
عثمان البهالي
نتابع حلقات سرد حيثيات بروز ميكانيكا الكم.
جدلية ماهية المادة
في المقال السابق تطرقنا إلى الجدل حول السلوك الغامض للضوء جعلت العلماء يُسَلِّمون بثنائية الموجة والجسيم للضوء. واليوم نتطرق إلى الأسئلة حول ماهية المادة، وهو السؤال الذي شغل الفلاسفة والباحثين منذ أن خلق الله الإنسان.
تشير المصادر إلى أن ديموكريتوس هو أول من طرح فكرة أن المادة مكونة من حبيبات دقيقة سماها الذرة (atomos) ويتواجد بداخلها فراغ. هذه الفكرة تم رفضها وبشدة لاحقا من طرف أرسطو مما صرف العلماء عن الاهتمام بها باستثناء قلة، منهم العالم أبو بكر الرازي الذي صنف المواد إلى أربعة أقسام: الحيوانية والنباتية والمعادن ومشتقات هذه الثلاث. وصنف المعادن حسب التفاعلات الكيميائية، وليس حسب شكلها الخارجي، وهو ما يتماشى مع التصنيف الحديث كما سوف نرى.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
في سنة 1804قام الفيزيائي الفرنسي جوزيف لويس بروست بنشر ملاحظاته التجريبية واستنتاجاته حول المادة التي أعلن خلالها أنه “حينما يتحد عنصران أو أكثر لإنتاج مركب معين، فإن هذه التركيبة تحافظ على نسبة كل عنصر في ذلك المركب”، ولنشرح أكثر: فمثلا الماء مكون من الهيدروجين والأوكسيجين، ونسبة كل منهما ثابتة لا تتغير سواء تكلمنا عن قطرة ماء أو شلال من المياه.
وبعد أقل من خمس سنوات (1808)أخرج الكيميائي الإنجليزي دالتون فكرة الذرة مجددا، لكنه هذه المرة اقترح أن المادة مكونة من ذرات تختلف من عنصر لآخر، مما يعني أن ذرة الهيدروجين لا تشبه ذرة الأوكسيجين، وكان هذا حلا مرضيا لتفسير قانون بروست للنسب. لكن هناك من عارضه بشدة من بينهم الكيميائي البريطاني ويليام وولاسطون والفرنسي جون دوما، حيث كانوا يؤمنون بأن المادة لا متناهية في الصغر كما أن الكون لامتناهيا في الكبر. بل هناك من استعمل نفوذه السياسي لمنع تداول فكرة الذرة، كما فعل الفرنسي مارسلين بيرتلو أستاذ الكيمياء بكلية فرنسا ووزير التعليم العام ولاحقا وزير خارجية فرنسا، لكن كل الدلائل الأولية كانت ترجح كفة محور الذرة.
تجارب حاسمة وولادة الفيزياء الحديثة
يقول عالم الكيمياء الحيوية المجري ألبرت كيورغي “يقال أن الاكتشاف هو لقاء عابر مع عقل مستعد”، ذلك ما حدث في أواخر القرن التاسع عشر.
حينها كان الفيزيائيون منكبين على دراسة تفاعلات الغازات، بتعريضها لجهد كهربائي داخل الأنبوب الكاطودي (سوف يتم استخدامه لاحقا في شاشات التليفزيون القديمة).
البداية كانت في ليلة باردة من خريف سنة 1895 وبالضبط ليلة الثامن من نوفمبر. كانت السيدة آنا بيرتا لودفيك قد أعدت طعام العشاء وتنتظر زوجها ويلهيم رونتغن ليخرج من مختبره ويشاركها طعام العشاء. مر الوقت وبرد العشاء ولم يظهر الزوج، لأنه كان على موعد مع اكتشاف سوف يضع فاصلا بين ما قبل تلك الليلة وما بعدها.
بينما كان يقوم بتجاربه، داخل غرفة مختبره المظلمة تماما بجامعة وورزبيرغ بألمانيا، رأى وميضا يسطع على سطح حائط غير بعيد من أنبوب الغاز الشفاف. قام بعدة محاولات لكن الوميض لم يختف، لاحظ أن هذا الوميض له خصائص غرييه نذكر منها: أنه لا يتأثر بالحقول الكهربائية أو المغناطيسية وهذا يعني أن هذا الوميض لا يتوفر على شحنة كهربائية، الثانية أن هذا الشعاع يخترق الأجسام التي كثافتها خفيفة لكن يُمْتص من طرف الأجسام الصلبة مثل العظام والثالثة أن طاقته كبيرة مقارنة مع الأشعة المعروفة آنذاك. لم يكن هناك أي تفسير لماهية الشعاع أو مصدره، مما دفعه لتسميته أشعة إكس (الأشعة السينية)، ولم يعرف مصدره إلا بعد حوالي ثلاثين سنة.
