
أحمد بلحاج آية وارهام
الكراهية ليست مجرد شعور سلبي، بل هي بنية نفسية وفكرية وأخلاقية تتغلغل في نسيج الوعي الفردي والجماعي، وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخر. إنها ليست فعلًا داخليًا فحسب، بل ممارسة وجودية تُعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للنفي، للتشييء، وللإقصاء؛ فهي تُسقط إنسانية الإنسان من خلال عدستين متكاملتين:
-عدسة الفلسفة والأخلاق
-عدسة الأدب
#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}
إنها تُعيد تشكيل الوعي، وتُحطم العلاقة، وتُبرر العنف، وتُفكك المعنى، وتعمل على إنتاج الإنسان ككائن مضاد للإنسانية.
1- الكراهية من الوجهة الفلسفية: تعني نفي الآخر ونفي الذات
فمنذ أفلاطون، كانت الفلسفة معنية بسؤال الإنسان: من هو؟ وما علاقته بالآخر؟ وما معنى أن يكون إنسانًا؟ والكراهية، في هذا السياق، تُشكل تهديدًا جوهريًا لهذا المعنى، لأنها تُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والآخر على أساس النفي لا الاعتراف. ففي فلسفة إيمانويل ليفيناس، يُعد الآخر أساس الأخلاق، ووجهه يحمل نداءً لا يمكن تجاهله، نداءً يُلزم الذات بالاستجابة الأخلاقية (1). لكن الكراهية تُسقط هذا الوجه، وتُحوله إلى قناع، إلى شيء، إلى هدف مشروع للإقصاء. إنها تُنكر العلاقة، وتُقيم جدارًا بين الذات والآخر، فتُفقد الإنسان قدرته على التعاطف، وتُعيد تشكيله ككائن مغلق على ذاته، لا يرى إلا ذاته، ولا يسمع إلا صدى غضبه.
في جدلية السيد والعبد عند هيغل، يُظهر الاعتراف المتبادل بوصفه أساسًا للإنسانية. الكراهية تُسقط هذا الاعتراف، وتُعيد إنتاج علاقة السيد والعبد دون أمل في التحرر، لأن الكراهية لا تسعى إلى الاعتراف، بل إلى الإلغاء (2). وهكذا، فإن الكراهية ليست فقط نفيًا للآخر، بل نفيًا للذات، لأنها تُفقد الإنسان قدرته على أن يكون إنسانًا في علاقته بالآخر.
في فلسفة سارتر، يُعد الآخر جحيمًا، لأن وجوده يُهدد حرية الذات. الكراهية، في هذا السياق، تُصبح وسيلة للهروب من هذا التهديد، عبر نفي الآخر، وتشييئه، وتحويله إلى كائن فاقد للحرية (3). لكن هذا النفي يُعيد تشكيل الذات نفسها ككائن فاقد للحرية، لأن الحرية لا تُمارس إلا في علاقة مع الآخر، لا في عزلة عنه.
هي تُعيد تشكيل الوعي، وتُحوله من وعي أخلاقي إلى وعي عدائي، من وعي حواري إلى وعي إقصائي. إنها تُسقط الإنسان من مقامه الفلسفي، وتُعيد إنتاجه ككائن مضاد للفلسفة، مضاد للإنسانية. إنها تُعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للتدمير، لا كائنًا جديرًا بالاحترام. في هذا السياق، تُصبح الكراهية نفيًا للوجود، لأنها تُعيد تشكيل العلاقة الوجودية بين الذات والآخر على أساس العداء، لا على أساس الحوار.
تؤدي الكراهية إلى تدمير أسس الاعتراف بالآخر، وتحويله من كائن إنساني إلى مجرد تهديد أو عدو، مما يفضي إلى نفي إنسانيته بالكامل.
ففي السياق الفلسفي، لا تعتبر الكراهية مجرد انفعال سلبي، بل هي بنية وجودية تشتغل على نفي الآخر بوصفه إنسانًا. حين يكره الفرد أو الجماعة، فإنهم لا يرفضون الآخر فحسب، بل ينكرون عليه حقه في الوجود الإنساني الكامل. هذا النفي يتجلى في صور متعددة:
أ – نزع الصفات الإنسانية: يُنظر إلى الآخر ككائن أدنى، غير عقلاني، غير أخلاقي، أو حتى غير جدير بالحياة.
