
يوسف الريحاني
قبل أن تتنمر، تذكر أنك لا تفعل ذلك إلا لأنك ضعيف.
وتذكر أيضا بأن ذلك يعني أنك متصالح ضمنيا مع السلوك العدواني كحل
“الجُمَّاحُ” وجمعها “جَمَامِيح” هو اللوح الدائري الذي تصوب نحوه سهام الرماة؛ وفقا لقوانين لعبة الرماية، يتم رفع هذا اللوح الدائري على مسافة معينة؛ ليصير هدفا لكل السهام المتبارية في استهدافه.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
لطالما انتصر المغاربة لمظاهر التحديث ومنها فنون التمثيل؛ التي اعتبروها أداة للنهوض الاجتماعي والرقي الحضاري. انضم العلامة عبد الله كنون دون تردد إلى الحركة المسرحية بطنجة ودعمها في وقت مبكر؛ وشجع الزعيم الوطني علال الفاسي الشباب بحزب الاستقلال على تأسيس الفرق المسرحية؛ كما قام زعيم الوحدة عبد الخالق الطريس بتأسيس هواة المسرح بتطوان وجعلها لسان حزب الإصلاح الوطني. لكن كانت هنالك قلة من الذين حاربوا التمثيل. شبه أحد هؤلاء الممثلين بالقردة وتوعدهم بأن يمسخوا خنازير يوم القيامة، ورفض آخر الوظيفة الترفيهية للمسرح باعتبارها هدرا للمال والجهد. لم يتردد الفقيه صديق الغماري في اعتبار التمثيل ضد الروح الإسلامية التي ترفض التفاهة؛ وربط الفقيه المرير ظهور الممثلين في تطوان بفساد الزمان وغربة الدين في آخره.
لكن كل هذه الآراء المتزمتة ظلت تحيا في الهامش؛ لأن التنوير هو الذي انتصر بفعل إرادة وطنية للتحديث؛ تعززت فعليا عبر الممارسة السياسية. وفي خضم كل ذلك لم نسمع في القرن الماضي عن أحد كفر ممثلا أو نعته بالنفاق، فقط لأنه مارس حقه في التمثيل السياسي؛ حتى في عز الصراع الثقافي بين العلم والاتحاد الاشتراكي. كان الجميع متوافقا بشكل ضمني على أن المصلحة هي المحرك في الانتماء الحزبي للفنانين أو لغيرهم: طموح التحرر، المشاركة في تسيير الشأن العام، الوصول إلى مصدر القرار، وحتى الارتقاء الاجتماعي الذي هو حق مكفول دستوريا للجميع وفق القوانين المعمول بها.
لكن وفي ظل ثورة الفضاء الأزرق الذي سحبت الشرعية من المثقف- المفكر لصالح المؤثر الذي ليس شرطا أن يكون مفكرا؛ نصب الأصوليون الفنانين كجماميح مستهدفينهم بكل سهام الظلامية؛ ومستغلين لتحقيق ذلك سلطة الشبكة الافتراضية في التأثير السريع في ضعاف النفوس وذوي العقول المحدودة. فهذا يكفر الفن لأنه ينشر الميوعة فيسايره في ذلك المئات، وذاك ينبذ الفن لكونه يكرس التفاهة ويصدقه الآلاف؛ وفئة أخرى تنسب نفسها للصف التنويري لا تتردد في توصيف الفنانين بالمنافقين؛ فقط لأنهم لم يسايروا حلمهم الربيعي؛ وتقاعسوا عن دعم ما انتهى فيما بعد خريفا.
توحد التقدميون والإسلامويون حول اعتبار الفن المغربي تافه وغير كائن؛ لأنه في نظرهم لا ينقل أية رسالة ولا يخدم الغيديولوجية التقدمية وما يدعون أنه رغبة الشعوب في التحرر؛ مختزلين بذلك دور الفنان في “ساعي بريد” وفق الوصف التهكمي لرائد مسرح اللامعقول يوجين يونسكو.
لكن الوضع تجاوز النقد الذي قد يكون مقبولا إلى التجريح والتنمر على فنانين عبروا عن ميولات سياسية مخالفة؛ وخير دليل ما يحصل الآن مع الفنان والممثل المتميز الأستاذ بنعيسى الجيراري؛ الذي تحول إلى ترند للتهكم والتطاول؛ فقط لأنه مارس حقه المدني كمواطن اختار الانتماء إلى لون سياسي معين، يؤمن من وجهة نظره بأنه حقق وسيحقق له وللفنانين الذي يعيشون نفس وضعيته كممثلين محترفين لا مهنة لهم سوى الفن؛ المصلحة الخاصة (وهذا حقه مثل الجميع) والعامة (وهذا حق الفنانين على سياسيي هذا البلد). فهل أخطأ في شيء؟ وهل خالف القوانين المنصوص عليها؟
إن الصواب في الديموقراطية أننا لا نصوت على لون بعينه لاعتبارات إيديولوجية؛ لأن هذا عماء وفيه مصادرة لحق الناخب في التفكير. من المفروض أننا نصوت على من نعتقد بأنه المؤهل في مرحلة ما لضمان المنفعة التي هي وحدها محرك العملية الديموقراطية باعتبارها التصريف العقلاني للمصلحة المجتمعية وفق شرعية القانون. نصوت لهذا اللون السياسي اليوم وغدا قد نغير رأينا إدا خيب ظننا. ما يضمن عنصر التناوب للعملية الديموقراطية، أننا لا نصوت على ملائكة وشياطين، نحن نقترع فقط على من نراه مؤهلا لتحقيق أكبر قدر من المنفعة المجتمعية في لحظة تاريخية بعينها؛ تحكمها ظروف خاصة، ومصيرها أن تتغير في المستقبل، وعندها قد يظهر لنا اختيار آخر.
