جولة المبعوث الأممي تؤكد مسؤولية الجزائر كطرف رئيسي في نزاع الصحراء

Écrit par

dans

هسبريس ـ أحمد الساسي

كشف بلاغ وزارة خارجية الجزائر الصادر عقب زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، حالة من القلق والارتباك بشأن التحولات الدولية المرتبطة بملف الصحراء المغربية، في وقت تتسارع الأحداث السياسية لطي النزاع قبيل مناقشات مجلس الأمن الدولي منتصف أكتوبر المقبل.

وتأتي هذه الزيارة ضمن جولة دبلوماسية تمهيدية لتقييم مسار العملية السياسية وتحريك المفاوضات المباشرة بين الأطراف، حيث تركزت مباحثات دي ميستورا مع وزير الشؤون الخارجية الجزائرية، أحمد عطاف، على تعزيز الجهود الأممية الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف، مع التأكيد على الدور المباشر للجزائر كطرف رئيسي في النزاع وتجاوز صفة “ملاحظ”، ومساهم فعال في إيجاد تسوية سياسية عادلة ومستدامة.

وجاء بلاغ الخارجية الجزائرية بلغة تنم عن القلق، إذ شدد على التمسك بخيار “الاستفتاء” والتذكير بدور “المينورسو”، في محاولة لمواجهة الدعم الدولي المتزايد الذي يعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا واقعيا وموثوقا للحل. كما يعكس البلاغ محاولة الجزائر تثبيت جبهة البوليساريو الانفصالية طرفا مباشرا لمواجهة المغرب في المفاوضات المرتقبة.

ويجسد بدء المبعوث الأممي زيارته إلى الجزائر الاعتراف بمكانتها الإستراتيجية كطرف مباشر في النزاع، كما يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به في مسار التسوية، مع الإشارة إلى التحديات التي يفرضها التعنت الجزائري على نجاح العملية السياسية، بما في ذلك محاولات الحفاظ على نفوذها في صياغة الحل السياسي أمام التحولات الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.

وتستعد الجولة الأممية لزيارة الأطراف قبل إحاطة دي ميستورا نصف السنوية أمام مجلس الأمن، بما يشمل لقاءات مع المغرب والبوليساريو وموريتانيا، في خطوة تهدف إلى بلورة مقاربة دبلوماسية متكاملة، تقييم التطورات الميدانية، ودفع العملية السياسية نحو حل شامل وعادل ومستدام، في ظل استمرار الجزائر في مواقفها التقليدية التي تترجم قلقها من تراجع تأثيرها في النزاع.

خيارات متعثرة

للتعليق على أبعاد اللقاء أكد عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، أن مناقشات مجلس الأمن ستعرف حركية دؤوبة لبحث الخيارات والمقترحات والتوصيات المرافقة لقراءة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الحالة في الصحراء المغربية، بما يشمل التطورات الرئيسية وحالة حقوق الإنسان والأنشطة المرتبطة بنزع الألغام ومراقبة وقف إطلاق النار وغيرها من الشواغل، إلى جانب مختلف اللقاءات والمحادثات السياسية والدبلوماسية المرافقة لعمل الأمم المتحدة في علاقتها ببحث حل لنزاع الصحراء المغربية.

وأضاف الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن موقف المملكة المغربية من الخلاف القائم حول منازعتها على سيادتها على أقاليمها الجنوبية أخذ يكتسح عديد الفضاءات السياسية والدبلوماسية متعددة الأطراف، ويحصد اعترافات تلو أخرى تزيد من وجاهة وجدية المقترح المغربي القاضي بمنح الصحراويين حكمًا ذاتيًا يمكنهم من تدبير شؤونهم بأنفسهم، وفق آليات يتم إنشاؤها محليا لضمان تنزيل هذه الخطة وتثبيت أسس نجاحها وإرساء بنيات خادمة لتحقيق السلم والأمن في المنطقة، بما يفيد المساهمة الجادة في الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى حل جدي وموضوعي وبراغماتي للنزاع الذي عمر طويلا، وذلك حسبما نصت عليه تصريحات العديد من ممثلي الدول التي دعمت جهود المغرب في إنهاء الصراع وتثمين حسن نيته وانخراطه في المسار الأممي والتزامه بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

