
أمين الطنجاوي- كود//
“بيتّي” مناضلة ما بعد حداثية، وفي هذه الحقبة من تطور التاريخ تتشظى المطالب المتعلقة بالحقوق والحريات إلى مرافعات فئوية كثيرة وصغيرة، وأحيانًا فردية، بشكل متحرر من أية مظلة أيديولوجية أو فلترة سياسية، على عكس الكفاح النسوي الحداثي الماركسي.
في هذا النضال، يسعى الفرد المابعد حداثي إلى إعادة تحرير الكلمات والمفاهيم من قيود الأيديولوجيا ليعبر بها عن رؤيته الخاصة لذاته – بما في ذلك ميولاته الجنسية – ولغيره ولإلهه، دون وصاية شمولية سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو سياسية.
في هذا السياق النظري تصرفت “بيتّي” عندما عبّرت عن رؤيتها الخاصة لإلهها، دون أن تُلزم أحدًا بتبني تلك النظرة.
إن وجود قوانين تسمح بإصدار إدانات كهذه التي صُدرت في حق “بيتّي” هو كارثة كبرى، فالتشريع ينبغي أن ينظم حصرًا العلاقات القانونية بين الأشخاص، سواء كانت ذاتية أو معنوية، وليس العلاقة بين البشر والآلهة.
هذا الأمر يذكرنا، من زاوية فلسفة القانون وتاريخ الوقائع الاجتماعية، بالحياة في أثينا القديمة، حين كان آلهة الإغريق يخرجون من الأسطورة ليعانقوا الصيادين أو ليُظهروا غضبهم. فهل لله اليوم شخصية قانونية حتى نتحدث عن “الإساءة إلى الذات الإلهية”؟
بل النص القرآني، المبني على مبدأ التناصح وليس القمع، نفسه حذّر من العقاب البشري للذين يظن الناس أنهم “عُصاة”، كما جاء في الآية 58 من سورة الكهف:
”وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ۖ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ۚ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا”.
فالله نفسه في النص القرآني لم يسبق له أن طلب من بشر، بما في ذلك أنبيائه، ممارسة العقاب على “عُصاته”، بل أوكل إليهم النصيحة، ولمّا تطلب الأمر، جاءت العقوبة بقوة الله، كما ظهر ذلك في طوفان نوح وعاصفة لوط وغرقى فرعون، مع أن الرب كان بمقدوره منح قوته لرُسلِه ليتولوا القمع بأنفسهم.
وبالتالي، أجد أن القانون الذي أدان “بيتِّي” بسنتين ونصف سجنًا نافذًا لا يبتعد عن رُوح العصر فقط، بل أيضا عن حكمة الله الذي يزعم الدفاع عنه.