« عار التفرقة » .. مثقفون مغاربة ينتقدون « دعوات تمييزية » ضد فنانين جزائريين


هسبريس – وائل بورشاشن

ينتقد فاعلون مغاربة في الوسط الثقافي والسياسي دعواتٍ تمييزية طفت على سطح بعض حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، تستهدف فنانين مغاربيّين في الموسيقى والكوميديا.

ويدعو الكُتّاب الذين تواصلت معهم هسبريس إلى استثمار الثقافة في حضور الفنانين المغاربيّين في مختلف الدول المغاربية، بما في ذلك مهرجاناتها ولقاءاتها؛ لأن الإبداع المسؤول ينهض بمسؤولية “التخفيف من حدة المواقف المتصلبة، وإثارة التعاطف، وتغيير السرديات، وتقليل التوترات، وفتح آفاق جديدة للفهم والتفاهم”.

الثقافة ضد التفرقة

في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية قال الكاتب الصحافي عبد الرحيم التوراني إن “ما يجمع الجزائر والمغرب كقوة ثنائية في شمال إفريقيا يتجاوز الحدود الجغرافية، إلى ثقل التاريخ والهوية والمصير المشترك، والطموح التاريخي في حلم بناء مغرب عربي، (أو مغاربي) موحد، على أسس التكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي، كبديل عن المواجهة والحرب الباردة المستمرة منذ نصف قرن”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وأضاف صاحب “يوميات مغربي في حرب إسرائيل على لبنان”: “من الواجب الترحيب بحضور ومساهمة فناني الجزائر في بلدهم الثاني المغرب، والأمر نفسه بالنسبة لحضور ومساهمة الفنانين المغاربة في الجزائر… وهو ما كان يحصل قبل اندلاع أزمة الصحراء المغربية وموقف النظام الجزائري من مغربيتها”.

وشدّد التوراني على أن “الفن والثقافة إجمالا يمتلكان قدرة هائلة وعميقة، تلامس أعمق المشاعر لدى الجماهير والشعوب”، مردفا: “يجب علينا في هذا السياق استحضار مدى أهمية التأثير المحوري الذي يمارسه الإبداع الثقافي والفن على المشاعر الإنسانية، وبالتالي لا بأس في توظيفه في حل النزاعات السياسية بين الدول، فلن تكون النتيجة إلا إسهاما مطلوبا في التخفيف من حدة المواقف المتصلبة، وإثارة التعاطف وتغيير السرديات وتقليل التوترات، وفتح آفاق جديدة للفهم والتفاهم عبر تمكين الممارسات الفنية من أن تتحدى الروايات السائدة حول النزاعات السياسية، من خلال تقديم وجهات نظر بديلة تُضفي طابعًا إنسانيًا على جميع الأطراف المعنية، وتحطّم التصورات الجامدة التي تساهم في تضخيم النزاعات وفي تأجيج النعرات العدائية”.

من جهته صرح لهسبريس محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير (حاتم)، بأنه “كلما كان التبادل بين الشعوب أكبر كلما يضغط على الأنظمة من أجل إيجاد الحلول”، مضيفا: “الأمر ليس بالهين انطلاقا من أن هناك، على الخصوص من قبل النظام الجزائري، محاولة للتعبئة الشاملة لكل النخب ولكل فئات الشعب ضد الجار. وهذا يؤثر، لكن ينبغي أن نشير إلى أن الكثير من الفعاليات من مختلف المجالات مغاربيا تحرص على تجاوز ذلك، وتقاومه بكل ما أوتيت من طاقة وفعالية”.

هذه المقاومة، وفق العوني، “ينبغي دعمها؛ لأن العلاقات الفنية والثقافية بين الشعوب المغاربية أساسية في استمرار اللحمة واسترجاع العامل الثقافي واللغوي وعوامل أخرى مرتبطة بالعوامل الحضارية، التي هي ما يصعب على من يخلقون الفرقة بين هذه الشعوب مهامهم”.

