
حميد زيد – كود//
لم يكن لنا. نحن جيل X. ديسكورد. لنختبئ فيه.
بل كنا مكشوفين للسلطة.
وبلا مأوى.
وبلا سقف.
و كانت مهمة السلطة و قواتها المساعدة ورجال أمنها هي ركلنا دون سبب.
وفي الطابور.
وفي الشارع.
ونحن جالسون. ونحن واقفون. ونحن نتمشى. و نحن متكئون على الحائط.
ونحن ننتظر لحظة الدخول إلى الملعب.
وأمام باب السينما.
وأمام كل الأبواب.
نتعرض للركل.
وفي أي دخول. وفي أي خروج. نضرب على مؤخراتنا. وعلى ظهورنا.
ودون سبب كانوا يصفعون الواحد منا على قفاه.
و في وجهه.
ودون سبب كانوا يكدسوننا في السطافيت.
وفي تلك السيارة الكاكي المتهالكة التي كانت للقوات المساعدة.
والتي كانت تشبه المغرب.
وتشبه الحالة التي كنا عليها.
وقد كان الركل طبيعيا في المغرب. مثل شرب الماء. ومثل الأكل.
ومثل ظهور الشمس كل صباح.
ومثل غروبها في المساء.
ومثل الأرز بالحليب في العشاء.
ومثل المحمصة.
وحتى في اللحظات التي كانت السلطة تجمعنا لنرقص ونفرح. وتنظم لنا الحفلات في عيد العرش.
فإنهم كانوا يضربوننا على أنغام الشعبي والشيخات.
وما كان يشفع للسلطة في ذلك الوقت. أنها لم تكن تميز في ما بيننا.
راكلة الجميع على قدم المساواة.
لذلك لا تزايدوا علينا يا جيل Z.
ولا تقولوا إنكم أسرع منا.
فقد كنا نركض بسرعة البرق كي لا يقبضوا علينا.
وكل التألق الذي عرفته ألعاب القوى المغربية كان سببه هو الخوف من الواشمة.
وهو ذلك الهروب المغربي اليومي.
وهو التدرب على المسافات الطويلة والمتوسطة.
ولذلك عرف جيلنا سعيد عويطة ونوال المتوكل ونزهة بدوان وفاطمة عوام وخالد السكاح… وأبطالا كثرا. لا يحصون.
وفي جيلنا تحطمت كل الأرقام القياسية.
وكان سعيد عويطة لوحده يجري كل المسافات.
وحتى 3000 موانع اضطر المسكين إلى أن يجريها.
أما تلك السرعة التي كنا نتميز بها ونحن نجري. بعد خروجنا من المدرسة. في السادسة مساء. كي نلحق الليث الأبيض وسندباد. فلا تضاهيها سرعة أي جيل آخر.
حيث كنا نخرج في السادسة ونصل إلى البيت قبل السادسة بدقيقة.
ثم يأتي ولد غر ويدعي أنه هو ومن معه في ديسكورد أسرع منا.
ويقول ذلك بيقين يحسد عليه.
كأننا موتى.
وكأن لا أحد في هذا البلد يستطيع أن يكذبه.
وكأن الأحياء اختفوا في هذا البلد.
لذلك كفوا عن الحديث عن أنفسكم كما لو أنكم أفضل من كل الأجيال التي سبقتكم.
وكما لو أنكم مستعجلون. ولا وقت لكم لتضيعوه.
ولا طاقة لكم على الصبر.
وتريدون أن يتحقق كل شيء في التو واللحظة.
و تريدون أن يتحول المغرب إلى جنة في الأسبوع الأول من ظهوركم.
بينما هذا مستحيل.
ولا يقبله عقل.
ولا أظنكم تحملتم قساوة العيش في المغرب مثلما تحملناها نحن.
ولا أظنكم ناضلتم مثلما ناضلنا.
فنحن لم نكن نريد الثورة في المغرب فقط بل في كل العالم.
ومن أجل ذلك كنا نقرأ كثيرا.
وننفق كثيرا من المال من أجل شراء المجلات والجرائد والكتب الآتية من كل مكان.
ومن دمشق. ومن موسكو. ومن اليمن الشمالي. ومن نيقوسيا.
ومن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيروت.
فماذا أنفقتم أنتم.
وماذا فعلتم كي تصلوا إلى غايتكم.
وبأي شيء ضحيتم.
لا شيء بالمرة غير استضافة عمر بلافريج وأحمد بنشمسي وبوبكر الجامعي وذلك الذي يناضل من أجل تزويج الرجال بالبنات الصغيرات.
بينما نحن كنا نتعذب في نضالنا.
ونعاني.
وكانت لنا أفكار ومواقف ومبادىء وقناعات.
وكانت لنا ارتباطات بالخارج. وكان لنا رفاق وقيادة في سوريا . وفي العراق. وفي الاتحاد السوفياتي.
