
الحسن بلعربي
من المسيرة الخضراء إلى قرار مجلس الأمن: خمسون عامًا من الدفاع عن السيادة والوحدة
في الحادي والثلاثين من أكتوبر، سجل المغرب إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا بعد أن صوّت مجلس الأمن الدولي لصالح مقترح الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية، دون أي اعتراض. حصل القرار على دعم إحدى عشرة دولة، فيما امتنعت ثلاث دول عن التصويت، وغابت الجزائر عن الجلسة. ويأتي هذا الإنجاز ثمرة مسار طويل من العمل الدبلوماسي، قادته المملكة بقيادة جلالة الملك محمد السادس، دفاعًا عن وحدتها الترابية وتعزيزًا لعدالة قضيتها الوطنية.
وقد دعا القرار جميع الأطراف إلى الدخول في مفاوضات جدية على أساس مبادرة المغرب للحكم الذاتي المقدمة عام 2007، التي تمنح سكان الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع احتفاظ الدولة باختصاصاتها في الدفاع والعلاقات الخارجية والشؤون الدينية. كما قرر مجلس الأمن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة “المينورسو” لعام إضافي لمواصلة مهامها في حفظ السلام ومراقبة وقف إطلاق النار، وقد رحبت عدة دول بهذا القرار معتبرةً أنه خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم حل سياسي واقعي ومستدام.
ويوافق هذا الإنجاز العظيم ذكرى خمسين عامًا على انطلاق المسيرة الخضراء، التي انطلقت في السادس من نوفمبر 1975 بمبادرة من الملك الراحل الحسن الثاني، بمشاركة نحو 350 ألف متطوع من مختلف مناطق المملكة حاملين القرآن والعلم الوطني، دون أي أسلحة، وأجبرت هذه الخطوة إسبانيا على التفاوض وتوقيع اتفاقية مدريد، لتبدأ مرحلة جديدة من تعزيز السيادة المغربية. ومن بين الذكريات التي لا تزال حاضرة في ذهني منذ طفولتي، تبرز أحداث المسيرة بكل تفاصيلها؛ عشتها وكأنها أمام عيني. هذه الذكرى توحد المغاربة جميعًا، ملكًا وشعبًا، وكانت درسًا للعالم في قوة الإرادة والسلام في مواجهة التحديات الوطنية.
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
على مدى خمسين عامًا، واصل المغرب جهوده العسكرية والدبلوماسية والسياسية حتى تحقق اليوم ما نص عليه قرار مجلس الأمن، معززًا الاعتراف الدولي بمقترح الحكم الذاتي وتعزيز السيادة الوطنية على الأقاليم الجنوبية. في 2007، قدم المغرب مبادرة الحكم الذاتي كحل عملي ونهائي للنزاع، يتيح للصحراويين إدارة شؤونهم المحلية ضمن إطار السيادة المغربية.
وعلى صعيد التنمية، عمل المغرب بقيادة الملك محمد السادس على تعزيز البنية التحتية في الأقاليم الجنوبية، من طرق وموانئ ومشاريع للطاقة المتجددة إلى التعليم والصحة، لضمان مستوى حياة أفضل للمواطنين وتعزيز الوحدة الوطنية. وقد نجح المغرب في تحويل قضية الصحراء من نزاع سياسي إلى مشروع تنموي وسيادي يعكس الالتزام الوطني والقدرة على الإنجاز الميداني. ويشكل التطور الذي تشهده الأقاليم الجنوبية جزءًا من المشروع التنموي الكبير الذي يعرفه المغرب في عهد حكم محمد السادس، نصره الله، والذي يهدف إلى تعزيز البنية التحتية، وتحسين مستوى الحياة للمواطنين، ودعم الاقتصاد الوطني، وتكريس الوحدة الترابية، ليكون المغرب نموذجًا للتنمية المستدامة والتقدم الشامل على كافة الأصعدة.
يُشكّل إقرار الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية فرصة مهمة لتعزيز مشروع الجهوية المتقدمة في مختلف جهات المملكة لضمان توزيع متوازن للتنمية بين الجهات. ويتطلب هذا المسار ترسيخ أسس الحكامة الجيدة وإعداد نخب سياسية قادرة على مواكبة تطلعات المواطنين ويأتي ذلك في ظرفية دقيقة، إذ لم يعد يفصل المغرب عن الاستحقاقات التشريعية المقبلة سوى أشهر قليلة، في وقت تتقاطع فيه رهانات التنمية مع الحاجة إلى تجديد النخب وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالمرحلة لا تقتصر على كونها موعدًا انتخابيًا عابرًا، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الفاعلين السياسيين على مواكبة التحولات التي تعرفها البلاد.
وتزداد أهمية هذه الظرفية مع ما يعرفه المحيط الإقليمي والدولي من تغيرات متسارعة، تجعل من الضروري الحفاظ على التوازن الداخلي وتعزيز الاستقرار المؤسساتي، بما يمكّن المغرب من مواصلة مساره التنموي وتأكيد مكانته كفاعل إقليمي قادر على التكيف وتقديم نموذج في الحكم الرشيد والتنمية المتوازنة.
تبقى روح المسيرة الخضراء مصدر إلهام متواصل للأجيال، تذكّر المغاربة بقيمة الوحدة الوطنية وبأهمية الحفاظ على مكتسبات الوطن بروح المسؤولية والعزيمة. وتشكل هذه الذكرى محطة للتأمل في مسار بلد اختار دائمًا الطريق السلمي والحضاري للدفاع عن حقوقه المشروعة، بفضل الرؤية الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس، الذي واصل نهج البناء والتحديث في الأقاليم الجنوبية لترسيخ التنمية وتعزيز الوحدة الترابية.
عاش الوطن، وعاش الملك، ولتظل أرض المغرب حرة وقوية ومزدهرة.
-كاتب وأستاذ جامعي بإسبانيا
إقرأ الخبر من مصدره