
حميد زيد – كود ////
بمحض الصدفة. وجدْتُني بين علية القوم. في المركب الرياضي مولاي عبد الله. أشجع أنا بدوري المنتخب الوطني.
ودون سابق تخطيط. ورغم أني شخصية صغيرة. فقد وجدْت نفسي. في مكان من الملعب. مخصص للشخصيات الكبيرة.
وليس لكبار الزوار. بل لكبار كبارهم.
وليس VIP بل VVIP. هكذا يسمون المكان الذي جلست فيه. أتفرج بالماتش.
وأول شيء أثار قرفي لحظة دخولي إلى الملعب هو ترحيب عشرات البنات الأنيقات الجميلات بي.
وكلهن مستعدات لخدمتي.
بينما أنا متعود.كلما كنت أذهب لأتفرج في فريق الرجاء. على هراوات رجال القوات المساعدة.
وعلى الضرب.
وعلى الكلام النابي.
وعلى وقوفي في طابور طويل.
وهذا كله غير متوفر في هذا المكان من مركب مولاي عبد الله.
لأن الدخول في نظري هو ملح كرة القدم. وكلما كان صعبا. ويشكل خطرا عليك. كانت المتعة أكبر.
وكان الشغف.
بينما ليس من الجيد أن تبتسم لك البنات. و يخدمنك. وفي كل مرة يأتين للاطمئنان عليك.
و أي تعامل بهذه الطريقة معي فهو مثير للريبة.
ويجعلني متخوفا من العواقب.
ومع ذلك. فقد تجاوزت كل هذا. وتحاملت على نفسي. وقلت هذا عالم آخر ومختلف يا حميد.
وما عليك إلا أن تندمج فيه.
وتكون ولو لمرة واحدة في حياتك شخصية صغيرة بين الشخصيات الكبيرة.
ولن ينتبه أحد لأمرك.
ولن يكشفك أحد ويقول لك: هذا ليس مكانك.
ومن مقعدي بين علية القوم. كنت أرى أهلي وعشيرتي. أصحاب تذكرة 100 درهم. يصرخون. ويشجعون.
وأنا بعيد عنهم.
ومفصول.
بين قوم ليسوا قومي.
وما أغاظني أكثر هو المقصف الكبير الذي تم توفيره لنا.
وهو هذا البوفيه الذي يضم ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات.
وكان فيه دجاج.
وكانت فيه كفتة. وسمك. ولحم مغدور. وأنواع مختلفة من السلطات. وحلويات. ومملحات. وعصائر.
ولولا المناسبة الدينية لكانت هناك مشروبات روحية.
فلا تعرف هل تأكل أم تشجع و تتفرج في المنتخب.
حيث اختار عدد من الشخصيات الكبيرة الأكل بين الشوطين على متابعة المباراة.
وبين الفينة والأخرى كانت البنات يأتين ليخبرننا بأن الشوط الثاني انطلق.
بينما لم يكن أحد يستجيب لهن.
في ما يشبه عصيانا جماعيا.
وعلى عكس ما يقول المعلقون والصحافيون الرياضيون بأن الشوط الأول للاعبين والشوط الثاني للمدربين.
فإن شوطنا الثاني في هذا المكان المخصص للشخصيات الكبيرة كان شوطا للالتهام.
ولولا اهتزاز المدرجات بعد الهدف الثالث لما توقفنا عن الأكل.
وهذا لا يليق صراحة بمشجع حقيقي.
ثم أين هو بائع السجائر بالتقسيط في المركب الرياضي مولاي عبد الله.
أين ذلك الشخص ذو الصوت الرنان والعجيب الذي يبيع الماء.
أين سكيمو.
أين الزريعة.
أين سندويشات سمك التونة والأسقمري خارج الملعب.
أين البيض والبطاطس المسلوقة.
أين خطر التسمم.
أين المجازفة بالحياة من أجل الفريق.
أين العباسية في الربع ساعة الأخيرة قبل نهاية المبارة.
هي كلها أشياء لا يعوضها هذا البريق. وهذا الجمال. وهذه الروعة. وهذا التنظيم.
ومع عدم التوقف عن الأكل مع كبار كبار الشخصيات.
فإن المشجع يصاب بالتخمة.
وحتى لو كان عضوا في الإلترا. فإنه يتثاقل. ويسترخي. ويخفت تشجيعه. ويتثاءب. و يتجشأ.
ناهيك عن الملل الذي يصيبك وأنت تنتظر انطلاق المقابلة.
فقد دخلنا إلى المكان المخصص لكبار كبار الشخصيات حوالي الساعة الرابعة والنصف.
أما صفارة البداية فقد كانت في الساعة الثامنة.