وكان لنا خمير حمر. وجماجم مدفونة تحت الأرض.
فمن أنتم.
وماذا لكم.
كما كنا نستمع لساعات طويلة في اليوم إلى سعيد المغربي.
وإلى الفنان الفلسطيني الملتزم مصطفى الكرد.
وأتحدى أي واحد منكم أن يستمع إلى أغانيه اليوم.
ولو أطلقوا لكم تلك الأغاني الملتزمة التي كنا نسمع لها في في جحركم في ديسكورد.
لخرجتم جميعا منه. لا تلوون على شيء.
كاشفين عن وجوهكم. مستسلمين. نادمين على مطالبكم في صحة وتعليم جيدين.
ولما فكرتم لحظة في محاربة الفساد.
بينما كنا نحن نتحمل كل ذلك الغناء الملتزم في أشرطة كاسيت.
وكنا نشتريها من مدخراتنا الخاصة.
رغم الأزمة.
ورغم التقويم الهيكلي.
ورغم السكتة القلبية التي كانت تهدد المغرب.
وكل ذلك من أجل تغيير النظام في المغرب.
وبعده تغيير كل الأنظمة الرجعية في كل مكان.
وكان المغني أحمد قعبور يسلمنا لشاعر اسمه أحمد دحبور.
فنتعرق كثيرا.
وننتقل في اليوم الواحد من المغرب إلى جنوب لبنان مع محمد علي شمس الدين.
و “قصائده المهربة إلى حبيبته آسيا”.
-وبدل البنات
كنا نحب القارات والدول والغابات والكلاشينكوف والقضية الفلسطينية.
وقد تركنا ديننا الحنيف لنؤمن بلاهوت التحرير. قبل أن نعود إلى رشدنا.-
ثم نغادر جنوب لبنان إلى سنتياغو في الشيلي مع فيكتور خارا.
وحتى الولايات المتحدة الناجحة
كنا نحلم بتغيير نظامها الرأسمالي و الامبريالي بكثرة الاستماع إلى جوان بايز.
مسافرين إلى كل قاعات الشباب وإلى المركب الثقافي المعاريف.
كي نحضر إلى أحمد السنوسي بزيز.
وبعد ذلك نذهب إلى تونس مع محمد البحر.
ولا نتوقف.
ولا نهاب أحدا.
ولا نكتفي بالجلوس في ديسكورد. مكتفين بمحاورة بوبكر الجامعي.
الذي ظل ينتظركم طوال سنوات.
وبمجرد ظهوركم هرول إليكم ليغير بكم النظام.
كأن الأمر بكل هذه السهولة. وكأن المغرب جمهورية موز.
وقد كبرنا الآن. و وخط الشيب شعرنا.
و لم تعد لدينا تلك الكاسيتات
وانهارت أحلامنا الكبرى
ولم تعد لنا أي أوهام
بعد أن بددنا أعمارنا في التدخين.
وصار بعضنا محافظا. ومع الاستقرار. ومع بقاء الوضع على على حاله.
ومنا من أصبح رجعيا
ومنا من يحاول أن يستعيد شبابه الضائع بالتريض
ملتحقا بإيديولوجية الحفاظ على الصحة
و إرهاق الجسد بالحركات
من أجل نسيان الواقع
ومنا من أصبح مفرطا في الواقعية
وفي السمنة
ومنا من تكرش بسبب ستورك
ومنا من أصبح عياشا
ومع ذلك فلن نقبل منكم أن تنظروا إلينا
كما لو أننا انتهينا
وكما لو أننا غير موجودين
وكما لو أننا على بعد خطوة من الموت
ولن نسمح لكم بأن تنغصوا علينا شغفنا بكرة القدم
ولن ندعو معكم إلى مقاطعة الملاعب
لأننا عانينا طويلا بسبب الكرة المغربية
وتألمنا
وخسرنا كما لم يخسر أحد
وحين جاء الفرج
وابتسمت النتائج للمغاربة
ظهرتم مثل غراب البين. داعين إلى عودة الإخفاقات.
وإلى الغمة المغربية القديمة
مثل جيل يائس
و شائخ
و ليس في مقتبل العمر.
مع أنكم لم تستمعوا يوما إلى أي مغن ملتزم
ولم تعانوا
ولم تعرفوا لا قعبور ولا دحبور ولا الكرد
ولم تقرأوا لا المسار ولا الطريق
ولا ترجمات جورج طرابيشي
ولم تتعذبوا كما تعذبنا قبل أن نصل إلى هذا المغرب
الذي لا يروق لكم
والذي يبدو لنا نحن جميلا وأفضل من الماضي بكثير.
ذلك الماضي الذي كانت تجمع فيه سيارات الأمن
كل من وجدته في الشارع
كما تجمع حاويات جمع الأزبال القمامة.
لذلك كفوا عن المزايدة علينا
وتواضعوا قليلا
وإذا عدتم يا جيل z
عدنا.
وهيهات منا الذلة.