
عبد الإله الرضواني
في نقاش مع بعض الأصدقاء حول الاحتجاجات الشبابية الأخيرة بالمغرب، تسائلنا عن دور مفكرينا ومثقفينا في تأطير المجتمع المغربي. لم يكن صعبا ان نلاحظ التغيب الشبه كامل للمثقف والمفكر المغربي عن النقاشات المجتمعية والسياسية، وهو غياب له آثار عميقة على قدرة المجتمع على التفكير النقدي وإعادة بناء نفسه. لا تُسمع أصواتهم في الإعلام الرسمي إلا لماما، ولا تُتاح لهم المنابر العامة؛ حتى على وسائل التواصل الاجتماعي يكون تأثيرهم محدودًا، مما يحرمهم من الوصول إلى جمهورهم الطبيعي. لا أدرى ان كان هذا الغياب صدفة أو نتيجة إهمال عابر، ولكن نتيجته الحتمية هو تغييب العقل النقدي عن المجتمع، مما يؤدي إلى فقدان الأمة لقدرتها على التشخيص والتحليل ووضع البدائل، ويبقي المتثاقف التافه والسطحي في مركز الاهتمام بدل المفكر الجاد.
مغرب ما بعد الاستقلال عرف مفكرين تركوا بصمات واضحة في الفكر المغربي. يكفي ان نذكر بعض الأسماء التي يعرفها اغلب المغاربة المتعلمين من أمثال محمد عابد الجابري، الذي ساهم في إعادة قراءة العقل العربي والنقد الفلسفي الإسلامي، وطه عبد الرحمن الذي طور مقاربات فلسفية حول العقل المغربي والإسلامي، والمهدي المنجرة، عالم المستقبليات، الذي تناول التحولات الاجتماعية والسياسية والتنموية في المغرب والعالم العربي، مسلطًا الضوء على التحديات البنيوية ومخاطر تغييب الفكر النقدي. أما على الصعيد المعاصر، فإن أسماء مثل عبد الله العروي، فاطمة المرنيسي، محمد بنعيسى، محمد سبيلا، عبد الإله بلقزيز، عباس الجيراري تمثل صوت النقد والتحليل الاجتماعي والسياسي. هذه القامات الفكرية تركت بصمات واضحة في الفكر المغربي رغم انها واجهت تحديات كبيرة بسبب استقلالها الفكري. لذلك، فان غياب المفكرين الجادين والمستقلين عن النقاش العام ليس مجرد خسارة فردية، بل أزمة جماعية للعقل المغربي.
إلى جانب تغييب المفكرين الجادين في شتى أنواع المعرفة، يشهد المغرب ضعفا كبيرا في علم الاجتماع وهو العلم الذي يُعنى بتحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفهم أسبابها ونتائجها. فغياب هذا العلم النقدي يعمّق الأزمة الفكرية في المجتمع، لأنه يحرم الدولة والجماهير من أدوات لفهم التفاعلات الاجتماعية، وتفسير الظواهر الاقتصادية والسياسية والثقافية، والتنبؤ بالعواقب المحتملة للسياسات العامة. يُنظر إلى علم الاجتماع أحيانًا على أنه ترف أكاديمي، بينما هو في الواقع أداة استراتيجية لتفكيك بنية المجتمع، وتحديد مواطن القوة والضعف، وفهم الديناميات الاجتماعية التي تؤثر في الحكم والاقتصاد والثقافة. تهميشه يؤدي إلى ضعف الدراسات الميدانية، وانقطاع الحوار بين البحث الأكاديمي وصنع القرار، ويترك المجتمع معرضًا لتكرار الأخطاء وعدم القدرة على بناء سياسات قائمة على المعرفة والفهم العميق للواقع الاجتماعي.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
تغييب المثقف يتم عبر آليات متعددة ومترابطة. أولها الإقصاء المباشر والقمع، بما في ذلك الاعتقالات، المضايقات القضائية، التشهير، والتهديد المستمر، مما يجعل التفكير الحر مخاطرة اجتماعية وشخصية. وفي المقابل، يتم استمالة بعض المثقفين عبر الإغراء بالمناصب الرسمية، الجوائز المالية والرمزية، أو عضوية لجان رسمية، لتحويلهم إلى أدوات ترويجية للسياسات الحكومية، بدل أن يكونوا صوتًا نقديًا مستقلًا. هذا التوجه يوضح أن العلاقة بين السلطة والفكر تتحكم فيها المصالح، حيث يصبح الولاء للسلطة أكثر قيمة من الولاء للفكر الحر. الهشاشة المادية للمثقفين تشكل وسيلة أخرى لتغييبهم. فمعظم المفكرين يعيشون في ظروف صعبة، بدون رواتب مناسبة أو دعم مالي، مما يحد من قدرتهم على الإنتاج الفكري المستقل، ويدفع البعض للهجرة أو الاستسلام، تاركًا المجتمع خالٍ من الأصوات النقدية. تهميش البحث العلمي الأكاديمي جزء من هذا النظام الممنهج؛ فقد تحولت الجامعات ومراكز البحث العلمي إلى أجهزة لانتاج شهادات بلا قيمة، بينما يُهمش البحث الجاد، ويُحرم الباحثون من التمويل أو النشر في المجلات العلمية العالمية. هذا الواقع يجعل المغرب مستهلكًا للمعرفة بدل أن يكون منتجًا لها، ويضعف موقعه في المنظومة العلمية الدولية، ويزيد من التبعية الفكرية والثقافية.
