
هناء أبو علي ـ كود الرباط//
في مشهد يعيدنا سنوات ضوئية إلى الوراء، ترأس وزير الداخلية، في تطوان، قبل أقل من أسبوع، اجتماعًا عالي المستوى حضره الولاة والعمال وعدد من كبار المسؤولين… رجال فقط. بانو فالفيديو اللي داز فالأخبار مع الموضوع. لا امرأة واحدة كانت ضمن صفوف الحاضرين الأمامية. لا واليَة، لا عاملة، لا مسؤولة، لا حتى مستشارة.
في مغرب 2025، حيث تتحدث الدولة عن النموذج التنموي الجديد، وعن التمكين، وعن تفعيل مبدأ المناصفة، لا تزال وزارة الداخلية تُصر على تقديم صورة تقليدية، متكلسة، تُقصي النساء من دوائر القرار الحقيقي. والأنكى أن الاجتماع خُصص لتنزيل توجيهات ملكية ترتبط بتدبير الشأن العام، أي شأن المواطنات أيضًا، اللواتي لا يبدو أن الوزارة تعتبرهن طرفًا يستحق أن يُستشار أو يُمثل. عدد العاملات قليل جدا في أم الوزارات.
هل نحتاج أن نذكر أن الدستور المغربي يتحدث في الفصل 19 عن المساواة والمناصفة؟ وأن خطاب العرش الأخير شدد على الرأسمال البشري؟ يبدو أن وزارة الداخلية تقرأ الدستور والخطب الملكية بعيون ذكورية صرف.
لنكن واضحين: لن تنجح أي سياسة تنموية، ولا أي تصور للجهوية أو العدالة المجالية، دون نساء في مواقع القرار الترابي. كيف يُعقل أن نُدبر الشأن المحلي ونُخطط للجهات، ونتحدث عن إدماج النساء، دون إشراك النساء في هندسة هذه السياسات من الأصل؟
وزارة الداخلية، بهذا الإقصاء المستمر، لا تُقصي الكفاءات النسائية فقط، بل تُقصي المستقبل. المستقبل الذي يجب أن يكون مشتركًا.
اللافت في الأمر، والمثير للسخرية مرة أخرى، هو أن وزارة الداخلية تعرف جيدًا كيف تجد النساء عندما يتعلق الأمر بالانتخابات. فجأة، تصبح النساء “قوة التعبئة” و”محرك الميدان” و”الوسيط الفعال مع الناخبين”. تُستدعى الجمعيات النسائية، وتُهيكل لجان الدعم، وتُشهر صورة “المرأة المناضلة”.
لكن ما إن تنتهي العملية الانتخابية، حتى تُصفّى الطاولة، ويعود المشهد ذكوريًا كما كان. وكأن النساء فقط وسيلة انتخابية، لا شريكة في بناء الدولة.
إذا كانت هناك وزارة يجب أن تُعيد النظر في بنيتها الذكورية البائدة، فهي وزارة الداخلية. آن الأوان أن نشهد نساءً عاملات، واليَات، مديرات مديريات مركزية، وأن تكون الكفاءة والمعايير واضحة وشفافة، لا حكرًا على من “ينتمي إلى دار المخزن”.
وزارة الداخلية بحاجة إلى مصالحة مع العصر، ومع الدستور، ومع نصف المجتمع. بحاجة إلى أن تعلن بوضوح: نريد نساءً في القيادة، لا فقط في الخطاب أو في تقارير التمكين الورقية.
وإذا لم يحصل هذا؟ فلن تنفعنا لا لجان مركزية ولا جهوية، ولا خطط تنموية مزوقة. لأن الإقصاء الممنهج للنساء من مواقع القرار هو أول مؤشرات فشل أي مشروع تنموي.