« جيل Z » .. نعمة في حضن الدولة

Écrit par

dans


رمضان مصباح

العنف العام تحتكره الدولة، وتستعمله – في ما يتطلبه – بمقدار يتناسب مع النوازل؛ وهي، هنا، خروج مواطنين أغلبهم شباب للتظاهر – بدون ترخيص – في شوارع بعض المدن؛ مطالبين بإصلاح متعدد الأقطاب:

الصحة، التعليم، الفساد العام، تحقيق الكرامة.. حسب ما استمعت وقرأت.

الملحة التي راقت لي كثيرا – وهي ربما السبب في ما وقع – هي العنوان الذي اختاره هؤلاء الشباب لأنفسهم:

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

جيل Z: كما الحرف آخر الأبجدية اللاتينية؛ كذلك الجيل، آخر العنقود.

شخصيا أعتبر أنه لو لم يظهر هذا الجيل، وبهذا التفرد في التصنيف، لكان لنا أن نشعر بالإحباط واليأس.

عدم احتساسه بنفسه: جيلا متميزا، والتهام شمله رقميا أولا، ثم في الشارع، واصطفافه المنظم مطالبا بالإصلاح؛ يعني أن الثورة الرقمية التي يعرفها العالم، ويتقلب في أتونها، وما تمخضت عنه من ذكاء اصطناعي – أسميه الذكاء البارد – آخذ في زحزحة الذكاء البشري عن مواقعه التقليدية، لم تنفذ إلى شبابنا، عبر جلد التمساح الذي ألبستنا إياه قرون من التخلف، نحن أجيال بقية الأبجدية.

ليس لنا إلا أن نحمد الله لأن المملكة راهنت، من خلال دستورها وقوانينها، على الانفتاح على العصر؛ وهو يثب وثبته الرقمية؛ ثم وهو يعاود النظر في منظومة القيم، والحقوق؛ ويجترح منها ما يرقى إلى المتعارف عليه عالميا.

ومن يشتغل على هذا الرهان العالمي الكبير، يعرف ويستحضر ويتوقع أن لا تلازم حقوله إنبات الحشائش الضارة فقط، أكثر من إنتاج المغذي النافع.

يعرف أن تركيز السكر سيكون في حبات آخر العنقود: جيل Z.

يعرف لأنه هو واضع الاستراتيجية؛ كما الفلاح الذي يعرف ما زرع وما سيحصد.

طبعا لا يمكن أن ينفرد هذا الجيل وحده بتمثل قيم العولمة، والأجيال الجديدة من الحقوق الإنسانية، لأنه منغرس في جيلي: X و Y؛ وهما بدورهما واقعان في الدوامة ومتأثران بها.

بل حتى الحكومة، وهي تنحو نحو المرح الرياضي، منتفخة الأوداج بتنظيم جانب من المونديال، تعبر عن كونها قطعت مع الحكومات العبوسة، التي كان الراحل إدريس يرقص فيها ويرقص على هواه.

من أين المباغتة؟

إذا اتفقنا على هذا فما حدث من ظهور شبابي، مباغت للحكومة، في الشارع العام، مجرد تفصيل؛ ينم عن دينامية جديدة في الإقناع والتحشيد، تتجاوز ما كان يقع في دائرة نفوذ القائد، الشيخ والمقدم؛ كنوايا وترتيبات وأفعال.

بل ويتجاوز بمسافة كبيرة ما تبقى من نفوذ أحزاب منهكة أصلا.

وكغضب القائد المتجاوز، في هذه، غضب الزعيم الحزبي، لأن خطابه لم يعد يجد الآذان القديمة، القادرة على تحمل الكذب المناسباتي.

إنها دينامية شبابية، تنبعث مرة واحدة؛ ولا مؤطر لها إلا من ذاتيتها.

كما أسراب الزرزور تتراقص في السماء، وفق تنظيم هندسي بديع؛ ذاتي التحكم.

مونديال محاربة الفساد:

على الحكومة ألا تجزع، في الشكل، وتبادر إلى ضربات الخائف؛ وتعنف وتعتقل من يرفع صوته فقط؛ وهو مؤطر دستوريا، في فضاء يعود له بحكم المواطنة.

نعم يحتاج الفضاء العام المادي إلى ترخيص، لكن الفضاء الرقمي غدا مساحة وطنية، خارج المساحات؛ ولها سطوتها.

وفي الجوهر عليها أن تجزع وتهب لمحاربة الفساد العام، المستشري ليس في مجال الصحة فقط، بل في أغلب القطاعات؛ وهذا بتأكيد ملكي سام في مناسبات متعددة.

عليها أن تعي أن هناك أجيالا جديدة من أساليب المراقبة؛ تراقب الفساد وهو يحدث، وتنشره في لحظته عبر المنصات العالمية.

تنظيم المونديال لا يجب أن يعني الكرة فقط، بل حتى الفساد الذي يبدأ داخليا، ويرتقي بسرعة إلى العالمية، بفضل ما تتيحه الثورة الرقمية.

جيل القوة العمومية:

سهرت الليلة ساعات مع الهجمات على جيل Z، فألفيتها، أيضا، هجمات على سمعة وطننا الحبيب في الخارج.

هل نحذر شباب العالم بأننا لهم بالمرصاد أمنيا؛ غدا حينما تحج إلينا الأمم، من كل حدب وصوب؟

بدل تقليب العصا، قلبوا الأمر جيدا من جميع وجوهه.

قد يبعث الأمر الكبير صغيره**حتى تظل له الدماء تصبب

وفي سهرتي مع جيل آخر العنقود، بدا لي أن أغلب القوة العمومية، التي وظفت بأوامر خشنة، أحيانا، من الجيل إياه؛ فهل يتصورهم رؤساؤهم مجرد كتل عضلية خاضعة للأوامر؟

ألم تصلهم هم أيضا فضائل الثورة الرقمية؟ ألم يتلقوا في دروسهم، ولو أبجديات حقوق الإنسان؟

ألم يكونوا يستمعون إلى المطالب؛ وهي مطالبهم هم أيضا، في مدنهم وقراهم؟

يمكن أن تشتط وتشتط، لكن لا يمكنك المواصلة إلى آخر جروح العنف.

ولم يكن العنف هو الحاضر فقط، إذ شوهدت مواقف إنسانية؛ أبطالها من القوة العمومية إياها.

وكان هناك رؤساء في مستوى الحدث والمسؤولية؛ نزلوا، رغم رتبهم العليا، إلى الشارع لضبط تدبير العنف، وتأطير الجموع.

وخلف كل هذا حكومة هي المعنية، أساسا، بهذا الدرس؛ فهل تستوعبه، وتقول صادقة للشباب: لقد فهمتكم؛ وتشمر للعمل؟

أم يحتاج الأمر إلى حكومة طوارئ تمتص الغضب؟

هذا متروك للجهات العليا.

إقرأ الخبر من مصدره