
ريما. ل ـ كود ///
واقعة الفتاة إيمان التي أثارتها مؤخراً الصحافة الوطنية ليست مجرد قصة فردية حزينة، بل مرآة صادمة لواقع تشريعي واجتماعي يصرّ على معاقبة الضحايا وحماية المعتدين.
فتاة تُغتصَب، تُدفع إلى زواج قسري، تُشوَّه بعد الطلاق… وأمام كل هذا، يكتفي القانون بالتفرج. كيف يمكن لبلد يفاخر بإصلاحات حقوقية أن يقبل بهذا الكم من التناقض؟
في المغرب، مازال الاعتراف بالنسب للأم وحدها أشبه بالمستحيل. طفل يولد خارج الزواج يبقى رهينة إثبات نسب الأب أو حكم قضائي معقد، بينما الأم – وهي الحقيقة الوحيدة الثابتة– لا تستطيع أن تمنح ابنها نسبها بكل بساطة. هذا ليس مجرد فراغ قانوني، بل إنكار صارخ لحق بديهي: الأمومة حقيقة بيولوجية واجتماعية وقانونية، ومع ذلك يعجز القانون عن ملاحقة هذه الحقيقة. النتيجة: مئات الأطفال بلا هوية كاملة، وأمهات يُلاحَقن بالوصم.
أما الإجهاض، فالقانون المغربي ما يزال يجرمه إلا في حالات ضيقة تكاد تكون مستحيلة التطبيق. كم من فتاة قاصر، كم من امرأة ضحية اغتصاب، وجدت نفسها مضطرة إلى مغامرة صحية قاتلة أو إلى حمل غير مرغوب فيه، فقط لأن المشرّع يرفض الاعتراف بحقها في تقرير مصير جسدها. نحن أمام مفارقة فاضحة: نفس المجتمع الذي يُدين العلاقات خارج الزواج، يفرض على النساء ضحاياها أن يتحملن حملًا لا يرغبن فيه، ثم يجرّم أي محاولة لإنهائه.
وعندما ننظر للقانون جنائي، نجده قانونا بلا أنياب والعقوبات الجنائية إطار هلامي. ثم نصطدم بحقيقة أخرى: النصوص موجودة، لكن التنفيذ هشّ ومتراخٍ. قضايا اغتصاب، عنف أسري، تنتهي غالبًا بأحكام مخففة أو عفو سريع، بينما الضحايا يعيشون جراحًا لا يمحوها أي حكم. ما قيمة قوانين بلا ردع فعلي؟ ما فائدة نصوص تُترك حبيسة الأدراج أو تُطبق بانتقائية تخدم الأقوياء؟
إزاء هذا الواقع، لا يكفي ترقيع النصوص. نحن بحاجة إلى ثورة تشريعية حقيقية:
أولاً، الاعتراف الكامل بحق الأم في نسب طفلها دون قيد أو شرط، لضمان هوية الأطفال وصون كرامة الأمهات.
ثانيًا، تقنين الإجهاض بشكل يحمي حياة وصحة النساء، خاصة في حالات الاغتصاب والحمل غير المرغوب فيه.
ثالثًا، ضمان عقوبات صارمة ونافذة ضد كل أشكال العنف الجنسي كيفما كانت.
إن ما حدث لإيمان ليس حادثًا معزولًا، بل ناقوس خطر. استمرار هذا الوضع يعني تكريس ثقافة الإفلات من العقاب، وتفضيل الأعراف على الحقوق الدستورية. إذا كان المغرب يريد فعلًا أن يكون في مصاف الدول الحديثة التي تحمي كرامة مواطنيها ومواطناتها، فليبدأ بكسر هذه الطابوهات: نسب الأم، حق الإجهاض، وعقوبات جنائية حقيقية. بدون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة من الألم والصمت، تدفع النساء وحدهن ثمنها.