
فؤاد بنبشينة
الكلب والبيئة: علاقة حضور الأسطورة وتعددية أصوات “الأنْسَنَة”
أثارَت حالة السائحة الأجنبية التي اتخذت من الكلب رفيقا لها في رحلتها السياحية بالمغرب شيئا من تعددية الأصوات في اختلاف الطبقات الاجتماعية والسياسية، ومن ثمَّة اتخذته صديقا وسافرت به عائدة إلى موطنها الأصلي. هي قصة تناقلتها مجموعة من الصفحات الرقمية الرسمية والغير الرسمية، ومدى تفاعل العديد مع الحالة، واتسمت في كثير من التفاعلات بالسخرية والهزل والجد والنقد والنقد الذاتي، وأحيانا بالتعاطف مع “الكلب” من باب “فاقد الشيء لا يعطيه”، وكأن أسطورة الكهف انقلبت من الكهف الجيّد وكلبه الجيّد إلى الكهف السيء الرديء والكلب المُزيَّف. وعليه، إن فاقد حبّ الصُّحبة لا يمكن أن يمنحه لا لذاته ولا لغيره، عموما هي حالة شبه إنسانية ارتبطت بين الإنسان-السائحة الأجنبية والحيوان الكلب الذي يبدو ليس مغربيا، بمعنى أنه تَعرّض لظروف تهجين عديدة وفق زمنية طويلة، وهذا ما سنتَبيَّنه فيما بعد.
وفي حالة أخرى، وقبل شهرين تقريبا من الحالة الأولى، أشارت جريدة هسبريس إلى حالة مضادة للحالة الأولى حيث وفاة سائحة بريطانية بفيروس السعار عقب تعرضها لخدش من جرو ضال خلال فترة تواجدها في عطلة بالمغرب، هذه الحالة أعادت النقاش حول ضرورة تسريع وضع حد لانتشار الكلاب الضالة بمختلف مدن المملكة، كما أنها أحدثت جدلا بين المهتمين بحقوق الحيوان.
إذن، لقد ذكرنا سلفا أن الكلب ليس بمغربي الأصول كما هو متعارف عليه وفق المنظمة العالمية لتنسيق وتوحيد معايير سلالات الكلاب عبر العالم (FCI) Fédération Cynologique Internationale، أي الفيدرالية الدولية لعلم الكلاب، التي تأسست في 1911 ببلجيكا، والمغرب كان محظوظا من بين العديد من الدول الإفريقية في توفره على فرع لها بالدار البيضاء والمعروف ب: الجمعية المركزية المغربية للكلاب (SCCM)، الخاضعة لأحكام الظهير الشريف رقم 1-58-376 بتاريخ 15 نونبر 1958، والفضل في هذا لغنيمة استعمار فرنسي حيث كانت في زمنية الاستعمار رياضة تخصُّ الكلاب وتعنى بمدى جودتها وجماليتها وتناسق معاييرها، وعرفت مدينة الدار البيضاء فيما بعد إلى الآن؛ مدربين ومحترفين في تجويد وتربية بعض أنواع الكلاب ذات المعايير الدولية، أيضا المؤسسات العسكرية المغربية تعرف أحسن أنواع الكلاب العالميةّ، وكذلك الشرطة والوقاية المدنية والدرك الملكي، وحراس الأمن الخاص، فهل تجرأ أحد خارج هذه المؤسسات واصطحب معه كلب منها وأخذه إلى بلاد أخرى؟ لا، ولن يكون أبدا، لأنها كلاب لها قوانينها التي تؤطرها وتتمتع بجميع حقوق الوظيفة التي تقوم بها.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ولاغرابة في القول، إن الكلاب المسجلة في سجلات الفيدرالية الدولية لعلم الكلاب، هما كلبان فقط: كلب السلوقي وقد تمّ تسجيله في سنة 1934، وتمّ تحيين مواصفاته في سنة 1998، وكذلك كلب الأطلس المغربي “الآيدي Aïdi” وقد تمّ تسجيله دوليا في سنة 2003، وهو كلبٌ صاحَبَ الإنسان المغربي الأمازيغي قديما وكان مُدافعا أمينا لأرضه ووفيا لحراسة أهله وديارهم وقوِّيا تهابه الأسود؛ فهل كلب السائحة تهابه الأسود؟ وإلا لما اقتربت منه وحملته في حقيبتها إلى خارج البلاد؛ هذان هما الكلبان اللذان يُمثِلان الكلاب المغربية الأصيلة، بمعنى خارج هذين النوعين يمكننا الحديث عن الكلاب ذات اللا-أصول أو الهجينة المختلطة، وهذه مواضيع أخرى جد مُقلِقة ترتبط وسوء تسيير وتدبير البيئة المغربية في ارتباط بمجموع الحيوانات التي تعرفها البلاد.
