بذلة الحسين يزي! كنا نسلم على بذلته ونحييها في جريدة المساء. ونقول لها صباح الخير أستاذ يزي . بينما صاحبها في ميلانو يشرب القهوة. ويبحث عن الأخبار

Écrit par

dans

حميد زيد – كود///

وقفة الصحافي الحسين يزي لوحدها تستحق أن يكافأ عليها.

ومن رأى هذه الوقفة في جريدة المساء. وفي الصباح. وفي مقرات كثيرة أخرى. لا يمكنه أن ينساها.

و إذا كان من تعريف لوقفة الصحافي المهني فهي وقفة الحسين يزي.

أما بذلته فهي لوحدها تستحق راتبا.

وتستحق دعما.

وتستحق كل الجوائز.

وتستحق تكريما.

وهي نفسها البذلة التي كان يتركها الحسين يزي على مقعد مكتبه في يومية المساء.

كي تخبرنا أنه موجود.

وأنه سيعود.

لكن يحدث أحيانا أن تنوب عنه بذلته.

فلا يظهر له أثر في الجريدة.

ولا يعود.

بينما بذلته حاضرة دائما.

وقد كنا نسلم عليها ونحييها كل صباح.

ونقول لها صباح الخير أستاذ يزي.

بينما صاحبها في ميلانو يدخن ويشرب القهوة.

أو ينتظر مكالمة مهمة. أو خبرا مزلزلا.

وبما أني ذكرت الخبر. فإن الطريقة التي كان يحصل بها الحسين يزي على الخبر لا تشبه طريقة أي صحافي آخر.

ولوحدها تستحق كل جوائز الصحافة.

فقد كان حريصا على العناية به.

وعلى الطبطبة عليه.

وعلى تهويله.

وعلى تضخيمه. و أسطرته.

وعلى وضعه في المكان الذي يستحقه في الصفحة الأولى.

وقبل أن يخرجه.

وحسب مزاج صاحبه. فإن الحسين يزي كان تارة يستعمل الخبر كورقة يتفاوض بها للحصول على تسبيق.

وكان طورا يؤجله.

ويظل ينتظر المكالمة المهمة التي ستمنحه الخبر إلى أن تستجيب الإدارة لمطالبه.

وحينها فقط يفرج عنه.

وتأتي المكالمة. ويأتي الاتصال.

لأن الخبر الذي يأتي به الحسين يزي ليس مثل الأخبار الأخرى.

فيعرضه للبيع ويروج له

ويمدحه

قبل أن يرسله إلى رئيس التحرير.

وقد كنا نحن. زملاءه. وأصدقاءه. نتمتع بما يقوم به الحسين يزي.

ونتعلم منه فن الصحافة.

وفن العصيان الصحفي.

وقد كان أستاذا حقا في هذا المجال.

وأنيقا في غضبه.

وفي احتجاجه.

ومهما حاولنا تقليده. فلا أحد منا كان قادرا مثلا على ترك البذلة في الجريدة.

بينما صاحبها في مكان آخر.

بحذائه الذي يلمع.

و بربطة عنقه.

على أهبة دائما ليكون حاضرا في لقاء رسمي.

وبينما كنا نحن نلبس كيفما اتفق.

ومن ثقافتنا. ومن الصورة التي كوناها عن الصحافي. كنا ننفر من كل ما هو رسمي. وما هو أنيق. وما هو بذلة.

فقد كان الحسين يزي نشازا.

و مهندما في كل حالاته.

ورغم ذلك فقد كنا نحن الأقرب إليه.

وكان منا.

وكان ينظر إلينا من تحت نظاراته.

و بأرنبة أنفه.

فنضحك. ونتواطأ مع الحسين يزي.

ونحبه. ونحترمه.

ونقدره.

ونعجب بكل ما يقوم به.

و بطريقة جلوسه.

وبطريقته في الكلام.

و قد كان بإمكانه أن يتقرب من كل أصحاب المؤسسات التي اشتغل فيها.

ويستفيد من هذا القرب

كما فعل آخرون

لكنه كان مخلوقا كي لا يتقرب من أحد.

وكي لا يتملق لأحد.

بينما كان بالمقابل واحدا منا.

نحن الذين لا نملك شيئا.

ولا تأثير لنا.

ولا علاقات لنا. ولا قرب لنا.

و كان يحب الخبر أكثر من أي شيء آخر.

