علاج أم سراب؟

Écrit par

dans


عبد الإله الرضواني

شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا لافتًا لما يسمى بالطب الوظيفي، الذي يقدّم نفسه باعتباره نموذجًا ثوريًا يركّز على علاج جذور الأمراض بدلًا من التعامل مع أعراضها السطحية. يعتمد هذا النهج على أفكار جذابة من الناحية النظرية، مثل محورية توازن الهرمونات، وصحة الأمعاء، وحساسية الجلوتين، ومقاومة الأنسولين في تفسير كل الأمراض تقريبًا، من السمنة إلى الاكتئاب، مرورًا بالسرطان وأمراض المناعة الذاتية. يبدو كأنه الثورة التي انتظرها المرضى طويلاً. فالطب الوظيفي يعد بكشف الأسباب الجذرية للأمراض المزمنة ومعالجة الجسد من الداخل. إنه يمنح الوقت والإنصات، ويغري المرضى بفهم ليس فقط ما الذي حدث، بل لماذا. وللعديد من الناس المحبطين من رتابة الزيارات الطبية القصيرة وسطحية المتابعة، لا شك أن هذا الخطاب جذّاب للغاية. لكن خلف هذه الصورة الرحيمة تكمن منظومة قائمة على أسس علمية هشة وفي الغالب أقرب الى الشعوذة منه الى العلم. فاللغة المهدّئة التي تتحدث عن التوازن وإزالة السموم تخفي حقيقة مقلقة: كثير من ممارسات الطب الوظيفي ليست سوى علم زائف يرتدي ثوب التعاطف. وبناء عليه وجب التحذير من الدجالين الذين يزعمون أن الأمراض المعقدة لها سبب واحد، أو أن غذاءً واحدًا، أو مكملًا واحدًا، أو حمية معينة قادرة على علاج جميع الأمراض.

يرتكز ما يسمى بالطب الوظيفي على فكرة مغرية مفادها أن خللاً واحداً وخفياً هو سبب طيف واسع من الأمراض. وغالباً ما تُحمَّل المسؤولية إلى أشياء مثل الغلوتين (مادة موجودة في القمح والشعير)، أو الأمعاء المتسربة، أو المعادن الثقيلة، أو الهرمونات، أو اختلال توازن بكتيريا الأمعاء، أو الحليب ومشتقاته، أو الهرمونات الموجودة في اللحم والسمك والدجاج الذي نستهلكه، أو المبيدات الحشرية الموجودة في الخضر والفواكه الخ… وتُستخدم هذه العوامل لتبرير تقريباً كل شيء: من أمراض المناعة الذاتية والعقم إلى الاكتئاب والإرهاق والسكري والسرطان والروماتيزم والباركنسون والخرف والتصلب اللويحي وامراض الجهاز الهضمي المختلفة… هذه البساطة مغرية، لكنها مضلّلة؛ فالأمراض المزمنة نادراً ما تعود إلى سبب واحد. لقد أثبتت العلوم الحديثة أن جذور هذه الأمراض معقدة ومتعددة، تمتد بين الجينات والبيئة ونمط الحياة والاستجابات المناعية والتفاعلات المعقدة الكثيرة بين كل هذه العوامل.

ثم تأتي مرحلة الاختبارات. فممارسو الطب الوظيفي يعتمدون على سلسلة من التحاليل التجارية، مثل اختبارات الحساسية الغذائية، وتحليل الهرمونات، وفحوص بكتيريا الأمعاء، والتي تفتقر إلى التوحيد العلمي والاعتماد السريري. وتُبنى على نتائجها وصفات من المكملات الغذائية والعلاجات التطهيرية والحمية القاسية، فينزف المال وتتآكل الطمأنينة. والأسوأ أن كثيراً من المرضى ينتهي بهم الأمر إلى الإيمان بأن أجسادهم ملوثة أو معطوبة، رغم غياب أي دليل حقيقي على ذلك.

