Home سياسة تفاصيل قرار المحكمة الدستورية بخصوص مشروع المسطرة المدنية.. رفض مواد جوهرية تهدّد الأمن القضائي وحقوق المواطنين

تفاصيل قرار المحكمة الدستورية بخصوص مشروع المسطرة المدنية.. رفض مواد جوهرية تهدّد الأمن القضائي وحقوق المواطنين

0
تفاصيل قرار المحكمة الدستورية بخصوص مشروع المسطرة المدنية.. رفض مواد جوهرية تهدّد الأمن القضائي وحقوق المواطنين

قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية عدد من المواد الأساسية من مشروع قانون المسطرة المدنية الذي تقدمت به الحكومة. القرار جاء بعد إحالة النص من طرف مجلس النواب في أعقاب جدل قانوني وحقوقي واسع حول مضامين هذه المواد، التي اعتبرها حقوقيون ومحامون ومعارضون تهديداً لضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء وفصل السلط كما نص عليها الدستور المغربي.

وبعد إحالة مشروع قانون المسطرة المدنية على المحكمة الدستورية، باشرت هذه الأخيرة رقابتها على مدى احترامه لمبادئ الدستور، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الدفاع، واستقلال القضاء، وضمان المحاكمة العادلة، والفصل بين السلط، وحجية الأحكام القضائية. وقد شمل فحص المحكمة عددا من المواد التي رأت أنها لا تتوافق مع الدستور، سواء من حيث مضمونها أو من حيث ما تتيحه من سلط تقديرية غير منضبطة أو تهديدها لمبادئ أساسية في النظام القانوني المغربي.
أول مادة أثارت انتباه المحكمة هي الفقرة الأولى من المادة 17، التي منحت للنيابة العامة المختصة إمكانية الطعن في المقررات القضائية القاضية ببطلان لمخالفته النظام العام، حتى ولو لم تكن طرفا في الدعوى، وذلك خلال أجل خمس سنوات من تاريخ اكتساب الحكم لحجية الأمر المقضي به.
وقد اعتبرت المحكمة أن هذه الفقرة جاءت بصياغة عامة وغير منضبطة، إذ منحت للنيابة العامة سلطة واسعة للطعن في الأحكام النهائية دون تحديد دقيق للحالات أو للضوابط التي يمكن فيها تفعيل هذا الطعن. كما أن الإبقاء على الحق في إثارة بطلان الأحكام لمدة طويلة (خمس سنوات)، حتى بعد صيرورتها نهائية، يمس بشكل خطير بمبدأ استقرار الأحكام القضائية والأمن القانوني والقضائي، ويجعل حق الأطراف في استقرار مراكزهم القانونية مهددا بشكل مستمر. ورأت المحكمة أن هذا الامتداد الزمني وغياب الضوابط يفتح الباب أمام تدخل غير محدود للنيابة العامة في الأحكام النهائية، مما يتعارض مع مبدأ نهائية الأحكام القضائية المنصوص عليه في الفصل 126 من الدستور، كما يمس باستقلال القضاء ويهدر مبدأ المساواة بين الأطراف أمام القانون، ويخل بالتوازن بين حماية النظام العام وضمان الحقوق الفردية.
المادة الثانية التي رُفضت دستوريتها هي الفقرة الرابعة من المادة 84، التي تتعلق بإجراءات التبليغ في الدعاوى المدنية، فطبقا لهذه الفقرة، إذا تعذر التبليغ الشخصي للمعني بالأمر، يمكن أن يتم تسليم الاستدعاء إلى أي من ساكني محل الإقامة أو أحد الأزواج أو الأقارب أو الجيران ممن تظهر عليه علامات بلوغ سن السادسة عشرة.
ورغم أن هذه المقتضيات تروم تيسير عملية التبليغ وتفادي تعطل إجراءات التقاضي، فقد لاحظت المحكمة الدستورية أن الصياغة جاءت فضفاضة ولم تضع ضمانات كافية للتأكد من عدم وجود تعارض في المصالح بين من تسلم له الاستدعاء والمطلوب تبليغه، كما أن مجرد بلوغ السادسة عشرة سنًّا لا يعد معيارا كافيا لتحمل مسؤولية الاستلام، خاصة أن النص أغفل التأكد من قدرة الشخص المستلم على الإفهام والتبليغ، ولم ينص على ضرورة التأكد من عدم وجود مصلحة متعارضة. وبالتالي، فإن هذه المادة تهدد حق الأطراف في العلم اليقيني بالإجراءات، وتعطل مبدأ المواجهة وحق الدفاع، وتمس بمقتضيات الفصل 120 من الدستور الذي يضمن المحاكمة العادلة لكل شخص وحقه في الدفاع عن نفسه.
