بيكين وموسكو: حين يكون الامتناع أقصى درجات القبول بلغة مجلس الأمن

Écrit par

dans

ريما لبلايلي كود ////

في ليلة سياسية هادئة بمجلس الأمن، مرّ القرار 2797 حول الصحراء المغربية بأغلبية مريحة: أحد عشر صوتاً مؤيداً ولا دولة واحدة صوتت ضده، فيما فضّلت روسيا والصين وباكستان الامتناع، بينما اختارت الجزائر ألا ترفع يدها نهائياً. ورغم أنّ الامتناع يبدو موقفاً رمادياً في الظاهر، إلا أنه في قاموس مجلس الأمن يحمل معنى أعمق: هو شكل من أشكال الإقرار دون إعلان، فالامتناع لا يوقف القرار، بل يسمح له أن يمر… وفي لغة الأمم المتحدة، ذلك هو أرقى درجات القبول غير المعلن.

روسيا بدت وكأنها تمشي على خط رفيع بين الرباط والجزائر. غير أن موقف موسكو ليس مفاجئاً، لكنه محسوب: “النص غير متوازن”… هكذا وصف السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا القرار، معتبراً أن الصيغة النهائية تميل لصالح المغرب، ولا تمنح مساحة كافية لمفهوم ’’تقرير المصير”. غير أن روسيا لم تستخدم الفيتو، لكنها أرادت توجيه رسالة مزدوجة:

لا تصويت ضدّ المغرب ولا ضدّ الدينامية الجديدة. ولا تصويت مع نص تعتبره قريباً من الطرح الأمريكي/الفرنسي باعتبار الصراعات التاريخية الكبرى التي تربط الأقطاب وخصوصا الملف الأوكراني. الورقة الجزائرية تحضر بقوة: موسكو تُبقي خيطاً دبلوماسياً مع الجزائر، أحد أهم زبائن السلاح الروسي في إفريقيا، وفاعل أساسي في الملف.

الامتناع إذن هو “حل الوسط الروسي”: لا تعطيل، لكن لا مباركة كاملة. موسكو لا تريد تعطيل مسار يبدو أن المجتمع الدولي اتفق ضمنياً على حدوده، خصوصاً وأن الدبلوماسية المغربية كانت حاضرة في موسكو خلال الأشهر الأخيرة، تعيد وصل الخيوط وتمنع انزلاق روسيا نحو موقف أكثر عدائية خلال زيارة وزير الخارجية ناصر بويرطة ولقائه مع نظيره الروسي.

الصين تصرفت بأسلوبها الأبدي: لا نعم ولا لا. بررت امتناعها بالحاجة إلى “توافق أوسع”، لكن الحقيقة أنها تمارس براغماتية صامتة؛ لا تريد إغضاب المغرب بوابة إفريقيا، ولا تريد خسارة الجزائر شريك الطاقة والسلاح. تماماً كما تفعل في ملفات مثل كشمير أو تايوان، تظل في الوسط، تراقب، وتترك القرار يمر دون أن ترتبط به سياسياً. الامتناع هنا ليس حياداً، بل ذكاء استراتيجي يحمي مصالحها ويترك الآخرين في الواجهة.

لكن الرسالة الأقوى لم تأتِ من موسكو ولا من بكين، بل من مجلس الأمن نفسه. لأول مرة يظهر المسار واضحاً بهذا الشكل: لا استفتاء، لا خيار للانفصال، والحل هو تسوية سياسية واقعية يقودها المغرب تحت سقف الحكم الذاتي. هذه ليست جملة عابرة، بل تحوّل في هندسة الخطاب الدولي حول الملف. وحتى حين امتنعت روسيا والصين، فقد فعلتا ذلك دون أن تشككا في شرعية هذا الاتجاه، بل تركتا القطار يواصل سيره.

الجزائر، التي كانت تأمل في اعتراض أو على الأقل تعديل لهجة القرار، وجدت نفسها خارج اللعبة. انسحبت من التصويت، لكنها لم تستطع منعه، ولم تقنع حلفاءها بأن يقفوا في وجه صيغة تُقرّ ضمناً بأن المغرب هو الطرف القادر على تقديم حل واقعي قابل للحياة. وهكذا بدا أن الرباط نجحت ليس فقط في تمرير القرار، بل في إقناع العالم – حتى الصامت منه – بأن منطق الحكم الذاتي هو الأرضية الجديدة للنقاش.

بعد الجلسة، خرج المغرب بثقة أكبر. دي ميستورا حصل على تفويض أقوى للمضي في حل يستند إلى المائدة المستديرة والحكم الذاتي. الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، وحتى دول أخرى، لم تعد تخفي دعمها لهذا التوجه. أما روسيا والصين، فاختارتا الصمت الإيجابي: لا تأييد معلناً، لكن أيضاً لا معارضة، ما دام المسار لا يمس مصالحهما المباشرة.

وهكذا، فإن الامتناع الروسي ـ الصيني لم يكن خسارة للمغرب، بل كان اعترافاً غير معلن بأن الملف يتحرك في اتجاه واحد. الطريق نحو الحل قد يكون طويلاً، لكن ملامحه أصبحت واضحة: لا استفتاء، لا انفصال، بل حل سياسي واقعي تحت السيادة المغربية… والعالم، بصمته أو بدعمه، بدأ يتعامل مع هذا الواقع ” الصحراء مغربية”.

إقرأ الخبر من مصدره