Catégorie : حوارات

  • المثقفون فقدوا الثقة في أفكارهم

    التطورات، التي لا شك تخلق ديناميات في الجهات الترابية المختلفة، تجرى في سياقات تتميز بمنسوب كبير من الغموض، والتزاحم والتنافس غير المنتج، والممارسات «الثقافية» التي لا ينجم عنها التراكم الضروري، ولا تترك أصداء لدى الشباب، بشكل أخص، وذلك في زمن يشهد، أيضا، تراجعا ثقافيا وفكريا بيِّنًا للجامعة المغربية.

    في كل الأحوال، لا يكفي تكرار الحديث عن الثقافة، سيما أنها تتعرض لكثير من الالتباس والتشويه غالبا؛ خصوصا في وقت كثر الكلام عن اقتصاديات الثقافة أو الصناعات الثقافية. نحن أمام ثقافات متنوعة الخصائص والتعبيرات، فيها ما يعود إلى الثقافة الشفوية وإلى الثقافة العالِمة، بمستواها التقليدي -الذي ما يزال يتحرك ضمن رأسمال رمزي ووجداني واسع ومؤثر-، والمستوى العصري – وقد وجد في الماضي القريب وما يزال يجد مقاومات كبرى-؛ ثم الثقافة الوسائطية الجديدة التي خلخلت كل تعبيرات الثقافة ومستوياتها، وأصبحت تحدد مضامينها، وأنماط تأثيرها وانعكاساتها على العقل والوجدان.

    وإزاء مسلسل الانتقاص من العامل الثقافي في السياسات العمومية في المغرب، كما داخل أوساط المقاولات الخاصة وأصحاب الثروات، وفي سياق اهتزاز المرجعيات والقيم، وأمام الاحتباس السياسي وضجيج بعض وسائل الإعلام، تؤكد كل الدلائل على أن العاملين في كافة الحقول الثقافية والمثقفين فقدوا الثقة في أفكارهم. فالأطر التقليدية، التي عادة ما كانت تسمح للمثقفين بالتعبير عن إنتاجهم وأفكارهم، مثل الجامعة، تتعرض للإهمال والتراجع. وأنتج الاستخفاف السياسي المستدام بالمثقفين والثقافة، في الدولة كما في الأحزاب والهيئات التأطيرية المختلفة، ظواهر مَرضية جراء الاحتواء المناسباتي وتمييع الفعل الثقافي؛ كما حركت بعض وسائل الإعلام، المكتوبة والسمعية البصرية والإلكترونية، أقلامًا وأصواتًا تصوغ خطابات تتقدم كأنها تمتلك الكفاية والمشروعية للحلول محل المبدع والمثقف النقدي والمؤرخ…

    وعلى الرغم من كل الانتقادات التي توجه للمثقف، أعتبر أنه، وباعتباره مواطنا ما يزال يكتب ويبحث، وينشر ويعبر عن آرائه بشتى الطرق وفي أغلب المناسبات المفصلية (تدخل عبد الله العروي في المناقشات حول الدارجة واللغة العربية، ومشاركة العديد من المثقفين في الكثير من التظاهرات بالكتابة والالتزام والموقف…)؛ بل يلاحظ أن خريطة الكتاب والمبدعين تتسع وتتنامى. غير أن المشكلة الكبرى تتمثل في الصدى الذي تتركه هذه الكتابات ونوع التأثير الذي تمارسه على الرأي العام.

    *وقفت، في كتاباتك ومداخلاتك القيمة في مختلف اللقاءات التي شاركت فيها، على مكامن الخلل التي تجعلنا اليوم نتحدث عن الديمقراطية المنقوصة وعن النهضة المُعلقة أو المعطوبة، وعلى رأسها التعليم وغياب الكثير من المبادئ والقيم الكبرى، من قبيل الحرية والاعتراف، والعدالة والاستحقاق والتسامح، فهل هذا يعني أننا في المغرب بعيدون كل البعد عن تحقيق النهضة المأمولة؟

    **صحيح أن العديد من المعاينات جعلتني أصوغها بالسلب أو أصفها بالنقص، اعتبارا لما تكشفه الوقائع من حقائق وممارسات. فهل يجوز لنا ادعاء أننا نعيش في مجتمع سياسي ديمقراطي يُعلي من شأن المواطنة، ويستبعد سياسات الإذلال، ويحد من الفوارق ويقيم قواعد الإنصاف في المجالات الاجتماعية؟ وهل تمكننا المراهنة على اعتبار نظامنا التعليمي جيدا والحال أن جميع التقارير الوطنية والعربية والدولية تصنفه في ذيل الترتيب العالمي؟ وإلى أي حد يمكننا الحديث عن «نهضة» في الوقت الذي نغض فيه الطرف عن وضعية تراجع المدرسة أو الجامعة العمومية وعن أدوارهما في التعليم الجيد والتكوين الناجع وتعريضهما للمضاربة والمنطق الربحي؟

    إقرأ الخبر من مصدره

  • التمار تنتقد تهميش الروّاد: ما يحدث جحود لمن أسسوا الفن المغربي

    أكدت الممثلة المغربية آمال التمار أنها لم تعد تسعى إلى الظهور من أجل الظهور، بقدر ما تحرص على صون الصورة التي راكمتها لدى الجمهور عبر مسار فني طويل بدأ منذ الطفولة، معتبرة أن الإشكال الحقيقي اليوم لا يرتبط بغياب الفنانين بقدر ما يرتبط بمعايير الاختيار داخل الساحة الفنية، وبنظرة تُقصي جيل الرواد تحت ذريعة السن.

    وقالت التمار، خلال حلولها ضيفة على برنامج “نجوم في الظل” الذي يبث على منصات “مدار21” الإلكترونية، إنها وصلت إلى مرحلة من النضج تجعلها تفضل الحفاظ على رصيدها الفني بدل القبول بأدوار لا تضيف إلى تجربتها شيئا، مشددة على أن قيمة الفنان لا تُقاس بحجم الدور، بل بقدرته على منح الشخصية روحًا ومساحة، حتى وإن كانت قصيرة الحضور، لافتة إلى أنها تؤمن بأنه “لا يوجد دور كبير وآخر صغير، بل يوجد فنان كبير وآخر صغير”، لأن الفنان الحقيقي هو من يخلق حضوره داخل العمل.