تدهور التعليم يعزز هذه الأزمة، إذ يخرج النظام التعليمي أجيالًا عاجزة عن التفكير النقدي والتحليلي، ويقلل من الطلب على المثقفين ويضعف جمهورهم الطبيعي. وفق نظرية رأس المال الثقافي لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، يعني ذلك انخفاض رأس المال الثقافي للمجتمع، ويصبح من السهل السيطرة على تفكير الجماهير. ضعف الوعي الشعبي، الناجم عن سياسات الإقصاء والتحكم الإعلامي، يجعل المجتمع مستسلمًا للتفاهة، يقدس السطحية، ويشيطن المفكر الجاد.
الإعلام الموجه يمثل أداة مركزية في تغييب المثقف. فقد تحول الإعلام من أداة للنشر الحر للفكر والمعرفة إلى وسيلة للسيطرة على الخطاب العام، تفرض من يُسمع ومن يُسكت، وتفتح المنابر للسطحيين والمتملقين واشباه المثقفين، بينما تُقصى الأصوات النقدية. كما تستخدم آليات شراء الولاءات، عبر منح المناصب الحزبية والجوائز والدعم المالي للمتعاونين، في حين يُترك المستقلون يعانون التضييق والحرمان. الرقابة الضمنية والقمع الفكري تكمل هذه الآليات، عبر مراقبة الخطاب، التضييق على المنتديات الثقافية، وتجريم النقد السياسي والاجتماعي، مما يجعل الوصول إلى جمهور المثقف أمرًا شبه مستحيل.
نتيجة هذه السياسات المركبة هو مجتمع بلا بوصلة، قابل للانقياد، يغرق في التفاهة، عاجز عن إنتاج مشروع وطني حقيقي. تغييب المثقف ينتج منظومة قائمة على الجهل والفساد والريع، فيما غياب النقد البناء يؤدى إلى تحلل البنية الثقافية والاجتماعية، وفقدان الأمة لقدرتها على الدفاع عن مصالحها، أو ابتكار حلول لمشاكلها. كل ذلك يفضي إلى التبعية الفكرية والعلمية، ويصير المجتمع برمته مستهلكًا للمعرفة وينخفض رأس ماله الثقافي.
إن الطرق والموانئ والمطارات والمشاريع الكبرى مهمة لتسهيل حياة المواطن لكنها لا تصنع الامم. الأمم تُبنى بـالعقل الحر والفكر النقدي والتعليم الجيد، والبلد الذي يظل يغيب فيه المثقف والمفكر والباحث الأكاديمي لا يمكن أن ينهض على أسس مستقرة. تغييب المفكر والمثقف يسرق من الأمة جوهر حريتها الفكرية وكرامتها الثقافية، ويعطل القدرة على الإعادة المستمرة لبناء الدولة والمجتمع. وما لم يُطلق سراح المثقف من سجنه الرمزي، سيظل البلد محكومًا بالرداءة، متدهورًا من الداخل، معرضًا للانهيار البطيء، مع استمرار حلقات الإقصاء والتفاهة والسطحية التي تغرق كل محاولة لإحياء الفكر النقدي.
في الختام، فإن غياب المثقف والمفكر والباحث الأكاديمي المستقل، اختياريا او اجباريا، من النقاش المجتمعي والسياسي المغربي يمثل أزمة وجودية معرفية وثقافية. فغياب هؤلاء لا يهدد فقط النقاش العام، بل يهدد قدرة المغرب على بناء مشروع وطني مستقل، وإنتاج معرفة أصيلة، وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية. إن استعادة دور المثقفين والمفكرين يجب أن تكون أولوية وطنية، لأنها السبيل الوحيد لتحرير الفكر، واستعادة استقلالية الرؤية، ورفع مستوى الوعي الشعبي، وضمان نهضة حقيقية ومستدامة للأمة.
-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة
إقرأ الخبر من مصدره