الخط :
A-
A+
أخنوش يُشعل الحرائق، وحموشي يُطفئها. وزراء الحكومة يختبئون، يلوذون بالصمت أمام موجة احتجاجات ضد تردي الخدمات الاجتماعية وتفشي الفساد الإداري والسياسي والتطبيع مع تضارب المصالح. بينما قوات الأمن تنزل إلى الشارع لتطويق الاحتجاج وامتصاص الغضب الذي ولدته وفجرته سياسات الحكومة، احتجاج تحول إلى فوضى وقطع الطريق وإضرام نار واعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة.
كالعادة، قوات الأمن في واجهة الأحداث لليوم الرابع على التوالي، ورئيس الحكومة يختبئ في أغلبيته البرلمانية التي ساندت كل القرارات والسياسات التي تسببت في هذا الوضع. لا أحد يتحمل المسؤولية عن فشل السياسات العمومية سوى قوات الأمن التي تحركت من منطلق مسؤوليتها الأخلاقية والمجتمعية لإدارة أزمة اجتماعية سببتها السياسة. وما هذا الصمت المريب يا وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الرئيس الإداري لجهاز الأمن؟ أليس من أوجب واجباتك مؤازرة القوات العمومية وتنوير الرأي العام بدل الإهتمام بصفقات توزيع الماء والكهرباء بملايير الدراهم؟
الأصل في إدارة الأزمات أن يكون التدبير سياسيا وشموليا وليس أمنيا، وقد شاهدنا كيف التزمت القوات الأمنية بمنطق التناسب في تدخلاتها طيلة أيام الاحتجاج، فحيثما كان التظاهر سلميا كان التدخل الأمني سليما وقانونيا. الأصل أن يكون التدبير سياسيا لمثل هذه الأحداث، عبر الحوار والإنصات والمبادرات والمواجهةوخلق الانتظارات، غير أن السياسي الذي أشعل الحرائق اختفى من المشهد، بشكل مقصود ومدبر، حتى تبقى الأنظار موجهة نحو صور ومشاهد وسلوك القوات الأمنية.
إن ما حدث هو نتاج لإفلاس سياسي وأخلاقي لحكومة أخنوش بسبب ممارسات وسلوكيات وخطاب وتسفيه ولد كل عوامل الظاهرة التي رأيناها تحتج في شوارع الرباط والدار البيضاء وأكادير وطنجة ووجدة وغيرها من المدن، قبل أن تنقلب إلى محاولات جر البلاد إلى الفوضى.. ما يحدث هو نتيجة لخطاب مستفز خيم على المشهد السياسي في بلادنا، وجعل من تضارب المصالح نهجا وسياسة، تحولت، لاحقا، إلى عدوى أصابت وزراء آخرين. أحدث هذا الواقع الجديد وضعا سياسيا وحزبيا وأغلبيا مأزوما ومَرَضيا وحالة من التحكم في إدارة الشأن العام المحلي والوطني، بسبب “الأغلبية العددية” التي سَطت على البرلمان واللجان والمجالس المنتخبة والصفقات العمومية، سطت على انتظارات جيل جديد.
إنه “الفراغ الخطير” الذي نبه إليه جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2017، حيث تجد القوات العمومية نفسها وجها لوجه مع الساكنة، فتتحمل مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر وضبط للنفس، والتزام بالقانون في الحفاظ على الأمن والاستقرار. لقد انتبه الملك مكبرا إلى مخاطر فشل السياسات العمومية وكيف أن هذا التردي ينعكس على المقاربة الأمنية التي تتولى التقليل من الآثار والمخاطر والتحديات المحتملة، وهي ليست المرة الأولى التي يورط فيها السياسي الفاعل الأمني حيث يتحمل بكل مسؤولية إدارة الأزمة الناجمة عن فشل إدارة الشأن العام.
لقد ساهم الخطاب الاستفزازي لرئيس الحكومة، وبعض وزرائه، فيما حدث ويحدث. دفاعه غير المفهوم عن تضارب المصالح واعتبارها حقا، وتبديد الأموال العمومية في صفقات وتوريدات استفاد منها “شناقة” ينتمون إلى حزبه، إعفاءات ضريبية مشبوهة، وحربه ضد مؤسسات الحكامة وإبعادهم واحدا تلو الآخر… وما خفي أعظم. كلها عوامل ساعدت على تأجيج الوضع وخلق حالة من الاحتقان الاجتماعي، بينما كان أخنوش يتبجح باستوزار مقربيه وراقصيه وأبواقه في حكومة تطاردها الفضائح مند اليوم الأول لتعيينها.
المغاربة كانوا يسمعون عن الفساد والريع وتضارب المصالح فأصبحوا مع الحكومة الحالية يعيشونه ويرون رئيسها، في مقاطع الفيديو، يدافع عنه في البرلمان والإعلام العمومي.
إن أكبر تهديد يحدق بالمغرب هو انهزامية نخبه السياسية وعدم القدرة على المواجهة، فعلاوة على الحرائق التي تُشعلها هذه النخب، بكل أطيافها، بسبب خطاباتها وممارساتها الانتهازية الريعية، فإن اختباءها وراء المقاربة الأمنية ولزوم الصمت وقت الكلام هو أكبر مؤامرة ضد المؤسسة الأمنية، يهدد استقرار البلاد ومؤسساته السيادية أكثر من التهديدات التي تحملها فوضى عابرة.