ورغم أن الشعاع ظل مجهول الهوية، إلا أن رونتغن استطاع أن يدرك قيمة هذه الأشعة التي تخترق جلد الإنسان وأنسجته بينما يتم امتصاصها من طرف العظام، والطريف أنه جرب هذه الأشعة مستخدما يد زوجته آنا. ونتيجة لهذا شُرِع في استخدام هذه الأشعة في الكشف الطبي عن الكسور بعد أسابيع قليلة من هذا الاكتشاف.
ورغم استخدام الأشعة السينية مباشرة بعد اكتشافها إلا أن السؤال بقي مطروحا حول ماهيتها وهل هي مجموعة من الجسيمات أم موجة إلكترو مغناطيسية.
هذا الاكتشاف بات التأريخ الفعلي للفيزياء الحديثة.
ولم يكد الفيزيائيون يلتقطون أنفاسهم لاستيعاب هذا الاكتشاف حتى جاء اكتشاف آخر سنة 1897 من إنجلترا بواسطة الفيزيائي جون تومسون، الذي كان يقوم بإخضاع غازات مخزنة داخل أنبوب زجاجي شفاف لتيار كهربائي، ولاحظ انبعاث جسيمات تنجذب نحو القطب الإيجابي في الاتجاه المعاكس للحقل الكهربائي، مما يعني أنها تحمل شحنة كهربائية سالبة وأطلق على هذه الجسيمة لاحقا اسم الإلكترون.
نموذج الذرة الأولي والنفق المسدود
لكن ماذا يعني كل هذا؟
إذا كانت فكرة الذرة صحيحة، ونعلم أن الذرة لها شحنة إجمالية محايدة أي تساوي صفرا، فلا بد من وجود شحنة إيجابية توازي شحنة الإلكترون المكتشف حديثا؟ لكن كيف تتوزع هذه الشحنة الإيجابية داخل الذرة؟
في سنة 1904 اقترح تومسون نموذجا سمي بنموذج “معجون البرقوق” “Plum Pudding”يقترح فيه أن الشحنة الكهربائية الإيجابية موزعة بطريقة موحدة داخل فضاء الذرة.
لتثبيت أو دحض هذه الفرضية قام العالم البريطاني روترفرد بتجربته الشهيرة المعروفة باسم “تجربة التشتت” “Scattering experiment” ما بين سنتي 1906 و 1911
خلال هذه التجارب، صوب حزمة من جسيمات ألفا المشحونة إيجابيا نحو رقاقة رفيعة من الذهب كهدف، ولاحظ أن بعض الجسيمات لا تتأثر وتمر دون مشاكل، بينما تتعرض جسيمات أخرى لانحرافات عن مسارها تصل بعض الأحيان إلى استدارة كاملة. هذه النتيجة دحضت نموذج الذرة المقترح من طرف تومسون وأوقعت العلماء في حيرة أخرى. وفي نفس الفترة في سنة1909 استطاع العالم الأمريكي روبرت ميليكان من قياس شحنة الإلكترون عبر تجربته الشهيرة “قطرة الزيت” “Oil Drop Experiment”.
ولتفسير نتائج هذه التجارب، اقترح روترفود في سنة ١٩١١ أن الذرة عبارة عن شحنة موجبة تتركز في الوسط (النواة) وحولها تدور الجسيمات السالبة المعروفة بالإلكترونات.
هذا النموذج قد يبدو مقبولا لكنه يصطدم بمبدأ فيزيائي يجعله مستحيلا تماما. فقوانين فيزياء الكهرباء والمغناطيس تخبرنا بأن الجسيمات المشحونة حينما تسلك مسارات منحنية أو دائرية تفقد طاقتها عبر بث إشعاعات إلكترو مغناطيسية، مما يعني أن الإلكترون خلال دورانه حول النواة سوف يفقد طاقته شيئا فشيئا و يقترب من النواة وينتهي بالسقوط فيها، مما يجعل وجود الذرة مستحيلا.
مرة أخرى يصل الفيزيائيون إلى حائط مسدود لا تنفع معه إلا الأفكار الجريئة، وهذا ما قام به العالم الدانماركي نيلس بور لتستمر رحلة البحث عن تفاصيل الذرة وبنيتها المجهرية.
(يتبع)
-أستاذ الهندسة الكهربائية والفيزياء – جامعة حمد بن خليفة، قطر.
إقرأ الخبر من مصدره