
الخط :
A-
A+
صوّتت الجزائر في مجلس الأمن لصالح القرار الأمريكي الخاص بنزع سلاح حماس، طرد مقاتليها من غزة، وإنشاء قوة دوليةوتدمير الأنفاق، رغم مناشدة الحركة للجزائر بالامتناع أو الرفض، ورغم الشعارات التي يكررها النظام حول دعمه “المطلق” لفلسطين. هذا الموقف كشف التناقض بين الخطاب القومي الذي تروّجه الجزائر في الإعلام وبين ممارستها الفعلية داخل المؤسسات الدولية، حيث شكَر مندوبها الولايات المتحدة واعتبر القرار خطوة نحو السلام.
هذا الموقف كشف التناقض العميق بين الجزائر التي تتباهى بخطابات “الممانعة” على المنابر الإعلامية، والجزائر التي تنحني للمشاريع الأمريكية داخل مجلس الأمن. فبينما تقدّم نفسها كصوت للمقاومة، وجّه مندوبها شكرًا صريحًا للولايات المتحدة واصطفّ إلى جانب رؤيتها لإدارة الوضع في غزة، في تجاهل تام لموقف الفصائل الفلسطينية نفسها.
ويبرز من خلال هذا التصويت أن النظام العسكري الجزائري يستغل القضية الفلسطينية كأداة بروباغندا داخلية، يوظفها كلما اشتدت أزماته السياسية والاجتماعية، لكنه لا يلتزم بها فعليًا حين يجد نفسه أمام لحظة دولية تتطلب موقفًا واضحًا، فالهدف بطبيعة الحال ليس نصرة فلسطين، بل استخدام فلسطين لتجميل صورة نظام يعاني الهشاشة داخليًا والارتباك خارجيًا.
ولطالما قدّم هذا النظام المهترئ نفسه كقائد لمحور “الرفض”، لكنه في أول اختبار حقيقي فضّل التماهي مع واشنطن، مبرهنًا أن ما يرفعه من شعارات مجرد واجهة لإخفاء فشل اقتصادي، بطالة متفشية، عزلة دبلوماسية، وتراجع نفوذ إقليمي اشتراه في وقت سابق بأموال الغاز والنفط الجزائريين، وهكذا يسقط خطاب “القومية” الذي ظلت الجزائر الرسمية تتغنى به، وتبيّن أنه قناع يُستعمل لمخاطبة الداخل لا الخارج.
فالتصويت لصالح خطة أمريكية يعيد ترتيب غزة وفق الرؤية الإسرائيلية – الأمريكية، بما فيها إنشاء قوة دولية، يتناقض جذريًا مع ما تدعيه الجزائر من “دفاع عن المقاومة”. هذا الموقف لم يحرج النظام فقط، بل أكد أن الشعارات التي ظل يرفعها لعقود لا تملك أي وزن أمام حسابات البقاء السياسي التي يتحرك وفقها.
ويتضح أن الشعب الجزائري نفسه لم يعد ينخدع بهذا الخطاب الرسمي، بعدما كشف هذا الموقف أن النظام لا يملك جرأة اتخاذ قرار ينسجم مع الشعارات التي يبني عليها شرعيته الإعلامية، ففلسطين بالنسبة إليه ليست قضية مبدأ، بل وسيلة لإدارة رأي عام متململ، وتغطية ملفات الفشل الداخلي، من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية.
في النهاية، يجسد تصويت الجزائر لصالح القرار الأمريكي حقيقة النظام العسكري، والتي كشفت أنه نظام يتاجر بالقضايا الكبرى، يتحدث بلهجة الثوار ويتصرف بمنطق التابعين، يهاجم العرب نهارًا ويصفّق لواشنطن عند أول مفترق، ليبقى هذا الموقف علامة جديدة على نظام يعيش على الصراخ… ويقف صامتًا حين يحين موعد المواقف الحقيقية.