
علي كرزازي
بعد مصادقة مجلس الأمن الدولي على القرار 2797 القاضي بإيجاد تسوية للنزاع المفتعل في الصحراء المغربية في إطار الحكم الذاتي كحل وحيد ذي مصداقية وواقعية، سقط القناع عن القناع بتعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش رحمه الله، وتبدت صورة النظام الجزائري في حقيقتها المفجعة التي ظلت طوال خمسين سنة أو ما يزيد تتلبس بها، تلك الصورة التي ترشح منها روائح العداوة المستحكمة للمغرب ولكل ما يمت للمغرب بصلة. وكم كان منظر وزير الخارجية الجزائري مفجعاً وداعياً إلى الشفقة وهو يقول: “كان بإمكان الجزائر أن تصادق على القرار الأممي لو أنه تم حذف جملة منه وهي جملة ‘تحت السيادة المغربية’”. إن هذا التصريح يذكرنا بقول أحد المشجعين الجزائريين: “لو يلعب الفريق الوطني المغربي لكرة القدم مع (والو) لأحببت من أعماقي أن ينتصر (والو)”. ها هنا يظهر حجم العداء الذي يكنه الجزائريون للمغرب وكيف استطاع نظام الكابرنات أن يغسل أدمغة أبنائه ويؤثر في الرأي العام الجزائري طيلة هذه العقود وهو يحاول إقناعهم بأن المغرب هو العدو الأكبر للجزائر ولمصلحة الجزائريين. لا عجب في هذا ما دام الحكام الجزائريون ظلوا ومنذ عهد استقلال بلادهم منكفئين على أنفسهم ومسجونين في عوالم الماضي، ماضي الحرب الباردة والشعارات الرنانة الجوفاء من قبيل “تقرير المصير ومناصرة الشعوب المستضعفة”. إنهم يحاولون أن يظهروا بمظهر المناضلين الأحرار الذين يدافعون عن الضمير العالمي الإنساني ويتصورون أن الله اختصهم دون غيرهم بمهمة مقدسة تتمثل في نصرة الشعوب المضطهدة. لقد نسوا أو تناسوا قول الإمام الشافعي رحمه الله:
أيها الرجل المُعلِّم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصحّ به وأنت سقيم
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا *** أبداً وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُسمع ما تقول ويُشتفى *** بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خُلُق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
لسنا بحاجة إلى الحديث عن وضع الشعب الجزائري الشقيق الذي يرزح تحت نير نظام عسكري جشع بدد ثرواته في الدفاع عن دولة “الوهم” بدل الالتفات إلى شعبه والسير به في طريق التقدم والتنمية.
لقد كان القرار الأممي الأخير بمثابة الضربة القاضية التي زلزلت كيان النظام الجزائري لدرجة أن خطاب مسؤوليه سقط في متاهة التناقض والتهافت، فمنهم من يقول: إن الجزائر ليست طرفاً في النزاع حول الصحراء، ومنهم من يقول: إن الجزائر بحكم عقيدتها “النضالية والدبلوماسية” لا يمكن أن تتخلى عما تسميه “الشعب الصحراوي” الذي تقصره فقط على عشرات الآلاف الذين تأويهم في تندوف، أما ما عداهم فليسوا صحراويين. أما البعض الآخر فحملته حميته الهوجاء إلى ربط قضية الصحراء بقضية فلسطين! وها هنا أتساءل: ما الذي فعلته الجزائر لنصرة الشعب الفلسطيني في غزة وهو يعاني ما يعانيه من ويلات على امتداد سنتين أو أكثر؟
إن مشكل الجزائر أنها لا تعلم أن مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر، فالعالم في تحول دائم والجميع يحاول ويجتهد للنظر بنظارات المستقبل، إنها ببساطة لم تستطع أن تدرك حجم التغييرات الجيوستراتيجية التي طرأت على العلاقات الدولية بشكل عام، وأن المغرب ظل منسجماً مع ذاته وهو يدافع عن حقه في توحيد بلاده واسترجاع أراضيه، وفي نفس الوقت نجح دبلوماسياً في استقطاب القوى الدولية الكبرى وإقناعها بوجاهة وسداد مقترحه الداعي إلى تمتيع سكان الصحراء المغربية بالحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. أما دبلوماسية الجزائر التي عفا عليها الزمان وصارت مضرب التندر والفكاهة حتى بين صفوف الجزائريين أنفسهم، فقد ظلت سجينة الماضي وهي لا تمل من ترديد سمفونيتها النشاز: “تقرير المصير”. لست فقيهاً في القانون كي أشرح للنظام الجزائري مفهوم تقرير المصير ولا كون مسألة الحكم الذاتي هي في حد ذاتها نوع من تقرير المصير، ولكني أثير هذا السؤال: ماذا عن شعب القبائل الذي يطالب هو الآخر بالحكم الذاتي؟ وماذا لو هب سكان الصحراء الشرقية هم كذلك للمطالبة بحق تقرير مصيرهم، فهم كذلك ضحية من ضحايا الاستعمار الفرنسي وتبعاته.