وأشار المحلل ذاته إلى أنه في المقابل مازالت مجموعة من الدول، تقودها الجزائر وجنوب إفريقيا، تحن إلى خطابات الانفصال وتقسيم الدول التي لا تشاطرها التوجه السياسي نفسه والرؤية نفسها، وتدعم حركات تمرد وجماعات انفصالية لإضعاف تلك الدول والتحكم في مصائرها أو تمزيق وحدتها عبر خلق دويلات قزمية قابلة للتدجين، بغية التحكم في منطقة شمال إفريقيا بأكملها. غير أن تلك المساعي وفق المتحدث ذاته، “مازالت تواجه بقوة الإرادة السياسية للمملكة المغربية وصلابة تدخلاتها الدولية وسمعتها ومساهمتها في مختلف عمليات السلام والبحث عن حلول للقضايا الشاملة، وعلى رأسها التغير المناخي والهجرة والتهريب الدولي للمخدرات والاتجار بالبشر والأمن السيبراني وفض النزاعات، بالإضافة إلى مسار انتقالها الديمقراطي النموذجي الذي ساهم في تغيير وجه المغرب الحديث وجعله قبلة للاستفادة من ممارسات فضلى في مجال العدالة الانتقالية وسيادة القانون والحكامة الرشيدة وحماية وتعزيز حقوق الإنسان”.

وأوضح نائب منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية” أن الجزائر، سعيا إلى محاولة التأثير في التحركات القبلية لبدء النقاش في مجلس الأمن على هامش أشغال الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة حول مسألة نزاع الصحراء، استقبلت المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، في زيارة رسمية، تحضيرا لهجوم دبلوماسي مرتقب كمحاولة أخيرة قبل دخول الملف مرحلة الحسم النهائية، لافتا إلى أن “الخارجية الجزائرية تتوخى من هذه الخطوة الجديدة حمل المبعوث الأممي على تضمين مواقفها المتعلقة بضرورة إدخال تقرير المصير كلازمة في الإحاطة الكتابية المزمع تقديمها عند بداية النقاش، وإعادة تدوير النقاش حول مسلسل التسوية والاستفتاء وغيرها من المقاربات التي أثبت مجلس الأمن والأمم المتحدة برمتها فشلها وعدم قابليتها للتنفيذ بفعل مناورات خصوم المغرب وفي مقدمتهم الجزائر”.

وعرج المحلل السياسي نفسه في معرض حديثه على أن الخارجية الجزائرية تحاول إيهام مبعوث الأمين العام بدعم مساعيه لتنفيذ ولايته الموكلة إليه بشكل كامل، دون تجاوز ما تروم إلى تحقيقه بمعية جنوب إفريقيا وحفنة من الدول الإفريقية التي مازالت ترى في هبات الجزائر خلاصا لمعضلاتها، المرتبطة أساسا بغياب الديمقراطية وسيادة الحكم الشمولي على شعوبها وقمع الحريات وهضم الحقوق.

وبخصوص تحرك الدبلوماسية الجزائرية بكثافة غير معهودة أوضح المتحدث أنه يعود إلى تشديد الخناق على مناوراتها ومحاولاتها إقحام حلول مبتذلة، من قبيل فرض خيار تقرير المصير والاستقلال وإنهاء الاستعمار، التي لا تستقيم مع سياق الصحراء المغربية، لانتفاء صفة الاستعمار عنها حين عودتها إلى حظيرة المملكة المغربية، فضلا عن استحالة تنفيذ المسلسل الأممي الخاص بتحديد الهوية وحصر لوائح الناخبين وفحص ودراسة الطعون والدخول في المرحلة الانتقالية، وصولا إلى التصويت النهائي، مشيرا إلى أن “محاولات الجزائر إقحام آلاف الأشخاص في العملية، وهم لا ينتمون إلى الإقليم ولا تربطهم صلة بالمجال الجغرافي والتاريخي للصحراء، عقدت كثيرا من مسار تحديد الهوية وأثرت سلبا على بناء الثقة وتبادل الزيارات، وتسببت في وقف المفاوضات نهائيا”.

واستبعد عبد الوهاب الكاين، في ختام حديثه لهسبريس، أن يفضي أي تحرك جزائري إلى دعم مسار البحث عن حل سياسي عادل ودائم وقابل للتطبيق للنزاع المفتعل، معتبرا أن “الإرادة السياسية للجزائر تظل مناقضة لتصريحات دبلوماسييها وأفعال ممثليها على الأرض، في ظل تعبئة إعلامها وحلفائها لخوض معارك دعائية لا تهدف إلى تسوية النزاع بقدر ما تروم إضعاف المغرب محليا وإقليميا ودوليا بأي وسيلة، حتى وإن اقتضى الأمر توجيه مقدرات الشعب الجزائري نحو شراء المواقف أو الضغط على بعض الدول للتراجع عن اعترافها بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية”.

مزايدات جزائرية

من جانبه يرى دداي بيبوط، فاعل سياسي وباحث في التاريخ المعاصر والحديث، أن السلطات الجزائرية لا تنفك تروج لسيل من الأخبار الزائفة بارتباط مع نزاع الصحراء، من بينها الادعاء أن بعثة المينورسو هي البعثة الأممية الوحيدة التي لا تتضمن ولاية شاملة في مجال رصد وتتبع وحماية وتعزيز حقوق الإنسان، في حين أن تسعا من أصل إحدى عشرة بعثة أممية عاملة حاليا لا تدخل هذه الولاية ضمن اختصاصاتها؛ إذ تقتصر مهماتها على مراقبة وقف إطلاق النار، وتقييم الوضع الميداني، وتيسير وصول وتوزيع الدعم الإنساني.

