أسوأ المواطنين .. العدميون والمطبلون

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

ما أكثر الأصوات التي تملأ الفضاء المغربي اليوم، وما أقلها نفعًا! في كل مكان نسمع صخب أسوأ المواطنين: العدميون والمُطَبِّلون (أصحاب البندير). هؤلاء الذين احتكروا المشهد الإعلامي والفكري، فشوَّهوا الحقيقة وأفسدوا الذوق العام وأضعفوا حسّ النقد والتمييز لدى الناس. لقد أصبحنا نشهد انفجارًا في الكلمة الفارغة، وفي التأثير الذي لا يرتكز على معرفة أو رؤية، بل على انفعال أو مصالح شخصية ضيقة.

العدميون لا يرون في هذا الوطن سوى العدم، يتغذون على السخط وينتجون اليأس، وكأن مهمتهم هي إقناع المغاربة بأنه لا أمل، ولا إصلاح، ولا بصيص ضوء في نهاية النفق. هؤلاء لا يفكرون، بل يتفننون في الهدم. لا يملكون مشروعًا سوى جلد الذات، ولا لغة لهم سوى التهكم والسخرية. يعيشون في ظلام أنفسهم، ويظنون أن العالم مظلم مثلهم.

ومن المثير للسخرية أنهم غالبًا يرفعون شعار “الوطنية”؛ بينما لا يقدمون أي حل، ولا يساهمون في أي مشروع يرفع من شأن المجتمع.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

وفي الجهة المقابلة، هناك المطبلون، من مؤثرين وصحافيين وحتى من يسمّون أنفسهم “مفكرين” و”نخبًا ثقافية”، يمدحون كل قرار، ويصفقون لكل سياسة، ويبررون كل فشل، وكأنهم موظفون في مكاتب الدعاية لا في محراب الفكر.

يبيعون ضمائرهم مقابل قربٍ أو منصبٍ في إدارة او حزب أو لحظة شهرة، وينسون أن المثقف أو الصحافي الحقيقي لا يكون بوقًا لأحد، بل ضميرًا للوطن. هؤلاء المطبلون لا يكتفون بالمديح، بل يسعون إلى إخفاء العيوب وإيهام الرأي العام بأن كل شيء على ما يرام؛ مما يجعل المواطن غارقًا في وهم التقدم الزائف، ويقتل أي محاولة للوعي النقدي الحقيقي.

هؤلاء المطبلون أخطر من السياسيين أنفسهم، لأنهم يملكون سلطة الكلمة، وسلطة التأثير؛ لكنهم اختاروا الاصطفاف مع الفساد والمفسدين. والمفارقة هي أن بعضهم يتحدث باسم “الوعي” و“التنوير”؛ بينما هو غارق في نفاق فكري يُثير الاشمئزاز. لا يهمهم أن يكونوا صادقين، بل أن يكونوا مرضيّين لدى من بيده السلطة أو المال. وهم بذلك يعكسون وجهًا مشوهًا للثقافة نفسها، حيث تُستبدل الحقيقة بالمظهر، والمبادئ بالمصالح، والمثال الأعلى بالانحراف الأخلاقي والفكري.

المغرب اليوم لا يحتاج إلى من يسبّ كل شيء باسم النقد، ولا إلى من يصفق لكل شيء باسم الولاء؛ بل إلى من يقول الحقيقة، كما هي، دون مواد تجميل. من يحب هذا الوطن حقًا لا يهدمه من الداخل، ولا يغطي عيوبه بالمديح الكاذب؛ بل يعترف بالإنجاز ويواجه الخطأ بمسؤولية. إن النقد البناء هو الركيزة الأساسية لأي تقدم؛ فهو لا يهدم، بل يوجه ويصلح، على عكس العدميين الذين يهدمون بلا سبب والمطبلين الذين يخفون الأخطاء مهما كانت فادحة.

إن دور المثقف هو أن يكون مرآة المجتمع. عليه أن يزن الأمور بميزان العقل والضمير، لا بميزان المصلحة والانتماء؛ فحين يفقد المفكر موضوعيته يتحول من عقل ناقد إلى صوت مأجور، وحين يتخلى عن الصدق يسقط من مرتبة الفكر إلى حضيض الدعاية. وهكذا، يتحول الفضاء الفكري إلى ساحة معارك وهمية، حيث يغيب التنوير وتغيب المصداقية.

إن العدميين والمطبلين وجهان لعملة واحدة: كلاهما يضلل الرأي العام، ويقتل روح النقد، ويغتال وعي المواطن. الأول يسلبنا الأمل، والثاني يسلبنا الحقيقة، وكلاهما يسرق منا المستقبل. في مجتمع كهذا، يصبح المواطن محاصرًا بين التشاؤم المفرط والمديح الزائف، ويجد نفسه عاجزًا عن التمييز بين ما هو مفيد وما هو ضار.

وهنا تأتي المسؤولية الكبرى للمواطن نفسه: عليه ألا يسلّم عقله لأحد، وألا يجعل من الإعلام، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو الأشخاص، أو المؤثرين مرجعية مطلقة للحقيقة. يجب أن ننصت، نعم؛ لكن بعين ناقدة وعقل متسائل، وأن نقيس ما يُقال على الواقع لا على العواطف.

إن الوطن لا يُبنى بالتصفيق الأعمى ولا بالسبّ الأعمى؛ بل بالبصيرة والوعي. لا تُقدّسوا الأشخاص، ولا تجعلوا من أحد نبيًّا فوق النقد. انظروا إلى الحقائق فوق الأرض، إلى ما يتحقق وما يتعطل، إلى ما يُبنى وما يُهدم، فهناك فقط تُعرف الحقيقة.

أما رأيي، فهو أن المغرب بلد يعيش تناقضاته مثل أي مجتمع في طور التحول. نعم، لدينا مشاكل كبيرة يجب معالجتها بجرأة؛ من التعليم إلى الصحة إلى العدالة الاجتماعية، إلى محاربة الفساد. وهذه المشاكل لا يجوز التغطية عليها بالشعارات الزائفة. لكن لا يمكن أيضًا إنكار أن هناك تطورًا حاصلًا، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والمشاريع الكبرى التي غيّرت وجه البلاد. التقدم لا ينبغي أن يُنسينا النواقص، كما أن النواقص يجب ألا تحجب عنا ما تحقق. الطريق لا يزال طويلاً؛ لكنه طريق يستحق أن نسلكه بعقل نقدي وضمير حيّ وحب حقيقي للوطن.

المغرب يحتاج اليوم إلى فكر صادق لا إلى أبواق، إلى نقد مسؤول لا إلى سبّ أو تمجيد أعمى، إلى رجال فكر يملكون الشجاعة ليقولوا “نعم” حين تستحق و “لا” حين يجب أن تُقال. أما أولئك العدميون والمطبلون الذين باعوا عقولهم أو فقدوها، فلا مكان لهم في مغربٍ يريد أن ينهض من رماده. فالمسؤولية الكبرى تقع على كل من يملك صوتًا وكلمة؛ والواجب ليس في الكلام وحده، بل في صدق القول وشفافية الرؤية، من أجل وطن حيّ لا يُقمع فيه وعي المواطن، بل يُنمَّى ويُحفَّز على الإبداع والتفكير النقدي.

-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي
معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة

إقرأ الخبر من مصدره