    وتوقفت عند مسارها الفني الذي انطلق من المسرح “أبو الفنون”، قبل أن تلج التلفزيون وهي في سن الحادية عشرة من بوابة دار البريهي، حيث شاركت في برنامج “نادي الصغار”، لتتدرج بعدها داخل فرق الهواة ثم المسرح الوطني الذي قضت فيه 14 سنة، موازاة مع دراستها، التزامًا بشرط والدتها الراحلة التي أصرت على ألا يكون الفن على حساب التحصيل العلمي، مؤكدة أنها واصلت اشتغالها المكثف في التلفزيون خلال ثمانينيات القرن الماضي، وقدمت أعمالًا ما تزال راسخة في ذاكرة الجمهور.

    وانتقدت التمار ما اعتبرته “جحودًا” في حق جيل الرواد الذين أسسوا للفن المغربي، متسائلة عن أسباب تغييبهم وعدم استحضار أسمائهم وأعمالهم، رغم أنهم وضعوا اللبنات الأولى للمسرح والتلفزيون والتمثيل بالمغرب، معتبرة أن السن لا ينبغي أن يكون عائقًا أمام استمرار العطاء، مستدلة بتجارب فنية عالمية وعربية ما يزال أصحابها يشتغلون رغم تقدمهم في العمر.

    وأضافت أن الفنان يحتاج إلى التقدير والاعتبار أكثر من أي شيء آخر، لأن الإهمال يؤلم، بينما يمنح الاعتراف طاقة للاستمرار.

    وشددت على أن الجمهور لا ينسى الأعمال “الصادقة”، مشيرة إلى أن أدوارها في عدد من المسلسلات والأفلام لا تزال تحظى بتفاعل داخل المغرب وخارجه، وأن الجالية المغربية في أوروبا وأمريكا وآسيا تتابع أعمالها وتتواصل معها خلال الجولات المسرحية، معتبرة أن سر رسوخ الأعمال القديمة يكمن في الإخلاص والعفوية وقوة النصوص، مؤكدة أن النقاش في السابق كان يتمحور حول جودة الدور والرسالة، أكثر من التركيز على المقابل المادي.

    وفي سياق حديثها عن واقع الإنتاج، رأت التمار أن حصر فرص الظهور في موسم رمضان يخلق نوعًا من التهافت، ويحد من مشاركة عدد أكبر من الفنانين على مدار السنة، ما يفسر تساؤلات الجمهور حول تكرار الوجوه نفسها، داعية إلى منح الفرص لكفاءات من مختلف جهات المملكة، بدل حصر الاختيارات في مدن بعينها بدعوى اعتبارات مادية.

    وأبرزت أن الفن رسالة تعكس تنوع المجتمع، رافضة حصر الإنتاج في فئة عمرية معينة، أو تقليد أنماط درامية لا تنتمي إلى الخصوصية المغربية، داعية بالمقابل إلى الاستثمار في الأعمال التاريخية التي تبرز غنى التراث الوطني وشخصياته، بدل استنساخ تجارب خارجية.

    وكشفت التمار أنها لم تكتف بالتمثيل، بل خاضت تجربة كتابة السيناريو، من خلال فيلم طويل بعنوان “رقصة الوحش” أخرجه حسن بنجلون، كما انخرطت في العمل الجمعوي عبر مبادرات تعالج قضايا الهدر المدرسي وزواج القاصرات واغتصاب الأطفال ومخاطر الإنترنت، مؤكدة أن هذه المواضيع “ليست من المحرمات بل من صميم الواقع”، وأن الفن ينبغي أن يطرحها بجرأة ومسؤولية.

    وفي ختام حديثها، وجهت رسالة إلى جمهورها الذي يطالب بعودتها إلى الشاشة، قائلة إنها تعتبره “تاجًا على رأسها”، وإنها تحترم خصوصية البيوت المغربية، لأن التلفزيون يدخلها دون استئذان، ما يفرض مسؤولية مضاعفة على الفنان، معربة عن أملها في العودة بأدوار تليق بتطلعات المتابعين، وتلامس قضايا المجتمع بصدق، بعيدًا عن الظهور العابر الذي لا يترك أثرًا.



    إقرأ الخبر من مصدره

  • رشيد بوغابة: حوار المعطلين مع بوسيف ..تجربة التشيباطو..الاتحاد الاشتراكي بالعرائش

    العرئش نيوز:

    في هذه الحلقة من صدى الضيف نلتقي مع الفاعل الجمعوي و الاعلامي المثير للجدل رشيد بوغابة ، يحكي بصراحته المعهودة فصلا من تاريخ المدينة عاشه كمعطل ايام العامل بوسيف و مناضل داخل الاتحاد الاشتراكي كما يحكي عن اسباب توقف تجربة جريدة التشيباطو وغيرها الكثير :

    إقرأ الخبر من مصدره

  • مقومات الدرس الفلسفي

    على الرغم من كل أشكال التضييق التي تعرضت لها الفلسفة والفكر والإبداع، برهن الباحثون والمشتغلون بالفكر والكتاب من المغاربة على اقتدار لافت في ترويض مفاهيم التاريخ والسياسة والفلسفة، بهدف مواجهة إشكاليات تاريخية، ومعرفية وسياسية، وأنتجوا مُصنفات تخطَّت حدود المغرب لتصبح مراجع مطلوبة في ما ينتج باللغة العربية. لقد دشن محمد عزيز الحبابي هذا الحضور واتخذ مسارات مغايرة مع عبد الله العروي، ومحمد عابد الجابري، وعبد الكبير الخطيبي، وفاطمة المرنيسي، وعلي أومليل والجيل المخضرم من الفلاسفة المغاربة الذين تتلمذوا على يد هؤلاء، والذين يحتلون موقعًا مرجعيًا في الفكر الفلسفي العربي المعاصر، ومنهم عبد السلام بنعبد العالي، ومحمد سبيلا وسالم يفوت وغيرهم، إلى عبد الإله بلقزيز وسواه من الأسماء الشابة التي ما تزال تجتهد للإعلاء من قيم العمل، والمبادرة، والمعرفة، والعقل والجمال.. بل إن المشتغلين بالفلسفة أثْروا المشهد الثقافي المغربي، وكيَّفوا العديد من قضاياه السياسية، والتاريخية والمعرفية بتدخلاتهم، وكتاباتهم ومؤلفاتهم.

