عبقرية الدبلوماسية الملكية

Écrit par

dans


إدريس القري
1 – مدخل: السياق التاريخي والدبلوماسي المغربي.

تأسست في المغرب منذ قرون تجربة سياسية تحمل في طياتها حكمة تجربة سياسية صقلت بنيات الدولة بإيقاع صبر الصحراء وقوة الجبال، قلبها تجربة التعايش والتفاوض. ويرى العديد من المراقبين اليوم أن ‏الصحراء المغربية تشكل محطة قوية في بروز المملكة حداثة صاعدة، ليس عبر مسار القوة الصرفة، وإنما عبر مسار “الدبلوماسية الملكية” التي تستثمر القيم الكونية ومنها أساسا العدالة والسلام الصبر الاستراتيجي والدهاء السياسي.

يُعد قرار ‎مجلس الأمن الدولي الأخير عن الصحراء الغربية، والمتعلق ب «الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية، الذي، يشكل الحل الأكثر قابلية للتنفيذ» لتسوية النزاع حول الصحراء، يُعد انتصاراً دبلوماسياً استراتيجياً وتاريخيا لمشكل مفتعل طال لنصف قرن.

تظهر هذه النقلة في الخطاب الأممي – من «الاستفتاء أو الاستقلال» إلى «الحكم الذاتي تحت السيادة» -مدى تمكن المغرب من إدماج توجهه في القانون الدولي بحكمة ودهاء سياسي في مفهوم السيادة والتفاوض وفي إطارٍ دولي متعدد الأطراف تحت مظلة القانون الدولي ممثل في الأمم المتحدة.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;} 2 – القيم الكونية في العَمل الدبلوماسي المغربي. 1/2 – العدالة والسلام.

تسعى الدبلوماسية المغربية إلى ترسيخ قيمة العدالة الدولية، بوصفها أكثر من مجرد شعار شكلي، ولكن شرطاً للاستقرار والتنمية. فالقانون الدولي اليوم يربط بين حق الشعوب في تقرير مصيرها وبين احترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، وقد عبر مجلس الأمن الدولي في القرار المشار إلى هذا الاتحاد القانوني والسياسي.

لم تكن الدبلوماسية المغربية تبحث عن «انتصار عسكري» أو تسعى إلى فرض أمر واقع بالقوة، بل اشتغلت على «تفاوضٍ» ينتهي إلى صيغة مقبولة للطرف الآخر، أو على الأقل قابلة للقبول الدولي، وهو ما يُعد تجسيداً لمفهوم السلام—وليس فقط غياب الحرب.

2/2 – لصبر الاستراتيجي والدهاء السياسي.

تحلت الدبلوماسية المغربية بصبر استراتيجي فلم تسرع إلى التصعيد ولم تقدم على مغامرة عسكرية، بل وضعت لدى الأمم المتحدة ورقة الحكم الذاتي منذ 2007، ووظّفت في ذلك علاقات دولية واستثمارات وتفاهمات على سكة تدرُّج دبلوماسي رصين وهادئ، (أعظم فنون الحرب أن تُخضع العدو دون قتال) (Sun Tzu).

لم يدخل المغرب في حرب من أجل الصحراء منذ البداية بل دافع بذكاء وفعالية عن أراضيه، فاختار طريق التفاوض وطريق القوة المُقنعة في لباسٍ دبلوماسي.

3/2 – استيعاب القانون الدولي بين الثابت من المتحول.

يعد الإنجاز المغربي على صعيد القانون الدولي خطوة ذكية: فقد حوّلت القضية من مطلب استفتاء إلى مقترح حكم ذاتي ضمن السيادة، وهو ما يعكس فهمها لمسارات وسياقات وراهنية القانون الدولي المعاصر: حق الشعوب في الحكم الذاتي مع احترام الإطار الأممي للدول. وقد أشار التقرير إلى أن هذا التوجه يُمثل «وظيفةً تفاوضية» أكثر منه صيغةَ انفصالٍ.

يجعل هذا الجمع بين الجذور المغربية (التاريخ والعرش والولاء والتعايش)، وبين بروتوكولات القانون الدولي (الشرعية والسيادة والتفاوض) يجعل الدبلوماسية الملكية “جسراً بين الوطني والدولي والمحلي والكوني”.

3 – المملكة كقوة صاعدة: كيف تحقق النصر الدبلوماسي؟ 1/3 – «نصر» في إطار متعدد الأطراف.

يشكل قرار مجلس الأمن الأخير المدعم للمسار المغربي علامة فارقة: فقد صوتت غالبية الدول لصالح مقترح الحكم الذاتي، مع تغيب واحدة وامتناع اثنين، وبهذا يمكن القول إن المملكة تكرست كـ «قوة صاعدة»، دون تصعيد بل باستخدامٍ فعال للدبلوماسية وللنفوذ الاقتصادي ولتأثير الصورة الدولية وللشراكات.

