تصاعد الغضب الشعبي يعيد إلى الواجهة ملتمس الرقابة للاطاحة بالحكومة

Écrit par

dans

عاد النقاش السياسي ليغلي من جديد حول أداء الحكومة ومستقبلها، وسط دعوات متزايدة لإيجاد مخرج سياسي ودستوري للأزمة التي باتت تعصف بالمشهد العام. وبينما يصرّ العديد من الأصوات المعارضة على تحميل الحكومة مسؤولية “فشلها في الإنصات للمجتمع”، يرى آخرون أن البلاد تقف اليوم على مفترق طرق دقيق يقتضي مبادرة جريئة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.
وفي هذا السياق، وجّه نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، انتقادات حادة للحكومة، معتبرا أن “الاحتجاجات الشبابية الأخيرة لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة طبيعية لسياسات فاشلة تراكمت على مدى السنوات الأربع الماضية”. وقال بنعبد الله، في تصريح صحفي على هامش الجامعة السنوية لحزبه التي احتضنها المقر المركزي بالرباط، إن الحزب “نبّه منذ بداية الولاية الحكومية الحالية إلى اختلالات عميقة تمس تدبير الشأن الاجتماعي والاقتصادي، لكن صوت العقل ظل مرفوضا”.
وأوضح الأمين العام أن الحكومة “أهملت البعد الديمقراطي والسياسي في تسييرها، وركّزت على الأرقام والتقارير الدعائية بدل الإصغاء إلى نبض الشارع”، مشيرا إلى أن “الغرور المفرط الذي طبع أداءها جعلها تتوهم أن ما تحقق غير مسبوق في تاريخ المغرب”. وأضاف: “كانت الحكومة تروّج لصورة وردية، لكنها في الواقع كانت صمّاء أمام الانتقادات، متعالية على التحذيرات التي طالبتها بتصحيح المسار قبل فوات الأوان”.
ولم يُخف بنعبد الله أسفه لما وصفه بـ”غياب التواصل الحقيقي بين السلطة والمجتمع”، مؤكدا أن “الشباب الذين خرجوا إلى الشوارع اليوم إنما يعبرون عن عطش عميق للتغيير، وعن خيبة أمل من وعود لم تتحقق”، واعتبر أن “الحكومة ربما اجتهدت في بعض الملفات، لكنها لم تصب في الكثير من المجالات الحساسة، مما جعلها تفقد ثقة فئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب الباحث عن الكرامة وفرص الشغل والعدالة الاجتماعية”.
وأشار زعيم حزب التقدم والاشتراكية إلى أن “الاحتجاجات، رغم بعض التجاوزات المحدودة التي شابتها، تظل رسالة سياسية قوية على أن المغاربة، وبالأخص الجيل الجديد، يطالبون ببديل حقيقي، وبحكومة قادرة على فهم الواقع والاقتراب من هموم الناس، وأضاف أن “المشهد الراهن يفرض مراجعة شاملة للسياسات العمومية وإعادة الاعتبار للمسار الديمقراطي الذي بات مهددا بالجمود”.
في الاتجاه ذاته، دخل عبد الصمد حيكر، البرلماني عن المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، على خط النقاش، مقترحا ما وصفه بـ“المخرج الدستوري والديمقراطي للأزمة الراهنة”، من خلال إحياء ملتمس الرقابة كآلية سياسية مشروعة لإعادة ترتيب البيت الداخلي. وقال حيكر في تدوينة نشرها على حسابه في “فايسبوك” إن “الظرف الحالي يستدعي تحركا مسؤولا من جميع مكونات مجلس النواب، بروح وطنية عالية، لتجنب الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر تعقيدا”.
وأضاف النائب البرلماني أن “إحياء ملتمس الرقابة لا ينبغي أن يُفهم كصراع حزبي ضيق، بل كخطوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولفتح صفحة جديدة من الثقة بين المؤسسات والمجتمع”. واعتبر أن “الخيار الثالث المتمثل في حل البرلمان بغرفتيه سيكون عنوانا لأزمة سياسية عميقة، ذات كلفة باهظة على استقرار البلاد ومصالحها الاستراتيجية”.
ولم يخف حيكر انتقاده لبعض مكونات الأغلبية الحكومية، قائلا إن “من بين أحزاب الأغلبية نفسها من بات يعترف اليوم بفشل الحكومة في تحقيق بعض وعودها الأساسية، وعلى رأسها خلق مليون منصب شغل”، مشيرا إلى أن “الملتمس قد يمنح لتلك الأطراف فرصة للاعتذار للشعب المغربي، والمساهمة في إحداث انفراج سياسي مطلوب”.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المطالبة بإقالة الحكومة، يظل الشارع يغلي على وقع احتجاجات متزايدة يقودها الشباب، الذين يرفعون شعارات قوية تطالب بـ“الكرامة، والعدالة الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، ومحاربة الفساد”. وهي مطالب، بحسب المراقبين، تعبّر عن تحول نوعي في المزاج العام وعن تآكل الثقة في المؤسسات المنتخبة، مما يجعل استعادة تلك الثقة تحديا مركزيا في المرحلة المقبلة.
هكذا، وبين دعوات المعارضة لإحياء ملتمس الرقابة وتحذيرات الخبراء من تفاقم الأزمة الاجتماعية، يبدو أن المغرب يعيش لحظة سياسية فارقة، يتقاطع فيها صوت الشارع مع صوت النخب السياسية في مطالبة واحدة: التغيير الحقيقي قبل فوات الأوان.

إقرأ الخبر من مصدره