
لحسن أقرطيط
« الأحداث والشخصيات تتكرر مرتين في التاريخ: المرة الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة » – كارل ماركس مقدمة: دلالات التوقيت وأبعاد السؤال
لم يكن اختيار جريدة لوموند الفرنسية أن تفتح ملفاً خاصاً عن المغرب، وفي قلبه المؤسسة الملكية، مجرد صدفة أو رغبة صحفية عابرة، بل جاء في ظرف سياسي وإقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث تتقاطع تحولات الداخل الفرنسي مع ديناميات الصعود المغربي على المستويين الإقليمي والدولي. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا: لماذا المغرب الآن؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات، حيث تواجه فرنسا تحديات داخلية غير مسبوقة، بينما يرسّخ المغرب حضوره كقوة صاعدة وفاعل دولي يحسب له الحساب؟ أهو مجرد عمل إعلامي محكوم بمنطق السبق والانتشار، أم أن الأمر يتجاوز حدود الصحافة إلى منطق الحسابات السياسية والمصالح الجيوستراتيجية؟
من يقرأ الواقع بعين المتأمل يلحظ أن المسار الذي يسلكه المغرب يختلف جذرياً عن المسار الذي تنخرط فيه فرنسا اليوم. فالمغرب يشهد في السنوات الأخيرة دينامية تنموية كبرى، تتجسد في مشاريع استراتيجية ومخططات اجتماعية واقتصادية، وفي رؤية دبلوماسية متعددة الأبعاد جعلت من قضية الصحراء المغربية محوراً مركزياً للسياسة الخارجية، دون أن يغفل الانفتاح على شراكات دولية متوازنة شرقاً وغرباً وجنوباً. وفي المقابل، تبدو فرنسا غارقة في أزماتها الداخلية: أزمة ثقة في المؤسسات، تفاقم النزعات الشعبوية والمتطرفة، ارتباك في الخيارات الخارجية، وصعوبة في التكيّف مع عالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى.
هذا التباين يثير أسئلة عميقة: هل اختيار المغرب كموضوع لملف خاص من طرف لوموند محاولة للتغطية على هشاشة الداخل الفرنسي عبر تصدير النقاش نحو الخارج؟ أم هو انعكاس لغياب قراءة جديدة لدى النخبة الإعلامية والسياسية الفرنسية لدور المغرب الجديد، ولقدرة المملكة على التحول إلى نموذج مستقل يرفض أن يكون تابعاً لمركز قرار خارجي؟
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} خلفيات الملف وأهدافه الخفية
حين يتأمل المرء بنية الخطاب الذي صاغته جريدة لوموند يلمس بوضوح أن التركيز لم يكن على نقاش سياسي داخلي طبيعي، بل على استهداف المؤسسة الملكية ذاتها، باعتبارها العمود الفقري لوحدة الدولة وضامن استقرارها. إن هذا الاختيار يكشف أن المسألة تتجاوز حدود العمل الصحفي إلى منطق سياسي يهدف، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى التشويش على رمزية الملكية، ومحاولة ضرب الثقة التي تجمع بين المؤسسة والشعب. ومن هنا تنفتح أسئلة أعمق: هل نحن أمام أجندة داخلية فرنسية تبحث عن ورقة خارجية للتخفيف من أزماتها، أم أن هناك لوبيات أو أطرافاً دولية تجد في قوة المغرب المتنامية مصدر إزعاج لمصالحها التقليدية، فتلجأ إلى أدوات الإعلام لإرباك مساره؟
المغرب وفضاء الحريات: مفارقة الخطاب والواقع
من اللافت أن يتجاهل تقرير لوموند حقيقة يعرفها المتابعون للشأن المغربي، وهي أن المملكة تعيش اليوم فضاءً إعلامياً أكثر تنوعاً وانفتاحاً مما كان عليه في العقود الماضية، حيث أفرزت الثورة الرقمية منابر مستقلة قادرة على مناقشة أكثر القضايا حساسية، كما أن النقاشات العامة في مواقع التواصل الاجتماعي تُظهر مدى حيوية المجتمع السياسي والمدني المغربي. وإضافة إلى ذلك، فإن المغرب لم يكتفِ بتوسيع فضاءات الحرية داخلياً، بل اضطلع بأدوار دولية في قضايا كونية كبرى، إذ سبق أن ترأس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأسهم في صياغة توافقات حول قضايا الهجرة، المناخ والتنمية المستدامة، ما يؤكد أن صورته على الساحة الدولية لا تنسجم مع محاولة تقديمه كبلد منغلق أو متردد.
سوابق لوموند: حين يسقط الكبار في أخطاء الصغار
قد يعتقد البعض أن جريدة لوموند ، بما لها من سمعة ومكانة تاريخية، محصنة ضد الانزلاق، لكن الوقائع تكشف العكس. فقد سبق للقضاء الفرنسي والأوروبي أن أدانها في قضايا تشهير ونشر أخبار غير دقيقة: من قضية نادي ريال مدريد إلى قضية برشلونة، مروراً بقضية جون مالكوفيتش، وصولاً إلى ملف “أنغولا غايت” وغيرها. هذه السوابق تؤكد أن الخطأ الإعلامي ليس استثناءً حتى لدى كبريات الصحف، وأن المصداقية ليست مرتبطة دائماً باسم الجريدة بقدر ما ترتبط بمدى احترامها لأخلاقيات المهنة وأسس التحقيق الصحفي الرصين.
المغرب كفاعل دولي صاعد
اليوم يتموقع المغرب باعتباره قوة إقليمية صاعدة، لاعباً محورياً في أفريقيا، وشريكاً موثوقاً على الساحة الدولية في ملفات الأمن، مكافحة الإرهاب، تدبير قضايا الهجرة، بل وفي المساهمة في رسم السياسات المناخية العالمية. هذه المكانة الجديدة تجعل من المغرب رقماً صعباً في المعادلة الدولية، وهو ما يفسر ربما حساسية بعض الأطراف تجاهه، ومحاولة بعض الأقلام الإعلامية النيل منه أو التشويش على مساره.
إن ما لم تستوعبه لوموند ، ومعها بعض الأصوات في فرنسا، أن المغرب يمتلك جبهة داخلية صلبة، قوامها التلاحم بين الملك والشعب عبر مؤسسة البيعة، وأن قدسية المؤسسة الملكية ليست مجرد رمز ديني أو تقليدي، بل هي تعبير عن وحدة الدولة وشرعيتها التاريخية. إن الشعب المغربي، الذي خبر عهود الاستعمار والوصاية، يدرك تمام الإدراك أن زمن التدخل في الشؤون الداخلية قد ولى إلى غير رجعة، وأن السيادة الوطنية خط أحمر لا يقبل المساومة أو العبث.
إن ما أقدمت عليه جريدة ، في توقيت شديد الدلالة، لا يمكن قراءته إلا باعتباره جزءاً من محاولة قديمة جديدة لإعادة إنتاج خطاب الوصاية والتشكيك، وهو ما يجسد بالضبط مقولة ماركس:
مرة أولى كمأساة، ومرة ثانية كمهزلة. غير أن المغرب، بثبات جبهته الداخلية وقوة حضوره الدولي، لن يتأثر بمثل هذه الحملات، بل سيواصل مساره بثقة، مدركاً أن التاريخ يكتبه الفاعلون الحقيقيون لا المراقبون المترددون، وأن زمن استهداف السيادات الوطنية قد انتهى مع انتهاء زمن الاستعمار نفسه.
-أستاذ باحث في الجغرافيا السياسية
إقرأ الخبر من مصدره