البيئة اللا-جيّدة لا يمكن أن تمنحك حيوانا أصيلا.
نعود إلى حالة السائحة الأولى، ونطرح سؤالا: هل بيئتها جيّدة للكلب الذي اصطحبته معها؟ لا أبالغ إن قلت ليست بيئة جيّدة، وهنا البيئة تعني شمولية أرضها ومجتمعها ومؤسساته وتنوّع جنسياته وطبقاتهم الاجتماعية؛ ربما ذات السائحة شبه جيّدة، وتوفرّت لها ظروف وإمكانيات السياحة خارج بلدها والقيام كذلك بكل إجراءات القانونية لبلدها في اصطحاب الكلب معها إثناء عودتها، لكن هي من تتحمّل مسؤولية ذلك وليس مؤسسات وطنها.
سُلطة البيئة.
يقول الحق عز وجلّ في سورة الكهف: “نحن نقصُّ عليك نبأهم بالحقّ إنهم فِتيةٌ آمنوا بربِّهم وزِدناهم هُدى”.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الخطاب يؤسس لصفات من يصاحبهم الكلب، أي كلبهم، وسيتخذ الكلب إحدى الصفات الرئيسة في الخطاب لفتية الكهف، بمعنى أنه مؤمن بربه وزاده الله هدى، الظاهر من القول، إن الصحبة داخل الكهف تشترط الحبّ، وهو حبّ يرتكز على قوّة الإيمان والهدى، حيث إن الكلب ارتبط بواو العطف ومعطوفا على أصحابه، إنه تكافؤ الصفات الحميدة، فالكلب هنا اتخذ موقفا هو موقف رفاقه، حيث استمدَّ مقومات الصبر على هجران الديار والهرب وفراق الأهل والنقص والحرمان في رغد العيش والاختباء داخل الكهف وسط الجبال. نستضيح، إذن، أن البيئة لها سُلطة على الإنسان وتُسهِم بفاعلية في العلاقة بين الإنسان والحيوان، وهذه البيئة هي نتيجة أفعال الإنسان في المقام الأوّل، لأن النص القرآني مَنحَ حقّ تقديم الإنسان على الحيوان، يقول تعالى: “سيقولون ثلاثة ورابِعُهم كلبُهم ويقولون خمسة سادِسُهم كلبُهم رجماً بالغيب ويقولون سبعَةٌ وثامِنُهم كلبُهم قُل ربّي أعلمُ بِعدّتِهم مّا يَعلمُهم إلاّ قليلٌ فلا ثُمارِ فيهم إلاّ مِراءً ظاهِراً ولا تَستفْتِ فيهم منهُم أحداً”.