ب – التشييء: يتحول الآخر إلى شيء، إلى وظيفة أو تهديد، لا إلى ذات لها تاريخ ومشاعر وحق في الخطأ والصواب.
ج – الاختزال الهوياتي: يُختزل الآخر في انتمائه الديني أو العرقي أو السياسي، ويُحرم من التعقيد الذي يميز الإنسان.
فالكراهية لا تبقى في حدود الشعور، بل تتجسد في أنظمة وسلوكيات، مثل:
العنف الرمزي: عبر اللغة، الصور، النكات، التمثيلات الثقافية التي تهمّش الآخر وتَسخر منه.
العنف المؤسساتي: حين تُبنى السياسات على أساس التمييز، ويُقصى الآخر من الحقوق أو يُجرّم وجوده.
العنف الجسدي: وهو الذروة التي يصل إليها نفي الإنسان، حين يُبرر قتله أو تعذيبه أو طرده.
وكما يشير الفيلسوف فتحي المسكيني، فإن الكراهية ليست فقط موقفًا من الآخر، بل هي علامة على خلل في علاقة الذات بذاتها. الذات التي تكره هي ذات فاقدة للمناعة الأخلاقية، غير قادرة على الاعتراف بالهشاشة المشتركة بين البشر (4).
إن مقاومة الكراهية لا تكون بالشعارات، بل بـ:
إعادة الاعتراف بالآخر بوصفه كائنًا له الحق في الخطأ، في الاختلاف، في التعبير.
تفكيك آليات النفي عبر تحليل الخطاب، كشف الصور النمطية، وتفكيك البنى التي تكرّس التمييز.
بناء مناعة أخلاقية، فكما يقول المسكيني، لا توجد “أفكار إرهابية”، بل توجد ذوات منفعلة فاقدة للمناعة. لذا، يجب بناء الذات القادرة على التفكير، لا على الانفعال.
ليست الكراهية مجرد شعور سلبي، بل هي فعل وجودي ينقض على جوهر الآخر، لا ليعارضه، بل لينفيه. إنها لا تقول “أنا لا أتفق”، بل تصرخ “أنت لا تستحق أن تكون”. في لحظة الكراهية، يُختزل الآخر إلى تهديد، إلى شبح، إلى شيء يجب محوه. لا يعود الآخر وجهًا، ولا صوتًا، ولا تجربة، بل يصبح فراغًا يجب ملؤه بالصمت أو بالخراب. فالكراهية لا تَرى، بل تُسقط. إنها لا تنظر إلى الإنسان، بل إلى صورة مشوهة منه، صنعها الخوف، والغضب، والجهل. إنها ترفض أن تُصغي، لأن الإصغاء اعتراف، والكراهية لا تعترف. إنها ترفض أن تتخيل، لأن الخيال جسر، والكراهية لا تبني جسورًا، بل جدرانًا.
في الكراهية، يُلغى الحوار. يُلغى الاحتمال. يُلغى المستقبل المشترك؛ فهي لا تعيش في الزمن، بل في لحظة متجمدة من الرفض المطلق. ولا تسعى إلى التغيير، بل إلى الإبادة الرمزية. إنها نفي للإنسان، لأنها نفي للتماس، للشفقة، للضعف، للدهشة، لكل ما يجعلنا بشرًا. لا تحتاج إلى سبب، بل إلى هدف. إنها تبحث عن وجه لتسكب عليه غضبها، لا لتفهمه، بل لتُلغيه. إنها لا تسأل “من أنت؟”، بل تقرر “أنت ما أكره”. بهذا المعنى، الكراهية ليست فقط نفيًا للآخر، بل نفيًا للذات أيضًا؛ لأنها تُحرم الذات من إمكان أن تكون أكثر، أن تتسع، أن تتجاوز.
ولا مراء في أن من يكره، يحبس نفسه في مرآة مشروخة. يرى الآخر مشوهًا، ويرى نفسه مهددًا. إن الكراهية لا تحمي، بل تُفسد. لا تُحصّن، بل تُعري. إنها وهم القوة، لكنها في جوهرها ضعفٌ خالص، خوفٌ من اللقاء، من التعدد، من التغيير. ولذا فهي نفي للإنسان فينا.
