حتى لا يتحول الحلم إلى أزمة

Écrit par

dans


زهير الواسيني

المغرب يعيش اليوم لحظة دقيقة يختلط فيها الأمل بالخوف، والطموح بالهشاشة. فمن جهة، هناك مسار تنموي كبير جعل البلاد على موعد مع العالم: تنظيم كأس إفريقيا 2025، المشاركة في استضافة مونديال 2030، استثمارات ضخمة في مجال الطاقات المتجددة والماء، وبنية تحتية تتطور بوتيرة سريعة. هذه الإنجازات وضعت المغرب في واجهة الإقليم باعتباره بلداً قادراً على إدارة مشاريع كبرى في سياق إقليمي ودولي مضطرب.

لكن في المقابل، هناك صورة أخرى لا يمكن تجاهلها: احتجاجات شبابية في مدن وأحياء هامشية، أصوات تتعالى مطالبة بتعليم جيد، بخدمات صحية لائقة، وبفرص عمل تحفظ الكرامة. هذه الأصوات تعبّر عن خلل هيكلي في توزيع ثمار التنمية. فالمغرب الذي يقدّم للعالم صورة القوة الصاعدة، يجد نفسه داخلياً أمام تحدي تحقيق العدالة الاجتماعية وردم الفجوة بين من استفادوا من ركب التنمية وبين من بقوا على الهامش.

الاحتجاج في ذاته ليس مشكلاً، بل قد يكون فرصة صحية للتعبير والمساءلة. لكن الخطر يكمن في غياب القدرة على إدارة هذا النقاش بشكل عقلاني وسلمي. المنطقة العربية مليئة بدروس مؤلمة: سوريا وليبيا واليمن كانت كلها دولاً تحمل مشاريع تحديث وتنمية، لكنها سقطت في فخ الفوضى حين غاب الحوار الداخلي وتدخلت أطراف خارجية لتحويل الغضب الشعبي إلى حرب مفتوحة. هذه التجارب يجب أن تكون ماثلة أمام أعين المغاربة، لأنها تبيّن بوضوح أن غياب الوعي الجماعي هو أسرع طريق نحو الانهيار.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

هنا يبرز سؤال جوهري: كيف نحصّن المغرب من الانزلاق إلى هذا المصير؟ الجواب يبدأ من الاعتراف بأن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق النخب السياسية والاقتصادية. حين تتداخل المصالح الخاصة مع مصالح الدولة، وعندما يختلط موقع القرار مع امتيازات تجارية أو مالية، يصبح الخلل خطيراً. النقاش الذي رافق بعض الصفقات العمومية الأخيرة كشف أن الرأي العام بات أكثر حساسية لهذه المسائل وأكثر إدراكاً لخطورتها. لذلك لا يكفي اليوم الاكتفاء بالوعود، بل لا بد من سياسات واضحة للفصل بين السلطة والمصلحة، ومن آليات صارمة للمحاسبة والشفافية.

في المقابل، تقع مسؤولية موازية على المجتمع، وخاصة الشباب. فالمطالبة بالحقوق أمر مشروع، لكن الحفاظ على السلم الأهلي والوعي بمخاطر الانزلاق إلى العنف أمر أكثر إلحاحاً. هناك أطراف، داخلية وخارجية، لا تتمنى الخير للمغرب، وتسعى لاستغلال أي توتر اجتماعي لإغراق البلاد في دوامة الفوضى. الطريق الوحيد لإفشال هذه المخططات هو وعي شعبي متين، وتعليم يسلح الشباب بالقدرة على التمييز بين المطالب المشروعة وبين من يحاولون ركوب الموجة لمآرب مدمرة.

المغرب يمتلك تجربة فريدة في تجاوز العواصف: فقد استطاع أن يعبر مرحلة “الربيع العربي” بأقل الخسائر بفضل الإصلاحات والحوار والتدرج. واليوم، وهو على أعتاب تحديات أكبر، يحتاج إلى قدر مضاعف من الحكمة وإلى تعاقد جديد بين السلطة والمجتمع. هذا التعاقد يجب أن يضمن مشاركة أوسع في صنع القرار، ويُعيد الاعتبار للمؤسسات الرقابية، ويعطي الأولوية للاستثمار في الإنسان عبر التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية.

لا يمكن لأي بلد أن يبني استقراراً طويل المدى بالاعتماد فقط على البنية التحتية والمشاريع الكبرى. فالقوة الحقيقية لأي دولة تُقاس بقدرتها على بناء مواطنة فاعلة، وبثقة مواطنيها في أن السلطة تخدم المصلحة العامة لا المصالح الضيقة. المغرب يتطور بسرعة، وهذا أمر يدعو للفخر، لكن سرعة التطور تتطلب أيضاً قدراً كبيراً من الحذر حتى لا يتحول الحلم إلى أزمة.

المطلوب اليوم وعي جماعي يُدرك أن البلاد تقف على مفترق طرق: إما أن يكون المستقبل امتداداً لمسار الحكمة والاعتدال الذي طبع السنوات الماضية، أو أن يُفتح الباب أمام تكرار سيناريوهات عربية مأساوية. التاريخ لا يرحم، والدروس القريبة أمامنا. فإما أن نكون أذكى من الوقوع في الفخ الذي وقعت فيه شعوب شقيقة، أو أن ندفع الثمن ذاته. والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على المشاريع الكبرى، بل على الوعي الشعبي والسياسي الذي يصون البلاد من الفوضى، ويجعل من التنمية مشروعاً جماعياً لا امتيازاً لفئة دون أخرى.

إقرأ الخبر من مصدره