بمعنى أن الإنسان هو المسؤول الأوّل والمباشر على خصوصية البيئة التي يتقاسمها ومجموع الكائنات الحيّة في اختلافها وتنوّعها، وهذا قانون المُجاورة والمُصاحبة لتحقيق شكل حياة-قيمة. الحكمة من هذا، إن الكلاب الجيّدة والأصيلة ليست للملاجئ والعطف والحنان وأشياء خارج عن منطق العقل والعقيدة وقوانين الحياة الكونية، الإنسان كذلك لم يُخلق عبثا، وعيب أن يُرمى به داخل الملاجئ والخلاء في الهوامش المُقفرة التي لا-حياة فيها ولا تعرف التنمية، إن الإنسان حامل لأمانة ولا يستحق العطف والرعاية البطنية، لأنه هو من يمنحها، إنه يشترط أخلاقيات العدل والاهتداء بالقوانين الإلهية والدساتير البشرية والأعراف الأخلاقية، والكلب ليس كائنا سياسيا يتماشى مع محطات شبه مُعطلّة بين كل خمس سنوات لاستعادة ماذا؟ هل نقوم بتهجير كل الكلاب، هل نبني مدنا لكلابنا ونمنحها صفة مأوى حيوانياً مُصنفاً بعدَد نُجوم ونياشين أرصدة بنوك حمقى السعار اللا-سياسي واللا-ثقافي؟ وهل الذين منحوه رخصة الدخول إلى بلد آخر سيعترفون به؟ أكيد سيخصونه حتى لا تتكاثر في بلدهم كلاب غير أصيلة، وستفرض الدولة المستقبلة له شروطا وقوانين صارِمةً على صاحبته، وتتحمل مسؤوليته في كل شيء، فإن وقع وتبوّل في الشارع العام حينها ستؤدي غرامة مالية للبلدية. هناك لك حق تربية ما تشاء فقط انضبط للقوانين وتحمّل مسؤوليتك كامِلة، أيضا هي داخل بلدها تتمتع برخصة قيادة الكلب، وهذا نوع من القوانين المؤطرة لتربية الكلاب، فليس كل من استيقظ من جهله أن يربط كلبا ويتمشى به وسط الأماكن العمومية، كذلك وجب على الكلب أن يتوفر على تشخيص حكومي يُقر باجتماعية الكلب وأنه ليس عدوانيا.
العكس هنا لا يتوافق مع العديد من طبقات المجتمع المغربي، باعتبار أن “فاقد الشيء لا يعطيه”؛ هل منحوني شيئا لأمنح بعضه أو كلّه لك؟ هو سؤال الإنسان للحيوان هنا، وفي حالات عديدة هو سؤال الإنسان للإنسان. هي محاولة تعبير عن أزمة في تسيير بيئتنا وتدبير مجالات جغرافيتنا، نسخر بالابتسامة الرمادية ونحن نتلّمس قوانين الرحمة في اللا-قانون البيئي، وهذا ضرب من الحمق. الكلاب لها فضل كثير عن من لبسوا الثياب، إلحاح الكلب الضعيف المنهزم في ملاحقة السائحة وإصراره على صبر الرحلة هو من باب استدعاءها للشفقة، ليس عيبا في ذلك، إنه اختيارها ورغبتها في احتضانه، وماذا لو احتضنت بشرا من فئة عمرية ما ومن طبقة اجتماعية هامشية، ما الفرق إذن؟ لا فرق إلا في سياسة البلدين ومدى تعزيز جودة البيئة، مساكننا في الخلاء هي مساكن ضالّة لا وثائق لها ولا سجلات ولا تتمتع بالصرف الصحي ولا تؤدي حقوقها للدولة، آدميتنا هي آدمية ضالّة تائهة تتسوّل وتسطو وتمارس النصب والعنف إنها فئات بشرية فاسِدة وبخيلة جدّاً حين تكون خارج القوانين والأصول، وهل يختلف سُعار الكلب مع سعار البشر؟ كم من سائح قتله آدمي أو كلب، لكن هل طرحنا سؤال من هي هذه الفئة التي تروم القتل وهي خائفة؟ إن السعار البشري الشبيه بالسعار الكلبي حين يخاف البيئة يعض يُميت ولا يرحم إنها كائنات تعيش الخوف فقط داخل بيئة ليس بيئتها، فالإنسان تصنعه البيئة، لكن هذا الإنسان هو من يصنع الأرض ويستخرج كنوزها وثرواتها، الإنسان هو الفاعِل الوحيد في تنمية الأرض ومن ثمّة تنمية البيئة، والإنسان هو صاحب شرط الحفاظ على النسل ومن بعده المال وقبلهما يشترط تحقق العقل، فلا تنمية بدون عقل ونسل جيّدين، أكرموا إذن العقل بالمعرفة ومهاراة حياة بيئتنا، أكرِموا نسل الإنسان والحيوان، وأكرموا نسل الكلاب خاصة.