    لكن السؤال الكبير، اليوم، هل الأفكار الفلسفية، كما يتم توصيلها إلى الطلبة، تستجيب لمقومات الدرْس الفلسفي؟ أم أن نسبة لا بأس بها ممن يمارسون عملية التوصيل والتدريس يقومون بما يضاد مقتضيات السؤال، ويلتزمون بشروط تعلم التفلسف، سواء في الثانوي أو في شعب الفلسفة بكليات الآداب؟

    قد يظهر على هذين السؤالين نوع من الإثارة والرغبة في خلق الجدل، باعتبار أن مبرر طرحهما مرده إلى ما يُلاحظ في ثانويات المغرب من انحرافات وتشوُّهات تُمارَس على الدرس الفلسفي، وما يظهر في شعب الفلسفة في الكليات من تراخٍ، والكذب على الذات، وانتشار لمظاهر الغش، والمجاملة، والريع بكل أشكاله، وانسحاب الأساتذة المُمَيزين، وسيطرة الاهتمامات التراثية وادعاءات التخصص في العلوم. هذه حقول مطلوبة من دون شك، لكن ليس على حساب التكوينات الأساسية في الفلسفة والاحتكاك بنصوصها المرجعية، وتعزيز ذلك بكل الاهتمامات الأخرى المعروفة والجديدة التي على الطالب الاطلاع عليها، واكتشاف آفاقها واكتساب أفكارها.

    وإذا كنا، بالرغم من ذلك، ما نزال نعاين وجود أفراد أو بؤر قليلة، هنا وهناك، تستمر في الالتزام بمقومات الدرس الفلسفي والبحث في تاريخ الأفكار الفلسفية في المغرب، وهي موجودة لحسن الحظ، فإن مؤشرات عديدة، مُقلقة للغاية وبشهادة أغلبية الأساتذة والمهتمين النزهاء، تؤكد تراجعا كبيرا لجودة الدرس الفلسفي، في الثانوي كما في الجامعي، وانحرافا مثيرا عن أساسياته ومقاصده، ما يهدد هذه المادة بالتسطيح، والتشويه والانحراف عن أهدافها البيداغوجية والمعرفية التي تميزها عن غيرها من المواد.

    أما على الصعيد الثقافي العام، فإنه من المعلوم أن دستور 2011 في المغرب تضمن العديد من الصيغ التي تُحيل على الثقافة (ذكرت لفظة الثقافة أكثر من عشرين مرة في نص الدستور لأول مرة)، وأن تتكلف السلطات العمومية بدعم «الإبداع الثقافي والفني»، إلى غير ذلك من الإحالات على «التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية». ولا شك أن الحديث عن الثقافة، في الدستور، خضع لصياغة معيارية كان يتوقع منها انتهاج سياسات عمومية، سواء على صعيد المسؤولية الحكومية أو الجماعات المحلية، تضع في حسبانها الأهمية الكبرى التي منحها الدستور للثقافة حتى تكون في قلب كل السياسات والمخططات.

    لكن المعطيات الموضوعية، التي تحصل فيها هذه التطورات، تُبين أن ثمة تفاوتات كبرى بين الإقرارات المعيارية، والبرامج التي توضع تحت عنوان الثقافة التي تُسطَّر وتُنفذ، جزئيا أو كليا، وبين الأصداء التي تنجم عنها في التكوينات، والأذواق، والسلوكات والعلاقات. ذلك أن أكبر المشاتل، التي من المفترض أن تكون حاضنة للثقافة والتربية عليها، وهي المدرسة، تعاني من نقائص مَهُولة على مستوى المضامين الثقافية والتربية الجمالية التي من المفترض ضخها في البرامج والمناهج، ناهيك عن أن الإعلام العمومي، الذي من المفروض أن يعزز الدور الثقافي للمدرسة، وبالرغم من وجود بعض البرامج ذات الطبيعة الإخبارية والتوصيلية، لم يرق إلى ما هو مطلوب دستوريا.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • نقد الفكر العربي والإيديولوجيا 9

    ثمة مجهودات فكرية ونقدية جبارة بذلها المفكرون العرب ابتداء من ستينيات القرن الماضي إلى اليوم. وسنكون جاحدين وغير نزهاء إذا أنكرنا الانفتاحات البارزة والمجهودات المُعتبرة التي اقترحها البعض منهم، لكن، في الآن ذاته، يمكن أن نعاين أن هذه الاجتهادات، التي شهدها الفكر العربي طيلة الخمسة عقود الأخيرة، سيما بعد صدور «الإيديولوجية العربية المعاصرة» للعروي، لم تحسم عملية تعيين الأفكار، وتسمية القضايا وتعريف المفاهيم التي أعاد هذا الفكر تنشيطها، من داخل المنظومة العربية الإسلامية أو اقتباسها من الغير بالشكل الذي يسمح لها بالاستيعاب الجماعي، والتبني والتجذر في الفكر والثقافة؛ علما أن الفكر إذا كان عبارة عن مسار وعن صيرورة، فإن مسألة التسمية أو التحديد عامل مقرر في شأن نجاعة الفكر، وصدقية عملياته، ورجاحة مفاهيمه وقوة تأثيره على الوعي الجمعي.

    هل المشكلة المعرفية الملتصقة بالفكر العربي راجعة إلى ارتهانها للاعتبارات الإيديولوجية، مادام أن المسألة السياسية طغت على هذا الفكر منذ بداياته النهضوية إلى الآن؟ أم أن الأمر مرتبط بالأساس «الإبستيمي» المعرفي العميق الذي تتحرك داخله اللغة والأفكار والمفاهيم؟

    وعلى الرغم مما يمكن لهذه الأسئلة أن تحوزه من مشروعية، فإن ثمة انفتاحات مهمة نجدها في ثنايا هذا النص أو ذاك، وأن باحثين ومفكرين عربا، مهما كان ثقل الارتهان الإيديولوجي، تمكنوا من تكسير العوائق وخلخلة الثوابت لصياغة بعض الأسئلة، أو تلمس مفاهيم تهم الوجود العربي في مستوياته الثقافية، السياسية، والاجتماعية والفنية. وأمام ما تراكم من مُصنفات وأبحاث ودراسات، يصعب على المرء أن يركن إلى موقف عدمي خالص؛ إذ نجد، مع كل التحفظات والاعتراضات الممكنة، اجتهادات نقدية حول الدولة والثقافة والتراث والمجتمع والسياسة والفن، لا يمكن لأي مشتغل بالفكر العربي المعاصر أن يغفلها أو أن ينكر بعض قيمتها.. بل إن التمادي في إهمال بعض هذه الانفتاحات الفكرية يطرح أكثر من سؤال حول جدِّية بعض الأحكام وصدقية منطلقاتها.