وختم المتحدث تصريحه لهسبريس بقوله: “كلما تكاثرت الفعاليات الثقافية المشتركة، وتزايدت الأنشطة الثقافية والفنية المتبادلة، وتزايد حضور الفنانين والمثقفين والكتاب والرياضيين، كلما كان هذا من أسباب تقوية عوامل التلاقي والاتجاه نحو الوحدة المغاربية التي يفرضها العصر وتفرضها الجيوسياسية والمصير المشترك في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء”.

“عار التفرقة”

قال الكاتب والمترجم أحمد المرزوقي إنه “من العار الاستمرار في خطاب التفرقة بين الشعبين المغاربيين؛ فالمستعمر القديم ذهب وترك أشياء معلقة عمدا، وليست من مصلحتنا التفرقة، بل من مصلحة المستعمرين السابقين حتى لا ننافسهم، وتستمر الصراعات لنشتري من عندهم الأسلحة”.

وتابع المرزوقي في تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية: “هذا ما أضر بالأمة الإسلامية والعربية، الاهتمام بأمور هامشية وصبيانية. بينما سبق أن زرت الجزائر، وأُشهد الله أني وجدت كل المحبة. عندما تلتلقي الشعوب المغاربية فكأنك في المغرب، يحبون المغرب والمغاربة، ولو زالت التأشيرة لوجدنا الملايين من الجزائريين في المغرب. وكذلك في تونس أحسست كأنني في الرباط”.

واسترسل الكاتب: “مظاهر التفرقة غياب للحكمة، وما أتساءل عنه عند رؤية هذه المظاهر هو: ‘أليس فيكم رجل رشيد!”. نحتاج شخصيات كاريزمية تسوي المشكل، وتوقف تأليب الشعوب ضد بعضها، بعيدا عن الذباب الإلكتروني الذي أوصل الشعوب إلى ما وصلت إليه؛ علما أن هناك ذبابا إلكترونيا صهيونيا يدخل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ويصب الزيت على النار”.

وشدّد المترجم ذاته على أن “الفرقة ليست في صالحنا بل في صالح أعدائنا (…)”، وزاد: “نحتاج تنمية قوة تآلفية ضخمة، لا الاستمرار في صبيانيات التفرقة، التي تؤدي إلى استمرار هذا التقهقر الجماعي إلى الوراء”.

وأكّد الفاعل المدني المدافع عن حقوق الإنسان أن “ما يحتاجه المغاربيون هو وحدة، وتكامل، واتحاد مغاربي يحملنا، لا أن نذهب إلى الهاوية”، مردفا: “هذا العجز في المنطقة عن التحرك لصالح غزة نتيجة مباشرة من أمثلتها هذه الفرقة بين المغرب والجزائر والدول المغاربية؛ والنتيجة نراها اليوم، وهي أن الفلسطينيين يموتون جوعا، وإخوانهم يعطون الأموال للأمريكان والصهاينة ويرفلون في النعيم”.

مبادرات ضد الفرقة

قبل أيام، في الذكرى السادسة والعشرين لـ”عيد العرش”، أكّد الخطاب الملكي التشبث باليد الممدودة تجاه قيادة الجارة الجزائر، وقال فيه الملك محمد السادس: “الشعب الجزائري شعب شقيق، تجمعه بالشعب المغربي علاقات إنسانية وتاريخية عريقة، وتربطهما أواصر اللغة والدين، والجغرافيا والمصير المشترك. لذلك حرصت دوما على مد اليد لأشقائنا في الجزائر، وعبرت عن استعداد المغرب لحوار صريح ومسؤول؛ حوار أخوي وصادق، حول مختلف القضايا العالقة بين البلدين. وإن التزامنا الراسخ باليد الممدودة لأشقائنا في الجزائر نابع من إيماننا بوحدة شعوبنا، وقدرتنا سويا على تجاوز هذا الوضع المؤسف. كما نؤكد تمسكنا بالاتحاد المغاربي، واثقين بأنه لن يكون بدون انخراط المغرب والجزائر، مع باقي الدول الشقيقة”.

