هبة بريس ـ ياسين الضميري
منذ سنوات، يرفع الشباب شعارات التغيير في كل مكان، في النقاشات اليومية، في مدرجات الجامعات، في مقاهي الأحياء، والأكثر من ذلك على منصات التواصل الاجتماعي.
جيل متصل بالإنترنت ليل نهار، سريع في التعبير عن رأيه، ناقد لكل مظاهر الفساد والركود، ولا يتردد في السخرية من السياسيين والأحزاب والمؤسسات، لكن وسط كل هذه الحركية الرقمية، يطفو سؤال جوهري، كيف يمكن لهذا الجيل أن يغير واقعه، وهو غائب عن أبسط واجبات المشاركة السياسية؟
الأرقام التي تكشفها وزارة الداخلية والهيئات المشرفة على الانتخابات تؤكد أن نسبة مهمة من الشباب غير مسجلين أصلا في اللوائح الانتخابية، ومن المسجلين، جزء كبير لا يذهب للتصويت يوم الاقتراع، أما البقية، فغالبا يعلنون “بكل فخر” أنهم لا ينوون التصويت لأن السياسة في نظرهم “لا تستحق الاهتمام”.
هذه المفارقة الصارخة تضعنا أمام معضلة حقيقية، شباب يطمحون للتغيير لكنهم يتركون صناديق الاقتراع فارغة، ومن خلالها يتركون المجال مفتوحا للوجوه القديمة نفسها ل”تسطو” على المشهد الفارغ و المتاح لها.
الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن السياسة، مهما كانت صورتها، لا تغير من الخارج، لا تكفي اللايكات على فيسبوك ولا التعليقات النارية على تويتر، لا تكفي المقاطع الساخرة على تيك توك ولا “التريندات” التي تعيش يوما أو يومين ثم تختفي، التغيير الحقيقي يمر عبر المؤسسات، عبر الصناديق، عبر الحضور الفعلي داخل العملية الديمقراطية.
قد يقول بعض الشباب بل غالبيتهم إن الأحزاب لا تمثلهم، وإن الانتخابات لا تغير شيئا، لكن هل جربتم فعلا أن ترفعوا نسبة التصويت بشكل حقيقي؟ هل فكرتم أن زيادة مشاركة الشباب قد تقلب المعادلة؟
عندما يقاطع الملايين من الشباب الانتخابات، فإن النتيجة واضحة، نسبة مشاركة ضعيفة تمنح القوة للمتلاعبين بالأصوات، وتترك الباب مفتوحا أمام مستعملي المال الفاسد للوصول إلى البرلمان والمجالس المحلية، أما عندما يشارك الشباب بكثافة، فإن كل حزب سياسي يضطر لإعادة حساباته، وتظهر وجوه جديدة، وتفرض قضايا أخرى على الأجندة السياسية.
جيل Z و الشباب عموما يمتلكون قوة لا يستهان بها، فهم الأكثر عددا في تعداد السكان، والأكثر حضورا في الفضاء الرقمي، والأكثر وعيا بالتغيرات العالمية، فما الذي يمنعه إذن من تحويل هذه القوة من قوة تأثير افتراضية إلى قوة تأثير حقيقية؟
إن التسجيل في اللوائح الانتخابية ليس إجراءا بيروقراطيا ثقيلا، بل هو مفتاح أولي لفتح باب التأثير، أما التصويت، فهو الرسالة الأقوى التي يمكن أن يوجهها أي مواطن، رسالة تقول “أنا هنا، صوتي يحسب و له تأثير في المشهد”.
التغيير ليس حلما مؤجلا، إنه مسار يبدأ بخطوات صغيرة لكنها متراكمة، أن يترشح شاب من جيل z أو غيره ويفوز بمقعد محلي أو برلماني، هذا وحده قد يفتح الباب أمام آخرين.
أن ترفع نسبة التصويت من 40% إلى 60% أو 70%، هذا وحده يغير قواعد اللعبة، أن يقرر الشباب أن يكونوا جزءا من الحل بدل الاكتفاء بانتقاد المشاكل، فهذا هو الفارق بين جيل يكتب التاريخ وجيل يكتفي بقراءته.
جيل الشباب يملك اليوم فرصة حقيقية، أن يثبت أن زمن المقاطعة واللامبالاة قد ولى، وأنه قادر على أن يحول الغضب الرقمي إلى فعل سياسي ملموس، فالديمقراطية لا تهبط من السماء، بل تبنى بالتصويت والمشاركة والنقد البناء والعمل الجماعي.
والسؤال المطروح الآن، هل سيبقى جيل الشباب متفرجا على مشهد يشتكي منه صباح مساء؟ أم سيقرر أن يخطو خطوة بسيطة لكنها جوهرية، التسجيل في اللوائح الانتخابية والتصويت يوم الاقتراع، ليكون التغيير من الشباب ذاتهم نحو غد أفضل لوطن نريده جميعا أن يكون أفضل.