    *وماذا عن المغرب والتحولات التي عاشها، والتي كان للفكر والفلسفة والثقافة بشكل عام دور فيها، ولكن سرعان ما خبت تلك الجذوة، وتم قتل كل محاولات النهوض بالفكر والثقافة، وظلت النهضة المأمولة في المغرب على الأقل مُعلقة، وفق تعبيركم، فما أسباب هذا الخراب الثقافي والفكري والروحي الذي نعيشه؟

    **عاش المغرب حالات تنازُع مُستدامة حول الفكر والتفكير الحر، بما فيها الفلسفة وعلى شرعية إدماج دروسها في المنظومة التعليمية وفي المشهد الثقافي العام. وهو صراع أبرز، منذ أواسط ستينيات القرن الماضي، مظاهر الصراع بين القوى التي دعت إلى الانتماء للعصر، بما فيها مقتضياته السياسية والفكرية والتعليمية، وقوى لم يكن في مصلحتها نشر مقومات الفهم والوعي في أوساط الناشئة والشباب. تأجج هذا التنازع بممارسة أشكال المحاصرة كافة على التفكير النقدي والفلسفة ابتداء من أواسط السبعينيات، وتُوج في الثمانينيات مع فتح شعب الدراسات الإسلامية في كليات الآداب القديمة وتعميمها على الكليات الجديدة ومنع فتح شعب الفلسفة من ذلك. وكان هذا القرار تحت تأثير مذهب أصولي متشدد تبناه النظام في ظرفية صعبة كان فيها في حاجة إلى المال من بعض الدول العربية. صحيح أن أصحاب القرار اهتدوا، بشكل متأخر في أواسط التسعينيات، إلى الخطأ الكبير الذي ارتكبوه وبدأوا يشجعون، باحتشام، فتح مسالك للفلسفة أو علم الاجتماع في هذه الكلية أو تلك. كما تم تعميم تدريس الفلسفة في السنوات الثلاث من المرحلة الثانوية؛ وهو، في الواقع، إجراء مغربي غير مسبوق في العالم.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • البلدان العربية والعبودية الطوعية

    بحكم تضايقها مما يمكن أن يحمله المفكرون والمثقفون من نظرات نقدية إزاء السياسات المتبعة، لجأت السلط السياسية إلى أنماط متنوعة من الاستشارة و«التقييم» التي ينجزها «خبراء» يقدمونها بوصفها تتوفر على الكفاية العلمية والنزاهة والحياد، مقابل استبعاد المتخصصين في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية الذين، في الغالب الأعم، يكشفون عن تحولات المجتمع بطرق تستحضر المعالجة النقدية، وتكشف عن استراتيجيات الاستخدام والسيطرة والتوجيه التي تتبعها السلط المتحكمة في القرار. هكذا، وفي ضوء السطوة الإعلامية للخبراء، وضجيج تقارير «مراكز التفكير»، التي تتناسل هنا وهناك، واجتياح التكنولوجيات الرقمية، انسحبت لفظة النقد وتم تعويضها بتقارير ونصوص باردة تدعي تشخيص الأوضاع العربية، وتقيم مؤسسات بلدانها وتحدد لها سياساتها وقراراتها.

    لذلك اعتبرت، في كتاب «الزمن المنفلت»، أن البشرية دخلت، كما البلدان العربية، في زمن تسود فيه تمظهرات من «العبودية الطوعية»، وتعبيرات متنوعة للضياع، الواعي واللاواعي، لدرجة أن المنظومة الجديدة للوجود التي ولَّدتها الأدوات الرقمية هي بصدد تشكيل بنيات وعي ووجدان جديدين لدى الإنسان، وأضحت تمثل خطرا داهمًا ومصدر إرهاق مستدام بالنسبة لمن لم يعد قادرا على خلق المسافة المناسبة مع هذه الأدوات؛ بل وانتقل ما كان يُعتبر تعارضا خارجيا، مع «الحداثة الرابطة»، إلى تعارضات داخلية، لدرجة أن المرء يجد ذاته غارقا في عوالم متموجة تقذف به الخوارزميات في الاتجاهات التي تجعل منه كائنا مُتسكعًا، تائهًا، مُفتقِدًا لأي ضابط عقلاني يحثُّه على الانتباه إلى الاستلاب الجارف الذي دخل فيه. وحتى إن انتفض، أحيانا، على عبوديته، فإنه نادرا ما يستطيع مقاومة الإغراءات القوية للرقمي وللافتراضي، أو مواجهة آليات الاستبداد والتهديد.

    *سبق وأشرت إلى أن الفكر العربي الحديث لم يؤسس نظرية في النقد، ولم يحدد على الأقل موقع النقد ودلالاته كأداة ومفهوم في ممارساته النظرية المختلفة المنطلقات والمناهج والرؤى، فهل اجتهادات كل المفكرين والفلاسفة العرب من أمثال: طيب تيزيني، عبد الوهاب المسيري، عبد الله العروي، محمد عابد الجابري، حسن حنفي، هشام جعيط، محمد أركون وغيرهم، لم تؤت أكلها، ولم يكن النقد فيها شرطا أساسيا لفعل التفلسف؟

    **يصعب إنكار أن الفكر العربي الحديث والمعاصر شهد دعوات إلى النقد، منذ أواسط القرن التاسع، مرورا بـ«فكر النهضة»، الذي نزع إلى الخروج من التأخر بـ«نقد» الفكر المتحجر والخرافي الذي استوطن العقول طيلة قرون الانحطاط. وسواء تقدم هذا الفكر تحت عنوان الإصلاح، أو الانبعاث أو النهضة فقد كان ممثلوه يتبرمون من وضعية الجمود في التفكير، والفساد في المجتمع والاستبداد في السلطة. لم يكن فارس الشدياق وبطرس البستاني، وشبلي شميل، وفرح أنطون، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمان الكواكبي، وعلي عبد الرازق، وسلامة موسى أو طه حسين وغيرهم كثير، مجرد كتاب ومحرري مقالات ومؤلفات باردة؛ بل كانوا يحملون هموم الخروج من التأخر والانحطاط والاستبداد والوصاية الأجنبية من أجل الانتماء إلى زمن العالم بالاستفادة من مكتسباته الفكرية والسياسية والاقتصادية.