وتعد هذه النتيجة نصراً بصيغتها الممكن التعبير عنها هكذا: لا إطلاق صاروخ ولا عدة عسكرية ضخمة بل مقترح تفاوضي وتحالف عالمي واقتناع دولي.

2/3 – منطق التفاوض لا الحرب.

تؤكد مقولة Sun Tzu السابقة الذكر أن النصر الحقيقي يتم دون قتال. وإذا وضعنا المقولة في سياق حالتنا هذه، يمكننا القول بأن المغرب طبق صيغة شبيهة: استخدام الحِوار والدبلوماسية والشرعية، بدل التصعيد العسكري. وهنا يليق بنا أن تذكر قولة الأمين العام السابق لهيئة الأمم المتحدة كوفي عنان الذي قال: لم نعد في حادة لوعود بقدر ما نحتاج الالتزام بتلك التي قطعناها – «We don’t need any more promises. We need to start keeping the promises we have already made.»

هكذا استثمر المغرب وعده بالحكم الذاتي (2007) ومضى فيه، وانتقل إلى مرحلة التفعيل الدولي وهذا منطق الوفاء بالوعد الذي يقوي شرعيته.

3/3 – مراعاة الواقع والمتغيرات.

لم تتجاهل الدبلوماسية المغربية الواقع القائم المتمثل في الوضع الفعلي وفي المعادلات الإقليمية وفي الموارد وفي العلاقات مع أوروبا وأمريكا وإفريقيا. فالمبادرة المغربية إذن ليست دعوة مثالية فقط، بل هي عملية سياسية ودبلوماسية براغماتية عقلانية رفيعة المستوى، وذلك ما عبر عنه بعض المحللين بقولهم إن القرار الأخير يعكس تحولاً في ممارسات مجلس الأمن: من خيار الاستفتاء إلى خيار التفاوض تحت سيادة الدولة.

تظهر الدبلوماسية الملكية إذا قدرة المملكة المغربية على استيعاب المُتحول وفي الوقت ذاته التشبث بالثابت: السيادة والحل التفاوضي وانعدام الحرب.

4 – فلسفة السياسة الداخلية والخارجية: ترجمة التجربة إلى نموذج 1/4 – السياسة الداخلية: الحكم الرشيد والمتوازن.

تتبنى سياسة العرش والدولة من داخل المملكة مبدأ الشراكة، ومنح الحيز الأوفر للتنمية ولبناء المؤسسات في الأقاليم الجنوبية، ومعها إشراك السكان المحليين في الحكم الذاتي المقترح. وتعكس هذه السياسة مبدأ العدالة التنموية والتوازن الإقليمي، كما تخلق أرضية داخلية صلبة للدبلوماسية الخارجية.

هنا يمكن القول مرة أخرى بإن هناك تأثراً بالجذور المغربية العريقة: التعايش التسامح والمسار الزمني الطويل والصبر على الظروف الاقتصادية والجغرافيا وعلى حالة وتعقيدات وإكراهات المحيط الإقليمي.

2/4 – السياسة الخارجية: دبلوماسية متعددة الأبعاد

يمارس المغرب على مستوى العلاقات الدولية، دبلوماسية حضارية واقتصادية واستثمارية وأمنية وثقافية متناسقة ومتكاملة. وتسهم كل تلك العناصر في بناء صورة الدولة القادرة على التأثير بلا صدام، وعلى التحكم في الخيار العسكري ولجمه عكس السائد عالميا وتاريخيا.

تنطوي النظرة الكونية للدبلوماسية المغربية، التي تربط بين الحكمة القديمة والقراءة الحديثة للعالم، على تركيبات مغربية تكاد تكون صِرفة تتمثل عناصرها في: احترام القانون الدولي والرهان على التفاوض واستثمار الموارد وتعزيز الشراكات والامتناع عن اللجوء إلى القوة كأول خيار.

5 – لماذا تعتبر حكاية الدبلوماسية الملكية «رفيعة» وشعبية في نفس الآن؟ 1/5 – دبلوماسية ملكية رفيعة لأنها تجمع بين القيم الكونية والجذور المحلية.

فهي تعتمد فقط على قوة اللحظة وليس على طاقة الانتقام، بل تعتمد أساسا على بناء مُستدامٍ وعلى تصوير المغرب بوصفه فاعلاً ملتزماً بالعدالة والسلام والتفاوض العالمي.

2/5 – دبلوماسية شعبية لأنها تعبر عن سيادة وطنية مع احترام القانون الدولي.

