتها مستمدة من قرارات هيئات تدار من قبل الدول مثل مجلس حقوق الإنسان، لكنها تعمل على إثارة مثل هذه الإشكاليات وتقديم المقترحات بالطرق المناسبة ومنها البيانات الصحفية.

    إلى أي مدى يُعتبر حرمان المنظمات الحقوقية من الاعتماد الأممي امتدادا دوليا لسياسة الانتقام المحلي ضد موثقي الاختفاء القسري؟ وكيف يمكن للإجراءات الخاصة التصدي جماعياً لهذه العرقلة ‘العابرة للحدود’ التي تستهدف تحجيم المدافعين؟

    كما أسلفت القول فإن آلية عمل الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي هي آلية سرية تضع في اعتبارها الأول حماية المتعاونين معه من المنظمات غير الحكومية والمدافعين عن حقوق الإنسان وأنه لا يعتمد فقط على الحضور الشخصي لممثلي تلك المنظمات، إنما يعقد جلسات كثيرة عبر وسائط إلكترونية وفي دوائر مغلقة سواء مع ذوي الضحايا أو مع المنظمات، ويحافظ الفريق على سرية مصادره بشكل صارم. ومع ذلك يتعرض الكثير من المتعاونين مع الفريق العامل إلى أنواع مختلفة من أعمال الانتقام، وتضع الإجراءات الخاصة آليات مناسبة وفق ولايتها للتعامل مع أية معلومات تردها عن استخدام أعمال الانتقام، لكن مع ذلك ما زالت أعمال الانتقام تستخدم وعلى نطاق واضح يؤثر على قرار الضحايا أو ذويهم أو المنظمات غير الحكومية في اللجوء إلى الفريق العامل لمواجهة أية حالة اختفاء قسري قد تحصل.

    هل يمثل تمكين دول متورطة في الاختفاء القسري من التحكم في ‘بوابات الاعتماد’ الأممي فسادا جوهريا لمفهوم البيئة الآمنة للمجتمع المدني؟ وكيف يمكن للمجتمع الدولي كسر هذه الحلقة وتفعيل المساءلة حين تتحول أجهزة الأمم المتحدة نفسها إلى أداة لإقصاء الضحايا والمدافعين؟

    اسمح لي أولا أن أتحفظ على استخدام مصطلح فساد، لأن البيئة القانونية الحالية هي نتاج توافق إرادات الدول، وهي تتأثر بالتطورات والحاجات الطارئة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى هذا الأساس فإن سبل الانتصاف بحد ذاتها قد تكون حقا مستقلا في وقت قريب وهذا ما تسير عليه أدبيات حقوق الإنسان حاليا بوضع (الوصول إلى سبل الانتصاف) في إطار عالمية النصوص الدولية.

    وبالعودة إلى خطة الإصلاح التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة والتي انتهت بإنشاء مجلس حقوق الإنسان فإنها قامت على أنقاض سياسة الحمائية التي شخصت في مواجهة لجنة حقوق الإنسان السابقة فضلا عن ازدواج المعايير، وإن إنشاء المجلس جاء لمواجهة هاتين المعضلتين (الازدواجية والحمائية) لكن هذه المعضلات توجد في مفاصل أخرى في الأمم المتحدة.

    وإذا دققنا بشكل جيد نجد أنه حتى مع إصلاح مجلس حقوق الإنسان فإننا ما زلنا نواجه تلك السياسة ويمكنكم مراجعة سجلات التصويت على القرارات التي تتعلق بدولة ما لتجد كيفية توجه إرادات الدول في التصويت وتفضيلها المصالح الوطنية على معطيات حقوق الإنسان. نحن اليوم وبكل صراحة أمام حاجة فعلية للإصلاح وقد يكون بيان الإجراءات الخاصة المبادرة الأهم في هذا المجال.

    من منظور عائلات الضحايا ومجتمعات الناجين، الذين غالبا ما يعتمدون على المنظمات المعتمدة لعرض قضاياهم على فريقكم العامل والآليات الأخرى، ما هي التبعات الحقوقية الملموسة والقابلة للقياس للاستبعاد الممنهج أو تأخير اعتماد المنظمات العاملة في مجال الاختفاء القسري؟ هل يمكنك تزويدنا بأنماط توضيحية واجهها فريقكم العامل؟

    بالنسبة للفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي، لا يوجد مثل هذا الشرط، تقديم البلاغات والمعلومات لا يتطلب تمتع المنظمة بالصفة الاستشارية، والمشاركة في الاجتماعات المغلقة كذلك، لكن المشاركة في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان عند عرض تقارير الفريق العامل وتقديم البيانات يتطلب توفر هذا الشرط.