و حدث مرة. وبعد أن تأكد أنه تعرض للخداع. وأن المؤسسة لم تحترمه.

ولم تقدره حق قدره.

أن صار يخترع في الاجتماع الصباحي لهيئة التحرير أخبارا لا أساس لها من الصحة.

أخبارا بلا معنى.

عن خط بحري يمر منه الإيدز. أو شيئا من هذا القبيل.

فكنا نضحك.

وحين كان يأتي دوري لأتحدث عن المواد التي سأشتغل عليها.

فقد كنت دائما. وفي كل مرة. أردد كلمة واحدة: هي العراق.

فتنفجر كل قاعة التحرير من شدة الضحك.

و حين نعود إلى مكاتبنا.

كنا نجد بذلة الحسين يزي. بينما صاحبها في مكان ما.

و قد كنا نكن لها احتراما كبيرا

ولا نزال.

لأنه ليست أي بذلة. بل بذلة الحسين.

الغائب.

بحثا عن خبر لا يرغب في الحصول عليه.

كطريقة منه للاحتجاج.

فيظل يبحث عنه. ويشتغل. كي لا يشتغل.

و كانت بذلته شاهدة.

وكنا نحن من عاش معه تلك التجربة سعداء بوجوده بيننا.

إذ لم يحدث أن اشتكى منه زميل. أو تسبب في مشكل لأي صحافي.

بل العكس.

لأن مجرد وجوده كان ينشر جوا من البهجة في مقر الجريدة.

أما مشيته فكانت مشية جنتلمان.

و يجب أن لا تنسى.

ويجب علينا أن نتذكرها و نؤرخ لها.

لأنها كانت تتنفس مهنية. وهو يخطو إلى الخارج. ليدخن. أو ليجري مكالمة مع مصدر من مصادره.

و تارة يعود.

وتارة أخرى لا يعود.

وعلى ذكر مصادر الحسين يزي فهم من نوع خاص.

وكان دائما يتحدث عنهم باحترام.

وبأنهم غير متوفرين في الوقت الحالي.

وأنهم ليسوا أي مصادر. بل مصادر محترمة.

وهو الآن غاضب.

ويشعر الحسين يزي بالغبن.

وبأن هذه المهنة لم تنصفه.

ولم تقدره.

ولم تكافئه.

وهذا كله صحيح.

بينما لا مقرات اليوم. ولا مكاتب. ولا مقاعد. يعلق فيها الحسين يزي بذلته.

ولا أخبار يحصل عليها الصحافيون.

ولا سكوبات.

والكل يهرول. ويتسابق. ويشتري الميكروفونات. ويتلاءم.

بينما لم يعد هناك ورق

ولم تعد هناك أقلام

ولم تعد فسحة للغداء

ولم تعد هناك مهلة للتفكير

ولم تعد هناك أحلام

و لم يعد هناك بديل

ولم تعد هناك مشاريع جديدة

ولم يعد متاحا لنا أن نجلس في مقهى ميلانو

إلى الحسين يزي

في نفس طاولته

وهو يرشف قهوته على مهل

مدخنا سيجارته المارلبورو الحمراء.

فالزمن تغير كثيرا

والصحافة تغيرت بدورها

ولم تعد هذه المهنة تميز بين أصحابها

الذين ليست لهم مهنة أخرى غيرها

و لم تعد تميز بين الحسين يزي

ومساره الطويل

وبين غيره من الطارئين عليها

و أنا أرى الآن

أرى بذلته معلقة على صفحته في الفيسبوك

وأرى ربطة عنقه

و أرى مشيته

ووقفته المعروفة

وأستنتج من ذلك أن الحسين يحتج علينا جميعا

وعلى وضعه

بطريقته المعتادة

وأنه مظلوم

ومحبط

و لم يحصل على الإنصاف الذي يستحق

وأن هناك خطا بحريا في خبره

فأتذكر كل اللحظات الجميلة التي قضيتها برفقته في جريدة المساء.

وأتذكر ابتسامته

ومكتبه الذي كان قريبا من مكتبي

وبذلته التي تنوب عنه

ولا أجد إلا هذه الكلمات كي أحييه بها

في زمن

يطلبون فيه من الصحافي أن يتلاءم

وأن يشتري ميكرو

وأن يتحول إلى مقاولة

وأن يمسخ نفسه

ويتحول رغما عنه إلى صانع محتوى

كي يستمر في الوجود

وفي الحصول على الراتب الذي يستحق.

إقرأ الخبر من مصدره