إن المشكل ليس في الكثرة أو كما يقال في الكمّ بل هو مشكل في الجودة وبستان ثرروتنا، فما ذنب الكلاب إن فقدت نسلها الجيّد وحُرِمت من أصولها ولم تكن لها سجلات ولادة معترف بها حكوميا ودوليا، ما ذنب الحيوان وهو تائه تيه التشرد والتمزق؟ القوانين وَجَبَ اتخاذ الصرامة العقلية في تطبيقها والقطع مع كل أشكال اللا-عقل، إن البناء يَتطلَّب الهدم والمسح والتَّشطيب، ومن ثمّة تشييد بيئة نظيفة، والنظافة من الإيمان، فلنعزز إذن، إيمان العلم والمعرفة ونعيد تأسيس العقل الأخلاقي المغربي الذي كان يفتخر بكلبه “الآيدي” في الحراسة والرفقة والدفاع عندما يَتهدد الجبل والسفح خطر ما، ونعيد افتخارنا بالكلب السلوقي للصيد والمطاردة ومتعة المنظر والرشاقة والقوّة في الركض والمناورة، فهل يمكن لأحد ما أن يأخذ كلبنا ونحن نسخر بلا لون للحياة من واقعنا ومن قلبنا.. هل يرضينا أن نساهِم في تهجين بيئتنا وكائناتها، أين مسؤولية وزارة الفلاحة والزراعة؟ أين معاهدنا البيطرية العليا؟ أين هي كليات العلوم الإنسانية؟ هل الإنسان يُصنع خارج أقسام وقاعات ومدرجات الدراسة والتعليم؟ أين سيصنع هذا الإنسان؟ وماذا سيقدم لبيئته وكائناتها الحيوانية والنباتية؟
جوابا في كلمة، وأختِم:
إنها المقولة الأكسيولوجية: (الأنْسَنَةُ):
أَنْسِنوا البيئة-بيئتنا، فأكيد كل ما فيها وما عليها سيتأَنْسنُ، أَنْسِنوا المؤسسات والشارع العام، أنسنوا الطوب الإسمنتي ولو مدينيا، فمدننا صارت تفتقد إلى مفهوم “المدينة المُأنسَنة”، انقلبت مدننا إلى مدن هجينة تطلّ علينا كل صباح بعشوائية مرضية وواجهات محلات غير شرعية، أَنْسِنوا تعليمنا العمومي، أَنسِنوا قلب صحتنا العمومية.
أنْسِنوا “المكونات الرئيسة في بناء المجتمع المغربي من الهُجنة واللا-أصول”، إجمالا وكما تقول الحكمة: “لن يتحقق الوصول بدون أصول”؛ فالكلاب اللا-أصيلة ماذا قد تمنحه لنا؟ لا شيء، هي خارجة عن وظيفتها ودورها بصحبة الإنسان وبيئته، وهي لا تتحمّل وزرا في ذلك، إنها نتائج اللا-حِكمتنا نحن واللا-معرفتنا، وغرور جهلنا بالبيئة وبالمهارات الحياتية والذاتية، أيضا هو التفريط في التوعية بالقوانين المنظمة لبيئتنا والتساهل معها أو تفادي تطبيقها.
كم تعجبني الحكمة التي أقرأها على بعض الجداريات بمدننا البسيطة: “حيّ أنيق بأهله يليق”، النظافة من الإيمان” فكذلك: اللا-نظافة من الكفر والجحود واللا-عقل والغباء والغرور.. واللا-أنسَنَة…إلخ.