
حميد زيد – كود//
دون أن يدفعنا أحد إلى ذلك فإننا ذاهبون عن طيب خاطر إلى النموذج الكوري الشمالي في الصحافة.
ودون إكراه من الدولة.
ودون تدخل منها.
ودون اعتقالات. و دون محاكمات.
وبطواعية.
و دون ضغط من أي أحد.
نختار صحافة الرأي الواحد. والحزب الواحد.
وقد قررنا دون أن يفرض علينا أحد أن نعود ببلادنا إلى الخلف.
ورغم وجود هذه العناوين الكثيرة.
ورغم هذه التعددية الظاهرة.
وفي أول اختبار نكتشف أننا جميعا. بمختلف خطوط تحريرنا. منبر واحد.
وبينما في كوريا الشمالية يوجد كيم جونغ أون.
وفيها صواريخ بعيدة المدى يتم تجريبها بين الفينة والأخرى.
وفيها نظام مغلق.
وفيها استبداد سياسي لا مثيل له في كل العالم.
وفيها غياب تام للحرية وللصحافة و للأنترنت.
فإننا في المغرب اخترنا كصحافيين أن نقمع أنفسنا بأنفسنا.
وأن نحارب مهنتنا بأنفسنا.
ونضيق عليها بأنفسنا.
دون أي تدخل من الدولة.
وربما ضدها.
وضد مصالحها كدولة حريصة على أن لا تحسب على نماذج بعينها.
وبينما هناك دكتاتورية حقيقية في كوريا الشمالية.
وصحافة موجهة. ومتحكم فيها.
فإننا في المغرب. ورغم انفتاحنا الظاهر. فقد صنعنا كصحافيين نموذجا كاريكاتوريا للصحافة الموجهة.
ودون أن يتحكم فينا أحد قررنا أن نتحكم في أنفسنا.
ولم يعد صحافي مغربي يشعر بالحاجة إلى الحرية.
ولم يعد أحد منا قادرا على الاحتجاج.
ولا على الرفض.
بعد أن طبعنا مع هذا الواقع الصحفي الجديد.
وحتى الصمت لم يعد مسموحا لنا به.
لأنه علينا أن نصطف.
وأن نتضامن.
ومن لم يتضامن ويدافع وينحدر فلا مكان له في السلطة الصحفية المتشكلة.
ولم يعد أحد منا قادرا على الوقوف أمام هذا النظام الصحفي المغربي المهيمن.
ليصبح خضوعنا طوعيا.
و لنسجن جميعا في سجن كبير صنعناها بأيدينا.
ودون أن ندري. صارت الحرية عدوة لنا كصحافيين.
وصارت الاختلاف مرفوضا.
والتعددية تهمة.
و صرنا ندوس على الديونتولوجيا ونعتدي على المواطنين ونظلمهم.
ونتعبأ كي ندافع عن جرائمنا.
والويل لمن يصمت.
والويل لمن يحتج على هذا النظام الصحفي المغربي القوي.
الذي ابتلع حداثيينا. و تقدميينا. و الديموقراطيين منا.
وجعلنا تحت تصرفه.
وجعلنا ندافع عن أشياء لا نؤمن بها.
وكأننا نفعل ذلك تحت التعذيب. أو تحت التهديد.
وقد قد كانت الصحافة في الماضي تواجه الدولة.
وكان دور الدولة أن تقمعها.
وتمنع توزيعها.
حيث كان كل شيء واضحا. وخصم الحرية واضح. وخصم الصحافة واضح.
بينما انسحبت الدولة اليوم.
وتركتنا نقمع أنفسنا بأنفسنا.
ولم يعد من الممكن أن نتهمها بأي شيء.
إن لم تكن هي نفسها ضحية لنا.
لأن هذه الراحة التي تتمتع بها بالدولة في الوقت الحالي
ليست جيدة
وليست في مصلحتها أن تكون هذه هي صحافتها.
وقد كانت الصحافة في الماضي تدافع عن المغاربة.
بينما أصبحت الآن تعتدي عليهم.
و لا أحد ضد صحافة التابلويد لأنها موجودة في كل العالم.
لكن لا أحد في العالم يعول على صحافة الفضائح للدفاع عن مصالح البلاد.
ولا مكان في العالم انقرضت فيه الصحافة الجادة.
واختفى فيه الصحافيون.
وانقرضت فيه كل الأجناس الصحفية كما هو الحال في المغرب.
وبلا أي قرار سياسي
وبلا أي توجه رسمي
ووسط بلاد منفتحة ولها تجربتها الديمقراطية اخترنا النموذج الكوري الشمالي.
دون أن يرغمنا أحد على ذلك.
فأصبحنا نسيء إلى سمعة الدولة.
و جعلنا منها دولة تابلويد.
دولة بلا نخب.
وبلا صحافة مؤثرة. ومحترمة. ولو كانت تابعة للسلطة.
وقد لا يظهر أثر ذلك على المغرب في البداية
لكن مع الوقت
ومع هيمنة هذا الإجماع التابلويدي
وتفشيه
وسيطرته على القطاع
وقمعه لكل من يعترض
ومع انسحاب كل من يرفض ذلك
ومع التعب
واليأس
و مع التخلص من كل الذين لا زالوا يقاومون
ومع وجود كوريا الشمالية
داخل المغرب
فإن الصحافي المغربي سيتكيف بالتدريج
و سيستسلم للأمر الواقع
و سيصبح فارغا من الداخل
وتافها
وصحافيا من القش
ولا ضمير له
ولا أخلاق
ولا لغة
ولا رأي
بل فقط له دراجة نارية معدلة يدوس بها على قيم ومبادىء الصحافة.
ومن يصمت
ومن لا يصفق للزعيم
فالكوريون الشماليون له بالمرصاد
وأينما كان
سوف تصلهم صواريخهم.