تكاثر العيّاشة! إنهم في المطبخ. وفي الجارور. وفي السوق. وفي المدرسة. وفي الكسكس. و في الفيسبوك. وفي الراديو. وفي التلفزة. وفي البيت. وكلما أصخت السمع. وكلما نظرت بعينيك. وكلما التفت. تجد عيّاشا

Écrit par

dans

حميد زيد – كود//

كان العيّاشة منذ القدم في المغرب. وكان لا يخلو منهم مكان.

إلا أنه لم يسبق أن كان عددهم كبيرا إلى هذا الحد.

فمباشرة بعد قرار مجلس الأمن الخاص بالصحراء. وبعد الخطاب الملكي. فإنه لم يعد يمكن للمرء أن يخطو أي خطوة دون أن يصطدم بعياش.

حتى أنهم تغلغلوا في الشقة.

وفي البيت الواحد. ورغم مقاومتك الشديدة. تجد أن زوجتك صارت عياشة لا يشق لها غبار.

والأولاد.

والجيران.

والأهل.

والعائلة القريبة والبعيدة.

والأصدقاء والرفاق القدامى.

وتصادف العياشة في المقهى. وعند البقال. وفي التاكسي. وفي السطح.

وتتعثر بهم.

إلى أن احتلوا كل الفضاءات والأمكنة.

ومهما فتشت عن شخص معارض فإنك لن تعثر عليه.

أما القلة المتبقية من المعارضين فهم الآن مختفون حتى تمر العاصفة.

ولا يدري المعارض كيف يتصرف.

وهل يعارض الحكم الذاتي. وهل يشك في القرار. وهل يقلل من أهميته. وهل يصمت. وهل يصرخ.

وهل يسافر.

وهل يصفق.

وهل يغضب. وهل يحتجب.

وبسبب هذا الارتفاع المهول في عدد العياشة. فإنه صار من الصعب العثور على شريكة حياة ليست عياشة.

ولا على صديق.

ولا على زبون.

كنا أنه صار من الصعب جدا الحصول على موعد.

أو على بيان. أو بلاغ. أو تنسيقية. أو عريضة. أو توقيع. أو وقفة.

فالكل سعيد. و منتش.

ومنسوب التعياشيت لدى الجميع مرتفع.

بشكل غير معهود.

ولذلك فإنه لم يعد من الممكن للإنسان غير العياش في هذه الفترة أن يحب.

فالفتاة الآن عياشة. والشاب عياش.

والجو في المغرب كله مزلج.

وأي خطوة فإنها حتما ستكون على أرض زلقة.

وأي علاقة.

وأي لقاء بين رجل وامرأة فلن ينتج عنه إلا مولود عياش هو الآخر.

وهذا في نظري يشكل خطرا على الصحة العامة.

وقد تحدث تشوهات خِلقية بسبب هذا التشابه في ما بيننا.

وأعرف معارضا لا يشق له غبار. وبمجرد امتناع الصين وروسيا عن التصويت. فإنه التحق هو الآخر بالركب.

وتخلى عن كل قناعاته السابقة. منبهرا بعبقرية الدولة المغربية و قدرتها على التأثير وعلى إقناع الدول العظمى.

وهناك من أصبح يحب الدولة.

ويسرف في الحديث عنها. وفي مغازلتها.

و هو أمر غير طبيعي.

ولا يعرف أحد ما يمكن أن يتسبب فيه ذلك في المستقبل.

فقد كان العياشة الذين يعلنون عن ذلك صراحة في الماضي معدودين على رؤوس الأصابع.

رغم أن الدولة كانت عنيفة وترفض أن يكون المغربي غير معجب بها.

وكانوا دائما عرضة للسخرية وللتنمر.

وكانا نقول إنهم يؤدون مهمة.

وأن جهة ما هي التي تشغلهم.

أما الآن فقد أصبح المغرب كله تقريبا عياشا.

و مجانا.

ودون مقابل.

وحتى الذين مازالوا لم يتحولوا بعد فإن فرحتهم مكتومة.

وتفضحهم.

ودون أن يرغبوا في ذلك يطفو العياش الكامن فيهم على السطح.

ومهما حاولوا كتم صوته.

فإنه يخرج منهم.

كما كانت الدولة تبحث في الماضي بشق الأنفس عمن يحبها.

وعمن يقول عنها كلمة جميلة.

أما اليوم فهناك طابور طويل من العياشة ينتظر دوره ليعبر لها عن مشاعره الرقيقة نحوها

ولا أحد يصل إليها.

بينما الدولة تتمنع.

وفي المطبخ. وفي الجارور. وفي السوق. وفي المدرسة.

وفي الطعام. وفي الكسكس.

و في الفيسبوك.

وفي الراديو

وفي التلفزة

وكلما أصخت السمع

وكلما نظرت بعينيك

وكلما التفت

تجد عياشا.

إقرأ الخبر من مصدره