    وعلى هذا الأساس فإن تأثير تأخير اعتماد المنظمات غير الحكومية ليس كبيرا في هذا الجانب فقط، لكن قد ينصرف مثل هذا التأثير إلى ممارسات ترقى إلى أعمال الانتقام والتمييز ويؤثر على سير نشاطات المنظمة أو تهديد أعضائها. وقد وضعت الإجراءات الخاصة آليات مناسبة لمواجهة أعمال الانتقام الموجهة من الدول أو من قبل كيانات من غير الدول ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية يمكن مراجعتها على موقع الفريق العامل الإلكتروني.

    ما هي الإصلاحات المعيارية والإجرائية التكميلية، مثل متطلبات الشفافية، أو آليات الاستئناف للطلبات المرفوضة، أو الرقابة المستقلة على قرارات اللجنة، التي تراها ولايتكم أساسية لاستعادة نزاهة اللجنة كميسر حقيقي لمشاركة المجتمع المدني؟

    يجب علينا فهم آلية ترشح الدول إلى اللجان والآليات والتوزيع الجغرافي للمقاعد لأن في الكثير من الحالات تسبق عملية الترشيح مناقشات إقليمية وتوزيع مقاعد إقليمية غير رسمية لضمان وصول دول بعينها، وعلى هذا الأساس فإننا بحاجة إلى إجراء دراسة مستفيضة عن دور المجموعات الإقليمية والترشيحات غير الرسمية التي تخرج عنها، ويمكن أيضا تعزيز دور المجتمع المدني في تلك الدول لضمان تأثيرها على قرار الدول لأنها بالأخير قرارات سيادية للدول لا يمكن مناقشة الدول بشأنها.

    هل سيكون من المناسب في رأيكم القانوني، تطوير آلية شكاوى رسمية أو لجنة مراجعة مستقلة، أسوة بما هو موجود في هيئات أممية أخرى، حيث يمكن للمنظمات التي رفض اعتمادها أو تعرضت لتأخير غير مبرر السعي للمراجعة بناء على أسس العدالة الإجرائية وعدم التمييز؟

    نحن نقف دائما داعمين لأي مبادرات أو مقترحات تساعد على تحقيق العدالة والمهنية في سياق عمل الأمم المتحدة، وإن لم تكن هناك آليات للطعن بالقرارات في سياق آلية الاعتماد فإن مقترحاتكم تتطلب مناصرة مناسبة للدفع بها فضلا عن الحاجة إلى الوقت.

    هل وصل النظام الدولي لنقطة تحول تفرض اعتبار حرية وصول المجتمع المدني للأمم المتحدة قاعدة آمرة وشرطا وجوديا لشرعية النظام الحقوقي برمته؟ وما هي الخطوات العملية لتحويل هذا التصور من مبدأ نظري إلى واقع ملزم؟

    إن التصور الذي تشيرون له قد حصل منذ مدة ليست بالقصيرة، لكن التمهيد لهذا الدور أخذ الكثير من الوقت. وإذا راجعنا آليات عمل الآليات التعاهدية أو الإجراءات الخاصة لوجدنا المساحة الكبيرة الممنوحة للمجتمع المدني في ملف حقوق الإنسان فضلا عن وضع آليات حماية من أعمال الترهيب والانتقام، تلك الآليات تأخذ طريقها تدريجيا نحو الوصول إلى قناعات من الحكومات بأهمية دور المجتمع المدني. المجتمع المدني اليوم مطالب بالتكاتف والعمل المشترك للدفع بهذه التصورات نحو جعلها قواعد قانونية ملزمة للدول.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدى الضيف مع محمد الباكي: حين تتحول العرائش الى قصيدة زجلية

    العرائش نيوز:

    في حلقة جديدة من برنامج صدى الضيف، نلتقي مع صوت يعكس جرح العرائش الغائر عبر الزمن، محمد الباكي زجال نسج من حروفه قصيدة جيل العرائش الجميلة :

