سياسة بلا أخلاق

Écrit par

dans


محمد شهبي

في لقاء “مسار الإنجازات” المنعقد بمديونة، لم يكن الحزب الحاكم يُقدّم إنجازاتٍ فقط، بل كان يُعيد إنتاج خطابٍ سياسي مُتشظٍّ، يجمع بين التباهي المُفرط والهجوم التجريحي، بين التبرير المُقنع والتشويه المُمنهج. لم تكن الكلمات هنا مُوجّهة لبناء وعي عام، بل لحماية صورة حزبية مُهددة، عبر تحويل النقد إلى خيانة، والانتقاد إلى عدوان، والاختلاف إلى تآمر.

رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، لم يكتفِ بردّ الانتقادات، بل حوّلها إلى مرض نفسي. حين قال: “علينا بناء مستشفى جامعي للعقول المتحجرة التي لم تستوعب ما يتم القيام به اليوم”، لم يُقدّم تحليلًا، بل أطلق وصفًا طبيًا ساخرًا لخصومه السياسيين، كأنهم مرضى عقليون يحتاجون إلى علاج، لا إلى حوار. هذا ليس خطابًا سياسيًا، بل هو استهانة بذكاء المواطن، وتجريده من حقه في التساؤل. فهل من حق من يحكم أن يُصنّف من يُعارضه كـ”متحجر”؟ وهل من حق رئيس برلمان أن يُعيد إنتاج نمط من الخطاب يشبه ما يُقال في ملتقى عائلي، لا في مسرح الديمقراطية؟

ولم يكن الطالبي الوحيد في هذا التوجه. فعندما قال: “نتمتّع بمناعة كافية لمواجهة الضربات… لأننا مغاربة وولاؤنا للملك والوطن”, لم يُدافع عن سياسات، بل استغلّ الوطنية كدرعٍ أخلاقي يُحول أي انتقاد إلى خيانة. وهذا أخطر ما في الخطاب السياسي المغربي اليوم: تحويل الولاء للملك – وهو مبدأ لا يُناقش – إلى سلاح سياسي لقمع النقد. فالوطنية ليست ملكًا لحزب، ولا الولاء للملك يُصبح مقياسًا للصدقية السياسية. ومن يُوظّف هذا المبدأ كدرع لحماية الأخطاء، لا يُدافع عن النظام، بل يُهدم مفهوم المساءلة الديمقراطية.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

أما مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، فقد انتقل من الدفاع عن السياسات إلى التشهير بالمنتقدين. حين قال: “نستمع للانتقاد الذي يحسن العمل، وليس الانتقاد المليء بالأكاذيب”, لم يُقدّم دليلًا على “الأكاذيب”، بل ألقى تهمة عامة، كأنه يُخاطب جمهورًا مُستعدًا لقبول أي اتهام بحق الخصم. وهذا هو نمط الخطاب الاستبدادي: لا دليل، لا تحليل، فقط تسمية. وحين ربط بين “التبخيس” وبين “الحصانة البرلمانية”، كأنه يقول: “إذا انتقدتني، فأنت تسيء استخدام الحصانة”، فإنه يُحوّل الحصانة – وهي ضمانة لحرية التعبير – إلى أداة لتجريم الانتقاد نفسه. وهذا تحوّل خطير: من الحصانة كوسيلة لحماية الحرية، إلى الحصانة كوسيلة لحماية الفساد.

وزد على ذلك زينة هاشم، التي قالت: “اليوم نرى كيف تم التشهير ببعض الأسماء بسبب تصريحات غير مسؤولة، وللأسف كانت تختبئ وراء الحصانة، فهل الحصانة هي أن نقول مغالطات؟ بل هي أن قول الحقيقة”، نرى تحوّلًا مُذهلًا في منطق التبرير: فالتشهير بمن ينتقد، يُصبح “دفاعًا عن الحقيقة”، والتشكيك في السياسات، يُصبح “جريمة”. وكأنه لا يمكن أن تكون هناك مساحة للشك، أو للتدقيق، أو حتى للأسئلة المحرجة. ففي هذا الخطاب، لا مكان للديمقراطية، بل فقط للطاعة.

وحتى محمد بوسعيد، الوزير السابق، الذي يُقدّم إنجازاتٍ ملموسة، لم يسلم من هذا النمط السامّ. حين قال: “ما ينفع الناس يمكث في الأرض، أما الزبد فيذهب جفاء”، لم يُقدّم تحليلًا لسياسة تضخم أو دعم للقدرة الشرائية، بل استخدم تشبيهًا شعبيًا لتقديم نصيحة أخلاقية، كأنه يخاطب جمهورًا لا يفهم سوى أمثال. فهل هذا هو مستوى الخطاب الذي نُرجو منه بناء دولة؟ هل نبني إصلاحاتٍ جوهرية على أمثال وتشبيهات، لا على بيانات ومؤشرات؟

هذا الخطاب، الذي يجمع بين التباهي والتجريح، لا يُعبّر عن قوة، بل عن ضعف. فهو لا يُجيب على أسئلة الانتقاد، بل يُحولها إلى هجوم شخصي. لا يُناقش السياسات، بل يُهاجم المُناقِشين. لا يُقدّم أدلة، بل يُطلق أحكامًا. وهو في جوهره، خطاب مُخيف: لأنه لا يُؤمن بالحوار، بل بالهيمنة. ولا يُؤمن بالديمقراطية، بل بالاستعلاء.

والأسوأ أن هذا الخطاب لا يُصدر عن مُعارضين، بل عمن يحكمون. فهم لا ينتقدون من أجل التغيير، بل ينتقدون من أجل الحفاظ على السلطة. وهم لا يُريدون مواطنين ناقدين، بل مُستمعين خاضعين.

المغرب لا يحتاج إلى حكومة تُعلن أن “ما نفعله لن يُفهم إلا بعد عشر سنوات”، بل إلى حكومة تُفهم اليوم، وتُفسّر اليوم، وتُجابه الانتقادات اليوم. لا يحتاج إلى مستشفى للعقول المتحجرة، بل إلى مدارس للتفكير النقدي. ولا يحتاج إلى من يُدافع عن “الإنجازات” بتشويه الخصوم، بل إلى من يُدافع عن الديمقراطية بقبول النقد.

الخطاب السياسي المغربي، في هذه اللحظة، أمام مفترق طرق: إما أن يتحول إلى فضاء للحوار والمساءلة، أو أن يبقى ساحة للتجريح والتملّص. قيادات حزب الأحرار، في هذا اللقاء، اختاروا الخيار الثاني. والسؤال الآن: هل سيختار المواطنون، في نهاية المطاف، أن يكونوا متفرجين على هذا العرض، أم أنهم سيطالبون بخطابٍ آخر؟

خاتمة:

هذا المقال لا يُنكر وجود إنجازات حكومية، بل يُنكر أن تكون هذه الإنجازات مبررًا لتجريح من يُعارضون. فالديمقراطية لا تُقاس بكمّ الإنجازات، بل بجودة الحوار الذي يُحيط بها. وحين يُصبح النقد مُجرّمًا، وحين تُصبح الحصانة درعًا للتكذيب، وحين يُصبح الولاء للملك وسيلة لتجريم المعارضة – فنحن لا نبني دولة، بل نُعيد إنتاج سلطة لا تُحتمل.

-باحث في العلوم السياسية

إقرأ الخبر من مصدره