الخط :
A-
A+
أثار ردّ وزير الصحة على تساؤلات المعارضة خلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية اليوم بخصوص شبهات مرتبطة بتفويت صفقات عمومية في قطاع الأدوية حفيظتنا وقلقنا في نفس الوقت، ليس فقط بسبب مضمون الجواب، بل بسبب المنطق الذي يحكمه. جواب الوزير جاء دفاعياً، تقنياً، وتبريرياً، وكأن الأمر يتعلق بمدير إدارة يوضح مسطرة إدارية، لا بعضو في حكومة يُفترض أنه يمارس المسؤولية السياسية قبل التقنية.
المعارضة، حين طرحت السؤال حول شبهة تفويت صفقات لوزير آخر، لم تكن توجه للوزير تهمة شخصية، ولم تضعه في قفص الاتهام، بل مارست حقاً دستورياً في مساءلة الحكومة حول تدبير المال العام. وهذه وظيفة طبيعية داخل أي نظام ديمقراطي: سؤال، تدقيق، مطالبة بالتوضيح… ثم انتظار الأجوبة المؤسَّسة على الوثائق، وليس الردود الانفعالية.
كان المنتظر من الوزير أن يتعامل مع الموضوع بمنطق سياسي واضح: أن يقدّم المعطيات، الصفقات، المساطر، الوثائق، وبالكيفية التي تُطمئن الرأي العام وتؤكد شفافية التدبير.
هذا هو دوره. أما أن يردّ بصيغة: “جيبو الدليل” أو ما يعادله، فذلك قلبٌ لمعادلة المساءلة رأساً على عقب. فالوزير هو من يجب أن يقدّم الأدلة، لا من ينتظرها من خصومه السياسيين. الوزير دوره أيضا أن يشرح للرأي العام وممثلي الأمة في البرلمان مجموع التدابير التي سنتها وزارته لمحاربة المحسوبية والزبونية والحد من تضارب المصالح لا أن يطالب البرلمان بوضع القوانين وسيطبقها (كما قال في مزايدة غير مجدية).
هذا الخلل في الفهم ليس حادثاً معزولاً، بل يعيد طرح مشكلة بعض الوزراء التقنوقراط الذين يصلون إلى موقع المسؤولية دون تجربة سياسية سابقة. هؤلاء قد يمتلكون خبرة تقنية محترمة، لكنهم غالباً يفتقرون إلى أدوات السياسة: فهم قواعد المساءلة، إدراك حساسية الخطاب العمومي، والقدرة على إدارة الأزمات وتخفيف التوتر بدل تضخيمه.
السياسة ليست تمارين تقنية، بل قدرة على التواصل. المسؤول. والوزير ليس مجرّد مشرف على قطاع، بل عضو في حكومة ملتزمة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. لذلك، حين يطرح البرلمان تساؤلاً حول شبهات تهم المال العام، فالمطلوب ليس نبرة دفاعية، ولا انطباع بأن الوزير يشعر بأنه متّهَم، بل جواب مؤسساتي، مدعوم بالوثائق، يؤكد أن كل صفقة تمت وفق القانون.
الوزير يملك السلطات، يملك الوثائق، يملك المنصة الرسمية، ويملك الحق في طلب التحقيق إن رأى ضرورة. وبالتالي، لا معنى لخطاب يطلب فيه من الآخرين أن يثبتوا العكس.
المنطق السياسي السليم هو: “هذه الوثائق، هذه المساطر، وهذا ما جرى بالتفصيل… وأي شبهة تستحق التحقيق فنحن أول من سيطالب به.”
هذا ما ينتظره الرأي العام. وهذا ما يميز السياسي عن التقنوقراطي: الأول يتحمّل تبعات المسؤولية، والثاني يختبئ خلف لغة تقنية حين تشتد الأسئلة.
اليوم، الحاجة ليست فقط إلى تدبير قطاع الصحة بكفاءة تقنية، بل إلى إدارة السياسة العمومية بثقافة سياسية حقيقية تعرف معنى الرقابة، وتعرف أن البرلمان حين يسائل… فهو لا يفتّش عن إدانة، بل يمارس دوره الطبيعي في حماية المال العام.
وهذه هي أبسط قواعد الدولة الحديثة.