    لذلك لا أعتبر أن النزعة النقدية في الفكر العربي بدأت مع المفكرين النقديين ابتداء من ستينيات القرن الماضي. غير أن هؤلاء، أمثال عبد الله العروي، وحسن حنفي، وطيب تيزيني، وحسين مروة، وأدونيس، ومحمد عابد الجابري، وفؤاد زكريا، ومحمد أركون، وهشام جعيط، وعبد الكبير الخطيبي وآخرين، حاولوا تأسيس «نظرية في النقد»، كما هو شأن الجابري في «نقد العقل العربي» أو محمد أركون في مجال «نقد العقل الإسلامي».. جلهم تقصدوا الكشف عن مكونات أساسياته المعرفية سواء في التراث العربي- الإسلامي أو في الخطاب العربي المعاصر، من منطلق أن نقد العقل حلقة أساسية ومبدئية في كل مشروع نهضة.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • صدى الضيف مع خالد البغداد : طفل تربى بين رموز السياسة بالبلد ومراهق عاش تجربة الاعتقال

    العرائش نيوز:

    صدى الضيف يستقبل خالد البغدادي ، يحكي قصة طفل نشأ وبيت الاسرة يستقبل رموز الاتحاد الاشتراكي كلما حلوا بالمدينة ، نفس الطفل عاش في مرحلة المراهقة تجربة الاتقال وهو تلميذ بسبب موقفه السياسي ، يمتد الحديث الى ما عرفه حزب الاتحاد الاشتراكي محليا من صراعات وانقسامات،انتهاء بمحاولات عدة لايجاد بديل سياسي…

    إقرأ الخبر من مصدره

  • حوار.. العزيز لـ »تيلكيل عربي »: لن نخوض الانتخابات بشعار « وحدة اليسار » دون التزام سياسي لما بعدها

    في إطار الاستعداد للانتخابات المقبلة، يكشف عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، ملامح التحضير التنظيمي والسياسي داخل الحزب، كما يوضح طبيعة النقاش الجاري بشأن التحالفات، سواء مع الحزب الاشتراكي الموحد أو مع حزب التقدم والاشتراكية في إطار ما سمي بـ »وحدة اليسار ».

    في هذا الحوار مع « تيلكيل عربي » يوضح العزيز موقفه من المشاركة في الحكومة، مبرزا أن أي تحالف انتخابي ينبغي أن يقوم على أرضية سياسية واضحة والتزام لما بعد الانتخابات.

    ـ كيف يستعد حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟ وما أبرز المحاور التنظيمية والسياسية التي اشتغلتم عليها خلال هذه المرحلة؟

    على المستوى المركزي قمنا بإعداد برنامج عمل الحزب، الذي يتضمن مجموعة من الندوات الموضوعاتية، التي أفرزت عددا من المخرجات حول عدد من القضايا الأساسية،  كما أننا سنعقد المجلس الوطني للحزب في شهر مارس الجاري.

     وبخصوص أبرز القضايا التي تناولتها الندوات، فقد اشتغلنا على قضايا التشغيل، والهجرة، وعقدنا ندوة حول الوضع الاقتصادي العام، كما برمجنا ندوة خاصة حول الصناعة، وهناك أيضا مجموعة من الندوات التي لم تستكمل بعد، وتتعلق بالقضايا السياسية بصفة عامة والقضايا المؤسساتية، ونعمل حاليا على تجميع خلاصات هذه الندوات واستكمال ما تبقى منها، تمهيدا لعرضها على المجلس الوطني قصد إعداد البرنامج الحزبي على أساسها.

    ـ متى سينعقد المجلس الوطني، وما أبرز القضايا التي ستطرح للنقاش خلاله؟

    سنعقد المجلس الوطني يوم 29 مارس الجاري، وسنناقش خلاله قضية التحالفات، خاصة ما يتعلق بإمكانية الدخول في إطار اتحاد للأحزاب، وهو النقاش القائم حاليا مع الحزب الاشتراكي الموحد، بعد أن عقدنا معهم مجموعة من اللقاءات.

    كما أن مجالس الفروع تجتمع حاليا في مختلف المدن لتقييم وضع الحزب والنظر في المرشحين، وقد تم نقاش إمكانية إدراج فاعلين من المجتمع المدني وفاعلين اجتماعيين ضمن لوائحنا، لأننا لا نريد أن يقتصر الترشيح على المناضلين فقط، بل أن يشمل أيضا من يحملون قضايا المجتمع المختلفة، سواء تعلق الأمر بقضايا المرأة أو بقضايا اجتماعية أخرى أو بمحاربة الفساد.

    أما المجلس الوطني الثاني، فسيعقد خلال شهر يونيو، في أجواء يفترض أن توضع فيها اللمسات النهائية، وتتم المصادقة على كل ما يتعلق بالاستعدادات للاستحقاقات المقبلة.

    ـ في إطار الاستعداد للانتخابات، ما أهم أشكال التنسيق القائم؟ وأين وصل التنسيق مع الحزب الاشتراكي الموحد؟

    يتم النقاش إلى حد الآن بشكل غير رسمي، في إطار لقاءات ثنائية، لنرى إمكانية المضي في إطار اتحاد للأحزاب، بحيث نتقدم في كل الدوائر الانتخابية، سواء الجهوية أو المحلية، بمرشح واحد باسم اتحاد الأحزاب الذي سيتم الاتفاق عليه.

    لم نصل بعد إلى الحسم النهائي، ربما في نهاية رمضان أو بعده مباشرة سيكون لدينا لقاء رسمي للنظر في كل هذه الإمكانيات المطروحة.

    ـ هل يقتصر الأمر على الحزب الاشتراكي الموحد؟

    نعم، النقاش داخل المكتب السياسي يهم أساسا التحالف مع حزب الاشتراكي الموحد.

    ـ كانت هناك دعوة من حزب التقدم والاشتراكية للانخراط فيما سمي « وحدة اليسار »، كيف تفاعلتم مع هذه المبادرة؟ وما الذي دار في اللقاء الذي جمعكم؟

    كان هناك لقاء، لكن لم يكن هناك وضوح كاف، ولا رؤية دقيقة لما بعد الانتخابات، بل كان الحديث عن تنسيق في بعض الدوائر الانتخابية فقط.

    نحن اعترضنا على هذا الطرح، لأن التنسيق في بعض الدوائر لا يسمح بإقامة تحالف سياسي حقيقي قائم على أسس سياسية واضحة، نحن نرى أنه ينبغي، بعد الانتخابات، أن يكون هناك التزام بأن نسير جميعا في الاتجاه نفسه وفق محددات متفق عليها.