وأضاف بيبوط، في إفادة لهسبريس، أن إدراج ولاية لحقوق الإنسان ضمن أي بعثة أممية لا يتم بإرادة طرف من الأطراف أو بطلب من هيئة معينة، بل يخضع لمحددات ترتبط بطبيعة النزاع والسياق المحيط به، ونوعية الانتهاكات المرتكبة وحجم الضرر المترتب عليها، ومدى التزام الأطراف بقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، موردا أنه “كلما اتسع نطاق الانتهاكات وارتفعت درجة المس بالحق في الحياة والسلامة الجسدية تعاظمت إرادة المنتظم الدولي للتنصيص على مثل هذه الولاية”.

وأوضح الباحث ذاته أن واقع الحال في نزاع الصحراء المغربية يخالف تماما هذه الصورة التي تروجها الجزائر، إذ لا يمكن لأي جهة أن تثبت ارتكاب السلطات المغربية انتهاكات جسيمة في الأقاليم الجنوبية، مؤكدا أنه يستند في هذا القول إلى “معطيات موضوعية تتعلق بالممارسة الاتفاقية للمملكة المغربية وانضمامها لمختلف الصكوك الدولية الناظمة لحقوق الإنسان، إضافة إلى التجربة الرائدة التي راكمتها عبر هيئة الإنصاف والمصالحة وما تلاها من تنفيذ للتوصيات، وكذا الممارسات الفضلى التي تجسدها مؤسساتها الوطنية على الأرض”.

ولفت الفاعل السياسي نفسه إلى أن أي مطلب لإدراج ولاية حقوق الإنسان ضمن مهام بعثة المينورسو لا يعدو كونه مزايدة على مكتسبات المغرب الحقوقية، ومحاولة للضغط عليه في المحافل الدولية، وبيّن أن هذه المحاولات لن تحظى بقبول، على اعتبار أن مكونات المنتظم الدولي باتت تدرك خلفيات الجزائر الرامية إلى تعطيل تقدم المغرب دبلوماسيا وحقوقيا، في وقت يواصل تحقيق مكتسبات غير مسبوقة في دفاعه عن سيادته ووحدته الترابية.

وسجل المتحدث ذاته أن الجمعية العامة للأمم المتحدة والأمانة العامة مازالتا تديران الملف ببطء وبوتيرة متفاوتة، من خلال التأكيد على ضرورة البحث عن حل سياسي دون اتخاذ خطوات عملية كافية لتحقيق ذلك، في حين يبرز مجلس الأمن كفاعل رئيسي يشجع الأطراف على الانخراط بجدية ودون شروط مسبقة في المسار التفاوضي، باعتباره السبيل الأمثل لإنهاء النزاع، مشيرا إلى أن “المجلس ما فتئ يثمن المبادرة المغربية للحكم الذاتي التي طُرحت سنة 2007، بوصفها مقترحا واقعيا ومنسجما مع قواعد القانون الدولي، ويستجيب لتطلعات الساكنة المحلية”.

واسترسل بيبوط بأن التحركات الجزائرية الأخيرة، المتمثلة في دعوة المبعوث الأممي ستافان دي ميستورا إلى الجزائر، تعكس محاولة لاستمالته نحو التركيز على خيار تقرير المصير، رغم أن هذا المسار فشل منذ عقدين بسبب العراقيل التي وضعتها الجزائر نفسها، لافتا إلى أن “تصريحات الوزير أحمد عطاف، التي تحصر النزاع في مواجهة بين المغرب والبوليساريو، ليست سوى محاولة للتهرب من المسؤولية التاريخية للجزائر كطرف رئيسي، في وقت لا تملك الجبهة الانفصالية سوى لعب دور الوكيل عنها لتنفيذ أجنداتها الإقليمية”.

وخلص الباحث ذاته إلى أن أي حديث عن “إنهاء الاستعمار” في الصحراء المغربية مردود على السلطات الجزائرية ذاتها، باعتبار أن الملف أُدرج بالأمم المتحدة في سياق إنهاء الاستعمار الإسباني، بينما يتعين اليوم إنهاء تحكم الجزائر في قرار الصحراويين وإخراجهم من حالة الجمود التي فرضت عليهم لسنوات طويلة، مشددا على أن “من حق سكان المخيمات التعبير جهرا عن رغبتهم في العودة إلى أرضهم والعيش بكرامة في كنف عائلاتهم، بعيدا عن الاستغلال السياسي الذي مورس عليهم لعقود”.

إقرأ الخبر من مصدره