وخلال كل هذا الوقت لم يكن هناك أي شيء يسلي الجمهور.
ويحمسه.
ولا سكوادرا. ولا تيفاوات. ولا شعارات.
و وسط جمهور أنيق. ومهندم. كهذا الجمهور الجديد الذي أصبح يشجع المنتخب المغربي.
فإنه سيكون من غير المناسب أن ترفع شعار في “بلادي ظلموني”.
فلا أحد يبدو مظلوما صراحة بين كل هذا الجمهور الذي حضر إلى مباراة المغرب والنيجر.
وربما أنا الوحيد الذي كنت مظلوما بينهم لأني كنت متواجدا في مكان غير مكاني.
ومع شخصيات كبيرة أنا الصغير الوحيد بينهم.
وفي وقت من الأوقات تذكرت شعار “عايشين عيشة مهبولة خارجين على قانون الدولة”. وشرعت أردده في داخلي. وأتذكر بحنين التشجيع الحقيقي. وأحاول أن أتحمس.
قبل أن أتفاجأ بالسيد عبد اللطيف حموشي مارا من أمامي.
وخلفه رجال الأمن. والمخبرون.
كما لو أنهم كانوا يسعون ما أردده من شعارات في السر.
ومن حسن حظي أنهم لم ينتبهوا لأمري. ولم يقبضوا علي. ولم يسألوني عن تواجدي في مكان من المفروض أن لا أكون متواجدا فيه.
ورغم أن الملعب جميل.
وكل مشجع له رقم مقعده الخاص.
فقد كانت هناك سلوكات كثيرة منفرة. خاصة من النساء.
لأنه لا ملعب في العالم تأتي له المشجعة مرتدية “تايور”.
كما لو أنها في حفل تنصيب.
وفي معصمها أثقال من الذهب الخالص.
كما أنه من العيب أن تأتي مشجعة إلى الملعب ببروشينغ.
وبتسريحة شعر مازالت فيها حرارة صالون الكوافور.
فتشم فيه رائحة شياطة.
وكل هذا التشيك.
وكل هذه الشفاه المنفوخة من نجمات التيكتوك.
من أجل ماذا.
وهل من أجل النصيري. أم من أجل سنادي. أم من أجل من.
وما يثلج الصدر في تجربتي القصيرة رفقة كبار كبار الشخصيات
أني اكتشفت صغارا مغاربة
معظمهم بشعر أشقر
ولهم غيرة كبيرة على المغرب
و يشجعون المنتخب الوطني بكل جوارحهم
و بلكنة
ويشترون القمصان بالثمن الخيالي.
ولهم آباء لا يترددون في الدفع دون أي تحفظ.
ما يعني أنه. ومن هنا لسنة 2030. سنحصل على مواطن مغربي أشقر.
وجميل.
وله قمصان أصلية.
غير تلك المزورة التي نشتريها لأولادنا من باب الحد.
وفي المقعد الملاصق لمقعدي كان بجاني أفراد أسرة الأميرة للا زينب.
ومعهم الأميرة.
وفي كل مرة كان واحد من الأسرة الكريمة يتجاذب معي أطراف الحديث.
ويناقش معي الخطة. ومستوى إبراهيم دياز.
ظنا منه أني شخصية كبيرة.
وقد اختلفت مع واحد منهم كثيرا حول الأداء. وقمت بمجاراته في النقاش. كي لا يفطن لأمري.
في مكان كان يتواجد فيه والي الرباط. والجنرال محمد حرمو قائد الدرك الملكي.
ومختلف أجهزة الأمن.
وأي خطأ في التحليل من جانبي. يمكنه أن يكلفني غاليا.
وبما أنه لكل بداية نهاية
فقد صفر الحكم نهاية المباراة للأسف.
وهو ما أثار حزنا عميقا في قلبي.
فاضطررت إلى مغادرة الملعب
والعودة إلى البيت
وقد ذلك محبطا لي كمشجع للمنتخب الوطني
لأن المرء يتمنى
أن يعيش مع كبار كبار الشخصيات في مركب مولاي عبد الله
إلى الأبد
يأكل ويشرب قبل بداية المباراة
وبين الشوطين
ويتفرج بين الفينة والأخرى
ولا يخرج من الملعب
ويستقر فيه
ويكبر
إلى حين انطلاق كأس إفريقيا
ثم كأس العالم.
بينما لا شيء يدوم في هذا الحياة
ولا بروشينغ البنات
ولا شفاه المشجعات المنفوخة
ولا السيلفيات
ولا تواجدي بالخطأ مع شخصيات
كان من المفروض ألا يسمحوا لي بأن أتواجد معهم.