    ـ متى انعقد أول لقاء بينكم في هذا الإطار، وما طبيعته التنظيمية؟

    كان لقاء واحدا فقط قبل ما يزيد عن شهر، ولم يكن لقاء رسميا على مستوى المكاتب السياسية، بل لقاء ثنائيا من أجل جس النبض.

    ـ صرح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله بأنه لم يتلق ردا رسميا منكم، كيف تفسرون ذلك؟

    أعتقد أنه قد يكون هناك سوء تفاهم في هذه النقطة، لم يكن هناك أي اتفاق على أن نقوم  برد رسمي، لأن الأمور كانت واضحة خلال اللقاء.

    لقد سألت الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية: ماذا بعد الانتخابات؟ ما تصوركم؟ هل هناك التزام سياسي؟ هل هناك أرضية واضحة لما بعد الاستحقاقات؟ فكان جوابه أن الأمر يتعلق بالتنسيق في بعض الدوائر الانتخابية وإصدار تصريح سياسي عام، كان جوابه واضحا، وكان تفاعلنا بدورنا واضحا كذلك.

    لو كان هناك تحالف سياسي مبني على أرضية سياسية صريحة، وعلى تصور واضح لما بعد الانتخابات، لكان الموقف مختلفا، أما أن يقتصر التحالف على بعض الدوائر الانتخابية فقط، دون التزام سياسي لما بعد ذلك، فهذا بالنسبة إلينا غير كاف.

    ـ هل يمكن القول إنكم ترفضون تحالفا انتخابيا يقتصر على تنسيق في بعض الدوائر دون التزام سياسي لما بعد الانتخابات؟

    لم يكن هناك التزام سياسي متبادل بأننا سنواصل التنسيق بعد الانتخابات، لأن الانتخابات لحظة، ولا يمكن أن نخوضها برسالة وحدة اليسار أمام المواطنين، ثم ينتهي الأمر بمشاركة حزب في الحكومة وتموقع آخر في المعارضة دون تصور مشترك.

     ـ هل يعني ذلك أنكم ترغبون في تشكيل فريق برلماني موحد بعد الانتخابات؟

    لا نتحدث بالضرورة عن فريق موحد، لكن على الأقل عن التزام بالسير في الاتجاه نفسه، بالنسبة إلينا، إذا لم تكن هناك شروط واضحة لتطبيق البرنامج الحزبي، فلا يمكن أن نعيد نفس التجارب السابقة، حيث تقدم الأحزاب برامج تتعاقد بها مع المواطنين، ثم نجدها في الحكومة تطبق برنامجا آخر لا علاقة له بما التزمت به.

    ـ لكن في الحكومات الائتلافية من الطبيعي ألا يطبق برنامج حزب واحد بالكامل، ما رأيكم؟

    صحيح، لا يمكن تطبيق برنامج حزب واحد بالكامل، لكن عندما تكون هناك حكومة منسجمة ذات توجه عام واضح، يمكن أن يظهر أثر كل حزب في السياسات العمومية، وتبرز بصمته في القرارات والاختيارات الكبرى.

    اليوم، نرى حكومات تضم أطرافا مختلفة جدا في المرجعيات، ومع ذلك فإن السياسات العمومية في العمق لا تتغير، المواطن يصوت، لكنه لا يرى ترجمة حقيقية لاختياره في السياسات العمومية،  فخلال العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة، ظل نفس التوجه العام مستمرا.

    لا يمكن أن ندخل في حكومات هجينة تجمع بين الشيوعي والاشتراكي والليبرالي والإسلامي، دون أن يجمعهم مشروع مجتمعي واحد أو برنامج منسجم، ثم نجد أنفسنا في النهاية نطبق نفس السياسات، هذا يقتل السياسة ويضرب الثقة في العمل السياسي.

    لا يمكن أن نخوض الانتخابات برسالة سياسية واضحة، ونتعاقد مع المواطنين على برنامج محدد، ثم ندخل بعد ذلك في تحالف حكومي يطبق برنامجا آخر لا علاقة له بما تعاقدنا عليه.

    لقد تعاقبت حكومات متعددة، وتغيرت الأغلبيات، وتغير رؤساء الحكومات، لكن التوجه العام ظل هو نفسه، توجها ليبراليا أو نيوليبراليا، سواء أكان الحزب اشتراكيا أو إسلاميا أو غير ذلك.

    وهذا ما طرحناه مع الرفاق داخل التقدم والاشتراكية، فلا يمكن أن نخرج برسالة قوية حول وحدة اليسار والتعاقد مع المواطن، ثم بعد الانتخابات يشارك البعض في الحكومة بينما يكون البعض الآخر في المعارضة، هذه ليست سياسة لها قواعد واضحة.

    نحن نتحدث عن برامج حزبية، وعن توجه عام منسجم يمكن أن يسمح بتحقيق جزء من هذا البرنامج في إطار حكومي واضح، أما أن نخوض الانتخابات بشعار معين، ثم بعد الانتخابات « كل واحد يعوم بحرو »، فهذا لا يستقيم سياسيا ولا يحترم منطق التعاقد مع المواطنين.

    هل يعني هذا أنكم ترفضون المشاركة في الحكومة؟ أم أن لديكم شروطا محددة لذلك؟

    لسنا ضد المشاركة في الحكومة من حيث المبدأ، لكن بشرطين أساسيين: أولا التجانس داخل الأغلبية، وثانيا إمكانية تطبيق البرنامج أو جزء منه ضمن تصور عام منسجم.

    إن وجودنا في الحكومة يجب أن يكون له معنى، وينبغي أن يعرف المواطن أن هذا الحزب يطبق توجهاته وقناعاته، وأن حضوره يترجم إلى قرارات وسياسات ملموسة، أما أن نشارك فقط لأننا دعينا، دون وضوح في التوجه أو دون قدرة فعلية على التأثير، فذلك يفرغ السياسة من مضمونها، وليس هذا هو توجهنا.

    على سبيل المثال في إسبانيا، فالحزب الشعبي عندما يكون في الحكومة يطبق سياسة يمينية محافظة، ويظهر ذلك بوضوح في القرارات السياسية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، وفي المقابل، عندما يكون الحزب الاشتراكي في الحكومة، تظهر بصمته في السياسات المرتبطة بالقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والحقوق الاجتماعية، أي أن المواطن يلمس اختلافا حقيقيا في التوجه بحسب من يدبر الحكومة.