    إقرأ الخبر من مصدره

  • زيد الخير: قصة ابني المصاب بالتوحد ألهمتني بتأسيس « المنهج الكندي »


    هسبريس من الرباط

    يُحتفى باليوم العالمي للتوحّد في الثاني من أبريل من كل عام، حيث يتصدّر المشهد العالمي يومٌ إنسانيّ يجسّد أسمى قيم الوعي والفهم والقبول والتضامن. ويُعدّ هذا الموعد مناسبةً يتوحّد فيها العالم لإعادة تسليط الضوء على قيمة الاختلاف، كما يشكّل فرصةً لتثمين جهود المختصّين، والإشادة بتفاني الأمهات والأسر التي تنسج يوميًا خيوط الأمل في حياة أبنائها، مرافقةً إياهم بخطى ثابتة نحو الاستقلالية والاندماج الكامل والمشاركة الفاعلة في مختلف مجالات الحياة.

    في هذا الصدد أجرت جريدة هسبريس حوارًا مع دنيا زيد الخير، مستشارة متخصصة في الصحة الحركية والنفسية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وأستاذة في العلاج الطبيعي باتحاد المعالجين في كندا، ومحاضِرة دولية لأمهات أطفال الاحتياجات الخاصة، وهي مؤسسة المنهج الكندي MSN_Approach®، الذي تطوّر ليصبح اليوم مقاربةً تجديديةً رائدةً ومعترفًا بها دوليًا، تُدرَّس للمعالجين في كيبيك وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وإنجلترا، في تجسيد واضح لمكانته وتأثيره المتنامي على الساحة العالمية.

    نص الحوار: من أين انطلقت فكرة المنهج الكندي؟ وما القصة الملهمة التي كانت وراء تأسيسه؟

    بدأت الرحلة سنة 2015، يوم تشخيص ابني باضطراب التوحّد. كانت تلك الصدمة نقطة تحوّل حاسمة في حياتي؛ لحظة امتزج فيها الألم بالحيرة، والخوف بالأمل. لم يكن الطريق واضحًا، وكانت التحديات قاسية، لكن كان هناك صوت داخلي قوي يدفعني إلى التأمل والفهم والبحث عن المعرفة، وإيجاد طرق حقيقية وفعّالة لمساعدته.

    #div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

    لم يكن أمامي خيار سوى أن أعيد ترتيب أولوياتي وسط كل تلك الصعوبات، وكان أهمها أن أواجه هذه المرحلة بإصرار، وأن أتجاوز العقبات بعزيمة لا تنكسر، مستندةً إلى إيماني العميق بعطاء ربٍّ كريم.

    وبجرأة، قررت أن أغيّر مساري المهني، وأن أتخصص في مرافقة هذه الفئة الخاصة في المجتمع، جامعةً بين قلب أمّ يشعر بكل التفاصيل، ونظرة أخصائية تسعى إلى الفهم الدقيق والتأطير العلمي العميق.

    ومن هذا الاحتكاك اليومي، ومن رحم التجربة الميدانية والإنسانية، وُلد المنهج الكندي ليكون شعلةً تنير درب كل طفل مختلف وأسرته، وسندًا حقيقيًا يخفّف من تحديات الرحلة، ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة في الاندماج والتطوّر.

    كيف شقّ المنهج الكندي طريقه من محاضرات وورشات موجّهة لأمهات أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ودعمهنّ، ليصبح اليوم منهجًا احترافيًا متكاملًا يُدرَّس للمعالجين حول العالم؟

    في بداياته، انطلق هذا المسار من رسالة إنسانية عميقة، كان هدفها الأول رفع الوعي وتكوين الأمهات، من خلال مشاركتهنّ تجربتي الشخصية مع ابني، وتزويدهنّ بأدوات عملية وتقنيات ملموسة تساعدهنّ على مرافقة أطفالهنّ في تفاصيل حياتهم اليومية بثقة ووعي أكبر. وقد قُدِّمت المعرفة آنذاك بأسلوبٍ يراعي اختلاف المستويات الأكاديمية والخلفيات المعرفية، حتى تصل الرسالة إلى كل أمّ بصورة واضحة وبسيطة وعملية.