2- الكراهية من الوجهة الأدبية: تعني أنها تلك القوة المدمّرة للذات وللآخر
ففي رواية “الغريب” لألبير كامو، لا نجد كراهية صريحة، بل لا مبالاة وجودية، لكنها تفضي إلى النفي ذاته: نفي المعنى، نفي الآخر، نفي الذات. وذلك لأن الكراهية هنا ليست صراخًا، بل صمتًا كثيفًا، يقتل دون أن يبرر.
وفي “الإخوة كارامازوف” لدوستويفسكي، فإن الكراهية تتجسد في شخصية إيفان، الذي يرفض العالم لأنه غير عادل، ويصل إلى نفي الله والإنسان معًا. مما يجعل الكراهية هنا فلسفية، ولكنها لا تقل تدميرًا.
أما في الشعر، وخاصة عند محمود درويش مثلاً، فإننا نجد لحظات يتقاطع فيها الحب مع الكراهية، لا بوصفها نقيضًا، بل بوصفها مرآة مشروخة:
“أكرهها، وأحبّها،
وأكره أن أحبّها.”
ليست الكراهية هنا نفيًا للآخر فقط، بل نفيًا لاستقرار الذات، لحدودها، لهويتها.
لكنها في المسرح تصير نفيًا للإنسان على الخشبة، وذلك لأن المسرح لا يُمثل الكراهية، بل يُجسّدها على الركح، حيث تتحول إلى جسد، إلى صوت، إلى نظرة، إلى صمت قاتل. إنها لا تُقال فقط، بل تُعاش، تُصرخ، تُرتجف. إنها في المسرح ليست فكرة، بل هي حدث. إنها لحظة يتوقف فيها الزمن، ويتحول الإنسان إلى مرآة مشروخة يرى فيها الآخر كعدو، ويرى نفسه كضحية أو جلاد.
في التراجيديا، تكون الكراهية هي المحرك الخفي. أوديب لا يكره، لكنه يُكرَه على الكراهية حين يكتشف ذاته في الآخر الذي قتله. الكراهية هنا ليست اختيارًا، بل قدرًا. إنها نفي للإنسان لأنه لا يستطيع أن يتحمل الحقيقة.
غير أنها في المسرح السياسي تُستخدم كأداة تفكيك. تُعرّي السلطة، تفضح الأيديولوجيا، تكشف الأقنعة. تُهدد بأن تتحول إلى خطاب مضاد، إلى عنف رمزي جديد. فالمسرح الذي يصرخ ضد الكراهية، قد يسقط في فخها إن لم ينتبه إلى لغته، إلى نبرته، إلى تمثيله للآخر.
ولكنها في المسرح العبثي لا تبدو صريحة، لكونها حاضرة في الغياب. فالشخصيات لا تكره بعضها، لكنها لا تستطيع أن تحب. إنها تعيش في نفي متبادل، في عزلة لا تُحتمل. هي هنا الفراغ ذاته، هي اللاجدوى، هي الصمت الذي يبتلع المعنى.
في المسرح، تُجسّد الكراهية في الجسد المُنهك، في الحركات المقطوعة، في الإضاءة القاسية، في الموسيقى التي لا تُطرب بل تُزعج. الكراهية تُصبح تجربة حسية، نشعر بها قبل أن نفهم. إنها تُخاطب الغريزة، لا العقل فقط. هي لحظة الحقيقة: حين يقف الإنسان أمام الإنسان، بلا أقنعة، بلا دفاعات، ويقول: “أنا أكرهك، لأنني لا أفهمك، لأنني أخافك، لأنك تُشبهني أكثر مما أحتمل.”
المراجع
1 – هيغل: فنومينولوجيا الروح (Phenomenology of Spirit) ترجمة: د. ناجي العونلي ،ط١، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان 2006م.
2 – بول ريكور: الذات عينها كآخر (Oneself as Another)،ترجمة: جورج زيناتي ،ط1، المنظمة العربية للترجمة ، بيروت، لبنان 2007م.
3 – جوديث بتلر: الحياة الهشة: قوى الحداد والعنف، (Precarious Life).
4 – هانس غيورغ غادامير الحقيقة والمنهج (Truth and Method)، الحقيقة والمنهج،ط1،ترجمة: حسن ناظم، علي حاكم صالح، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان 2007م.