    أما عندنا، فتجربة حكومة عبد الرحمن اليوسفي، مثلا، كان يفترض أن تعكس توجها اشتراكيا واضحا، لكن في عهده طبقت الخوصصة، وجاءت بعد ذلك حكومة تنادي بالأخلاق، ومع ذلك اتخذت قرارات لم تكن منسجمة مع التوجهات التي رفعت كشعارات، واستمرت التوجهات نفسها. في النهاية، لم يحصل التحول الذي كان منتظرا، ولم تترجم الشعارات إلى سياسات طبقت على أرض الواقع.

    اليوم، أيضا، لا يمكن لأي حزب، سواء أكان الأول أو الثاني أو الثالث، أن يطبق توجهاته، حاليا هناك توجه تغول الرأسمال الكبير.

     والسؤال المطروح: هل يقدر حزب يساري فعلا على تطبيق سياسة مغايرة داخل هذا السياق إذا لم يكن هناك انسجام وشروط واضحة؟

    لا يوجد لدينا رفض مبدئي للمشاركة، وإلا لماذا نشتغل في السياسة؟ لكن وجودنا في الحكومة يتطلب ترجمة القناعات الفكرية إلى قرارات عملية، هناك من ينتظر المشاركة في الحكومة ومستعد لأي شيء من أجل ذلك، وهذا يضرب السياسة في العمق، هذا ليس همنا، وليس توجهنا.

    ماذا عن تغطية الدوائر الانتخابية؟ وهل تتوفرون على رؤية واضحة في هذا الجانب؟

    في التجربة السابقة، عندما كنا في إطار تحالف ثلاثي ضمن فيدرالية اليسار الديمقراطي، كنا نغطي عددا مهما من الدوائر الانتخابية. وفي آخر تجربة مع الحزب الاشتراكي الموحد، كنا نغطي ما بين 80 و90 دائرة بصفة عامة.

    لكن الإشكال بالنسبة إلينا لا يتعلق بعدد الدوائر في حد ذاته، من حيث المبدأ، التغطية ممكنة لأن لدينا مناضلين في مختلف المناطق،  غير أن مناضلينا ليسوا أصحاب « الشكارة »، بل إنهم أطر ومناضلون يتحملون مسؤولياتهم السياسية، ولا تتوفر لديهم دائما الإمكانيات المادية لتحمل جميع تكاليف الحملة الانتخابية.

    هناك تضامن بين المناضلين، لكن مسألة الوسائل الأساسية، خاصة الجوانب اللوجستيكية، تظل موضوع نقاش داخلي، بما في ذلك تحديد الأولويات والمناطق التي ينبغي التركيز عليها، وهذا النقاش لا يزال مفتوحا ولم نحسمه بعد.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • الآن العربي يحتاج إلى مساءلة ونقد 6

    يبدو، وبقوة، أن مسألة العقل والعقلانية تطرح نفسها في كل لحظة من لحظات العلاقات العربية، منذ بداية الاصطدام بظواهر الحداثة في القرن التاسع عشر إلى ما أدخلته هذه الحداثة، في تعبيراتها البربرية والتدميرية، في الكيان العربي، أثناء حروب الخليج وما تلاها من أشكال مختلفة من الاحتلال، ومن برامج وخطط إلى ما نشهده، في السياق الراهن، من أشكال مختلفة للتفكك والخلخلة باسم إسقاط الاستبداد، ولكن من دون بشائر أو بدائل تخرج عن الدعوات إلى الأخذ بالماضي والدين، وتجييش الجموع بكل الطرق التي تُضادُّ التعقّل والعقلنة. فهذا الآن العربي هو الذي يحتاج إلى مساءلة ونقد.

    ومع ذلك، فإن المواكب النزيه لما ينتجه المفكرون والمثقفون العرب المعاصرون تمكنه معاينة كيف برزت، في الأربعة عقود الماضية، أسماء في ساحات عربية عدة على صعيد الكتابة الفلسفية، بتصوراتها الجديدة، وأدواتها، ومناهجها، وقضاياها وانفتاحاتها. هكذا نجد مفكرين ومنهم فلاسفة يجتهدون من أجل صياغة أنماط أسئلة تريد أن تكون نقدية، مع اختلاف مرجعياتهم الفكرية، وإرادة أغلبيتهم في الانخراط في الجبهات التي يجدون أنفسهم مطالبين بخوضها، من رهانات إنتاج المعنى والهوية الشخصية، واستيعاب تاريخ الفلسفة، ومواجهة إشكالية التراثين العربي الإسلامي والوطني، والتحرر من ثقل الإرث الاستشراقي والكولونيالي، والمشاركة في الشأن العام بطرق متفاوتة ومواكبة تطور الأفكار والنظريات عالميا. فليس الأمر هيّنًا على كل حال، وقد لا يحوز المرء اقتدارًا متساويًا وتمكُّنا شاملا على صعيد هذه الجبهات كافة، لكنه يجد نفسه مطالبا بإنتاج ما ينتجه مع مراعاة نسبية لمقتضياتها وضرورتها.

    *التفكير النقدي يتطلب التكوين والجرأة والحوار، وقبل هذا كله الشروط الضرورية لإرساء أسس هذا الفكر، فهل نتوفر على هذه الشروط؟

    ** ليس الفكر النقدي في متناول أي كان، سواء في تاريخ الأفكار الإنسانية، أو عندنا باعتبار أنه يستدعي جاهزية فكرية، وعُدَّة نظرية واستعدادا وجدانيا لمواجهة بيئة ليست قادرة على تحمُّل النقد. ومع ذلك تبلور، في العقود الأربعة الأخيرة، في الفكر العربي، اتجاه نقدي حاول مساءلة مكونات العقل العربي بهدف الكشف عن آليات هذا العقل، وعن أسسه المعرفية، والابتعاد، جهد الإمكان، عن المناظرة الإيديولوجية والمذهبية التي تحكمت في الفكر العربي منذ عصر النهضة إلى الآن. هذه الاجتهادات حاولت تلمُّس مرتكزات ما تسميه بـ«العقل العربي»، مدركة أن تدخلاتها تتم في سياق سياسي وفكري ونفسي عربي يضخم من الصياغة الإيديولوجية، ويقزم الممارسة النظرية والمعرفية. لذلك نجد المساهمين في هذه الكتابات يحاولون تصفية الحساب مع تجليات هذا التضخم الإيديولوجي، ويناقشون خلفيات أصحابه ونصوصهم، ويجادلون مقاصده ومراميه، وذلك قصد إعطاء المعرفة والعمل النظري قيمتهما في المناظرة الفكرية.