كما انطلقت في يونيو من السنة الراهنة 2025 مبادرةٌ من أجل إحياء “المشروع المغاربي المشترك” يقودها فاعلون مدنيون دوليون؛ من بينهم جمال بنعمر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة الأسبق، تشدّد على أنه “رغم قتامة الصورة المغاربية فإنها لا تخلو من نقاط ضوء؛ فالغالبية العظمى من أبناء المنطقة لم يتخلوا عن حلم الأجداد والآباء في توحيد الصف المغاربي؛ كما أن الخلافات السياسية المزمنة ظلت إلى حد كبير مقتصرة على الأنظمة والقيادات السياسية ولم تؤثر في المستويات الشعبية، رغم ظهور مؤشرات خطيرة في الآونة الأخيرة على تنامي خطاب الكراهية وانتشاره عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي”.

هذه المبادرة التي يشرف عليها “المركز الدولي لمبادرات الحوار” اعتبرت الاتحاد المغاربي “إطارا ممكنا لنقاش القضايا الخلافية، والتفكير في حل الأزمات الراهنة، والوقاية من صراعات جديدة لا طائل منها”.

وفي سنة 2021 قدم نداء مغاربي جمع مثقفين وسياسيين يرفضون “الشيطنة والتجييش داخل البلدين الجارين المغرب والجزائر، وإنكار تاريخهما المشترك”، مردفين: “نؤمن بأن شعبينا لا يكنان لبعضهما إلا الود، وبأنه ليس بعزيز عليهما تجاوز هذه اللحظات العصيبة بأقل الأضرار وبأجمل الآفاق، بتعبئة طاقاتهما الخلاقة من أجل تحصين جسور الإخاء وتكثيفها”.

ومن بين الموقعين من الجانب المغربي: عبد اللطيف اللعبي، مونية بناني الشرايبي، إسماعيل العلوي، حسن أوريد، لطيفة الجبابدي، سيون أسيدون، المعطي منجب، محمد الساسي، عبد الرحمن بنعمرو، سعيد السالمي، أحمد مرزوقي، محمد الهلالي، خديجة الرياضي، عبده برادة، عزيز غالي، عبد اللطيف الحماموشي، محمد العوني، لطيفة البوحسيني، عبد الرحيم التوراني، عبد الحميد أمين، مصطفى البراهمة، مصطفى بوعزيز، عبد الرحيم الجامعي، وأحمد بوعشرين الأنصاري.

ومن الجانب الجزائري من بين الموقعين على النداء: بوعلام صنصال، أمين الزاوي، توفيق علال، صنهاجة أكروف، الزوبير أعروس، فيفي بنعبود، جعفر لخضري، عبد الوهاب فرساوي، دحو جربة، عثمان بنزغو، كمال الشاوش، حفيظ سعيد، لطفي لمحرزي، مياسة مسعودي، السعيد سعدي، سعيد الصالحي، وعمر بن درة.

ومن الجانب التونسي وقعت مجموعة من الأسماء، منها: يوسف الصديق، عبد المجيد الشرفي، عبد الصمد هشام، قاسم أفاية، عبد الكريم العلاقي، سلمى بكار، سهير بلحسن، سناء بن عاشور، محمد بن موسى، رجاء بن سلامة، نادية شعبان، خميّس شماري، فيصل شريف، العربي شويخة، نادية الفاني، أحمد قلعي، عبد الرحمن هذيل، رحمة جوادي، حبيب كزدغلي، محمد خميسي، كمال لعبيدي، لطيفة لخضر، حبيب ملاخ، ليليا رباعي، حمادي رديسي، حسان سلامة، ونائلة الزغلامي.

إقرأ الخبر من مصدره