أزمة الصحة في المغرب.. بين غضب المرتفقين وإمكانيات الإصلاح

Écrit par

dans

بقلم: حسن الشطييي رئيس جمعية حماية المستهلك

شكَّل الاستقبال الحاشد الذي وُوجه به وزير الصحة والحماية الاجتماعية، السيد أمين التهراوي، خلال زيارته الأخيرة إلى مستشفى في مدينة أكادير مثلا، لحظةَ كشفٍ مدوّية. تحوّلت البروتوكولات الرسمية إلى محكمة شعبية علنية، حيث وجّه مواطنون غاضبون سهام انتقاداتهم مباشَرة نحو عقل المنظومة الصحية. ذلك المشهد الذي التقطته كاميرات الإعلام المحلي والعالمي، لم يكن سوى القمة الظاهرة لجبل جليد الأزمة، مما يفرض تشريحاً معمقاً لأسبابها الخفية وسُبل معالجتها الجذرية.

هذه اللحظة التاريخية تكشف عن تحول جوهري في وعي المواطن المغربي، الذي لم يعد يقبل بأن يكون مجرد متلقٍ سلبي لخدمات صحية متدنية. لقد انتقل من ثقافة الصمت إلى ثقافة المطالبة بالحقوق، محوّلاً الفضاء العام إلى منصة للمساءلة المباشرة.

المشهد يرمز إلى انهيار الجدار التقليدي بين المسؤولين والمرتفقين في القطاع الصحي، ويشير إلى ولادة عقد اجتماعي جديد يقوم على المحاسبة والمشاركة الفاعلة. هذا التحوّل يستدعي قراءة متعددة الأبعاد تستكشف ليس فقط إخفاقات المنظومة، ولكن أيضاً الدينامية الجديدة التي يمارسها المجتمع للمطالبة بتغيير حقيقي. هذه المعطيات تدفع الكاتبه إلى طرح تساؤلات حول الإشكالية وأسباب الأزمة وسبل الخروج منها.

الإشكالية الأساسية تكمن في التناقضات الصارخة بين المبادئ الدستورية التي تكفل الحق في الصحة والواقع المزري للمستشفيات العمومية. هذا التناقض يطرح تساؤلات جوهرية: هل تكفي التميلات المالية الجزئية أو البرامج القطاعية المنعزلة لإنقاذ منظومة صحية تعاني من إخفاقات هيكلية متراكمة؟ وما هي طبيعة الإصلاح الاستراتيجي المطلوب لتحويل المستشفى العمومي من فضاء للمعاناة إلى مؤسسة تضمن الكرامة الإنسانية؟

التشخيص:

تتجلى مظاهر الأزمة في مجموعة من المظاهر التي يعاني منها المواطن يوميا:

· اختناق الخدمات الاستعجالية بسبب الاكتضاضات في أقسام المستعجالات وقاعات الانتظار لساعات طويلة.

· القوائم الطويلة المواعيد البعيدة مع الأخصائيين لشهور، بل لسنوات.

· النقص الحاد والمزمن في الموارد البشرية، تقادم المعدات، والنقص المتكرر في الأدوية.

· تدهور البنية التحتية ومشاكل النظافة والصيانة وسوء المعاملة.

هذه المظاهر ليست سوى أعراض لاختلالات أعمق:

· تمويل غير كافي لان الميزانية المخصصة لتدبير قطاع الصحة دون المستوى الموصى به عالمياً.

· وهناك اسباب مرتبطة بسوء التدبير والحوكمة. حيث هيمنة البيروقراطية وغياب المحاسبة على النتائج.

· هجرة الكفاءات الصحية بسبب تدني ظروف العمل وغياب الحوافز مما زاد في تعميق أزمة الموارد البشرية.

· غياب التوازن المجالي بسبب تركيز أفضل التجهيزات والكفاءات في المدن الكبرى.

في مواجهة هذا الواقع، تبرز أهمية الحلول الاستراتيجية الشاملة كخيار وحيد:

1. تعزيز الرأسمال البشري عبر فتح باب التوظيف لتغطية الخصائص الكبير في الاطر الطبية والتمريضية وتحفيز الكفاءات والاستثمار في البحث العلمي في هذا المجال.

2. تطوير البنى التحتية الصحية ورد الاعتبار للمناطق القروية والمهمشة سعياً لتحقيق العدالة المجالية في العلاج.

3. الاستثمار المستدام في القطاع مع الحفاظ على الطابع التضامني الذي يضمن الحق في الصحة للجميع، ويصونها من منطق السوق والربح الذي يحوّل الرعاية الصحية إلى سلعة استهلاكية.

ولتحقيق ذلك، يتوجب توجيه الاستثمارات نحو تعزيز البنية التحتية وتحديث التجهيزات الطبية، وضمان تمويل مستدام عبر ميزانية صحية تتوافق مع المعايير الدولية، والحفاظ على الطابع التضامني بدعم الفئات الهشة وتعميم التغطية الصحية الشاملة، وإبعاد القطاع الصحي عن منطق الربح من خلال تعزيز الرقابة وضمان الشفافية في استخدام الموارد. فالاستثمار في الصحة هو في جوهره استثمار في الإنسان، ويجب أن يبقى حقاً أساسياً لا يُتاجر به، وليس مجرد سلعة خاضعة لمنطق السوق.

4. ترسيخ مبادئ الحكامة الرشيدة عبر إشراك حقيقي للنقابات والمجتمع المدني في صنع القرار.

5. توسيع نطاق التغطية الصحية مع منح أولوية قصوى للفئات الضعيفة التي تعاني من الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية. هذا التوسع يجب أن يشمل تعميم التأمين الصحي الإلزامي، وتطوير برامج صحية مستهدفة، وتبسيط مساطر الانتفاع بالخدمات الصحية، مع ضمان إعفاء هذه الفئات من أي تكاليف إضافية. كما يتطلب إنشاء مراكز صحية أولية في المناطق المهمشة، وتوفير العلاجات الأساسية مجاناً، مع إطلاق حملات للتوعية والكشف المبكر عن الأمراض في صفوف هذه الفئات.

ختاما، احتجاج المواطنين في بعض المستشفيات المغربية كان بمثابة جرس إنذار لا يمكن تجاهله. النجاح في معالجة هذه الأزمة لن يقاس بعدد الزيارات أو التصريحات، بل بمدى القدرة على الانتقال من منطق إطفاء الحريق إلى تبني نموذج إصلاح استراتيجي طموح. إن إصلاح المنظومة الصحية، يعتبر مشروعا شموليا ينبغي ان ينخرط فيه الجميع في ظل التحولات العميقة التي يعرفها القطاع. هذا التغيير يجب أن يبدأ بإرادة سياسية حقيقية تترجم الوعود إلى خطط عمل ملموسة، وتجعل من الحق الدستوري في الصحة حقيقة واقعة لكل مواطن.

إقرأ الخبر من مصدره