الضحك من المنظور الفلسفي

Écrit par

dans


أحمد بلحاج آية وارهام

الضحك ظاهرة إنسانية عالمية، تظهر في جميع الثقافات والشعوب. يمكن أن يكون وسيلة للتواصل، وللتعبير عن الفرح، ولكن، ما هو الضحك في جوهره؟ هل هو قناع رمزي يخفي وراءه مشاعر أخرى؟ أم هو فرح حقيقي يعبر عن سعادة داخلية؟

ففلسفيًا، يمكن النظر إلى الضحك على أنه قناع رمزي يخفي وراءه مشاعر أخرى، قد يكون وسيلة للهروب من الواقع أو للتخفيف من التوتر والقلق أو من مشاعر أخرى معقدة. فالضحك ليس بالضرورة تعبيرًا حقيقيًا عن الفرح، بل قد يكون قناعًا يخفي وراءه مشاعر متضاربة. أو يمكن أن ننظر إليه على أنه فرح حقيقي يعبر عن سعادة داخلية، أو مرآة تَبرز فيها رؤيتنا المضمَرة عن الذات والوجود. فأرسطو يرى أن الضحك هو وسيلة للتعامل مع المشاعر السلبية، مثل الخوف والغضب، كما يُعتبر وسيلة لتحرير تلك المشاعر. بينما يعتقد سارتر أن الضحك تعبير عن الحرية والقدرة على الاختيار؛ فنحن عندما نضحك نختار أن نكون في حالة من الفرح والاسترخاء، مما يعني أن الضحك يمكن أن يكون تعبيرًا حقيقيًا عن المشاعر الداخلية، وليس قناعًا رمزيًا. أما نيتشه فيقرر أن الضحك وسيلة للتحرر من القيم التقليدية والاجتماعية والسخرية منها، والتعبير عن الحرية الفردية. وفي هذا السياق يصبح قناعًا رمزيًا يخفي وراءه رغبة في التحرر من كل ما يقيد.

إنه ظاهرة معقدة، يمكن أن تكون دالة على مناحٍ عديدة وأوجه متباينة. فهو له علاقة وطيدة بالفلسفة التي يمكن أن تساعدنا على فهمه، وتحليل معناه، ومعرفة لماذا نضحك، وما هو الضحك في جوهره. إذ من خلال الفلسفة ندرك أن الضحك هو تعبير رمزي بشري معقد، وشبكة دلالات عميقة، وسخرية مبطنة، وتنفيس عن كروب الذات تجاه ما يجري في الوجود من فظاعات، وقد يكون تعبيرًا عن القوة والقدرة على تجاوز الصعوبات.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ومن خلال هذه الآراء الفلسفية، يمكننا أن نفهم أن الضحك ظاهرة فيها من التعقيد ما يجعل الفلسفة بذاتها تضحك من شدة تشابكه في الواقع والوجود، فقد يكونان مصدرًا للضحك، كما يمكن أن يكونا مصدرًا للمعاناة. والضحك كذلك يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع الصعوبات، وللتعبير عن المشاعر الحقيقية. وفي هذا السياق نُلفي الألماني مارتن هايدغر يقرر أن الوجود هو مصدر للقلق والخوف، والضحك وسيلة للتعامل مع هذا القلق. وكلما ضحك الإنسان عبّر عن حريته. فالضحك له علاقة وثيقة بالحرية، وبالقدرة على الاختيار.

وهو – حسب برجسون – وجه من وجوه الحياة، ولذا يُعد ضروريًا لاستمرارها، وتجنيبها الوقوعَ في الجمود والرتابة والملل، عن طريق تحرير الطاقة وإعادة الشحن للحياة. والحياة التي لا يتخللها ضحك لا تكون إلا قسوة وقنوطًا من العيش.

من خلال هذه الآراء الفلسفية، يمكننا أن نفهم أن الضحك هو ظاهرة معقدة، يمكن أن تكون سخرية مبطنة، أو تنفيسًا عن كروب الذات. كما يمكن أن يكون وسيلة للتحرر من القيم التقليدية، وتعبيرًا عن الحرية الفردية، ووسيلة للتعامل مع المشاعر السلبية والتوتر.

ولا شك أن في أعماق أنفسنا البشرية قوة غامضة تتحكم في مشاعرنا وأفعالنا. وهذه القوة هي الضحك الذي ينتج عن اكتشاف التناقض بين ما نتوقعه وما يحدث في الواقع. فعندما نرى شيئًا غير متوقع، أو نكتشف تناقضًا بين ما نتوقعه وما يحدث، فإننا – وفقًا لتصور إميل دو كليرو – نضحك. فالضحك هو خاصية إنسانية فريدة. أما الكائنات الأخرى – كما يعتقد سارتر – فإنها تعبر عن فرحها أو سعادتها بأساليب خاصة بها، ولكنها لا تضحك بنفس الطريقة التي يضحك بها الإنسان.

فضحك الإنسان هو تعبير عن هويته وثقافته. والثقافة يمكن أن تؤثر على الضحك ونوعيته، وطريقة التعبير به التي تختلف من ثقافة إلى أخرى. ولا غرابة أن يكون الضحك وسيلة للتواصل بين الثقافات المختلفة، ووسيلة للتكيف مع البيئة، وللتعبير عن الانتماء إلى مجموعة ما.

إقرأ الخبر من مصدره