الخطاب الإعلامي بين السلطة والمعرفة

Écrit par

dans


مصطفى غَلمان

تنتمي سوسيولوجيا الخطاب الإعلامي إلى حقلي علم الاجتماع وعلم تحليل الخطاب، وهو يدرس العلاقة بين اللغة والبنى الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. ويمكن فهمها كقراءة سوسيولوجية للخطاب، أي تفكيك النصوص والخطابات الشفوية والمكتوبة، من منظور القوى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تشكّله.

ويطرح الخطاب الإعلامي هنا، في سياق المقاربة السوسيولوجية، التي تنظر إلى الخطاب كنتاج لواقع اجتماعي محدّد (طبقات، صراعات، قيم، مؤسسات) وكأداة لتشكيله في الوقت نفسه. (يطرح) ثلاث أسئلة جوهرية، أولها سؤال السلطة والمعرفة، متأثرة بفكر ميشيل فوكو، تستبطن كيفية استخدام الخطاب لتثبيت السلطة أو مقاومتها.

أما سؤال الهوية والاختلاف، فيبحث عن كيفية إسهام الخطاب في بناء الهويات الجماعية (النوع، العرق، الأمة، الدين). ثم سؤال الهيمنة والأيديولوجيا، المستلهمة من فكر غرامشي وبورديو، حيث تدرس كيف يُخفي الخطاب أحيانًا علاقات السيطرة تحت غطاء الحياد أو “الطبيعة”.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

إن سوسيولوجيا الخطاب في عموميتها، تنظر إلى اللغة باعتبارها ممارسة اجتماعية، لا مجرد وسيلة تواصل، إذ تكشف كيف تُنتِج المجتمعات معانيها وقيمها، وتعيد عبرها إنتاج هياكل النفوذ أو مقاومتها. إنها أداة لفهم العُمق الخفي وراء الكلمات والشعارات. وعلى هذا الاعتبار يمكن التركيز على خطاب الإعلام، كيف تُبنى الأخبار لتوجيه الرأي العام، ففي خطاب الإعلام لا تُقدَّم الأخبار كحقائق محايدة فحسب، بل تُبنى وفق اختيارات سردية ولغوية تساهم في توجيه الرأي العام وصناعة المواقف. بل يُعد أداة اجتماعية وسياسية تُشكّل المواقف الجماعية وتؤثر في فهم الواقع. ودراسة هذا النوع من الخطاب تكشف عن الآليات اللغوية والسردية والبصرية التي تجعل الرسائل الإعلامية أكثر تأثيراً على الجمهور.

وما يهمنا في السياق، هو علاوة على مراحل صناعة الخبر، وما بين انتقائه وإغفاله، وتأطير ذلك على مستوى زاوية الرؤية وتحدد المعنى، واستعمال اللغة الرمزية والبنية السردية وترتيب المعلومات، وقوة الصورة والوسائط البصرية، والتكرار وصناعة الإجماع، والأبعاد النفسية والاجتماعية، (ما يهمنا) البعد السوسيولوجي والأيديولوجي، حيث يعكس فيه الخطاب الإعلامي صراعات السلطة والهيمنة، ويشارك في إعادة إنتاجها. فهو أداة لإضفاء الشرعية على القرارات السياسية أو لتقويضها، ويعيد تشكيل القيم والثقافات بما يخدم مصالح فئات بعينها. ما يؤكد أن فهم الخطاب الإعلامي يتطلب تحليلًا متعدد المستويات: لغويًا، بصريًا، معرفيًا، وأيديولوجيًا.

إن الخطاب الإعلامي يعكس الصراعات الاجتماعية والسياسية ويشارك في إعادة إنتاجها، وهو ما تعكسه نظرية ميشيل فوكو، التي ترى أن الخطاب مرتبط بالسلطة والمعرفة، حيث إن كل خطاب يفرض معرفة معينة ويشارك في السيطرة على المجتمع. مسجلا أن الإعلام هو أحد أشكال السلطة الرمزية، يساهم في إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية والسياسية من خلال ما يُسمح قوله وما. في حين في حين يركّز بيير بورديو على مفهوم رأس المال الرمزي والمجال الإعلامي، حيث الإعلام أداة لتثبيت مكانة بعض الفئات الاجتماعية وإقصاء أخرى. فيما الخطاب الإعلامي يعكس الهيمنة الاجتماعية ويشارك في إعادة إنتاجها عبر التمثيل الإعلامي للمجموعات والأحداث. بينما يرى نورمان فيركلوف وتين فان دايكفيركلوف فيريان أن الخطاب يعيد إنتاج أو يقوض علاقات السلطة داخل البنى الاجتماعية. إنهما يركزان على البعد المعرفي للخطاب، وكيف يبني الإعلام نماذج ذهنية لدى الجمهور تُعيد إنتاج الأيديولوجيات والخلافات الاجتماعية.

تظل الإشكالية المطروحة في السياق إياه، والمنبنية على أن الإعلام كوسيلة للسيطرة الرمزية وبناء النماذج الذهنية، بل وحجر أساس في الصراعات على السلطة والمعنى داخل المجتمع، على الرغم من وجود استثناءات تمثل الإعلام المقاوم أو البديل الذي يُعيد إنتاج نقد السلطة. مع الانتباه إلى إعادة قراءة عصر وسائل التواصل الاجتماعي، الذي أضحى فيه الإعلام ليس فقط أداة للسلطة المهيمنة، بل ساحة للمنافسة الرمزية، حيث يمكن للفئات المهمشة أن تنتج خطابًا مضادًا يغير النماذج الذهنية ويؤثر في الصراعات على المعنى. وهو ما يبرز بالأساس ضرورة فهم السياق الإعلام الرقمي، الذي يعمل على توسيع نطاق التفاعل بين المرسل والمتلقي، ما يحدّ من السيطرة الرمزية المطلقة ويحوّل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى مشارك متفاعل أو نقدي.

إقرأ الخبر من مصدره