سلاح الهوية

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

كان المغرب عبر تاريخه الطويل ملتقىً للحضارات ومعبراً للثقافات، تفاعل فيه الأمازيغي والعربي والإفريقي والأندلسي والمتوسطي في بوتقة واحدة ليصنعوا معاً هوية فريدة في شمال إفريقيا اسمها الهوية المغربية. هذه الهوية لم تكن يوماً قائمة على لون أو دم أو عرق، بل على روح مشتركة تشكّلت عبر قرون من التعايش والتكامل. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت ترتفع أصواتٌ تحاول تقويض هذا الإرث المتوازن، أصواتٌ تتحدث باسم الهوية لتزرع الانقسام، وتتبنّى خطاباً يقوم على العِرْق لا على المواطنة، وعلى الضغينة لا على المشاركة.

برز داخل الحركة الأمازيغية، التي ناضلت في بداياتها من أجل الاعتراف بالثقافة الأمازيغية والعدالة اللغوية، تيار متشدّد يحاول احتكار تمثيل الأمازيغية وتحويلها من مشروع ثقافي جامع إلى مشروع سياسي إقصائي. هذا التيار يقدّم نفسه بوصفه مدافعاً عن الضحايا، ويصوّر التاريخ المغربي كصراع دائم بين أمازيغٍ مظلومين وعربٍ غزاة أو مستعمِرين. وهو تصوّر مضلّل لا ينسجم مع حقائق التاريخ ولا مع منطق الجغرافيا ولا مع الواقع المعاش للمغاربة، لأن المغرب لم يكن يوماً ملكاً لقومية دون أخرى، بل كان ثمرة تفاعلٍ بين مكوناتٍ عدّة صنعت مجتمعةً ملامحه الحضارية والروحية.

لكن في المقابل، لا يقلّ خطراً أولئك العرب المغاربة الذين ينظرون إلى الأمازيغية نظرة استعلاء أو ازدراء، ويعتبرونها لهجةً ثانوية أو فولكلوراً لا مكان له في المغرب الحديث. إن ازدراء المكوّن الأمازيغي خيانة للهوية المغربية نفسها، لأن هذه الهوية لم تكن يوماً عربية خالصة ولا أمازيغية صافية، بل مزيجاً روحياً وثقافياً صاغه التاريخ المشترك. من يُبخس الأمازيغية إنما يُبخس نصف روحه الوطنية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

صحيح أن لكل مجتمع صفحات مظلمة في تاريخه، لكن تحويل تلك الصفحات إلى هوية دائمة وإلى سلاح في وجه الآخر هو خطيئة سياسية وأخلاقية. فالعدالة التاريخية لا تتحقق بالانتقام من الماضي، بل ببناء المستقبل على أساس المساواة والاعتراف المتبادل. وقد خطا المغرب خطوات جريئة في هذا الاتجاه حين اعترف بالأمازيغية لغةً رسمية في الدستور، ودمجها في التعليم والإدارة والإعلام، وسعى إلى إعادة الاعتبار لرموزها التاريخية وحضورها الثقافي. غير أن البعض يتصرّفون وكأن كل ذلك لا قيمة له، ويطالبون لا بالحقوق المشروعة بل بالهيمنة، لا بالتعايش بل بالإلغاء والإقصاء.

إن من يتوهّم أنّه قادر على محو الأثر العربي في المغرب، أو حصره في مرحلة استعمارية عابرة، إنما يغالط التاريخ والعقل معًا؛ إذ يغضّ الطرف عن قرونٍ من الحضور العربي الإسلامي الذي نسج خيوطه في نسيج المغرب، وترك بصماته النافذة في لسانه وثقافته، وفي معماره ووجدانه، حتى غدا جزءاً لا ينفصل من روحه وهويته. هذا الوجود لم يكن غزواً أجنبياً، بل تفاعلاً تاريخياً أنتج هوية جديدة ومتماسكة هي الهوية المغربية. فالعربية ليست لغة غريبة عن المغرب، بل لسانه الثقافي والحضاري الذي حمل عبر القرون علومه وشعره وفقهه وأدبه. إن إنكار هذا الامتداد هو إنكار لجزء أصيل من الذات المغربية، تماماً كما أن إنكار الأمازيغية هو بتر لجذور هذه الذات.