    في واقع عربي ازدادت ذات الإنسان فيه انجراحًا بسبب الهزائم المختلفة، منها حروب الخليج، واحتلال العراق وتفكيكه، والانتفاضات ضد الاستبداد ومشاهد الإبادة المروعة التي اقترفتها الصهيونية العالمية ضد الشعب الفلسطيني وما تزال؛ وفي مناخ فكري يتعالى فيه الفكر عن المجتمع، وينفصل العقل عن التاريخ وتسود الخطابة والمواعظ والإرشادات، علينا أن نقر بأن الوعي النقدي يتحرك بكثير من التردد والحذر.

    إقرأ الخبر من مصدره

  • خبير: الأمن المائي يتجاوز السدود والبحث العلمي مفتاح المغرب للتكيف

    أكد الأستاذ الجامعي سلاك بوعزة، الباحث المتخصص في مجال المناخ والمخاطر الهيدرولوجية، أن موضوع تدبير الموارد المائية في المغرب “هو موضوع الساعة بامتياز”، نظرا لارتباطه المباشر بقضايا المجتمع والاقتصاد والبيئة والتنمية، معتبرا أن المملكة راكمت تجربة رائدة على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط في هذا المجال، تمتد جذورها إلى ما قبل فترة الحماية.

    وأوضح بوعزة أن المغرب طور منذ قرون أنظمة هيدرولوجية تقليدية متقدمة لتدبير الندرة والفائض وتوزيع المياه، من قبيل نظام الخطارات، والناعورات، وهي نماذج تعكس وعيا تاريخيا بأهمية حسن استغلال الموارد المائية، مضيفا أن مرحلة ما بعد الاستقلال عرفت تحولا استراتيجيا مع إطلاق سياسة السدود في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، في إطار خيار الإعداد الهيدروفلاحي الذي تبناه المغرب كركيزة اقتصادية وتنموية.

    وأشار الباحث إلى أن الهدف الأساسي من بناء السدود في بداياته كان تزويد الدوائر السقوية الكبرى والمتوسطة بالمياه، وهو ما أفضى إلى إحداث عشر دوائر سقوية ساهمت في دعم الاقتصاد الوطني عبر خلق فرص الشغل، وتنويع الإنتاج الفلاحي، وتعزيز القيمة المضافة للقطاع الزراعي، مبرزا أن أدوار السدود لم تعد مقتصرة على السقي، بل اتسعت لتشمل إنتاج الطاقة الكهرومائية، وتوفير الماء الشروب، والحماية من الفيضانات، بما يخفف الضغط على ميزانيات الجماعات الترابية ويحد من الخسائر الاقتصادية.

    وشدد بوعزة، في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، على أن إنجاز السدود يخضع لمحددات طوبوغرافية ومناخية وهيدرولوجية دقيقة، موضحا أن بناء سد كبير أو متوسط يتطلب دراسات تمتد أحيانا لأكثر من ستين سنة من المعطيات الهيدرولوجية، ما يجعل اختيار المواقع عملية علمية تستند إلى طبيعة التساقطات والواردات المائية والخصائص الجيومورفولوجية للأحواض.

    وفي سياق التغيرات المناخية، اعتبر المتحدث أن المغرب انتقل من سياسة السدود إلى مقاربة شمولية أكثر اتساعا، تشمل تحلية مياه البحر، ومعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها، إضافة إلى تحيين الإطار القانوني المنظم للقطاع، خاصة قانون الماء، وتعزيز دور وكالات الأحواض المائية في التدبير الترابي لهذا المورد الحيوي، مؤكدا أن هذه المقاربة تروم تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية في ظل الإجهاد المائي وتزايد الظواهر المناخية القصوى، سواء تعلق الأمر بالفيضانات أو موجات الجفاف.

    وسجل بوعزة أن التجربة المغربية خلال سبع سنوات متتالية من الجفاف أظهرت قدرة على الصمود بفضل تنويع مصادر التزود بالماء وتدبير المخزون الاستراتيجي، كما أبرزت فعالية المقاربة الوقائية في مواجهة الفيضانات، من خلال عمليات إجلاء واسعة للسكان دون تسجيل خسائر بشرية، معتبرا أن ذلك يعكس نجاعة التخطيط الاستباقي وتعزيز البنيات التحتية.

    وأكد الباحث أن الأمن المائي لم يعد رهينا ببناء السدود فقط، بل يتطلب أيضا صيانة المنشآت من التوحل والحد من التبخر، وتهيئة أعالي الأحواض المائية لحمايتها من التعرية وانجراف التربة، إضافة إلى تسريع الربط المائي بين الأحواض التي تعرف فائضا في الموارد، خاصة في المناطق ذات المناخ شبه الرطب والرطب، وتلك التي تعاني خصاصا هيكليا في المياه.

    كما دعا إلى تجهيز الأحواض الصغرى والمتوسطة بمحطات للرصد الهيدرومتري والمناخي، لما لذلك من أهمية في تتبع الصبيب والتساقطات بشكل لحظي، وتمكين الباحثين ومكاتب الدراسات والمؤسسات من معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية، سواء في تدبير المخزون أو في الوقاية من المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية.

    وفي ما يتعلق بدور الجامعة، شدد بوعزة على أنه “لا تنمية بدون بحث علمي”، معتبرا أن تحديث الدراسات الهيدرولوجية وتحيينها ضرورة ملحة في ظل ما وصفه بـ”المناخ الجديد” الذي يطبع منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تتزايد حدة الظواهر القصوى من موجات حر وتساقطات مركزة، موضحا أن البحث العلمي مطالب بتطوير حلول مبتكرة لتقليص التبخر، والحد من توحل السدود، وتطوير أصناف زراعية أكثر تأقلما مع الجفاف، إضافة إلى تعزيز أدوات التوقع والإنذار المبكر.

    وختم الباحث المتخصص في المناخ والمخاطر الهيدرولوجية تصريحه بالتأكيد على أن بناء ثقافة مائية جديدة لدى الساكنة يظل رهانا موازيا للسياسات العمومية، من خلال تعزيز الوعي بخصائص المناخ المتغير، وترسيخ سلوكيات عقلانية في الاستهلاك، بما يضمن تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين في حماية مورد استراتيجي يشكل أساس التنمية والاستقرار.



    إقرأ الخبر من مصدره