الداخلية تحقق في هدايا المنتخبين للتصويت على مشاريع بالملايير

Écrit par

dans

دخلت وزارة الداخلية على خط ملفات مثيرة للجدل تورط فيها رؤساء مجالس جهوية وإقليمية ومحلية، بعدما تكشّف حجم التجاوزات التي همّت طرق صرف المال العام وتوظيفه في شراء صمت المنتخبين وضمان ولاءاتهم خلال دورات حاسمة للمجالس. القضية، التي وصفتها مصادر متابعة للشأن المحلي بـ”القنبلة الموقوتة”، تسلط الضوء على ممارسات غير قانونية تهدد مصداقية المؤسسات المنتخبة وتطرح أكثر من سؤال حول نزاهة التدبير الترابي.
و أظهرت معطيات دقيقة أن بعض الرؤساء اعتمدوا على أساليب مشبوهة لاستمالة مستشارين نافذين، عبر توزيع تعويضات مالية ضخمة تحت غطاء مهام صورية لا وجود لها على أرض الواقع. مستشارون محليون وجهويون باتوا يتوصلون بشكل شهري بمبالغ تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف درهم، دون أن يقوموا بأي عمل فعلي يبرر ذلك. في المقابل، تم تسجيل نفقات باهظة على حجوزات فندقية وكراءات سيارات فخمة بدعوى “تأمين التنقل والإيواء”، لكنها في الواقع لم تكن سوى واجهة لترضيات سياسية هدفها تمرير مشاريع مالية وتنموية ضخمة تُعرض في الجلسات الاستثنائية.
ورصدت هذه الممارسات التي لم تقف عند حدود التعويضات الشهرية، بل امتدت إلى ما يشبه شبكة منظمة للتلاعب في فواتير الفنادق والطعامة وتنظيم الحفلات والأيام الدراسية. تقارير رسمية سابقة رصدت تضخيما واضحا في الاعتمادات المخصصة لهذه الأبواب، ما سمح لمنتخبين كبار بجني أرباح شخصية معتبرة، في وقت تعاني فيه جماعات محلية من عجز مالي خانق ينعكس مباشرة على الخدمات اليومية للمواطنين. المفارقة الصادمة تكمن في أن من بين المستفيدين برلمانيون وأرباب مقاولات يملكون عقارات وأرصدة مالية ضخمة، لكنهم لم يترددوا في الانخراط في هذه “اللعبة” بحثا عن مزيد من المكاسب.
و قررت وزارة الداخلية تفعيل آلية التفتيش والمراقبة، من خلال إرسال لجان مركزية إلى مختلف الجهات والأقاليم المعنية. هذه اللجان باشرت افتحاصا دقيقا لملفات التعويضات المشبوهة، مع التركيز على الحالات التي وردت بشأنها شكايات رسمية من أعضاء غاضبين رفضوا الاستمرار في الصمت أمام ما اعتبروه “نهبا منظما للمال العام”. وحسب التقديرات الأولية، فإن نتائج هذه التحقيقات ستكشف عن خريطة معقدة من المصالح المتشابكة، حيث تتقاطع الحسابات الانتخابية مع مصالح مالية وشخصية.
إلى جانب ذلك، سلطت القضية الضوء على ملف آخر لا يقل خطورة، وهو تهرب عدد من المنتخبين أنفسهم من أداء المستحقات الجبائية لفائدة الجماعات التي ينتمون إليها. هذه الوضعية، التي اعتبرها مسؤول محلي سابق “عبثا سياسيا بأبشع صوره”، دفعت العمال إلى عقد اجتماعات متواصلة مع رؤساء جماعات ومسؤولين عن التحصيل الجبائي، قصد تسريع استرجاع الديون عبر الطرق القانونية، سواء الودية أو القسرية. والهدف، كما شدد أحد الأطر الجماعية، هو “تحصين عملية التحصيل ضد منطق المحاباة وتغليب الولاءات الانتخابية”.
وفي قراءة تحليلية لهذه المستجدات، يرى باحث في الشأن السياسي المحلي أن القضية “تكشف عمق الأزمة التي تعيشها الديمقراطية التمثيلية على المستوى الترابي”، موضحا أن “المنتخب حين يتحول من ممثل لمصالح المواطنين إلى مجرد حلقة في شبكة تبادل المصالح، يفقد المجلس المحلي أو الجهوي معناه الحقيقي، ويتحول إلى سوق مفتوح للمساومات”. ويضيف المتحدث أن “تدخل وزارة الداخلية في هذه المرحلة يبدو ضروريا لإعادة الثقة في المؤسسات، لكن الأهم هو الذهاب أبعد نحو إصلاحات قانونية تحد من هامش التلاعب في التعويضات والنفقات”، أما على المستوى الاجتماعي، فإن تداعيات هذه الممارسات تترجم مباشرة في الشارع. مواطنون في أقاليم عدة أعربوا عن استيائهم من ضعف الخدمات الأساسية، من إنارة عمومية متعثرة إلى طرقات مهترئة ومرافق جماعية مغلقة. أحد سكان المناطق القروية صرح قائلا: “نحن لا نرى من المنتخبين سوى سياراتهم الفارهة ووعودهم الكاذبة، بينما هم يتصارعون على التعويضات والمصالح الشخصية”. هذا الشعور المتنامي بالغضب يهدد في العمق علاقة الثقة بين الناخبين وممثليهم، ويدفع البعض إلى العزوف عن المشاركة السياسية.
ومع توالي الكشف عن هذه الملفات، يترقب الرأي العام بشغف نتائج التحقيقات الجارية، خاصة مع الحديث عن إحالة ملفات ثقيلة على القضاء بعد استكمال كل المساطر. خطوة كهذه من شأنها أن تشكل لحظة فارقة في مسار محاربة الفساد المحلي، لكنها في الوقت نفسه قد تفتح الباب أمام صراعات سياسية وقضائية غير مسبوقة.
في النهاية، يبدو أن ما يُعرف اليوم بفضيحة “التعويضات الوهمية” ليس مجرد قضية مالية محدودة، بل هو عرض لأزمة هيكلية في منظومة التدبير الترابي. وزارة الداخلية، بلجانها التفتيشية وإجراءاتها الرقابية، دخلت على الخط في محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها، لكن الرهان الأكبر سيظل معلقا على قدرة المؤسسات في القطع مع ممارسات الريع السياسي وترسيخ ثقافة الحكامة الجيدة التي يطالب بها المغاربة منذ سنوات.

إقرأ الخبر من مصدره