لم تكن النتيجة التي تحقّقت، دعم مجلس الأمن لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تلقائية، بل نتاج مسار دبلوماسي وسياسي بنيوي واستراتيجي بعيد النظر وطويل. مسار عزّزَ شعور المغاربة بأن دولتهم الملكية الشريفة «فازت» دبلوماسياً، دون حرب ودون اعتماد على الغير، رغم أهمية العلاقات الاستراتيجية التي بنتها الدبلوماسية الملكية على امتداد أكثر من عقدين بحكمة وتفرد وبعد نظر استراتيجي مُبكر.

3-5 – ملحمية لأنها امتداد لتجربة تاريخية.

تعاملت الدولة المغربية منذ قرون مع العبور ومع الأطماع ومع المسارات الاستعمارية ومع التحديات. فالمغرب كما يقول المفكر عبد الله العروي جزيرة محاطة بالطامعين. في هذا السياق نعتبر الإنجاز الدبلوماسي غير المسبوق المتعلق بالحكم الذاتي، حلقة متفردة ومتميزة من حلقات ملحمة الملكية الشريفة والمجتمع المغربي.

6 – الدروس المستخلَصة لتجربة المغرب.

أولا: لا يمكن الاعتماد على القوة وحدها بل القوة المقنعة والشرعية علاوة على التحالفات الذكية والبراغماتية والمنتجة.

ثانيا: الصبر الاستراتيجي ـ ويتمثل في تركيبة تضم في بنيتها الاستراتيجية الانتظار مقرونا بالإعداد وبتراكم الإنجاز الدبلوماسي. يُفضي الأمر في نهاية المطاف إلى نتائج أبعد مدى وتحقيقا من خيار آخر مخالف.

ثالثا: الجذور المحلية – الضامنة للشرعية الداخلية – هي مفتاح النجاح في الخارج؛ فدبلوماسية بلا قاعدة شعبية او قاعدة وطنية متماسكة قد تفتقر للثبات.

رابعا: إن فهم القانون الدولي وتوظيفه – ليس فقط كحجة، بل كمنهج – هو عنصر أساسي في تحوُّل قضية ما من نزاع إلى مفاوضة.

خامسا: إن الدبلوماسية المعاصرة ليست نقيضاً للسيادة، بل يمكن أن تكون تجسيداً لها في إطار عالمي متعدد الأطراف؛ وهذا ما حقّقه المغرب في هذه الحالة.

هذه الاقتباسات تؤكّد أن الدبلوماسية الفاعلة هي التي تبني الجسور، تعرف من هي، تعرف مصلحتها، وتجعل الآخر شريكاً أو على الأقل خصماً غير مدمر.

7 – خاتمة: نحو آفاق مستقبلية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن المملكة المغربية بتوظيفها لهذا النمط من الدبلوماسية الملكية العبقرية، التي تجمع بين الجذور المغربية العريقة والقيم الكونية من جهة، وبين الصبر الاستراتيجي والدهاء السياسي من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة بين السيادة والتفاوض وبين المحلي والعالمي، تكون قد خطَت خطوة نوعية مهمة نحو ترسيخ موقع المملكة المغربية الشريفة كقوة إقليمية ودولية حاضرة في المعادلات العربية والإفريقية والمتوسطية – وبالتالي الدولية – بشكل راسخ ومتميز.

إن التحدي الذي تواجهه الدبلوماسية المغربية بعد الإنجاز التاريخي المذكور – والسياسات الملكية الاستراتيجية اتقنته وتتقنه وستتقنه أكثر مستقبلا – والذي لا نشك بأنه انطلق مع الحصول على اعتراف دولي وقرار من مجلس الأمن، إنما يكمن في تحويل هذا الاعتراف إلى واقع تنموي مستدام في كل أقاليم الوطن بشكل عادل، وبالتالي تحويل مقترح الحكم الذاتي إلى تنفيذ فعلي يريح المغاربة قاطبة ويثبِّت لدى الشركاء الدوليين الصورة المشرقة للملكة المغربية التي بنتها الدبلوماسية الملكية بحكة وترو وبعد نظر. ولا شك أن المغرب يُواصل الاستثمار في مسارات الشراكة الإفريقية والأوروبية والعالمية، فدبلوماسيته الملكية لا تؤمن بالتنفيذ وبالمصداقية.

إن «حكاية رفيعة لشعب وعرش» كما أصفها بفخر في هذا المقال، ليست حكاية نصر مؤقت، ولكنها امتداد في الزمن وشهادة على أن الحكمة والدبلوماسية الملكية العقلانية والبراغماتية يمكن أن تُحقق ما لم تطاله الأساليب السائدة التي لا هي لائقة ولا هي منتجة.

إقرأ الخبر من مصدره