في مشهد يعكس عمق الأزمة داخل ما تبقى من اليسار المغربي، يُواصل إدريس لشكر ترسيخ سلطته المطلقة على حزب الاتحاد الاشتراكي، محولًا إياه إلى مجرد هيكل فارغ من مضمونه السياسي والفكري والتنظيمي، بعد أكثر من عقد ونصف من الهيمنة الفردية. فالرجل، الذي استنزف طاقات الحزب في معارك تكتيكية وشخصية، صار اليوم المتحدث الأوحد، والزعيم الأوحد، والقرار الأخير لا يصدر إلا باسمه.
هذه الصورة القاتمة تعززت في الاجتماع الأخير للمجلس الوطني للحزب، حيث غاب رئيسه، الحبيب المالكي، بداعي المرض، ليملأ لشكر الفراغ بنفسه، دون أي تشاور ولو شكلي. مصادر من داخل الحزب كشفت أن الاجتماع تحول إلى جلسة مغلقة لتزكية الزعيم، وسط تهميش صارخ لأي صوت مخالف. بل إن الأمر بلغ حد منع الشبيبة الاتحادية من ترديد الشعارات أو أداء نشيد الحزب، خلال بعض اللقاءات الحزبية، في قطيعة رمزية مع التاريخ النضالي للاتحاد.
وإذا كانت الولايات الثلاث السابقة، قد أثارت جدلًا واسعًا، فإن لشكر لم يكتف بالبقاء، بل عدّل القانون من جديد، ليطلق يده في ولاية رابعة، خلال المؤتمر المقبل المقرر في أكتوبر. تجاوز بها حتى الحواجز العمرية، دون فتح باب الترشح أو السماح بتنافس ديمقراطي. المؤتمر الأخير لم يكن محطة للمراجعة أو التقييم، بل لحظة تمرير صامتة لقوانين على المقاس، وسط صمت قيادات لم تعد تملك حتى الجرأة على المناقشة، كما صرح أحد القياديين بنبرة يائسة: “لم يعد أحد يفتح فمه بعد لشكر.. الكل يعتبر أن النقاش معه مضيعة للوقت”.
لكن الأزمة ليست حكرًا على حزب الوردة، المشهد يتكرر بنفس الإيقاع داخل بعض مكونات اليسار، مثلاً نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، مدّد ولايته دون أن يطرح الأمر للنقاش العلني، والامر يمكنه أن ينسحب على بقية أفراد العائلة اليسارية.
تُظهر هذه المعطيات أن ما كان يُفترض أن يكون بديلاً تقدمياً، يُعبر عن هموم المواطن المغربي واحتجاجه الصامت ضد الاختيارات الرسمية، اختار الانغلاق على نفسه. بدل التجديد والانفتاح، فضّل لشكر الاستمرار، متمسكاً بالمقاعد، حارسا لسلطة رمزية فقدت شرعيتها الجماهيرية.
هكذا، يتحول اليسار المغربي إلى مرآة لأزمة أعمق: أزمة نخبة سياسية ترفض مغادرة المشهد، وتخشى التغيير، وتُعيد إنتاج نفس الآليات التي طالما ناضلت ضدها.