إن الجزائر التي لم تأخذ بعين الاعتبار مبادرة اليد الممدودة التي تقدم بها جلالة الملك محمد السادس غير ما مرة، وقابلتها بالأذن الصماء نظير ما كان يقوم به الكافرون وهم يصمون آذانهم عن سماع قول الحق، يقول تعالى: “وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا” (سورة نوح الآية 7).
إنما هي (أي الجزائر) تسعى من خلال صنيعها ذاك إلى تفويت فرصة تاريخية لجسر علاقات القربى والأخوة والمحبة بين الشعبين، فضلاً عن فرص التعاون اقتصادياً بين البلدين في عالم أصبح لا يعترف إلا بالتكتلات الاقتصادية القوية. لقد أصبح من الواجب على الجزائر أن تطوي صفحة الماضي الكئيب والمؤسف، ونحن كمغاربة سنفتح لها ذراعينا وسنضرب صفحاً عن كل المآسي الإنسانية والاجتماعية التي تسببت لنا فيها، خاصة سكان الشريط الحدودي في المناطق الجنوبية الشرقية والذين عانوا الويلات من طرف الجيش الجزائري الذي نكل بالكثيرين فقتل وعذب وسجن…، كما صادر أغنام وإبل الكثير من البدو الرحل، ولقد كانت تلك المآسي دافعاً لي كي أكتب عملاً روائياً وسمته بـ”الحب والحدود” (وهو صادر عن دار أفريقيا الشرق سنة 2023) ضمنتُ فيه الكثير من صور البشاعة التي يأنف المسلم أن يرتكبها في حق أخيه المسلم، خاصة مأساة المغاربة المطرودين من الجزائر في يوم عيد الأضحى عام 1975 من طرف هواري بومدين، فيما سمي “المسيرة السوداء” رداً على المسيرة الخضراء. وبالرغم من كل تلك الآلام فتحتُ كوة للأمل من خلال إيرادي لعلاقة حب واقعية بين شاب مغربي وشابة جزائرية، وهي العلاقة التي استطاعت في الأخير أن تنتصر على لعنة الحدود المغلقة وجهامة العداوة البغيضة، وقد رمزت بها إلى ثقتي في المستقبل.
آمل في الأخير أن تسود روح الإخاء وتتغلب روح التسامح فيراجع القادة الجزائريون مواقفهم العدائية المتصلبة، كي يصبح المغربي والجزائري أخوين على سرر المحبة والود متقابلين، وحينها سيصبح من حقي أنا المغربي مولدا وأصلاً أن أنتقل إلى الجزائر كي أترحم على روح “عمي” الجزائري الذي كان يحلم بأن تنقشع غيوم السحب السوداء التي لبدت سماء بلدين جارين وشعبين شقيقين. وما ذلك على الله بعزيز.