أما المادة 288، فقد تطرقت المحكمة إلى مسألة إحالتها على المادة 284 في شأن إجراءات ضبط الوصية المفتوحة، ولاحظت أن المادة 288 كرست نفس الخطأ الوارد في المادة 284، إذ لم تضع شروطا واضحة ومحددة لإجراء الضبط، ولم تضمن الشفافية اللازمة في كيفية وضع الأختام أو ضبط المستندات، ما قد يؤدي إلى المساس بضمانات الأطراف ومبادئ العدالة الإجرائية، خصوصا أن ضبط الوصية يتعلق بحقوق مصيرية للأفراد. كما أن غياب هذه الضمانات يجعل النص غير كاف لتحقيق الغاية الدستورية المتعلقة بحماية الإرادة الحرة للأفراد، ويهدد مبدأ التعبير الأسمى عن إرادة الأمة المنصوص عليه في الدستور.
أما الفقرة الثانية من المادة 339، والمتعلقة بتعليل الأحكام الصادرة بالرفض، فقد لاحظت المحكمة أن المادة تلزم القاضي بتعليل قرار الرفض فقط، ولم تفرض التعليل في الحالات الأخرى أو لم تبين معايير التعليل المطلوبة، في حين أن الفصل 125 من الدستور يلزم جميع القضاة بتعليل أحكامهم بشكل صريح وواضح، بغية تمكين الأطراف من فهم أسباب الحكم وتمكينهم من رقابة هذه الأحكام بالطرق القانونية. عدم التنصيص على ضرورة التعليل في جميع الحالات أو وضع ضوابط واضحة للتعليل يجعل من المادة غير مطابقة للدستور.
وفيما يخص المواد 408 و410، فقد منحتا لوزير العدل أو الوكيل العام للملك صلاحية تقديم طلبات الإحالة أمام محكمة النقض، إما لحماية النظام العام أو في حال وجود شبهة تجاوز السلطة القضائية. وقد رأت المحكمة الدستورية أن في ذلك تجاوزا خطيرا للفصل بين السلط، إذ أن منح السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل هذه الصلاحية دون ضوابط دقيقة، يتيح تدخلا مباشرا في العمل القضائي، ويهدد استقلال السلطة القضائية كما نص عليه الفصل 107 من الدستور، ويمس بمبدأ توازن السلط، ويفتح الباب أمام تنازع غير صحي بين الجهازين التنفيذي والقضائي.
كما وقفت المحكمة عند الفقرة الثانية من المادة 624، والفقرتين الثالثة والرابعة من المادة 628، اللاتي نصت على إمكانية تدبير النظام المعلوماتي الخاص برقمنة المسطرة المدنية من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وذلك بتنسيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية. واعتبرت المحكمة أن هذا التدبير هو اختصاص أصيل للسلطة القضائية، لما له من علاقة مباشرة بتسيير العمل القضائي، وبالتالي فإن إشراك السلطة التنفيذية في إدارته يمس باستقلال القضاء، حتى وإن تم ذلك تحت غطاء “التنسيق”. كما أن منح صلاحية تحديد قواعد وضوابط النظام المعلوماتي للسلطة التنفيذية، دون حصر هذه الصلاحية في الجوانب التقنية البحتة، ينطوي على مساس غير مبرر باستقلال السلطة القضائية، ويعد إخلالا بمبدأ الفصل بين السلط، كما نص عليه الفصل 107 من الدستور وفصول أخرى ذات الصلة.
وقد لاحظت المحكمة أيضا أن بعض المواد الأخرى، وإن لم ترد ضمن قائمة الرفض، إلا أن لها ارتباطا وتأثرا بالمواد السالفة الذكر، خاصة من حيث المساس بحقوق الدفاع والتعليل وحجية الأحكام القضائية واستقرارها، غير أن المحكمة اكتفت بعدم دستورية تلك المواد التي عالجتها بشكل مباشر وصريح وأمرت بعدم العمل بها.
وفي الأخير شددت المحكمة الدستورية على ضرورة تبليغ قرارها للجهات المعنية ونشره في الجريدة الرسمية، ليكون ملزما وساري المفعول، ولكي يتم تعديل النصوص القانونية بما يوافق الدستور ويحترم الحقوق والحريات الأساسية ويكرس استقلال السلطة القضائية، ضمانا لمحاكمة عادلة وأمن قانوني مستقر.
وكانت مجموعة من الهيئات الحقوقية والمهنية انتقدت ما وصفته بـ”محاولة التحكم الإداري في الحياة القضائية”، وقالت إن المشروع يمثّل تراجعاً عن مكتسبات استقلال القضاء وفصل السلط، خاصة في بنود تهم الطعن وإجراءات التبليغ وتوزيع الاختصاصات بين الأجهزة، محذرة من أن تمرير النص بصيغته السابقة كان سيشكّل “ضربة قاسية” لضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها دستورياً.
وبموجب هذا القرار، أعادت المحكمة الدستورية الكرة إلى المشرّع المغربي، وألزمت الحكومة والبرلمان بإعادة النظر في المواد المعنية من مشروع قانون المسطرة المدنية، ومواءمتها مع أحكام الدستور، في خطوة اعتبرها مراقبون انتصاراً للضمانات الدستورية واستجابة للتحذيرات الحقوقية التي رافقت إعداد المشروع منذ البداية.

إقرأ الخبر من مصدره