    لكن، مع تعمّق التجربة الميدانية واتّساع الرؤية، ومع طموحي في نشر هذه الرسالة النبيلة، لم يعد الأمر يقتصر على ورشات توعوية أو دعمٍ أسري، بل تحوّل إلى مشروع مهني وعلمي متكامل، يحمل رسالة واضحة وطموحًا يتجاوز حدود التجربة الشخصية، ليُؤطَّر ضمن إطار علمي احترافي صارم موجَّه للمهنيين والمختصّين، ويشكّل جسرًا متينًا يجمع بين الخبرة الأكاديمية والواقع الميداني، وبين دقّة العلم ودفء الإنسانية.

    وبخطوات واثقة ورؤية راسخة، شقّ المنهج الكندي طريقه نحو المؤسسات الرسمية، حيث لقي إشادة واسعة وتقديرًا كبيرًا، مما مهّد لاعتماده ضمن إطار تكويني منظَّم يراعي المعايير الدولية.

    واليوم، وبكل فخر، يبرز المنهج الكندي كمقاربة رائدة معتمدة ومصادَق عليها، تحظى باعتراف هيئات مهنية مرموقة في كيبيك وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا وأستراليا، بما يعكس مصداقيته العالية وقيمته المتنامية وحضوره المتوسع في المجالين الصحي والتكويني.

    ما الرسالة الجوهرية التي تسعين إلى إيصالها من خلال المنهج الكندي؟

    الرسالة الجوهرية التي أسعى إلى إيصالها من خلال المنهج الكندي هي أن كل طفل مميّز، مهما كانت تحدّياته، يحمل في داخله قدرات فريدة تستحق أن تُفهم وتُحترم وتُحتضن بكل وعي واحتواء.

    النتائج الحقيقية والمبهرة تتحقّق عندما تلتقي خبرة الأخصائيين وضميرهم المهني بوعي الأمهات وتدخلهنّ المبكر ومواكبتهنّ اليومية، ليتحوّل هذا التكامل إلى قوّة داعمة تُحدث فرقًا عميقًا وملموسًا في جودة حياة الطفل، وتعزّز نموّه وتأقلمه واندماجه في محيطه.

    هل لديكم توجّه مستقبلي نحو توسيع نطاق المنهج الكندي من خلال شراكات أو تعاونات في المغرب؟

    بكل تأكيد، يُعدّ توسيع نطاق المنهج الكندي نحو المغرب من بين الأهداف التي أطمح إلى تحقيقها. هناك رغبة صادقة في أن تستفيد بلادي المغرب من هذه التجربة الرائدة، وأن يصبح هذا المنهج في متناول المختصين والأسر المغربية، بما يساهم في دعم الأطفال وتعزيز جودة مرافقتهم.

    كما أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الأثر الحقيقي يُبنى من خلال الشراكات الفاعلة وتكامل الخبرات، لذلك أبقى منفتحة على مختلف أشكال التعاون مع المهنيين والمراكز المتخصّصة والمؤسسات المعنية في المغرب، من أجل نقل هذه المقاربة وتكييفها مع احتياجات الواقع المحلي، والمساهمة في إحداث نقلة نوعية في مجال مرافقة الأطفال وأسرهم.

    ما الرسالة الأخيرة التي تودّين إيصالها؟

    في ختام هذا الحوار، أودّ أن أتوجّه بخالص الشكر والامتنان إلى جريدة هسبريس وطاقمها الاحترافي على إتاحة هذه المساحة الإعلامية القيّمة التي أعتز بها كثيرًا، وعلى دورها النبيل في فتح قنوات التواصل مع وطني المغرب، حيث كانت، منذ سنة 2016، رفيقًا حقيقيًا في إيصال صوتي ورسائلي إلى الأمهات والأسر المغربية، ومواكبة رسالتي الإنسانية والمهنية بكل احترام ومصداقية واحترافية.

    أما رسالتي الجوهرية، فهي أن المعاناة ليست نهاية الطريق، بل بداية تحوّل عظيم وولادة رسالة سامية؛ تُنسَج منها القوة، ويُصاغ منها الأثر، ليمنح حياتكِ معنى أعمق، ويجعلها رسالة نبيلة في خدمة الإنسانية.

    إقرأ الخبر من مصدره