يشير تقرير ، أن الحركة النقابية في المغرب تواجه أزمة غير مسبوقة، حيث لا تتجاوز نسبة الانخراط النقابي 3% من مجموع اليد العاملة. هذا الرقم الصادم يعكس حالة من الضعف البنيوي للنقابات، ويكشف عن فجوة متنامية بينها وبين واقع سوق الشغل الذي يشهد تحولات عميقة بفعل توسع العمالة المستقلة وصعود الاقتصاد الرقمي، ما يجعل النموذج النقابي التقليدي غير قادر على مواكبة هذه الديناميات الجديدة.
و شكلت النقابات في المغرب، منذ الاستقلال، إحدى أهم قوى الضغط الاجتماعي والسياسي، حيث لعبت أدواراً حاسمة في تحسين ظروف العمل والدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال. غير أن العقود الأخيرة شهدت تراجعاً تدريجياً في قوتها ونفوذها. فإضافة إلى ضعف الانخراط الذي كشف عنه التقرير، تعاني النقابات من أزمة ثقة عميقة لدى فئات واسعة من الأجراء.
يشير خبراء اجتماعيون إلى أن جزءاً كبيراً من اليد العاملة يرى في النقابات كيانات متكلسة فقدت قدرتها على التجديد والتأثير الفعلي، سواء بسبب الخلافات الداخلية والصراعات القيادية أو بسبب ارتباط بعض التنظيمات النقابية بحسابات سياسية ضيقة. هذا الانطباع أدى إلى عزوف العمال عن الانضمام إلى النقابات أو المشاركة في أنشطتها، معتبرين أن التكلفة قد تفوق الفوائد، خصوصاً في ظل غياب نتائج ملموسة في ملفات حساسة مثل تحسين الأجور أو ضمان الاستقرار الوظيفي.
وتظهر معطيات ميدانية أن نسبة الانخراط التي لم تتجاوز 3% تمثل أدنى مستوياتها منذ عقود، وهو ما يجعل المغرب ضمن البلدان التي تعرف أضعف تغطية نقابية في المنطقة المغاربية والعربية. ويعزو محللون هذا التراجع أيضاً إلى التحولات العميقة التي يعرفها سوق العمل، حيث أصبح التشغيل الهش والعمل المؤقت والاقتصاد غير المهيكل هو السمة الغالبة، وهي قطاعات يصعب على النقابات الوصول إليها أو تنظيم العاملين فيها.
و جاء في التقرير انه لا يقتصر تراجع دور النقابات على ضعف الانخراط فحسب، بل يمتد إلى محدودية أدواتها في مواجهة القضايا المستجدة التي يفرضها الاقتصاد الرقمي. فالتقرير المعنون بـ*“سوق الشغل المغربي: هشاشة الحاضر وفرص الغد”* يؤكد أن النموذج النقابي التقليدي، القائم على العامل الأجير في المصنع أو المؤسسة، لم يعد يعكس واقع سوق العمل الحالي، الذي يتسم بالتشظي وتنوع أنماط التشغيل، فمع تزايد حضور عمال المنصات الرقمية، مثل سائقي تطبيقات النقل وخدمات التوصيل والمستقلين في مجالات البرمجة والتصميم، أصبح من الصعب على النقابات توفير تمثيلية حقيقية لهذه الفئات. فهؤلاء العمال، وإن كانوا يشكلون نسبة متنامية من القوة العاملة، يعملون غالباً خارج العقود التقليدية التي تتيح الحماية الاجتماعية وتفرض على أرباب العمل الاعتراف بالنقابات.
كما أن المطالب التقليدية المتعلقة بالأجور وساعات العمل، رغم أهميتها، لم تعد كافية لمواجهة التحديات الجديدة. فقد برزت قضايا نوعية مثل الحق في الانفصال عن المنصات الرقمية بعد ساعات العمل، وحماية البيانات الشخصية من الاستغلال التجاري، وضمان شفافية الخوارزميات التي تتحكم في تقييم الأداء وتوزيع المهام. وهي قضايا تحتاج إلى نقابات قادرة على امتلاك معرفة تقنية وتشريعية عميقة، والتفاوض مع شركات عابرة للحدود لا تخضع دائماً للقوانين المحلية.
و يدعو التقرير إلى الانتقال نحو ما سماه “نقابات 4.0”، أي تنظيمات قادرة على تبني أدوات وأساليب عمل جديدة، من خلال الانخراط في تصميم سياسات لإعادة تأهيل العمال ومواكبة التحولات التكنولوجية، إضافة إلى الانفتاح على فئات جديدة من العاملين الذين يشتغلون في الاقتصاد الرقمي أو في أشكال عمل غير نمطية.
ويرى معدو التقرير أن استمرار الوضع الحالي يهدد بتهميش النقابات وإضعاف قدرتها على التأثير في القرارات الاجتماعية والاقتصادية، ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الهشاشة في سوق الشغل ويعمق الفوارق الاجتماعية.
و تكشف هذه المعطيات أن الأزمة التي تعيشها النقابات المغربية ليست مجرد ظرفية، بل هي بنيوية تمس نموذجها التنظيمي وخطابها وأدواتها. وإذا لم تنجح هذه التنظيمات في تجديد نفسها والاقتراب من فئات العمال الجدد، فإن خطر فقدانها لدورها التاريخي كوسيط اجتماعي يصبح قائماً. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، تبدو الحاجة ماسة إلى نقابات بوجه جديد، قادرة على الدفاع عن حقوق العمال في فضاءات العمل التقليدية والافتراضية على حد سواء.