عندما قاد الأستاذ بنعيسى الجيراري منذ عشر سنوات مبادرة لفتح حوار للفنانين المسرحيين مع لون سياسي معين، اعتقد غجزء مهم من المغاربة وقتها بأنه قد يشكل انعتاقا من عنق الزجاجة، لم ينعته أحد بالمنافق ولا تعرض وقتها لتنمر من أحد. واليوم عندما اقتنع كجل المغاربة بلا جدوى هذا التصور الأصولي في تسيير الشأن العام، وأصيب كغيره من المغارب بخيبة أمل في أشخاص خيبوا أفق انتظارنا، فبحث عن البديل الذي يراه مناسبا من وجهة نظره؛ تحول إلى منافق وكاري حنكو.
حسنا، هل يجرؤ أحد على إلصاق هذه الصفات بالراحل المهدي بنبركة لأنه انشق عن حزبه الأصلي في ظرف حساس جدا، وأسس حزبا جديدا ليفوز معه بالانتخابات. طبعا لا، لأن هذه كانت رؤيته وتلك كانت قناعاته وهو حر في اختياراته ما دامت ضمن القانون.
طيب من منا سيجرؤ منا على التنمر على رجالات مثل الراحلين عبد الهادي بوطالب والمعطي بوعبيد بسبب تحولهما الجذري من اليسار إلى اليمين؟ وهل أنقص ذلك من احترامهما ومن إسهامهما الكبير في بناء المسار الديموقراطي باعتبارهما من كبار رجالات السياسة والفكر ببلادنا؟
ما تعرض له الأستاذ بنعيسى الجيراري هو وصمة عار في جبيننا جميعا لو صمتنا على مثل هذه الممارسات المشينة؛ لأنه ومع تقدم الحياة الديموقراطية ببلادنا، لا تزال فئة منا تعتقد بأنها في صف الملائكة وغيرها شياطين؛ فئة تعتبر الانتماء إلى صفها شرفا وواجبا ووطنيا، والتحول نحو الجهة الأخرى عار ومذمة. فئة تؤمن بأن من يوليها وطنيون ومن يعاكسونها خونة ومنافقون وانتهازيون؛ من ثم يجوز التنمر عليهم وحشد القطيع السيبرنيتيكي ضدهم لتشويههم وكسرهم نفسيا.
ولكن ينسى هؤلاء بأن هذا المنطق البائد هو مقدمة التطبيع مع العنف بكل أشكاله؛ وأن المتنمر هو الشيطان، وعدو الديموقراطية لأنه يصادر حق الآخرين في الاختيار، ويستكثر عليهم تحقيق المنفعة الخاصة والعامة كما يرونها بأنفسهم ودون وصاية من أحد. مثل هؤلاء العدميون إذا لم تجاريهم الأغلبية في أهوائهم- أوهامهم؛ واقنعوا أخيرا بانهم في عزلة فقد يتحولون إلى قنابل موقوتة تنسف الجميع.
لكن الأخطر من كل ذلك أن ما وقع للأستاذ بنعيسى الجيراري، وقبله كثيرون من الفنانين؛ هو هذه النزعة التحقيرية لمؤسسة الفن بجعلها “الجُمُّاح” الذي يصوب نحوه كل متنمر هذا معناه تنافس سياسي لتحقيق السلطة والنفوذ باستخدام أشكال مختلفة من رأس المال الاقتصادي والاجتماعي لكن مع مصادرة حق الفنانين في ذلك؛ وعدم الاعتراف بقيمة الفن والفنانين كشكل من أشكال الهيمنة المشرعنة. هذا خطير جدا لأن معناه أن هناك في هذا المجتمع من يعترف فقط بالرأسمال الاقتصادي والاجتماعي. ولا تنهض المعاصرة التي هي عماد وحاضن لتطور الديموقراطيات من دون الرأسمال الثقافي والفني.
من حق الفنانين والممثلين خصوصا؛ بل ومن واجبهم الإسهام في الحياة السياسية ببلادنا والانخراط مع الألوان السياسية التي يرونها قادرة على جلب المنفعة الخاصة والعامة وتطوير مهنتهم ووضعيتهم الاجتماعية كباقي القطاعات المهنية؛ لأن ذلك سيعني تقوية وشرعنة المؤسسات التمثيلية القائمة، والتي تقوي التناسج المجتمعي؛ مثلما يعني ذلك إعادة إنتاج هذه الهيمنة المجتمعية وتوسيع حدودها لتشمل إلى جوار الاقتصادي الاجتماعي ما هو جمالي أيضا. أطراف المعادلة متكاملة: الاقتصاد رخاء والمجتمع حدود والفن حرية وإبداع. قال دولوز: أن تناضل هو أن تبدع.
لذلك، ليس الفن سوى العماد الذي تنهض عليه الديموقراطية.. وتحية لفناننا الرائع والشجاع الأستاذ بنعيسى الجيراري؛ وألف تحية قبل ذلك لكل مؤسسة سياسية تعيد إنتاج هذه الهيمنة المجتمعية لتشمل الفنانين أيضا. فهذا أكبر دليل على أن مجتمعنا يسير قدما إلى الأمام، ويطور تجربته الديموقراطية. هو اكبر برهان على أن بلادنا الضاربة في عمق التاريخ صارت أيضا المغرب المعاصر.