من مرفق للتعليم إلى مشروع تجاري.. شبهة التورط في اختلالات خطيرة تضع مسؤولًا ترابيًا بإنزكان تحت المجهر

Écrit par

dans

الخط :
A-
A+

في خضم النقاش المتواصل حول حماية المال العام وصون المرفق العمومي من التلاعبات، يطفو إلى السطح ملف وُصف بالخطير بمدينة إنزكان، تُثار بشأنه شبهة استغلال النفوذ وتضارب المصالح، بعد تفويت عقار عمومي كان مخصصًا لبناء مؤسسة تعليمية، وتحويله في ظرف وجيز إلى مشروع تجاري ضخم، في صفقة تثير أكثر من علامة استفهام.

وحسب المعطيات والوثائق التي اطلع عليها موقع “برلمان.كوم“، فإن العقار المعني، ذو الرسم العقاري عدد 60/18834، يمتد على مساحة تناهز 4671 مترًا مربعًا، وكان مصنفًا في تصميم التهيئة لمدينة إنزكان كمرفق تعليمي، غير أن مساره تغيّر بشكل مريب، ابتداء من دجنبر 2017 حين قامت شركة العمران سوس ماسة بتفويته بثمن لا يتجاوز 2.335.500 درهم لفائدة شركة “TISLIT SAKAN” التي يمثلها (ر.ب)، أحد الفاعلين في مجال العقار، والمفارقة أن هذا التفويت لم يُسبقه أي تعديل لتصميم التهيئة، ما يعني أن العقار ظل رسميًا في خانة المرافق العمومية.

وبعد خمس سنوات فقط، أي في مارس 2023، وفق ذات المصادروالوثائق ، عادت الشركة نفسها لتبيع العقار بثمن بلغ 14.013.000 درهم لفائدة شركة “3D SAKANE”، التي تأسست سنة 2022 وتعود ملكيتها بالكامل لكل من (س.أ) زوجة (ر.ب)، و (م.أ) زوجة مسؤول ترابي بعمالة إنزكان أيت ملول. هذا الارتباط العائلي والإداري يكشف، بحسب معطيات الملف، أن العملية لم تكن سوى وسيلة لنقل الملكية داخل دائرة ضيقة لتحقيق أرباح مضاعفة على حساب مرفق عمومي كان موجها أساسًا للتعليم.

الأدهى من ذلك، أن الفترة نفسها عرفت تعديلًا في تصميم التهيئة لمدينة إنزكان، حيث جُرّد العقار من صفته التعليمية وأعيد تصنيفه بما يسمح باستغلاله تجاريًا. تعديل أثار الكثير من التساؤلات حول مدى احترام المساطر والشفافية، خصوصًا أن التغيير جاء على مقاس الصفقة، بحيث لم تمض إلا أسابيع قليلة حتى حصلت الشركة المالكة الجديدة على رخصة بناء تحت رقم CIG/6917/2023 لمشروع أطلق عليه اسم “Arena Center”، يضم مركزًا تجاريًا وتجهيزات طبية ومركز أعمال من خمسة طوابق، وهو ما يؤكد الطابع التجاري المحض للعملية، تضيف ذات المصادر.

الأخطر حسب ذات المصادر، أن وجود (م.أ)، زوجة المسؤول الترابي الذي يعتبر الآمر والناهي بإنزكان، ضمن الشركاء الرئيسيين في المشروع، يضع الملف برمته في خانة تضارب المصالح، وتجد وزارة الداخلية، بحكم وصايتها على الجماعات الترابية ومراقبتها لمساطر التعمير ورخص البناء والمصادقة على تصاميم التهيئة، نفسها موضوع شبهة استغلال نفوذ غير مباشر، مما يطرح سؤالًا كبيرًا حول حياد القرار الإداري ونزاهته.

وليس هذا الملف حالة معزولة، إذ تكشف معطيات سابقة وفق ذات المصادر، أن (ر.ب) يملك شركة أخرى تدعى (BASTIF)، اعتمدت نفس المنهجية في اقتناء عقار من شركة العمران بمدينة أيت ملول، كان مخصصًا بدوره لمرافق عمومية، قبل أن يتحول إلى مشروع تجاري وسكني، ما يعزز فرضية وجود مخطط متكرر يستغل ثغرات التعمير وعلاقات نافذة للاستيلاء على عقارات ذات صبغة مرفقية.

إن خطورة ما يجري لا تقتصر على فقدان مؤسسة تعليمية كانت ستخدم ساكنة إنزكان، بل تتجاوز ذلك إلى تكريس نموذج مقلق من استغلال القرابة العائلية والمناصب الإدارية لتحقيق مكاسب خاصة، وهو ما يجعل المطالبة بفتح تحقيق شامل في ملف العقار عدد 60/18834، والتدقيق في مساطر تغيير التهيئة ورخصة البناء، وكذا في شبكة العلاقات بين الأطراف المعنية، مطلبًا ملحًا، كما أن توسيع التحقيق ليشمل صفقات مشابهة استفادت منها شركات “TISLIT SAKAN” و”3D SAKANE” و”BASTIF”، يظل خطوة ضرورية لتفكيك هذا النمط الممنهج من التلاعب بالعقار العمومي.

إن الملف برمته يُوضع اليوم بين أيدي وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت الذي يتحمل مسؤولية المراقبة والمحاسبة، ذلك أن الأمر يمس الثقة في المرفق العام ويطرح سؤالًا وجوديًا حول مدى قدرة المؤسسات على حماية الملك العمومي من عبث المصالح الخاصة، والكرة الآن في ملعب الجهات الرقابية والقضائية لإعادة الاعتبار لمبدأ المساواة والشفافية، وصون هيبة الدولة أمام مثل هذه الممارسات التي تُفقد المواطن الثقة في المؤسسات.

إقرأ الخبر من مصدره