لقد أثبتت تجارب كثيرة عبر العالم، في لبنان ورواندا وألمانيا ويوغوسلافيا على سبيل المثال، أنه حين تتحول العرقية إلى أساسٍ للسياسة، ينهار مفهوم المواطنة ويسقط الوطن في هاوية الحروب الأهلية والدمار. في هكذا فوضى، يصبح الناس منقسمين بين من ينتمي ومن لا ينتمي، بين أصحاب الأرض والوافدين، وكأن الوطن قطعة أرض تُورَّث لا عقد اجتماعي يُبنى. في مثل هذا المناخ، تُقتل الكفاءة ويُهمَّش العقل ويُكافَأ الانتماء، فتضعف المؤسسات ويترسّخ الفساد ويُقتل الأمل. الدول لا تنهض حين يُقسَّم أبناؤها إلى قبائل سياسية، بل حين يُزرع فيهم الإحساس بالمسؤولية المشتركة والمصير الواحد.

وإذا كانت الحركة الأمازيغية تريد فعلاً خدمة لغتها وثقافتها، فطريقها ليس الصراع العرقي ولا الشعارات المتطرفة، بل العمل على تطوير اللغة الأمازيغية لتصبح لغة علمٍ وإبداعٍ ومعرفة. فاللغة التي لا تُنتج فكراً ولا علماً ولا أدباً، تظلّ لغةً رمزية مهددة بالاندثار مهما كُتب عنها في الدساتير. الأمازيغية لن تحفظها المظاهرات ولا الخطب السياسية، بل الأقلام التي تكتب بها كتباً علمية وروايات ومناهج ودراسات تُسهم في بناء الحضارة الإنسانية. فالبقاء اللغوي والثقافي لا يتحقق بالضجيج، بل بالإنتاج. كل النضال، في نظري المتواضع، يجب أن يكون مركزاً على توفير الظروف والموارد المادية والبشرية للارتقاء بالأمازيغية من طور التراث الشفوي إلى طور الكتابة وإنتاج المعرفة.

إن المعركة الحقيقية في المغرب ليست بين عربي وأمازيغي، بل بين التقدم والتخلّف، بين العلم والجهل، بين العمل والشعارات، بين الظلم والعدالة، بين الفقر والعيش الكريم، بين الصحة والمرض، بين الفساد والنزاهة، بين تكافؤ الفرص والامتيازات… فحين ينشغل الناس بمعارك الهوية وباجترار الماضي وما وقع منذ مئات السنين في ظروف تاريخية معينة، تضيع منهم المعركة الحقيقية، معركة المستقبل. المغرب اليوم بحاجة إلى كل عقله وجهده لمواجهة تحديات التعليم والصحة والعدالة والتنمية والتكنولوجيا، لا إلى تقسيم نفسه باسم التاريخ أو الأصل أو العرق.

لقد علّمنا تاريخنا الطويل أن التنوع المغربي هو سرّ بقائنا، وأن وحدتنا لم تكن يوماً عائقاً أمام تعددنا، بل ضمانة لاستمراره. إن من يريد أن يبني مستقبلاً على أساس العرق كمن يبني بيتاً على الرمل: قد يصمد بعض الوقت، لكنه سرعان ما ينهار. أما من يؤمن بالمواطنة والعدالة والمعرفة، فهو من يزرع جذور الوحدة الحقيقية.

المغرب ليس أمازيغياً ضد العربي، ولا عربياً ضد الأمازيغي، بل هو وطنٌ صاغته القرون من مزج الروحَين معاً حتى صار الاثنان شيئاً واحداً لا ينفصل. ومن يسعى اليوم إلى تفكيك هذا الكيان المتكامل، إنما يخدم أعداء الوطن ولو ظنّ أنه يدافع عن هويته.

-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي – معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة

إقرأ الخبر من مصدره