يواجه الأمن الوطني موجة جديدة من الأخبار الزائفة والمقاطع المفبركة، التي تهدف إلى تشويه صورة البلاد وإثارة البلبلة في الرأي العام الوطني والدولي. فقد انتشرت خلال الأيام الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما عبر صفحات وحسابات أجنبية، مقاطع فيديو وصور قُدّمت بشكل مغرض على أنها توثّق “أعمال عنف وتعذيب” يُزعم أن موظفي الأمن مارسوها ضد المتظاهرين في المغرب.
غير أن تحقيقات أولية واستقصاءات تقنية دقيقة كشفت سريعاً أن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة تضليل مكشوفة. إذ أكد مصدر أمني رفيع أن “المقاطع والمشاهد المتداولة هي مقتطفات من فيلم تمثيلي قصير تم نشره على منصة يوتيوب قبل أكثر من سنة، أي قبل اندلاع أي احتجاجات أو مظاهرات حديثة”. وأضاف أن “هذه المقاطع تم اجتزاؤها وتقديمها خارج سياقها الحقيقي بهدف إيهام الرأي العام بأنها لقطات حقيقية”.
وأشار المصدر ذاته إلى أن مصالح الأمن الوطني تعاملت مع هذه الادعاءات المضللة بكثير من الجدية والاحترافية، من خلال إطلاق تحقيقات تقنية متخصصة لتحديد مصدر الحسابات المشبوهة التي روجت للمحتوى الزائف، وكشف الجهات التي تقف وراء هذه الحملة الرقمية المنظمة.
وأوضح أن “التعليقات المصاحبة لهذه المقاطع، التي تم نشرها على صفحات ناطقة بلغات أجنبية مختلفة، تؤكد وجود نية مبيتة في التشهير بالمؤسسات الأمنية المغربية، ومحاولة ضرب مصداقيتها أمام الرأي العام الدولي، في سياق حملة دعائية تتقاطع فيها الحسابات الإيديولوجية مع الأجندات السياسية المعادية للمملكة”.
وفي هذا السياق، شددت المديرية العامة للأمن الوطني على أن مصالحها ستواصل التصدي لكل أشكال التضليل الإعلامي والدعاية العدائية، عبر ما وصفته بـ“مقاربة شمولية” تجمع بين الإخبار والتصويب من جهة، والرصد القانوني والتقني من جهة ثانية. وتهدف هذه المقاربة إلى تعزيز الحق في المعلومة الموثوقة، وترسيخ الشعور بالأمن في المجتمع، فضلاً عن التصدي القانوني لكل من يثبت تورطه في بث أو ترويج الأخبار الكاذبة التي تمس النظام العام أو سمعة مؤسسات الدولة.
وأكدت المديرية أن ما يسمى “اليقظة المعلوماتية” باتت اليوم أولوية ضمن منظومة الأمن الوطني، خاصة في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بحروب المعلومات والتلاعب الرقمي بالمحتوى. ولهذا الغرض، تم تعزيز وحدات متخصصة في التحليل الرقمي ومراقبة الفضاء الافتراضي، تعمل على مدار الساعة لرصد الإشاعات، وتحليل مصدرها، وتفنيدها فورياً عبر البلاغات الرسمية والتصريحات الإعلامية.
ولا يقتصر عمل الأمن المغربي على البعد التقني فحسب، بل يشمل أيضاً التعاون مع المنصات الرقمية الدولية، حيث تم تسجيل عدة حالات استجابة من إدارات مواقع كبرى كـ“فيسبوك” و“يوتيوب” و“إكس” (تويتر سابقاً)، لحذف محتويات مضللة بناء على مراسلات رسمية مغربية مدعومة بالأدلة الرقمية.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن المغرب واجه خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الحملات المشابهة التي استهدفت مؤسساته الأمنية، خصوصاً عند حدوث احتجاجات اجتماعية أو أحداث معزولة. وغالباً ما يتم إعادة تدوير صور أو مقاطع قديمة من دول أخرى أو من أعمال فنية، مع نسبها زورا إلى المغرب، في محاولة لإثارة ردود فعل داخلية ودولية.
ويرى خبراء في الأمن السيبراني أن هذه الظاهرة تندرج ضمن ما يُعرف بـ“الهجمات السردية” أو “الحروب الإعلامية الرقمية”، التي تسعى إلى إضعاف الثقة في المؤسسات، وتشتيت الرأي العام عبر سيل من الأخبار الملفقة. ويؤكد هؤلاء أن الوعي المجتمعي والإعلام المسؤول يشكلان خط الدفاع الأول ضد هذه الحملات.
وفي ختام تصريحه، شدد المصدر الأمني على أن “اليقظة المعلوماتية لمصالح الأمن ستظل متواصلة وبوتيرة تصاعدية، بهدف رصد ومواجهة كل الأخبار الزائفة والحملات الدعائية التي تحاول المساس بمرتكزات النظام العام أو النيل من هيبة المؤسسات”.
كما دعا إلى “تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قبل مشاركتها، والانتباه إلى مصادر المحتوى الرقمي”، مؤكداً أن “الأمن الإعلامي اليوم جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني”.
و يتضح أن معركة المغرب ضد الأخبار المفبركة ليست مجرد مواجهة آنية، بل هي رهان استراتيجي طويل الأمد للدفاع عن الحقيقة، وحماية استقرار البلاد في زمن تتقاطع فيه المعلومة مع التضليل على نحو غير مسبوق.