#div-gpt-ad-1608049251753-0{display:flex; justify-content: center; align-items: center; align-content: center;}

ويستمر الوهم عبر الوعود المفرطة. فعندما لا تتحقق النتائج، تُلقى اللائمة على عدم الالتزام، أو السموم العميقة، أو الحاجة إلى مزيد من الاختبارات. وهكذا يدور المريض في حلقة من الأمل المؤجل والعلاج الوهمي. لكن هذا الوهم لا يقتصر ضرره على تضليل المرضى أو استنزاف أموالهم؛ فهو في بعض الحالات يؤخر العلاج الحقيقي إلى أن يفوت الأوان. فبينما ينشغل المريض بما يسمى تنظيف الجسم أو علاج الجذر الخفي، قد يتطور مرض خطير، مثل السرطان أو تليف الكبد، بسرعة إلى مرحلة لا يمكن إنقاذها. والنتيجة محزنة: ضاعت الفرصة الذهبية للعلاج، أو على الأقل إيقاف التطور الى الأسوء أو الوقاية من ظهور مضاعفات جانبية خطيرة، في حالة السكري مثلا، بسبب الإيمان بخزعبلات بلا دليل.

ومع ذلك، من الخطأ أن نرفض الحركة برمتها. فقد لامس الطب الوظيفي عطشاً حقيقياً: رغبة الإنسان في عناية تستمع إليه وتعترف بمعاناته الكاملة. نظامنا الصحي المعاصر كثيراً ما يتجاهل القصة الإنسانية خلف المرض. هذا ما يفسر انجذاب الناس إلى خطاب الطب الوظيفي، لا لأنه أكثر علماً، بل لأنه أكثر قرباً من الإنسان. لكن الشمولية دون الدليل العلمي ليست طباً، بل سراباً ووهما.

ما بعد الزيف: كيف يبدو الطب التكاملي القائم على الأدلة

على الرغم من عيوب الطب الوظيفي، إلا أنه يكشف عن حقيقة مهمة: الطب التقليدي كثيراً ما يعجز عن تقديم رعاية شاملة، وقائية، وإنسانية. لكن الحل لا يكمن في تبنّي نظريات غير مثبتة أو في إعادة اختراع العلم، بل في بناء نموذج للرعاية يجمع بين الدقة المنهجية والتمركُز حول المريض. ما يسمى الطب التكاملي القائم على الأدلة يفعل ذلك تماماً. فبعكس الطب الوظيفي الذي في أغلب الأحيان يكون أقرب الى الخرافة منه الى العلم الحقيقي، يعترف الطب التكاملي بتعقيد الجسد البشري وسلوك الإنسان، مع بقاءه راسخاً على أرض الدليل العلمي. وإليك كيف يبدو هذا النموذج في الواقع:

الطب القائم على نمط الحياة المدعوم بالدراسات السريرية

الغذاء، والنشاط البدني، والنوم الجيد، وإدارة التوتر، تشكّل الأساس، لا لأنها قصص جذابة عن شفاء الأمعاء، بل لأن التجارب السريرية العشوائية أثبتت جدواها في الوقاية من الأمراض المزمنة وعلاجها أو التحكم فيها، مثل السكري من النوع الثاني وارتفاع الضغط والاكتئاب وأمراض أخرى.

الاستخدام الآمن للعلاجات المكمّلة

يتبنّى الطب التكاملي العلاجات المكمّلة بحذر وانتقائية، مثل الوخز بالإبر لعلاج الألم المزمن، أو التأمل الواعي للتوتر والقلق، أو اليوغا للتعب العضلي الليفي، ولكن فقط حين تدعمها الأدلة العلمية. وتُستخدم هذه الممارسات إلى جانب العلاجات الطبية المثبتة، لا كبدائل قائمة على فرضيات بدون أساس علمي.

نماذج رعاية تعاونية

في العيادات التكامليّة المبنية على الأدلة، يعمل الأطباء وخبراء التغذية وعلماء النفس والمروضون ضمن فريق واحد، لا لمعالجة السبب الجذري المتخيّل، بل لفهم الترابط بين الجوانب الجسدية والنفسية والاجتماعية لصحة الإنسان

مؤشرات حيوية ذات قيمة سريرية حقيقية

بدلاً من اختبارات الحساسية الغذائية المكلفة وغير الموثوقة أو تحاليل بكتيريا الأمعاء التجارية، يعتمد الأطباء على أدوات تشخيصية مثبتة علميا في اختبارات سريرية عشوائية على آلاف الأشخاص مثل ما يسمى بالخزان لتقييم السكري، والبروتيين التفعالي كمؤشر للالتهاب، ومستوى الكرياتنين لفحص عمل الكلى، ومستوى انزيمات الكبد لفحص عمل الكبد، وتحاليل الدهون لتقدير خطر أمراض القلب، الخ…

-ممارسة أخلاقية خالية من التحيز التجاري

على عكس كثير من عيادات الطب الوظيفي التي ترتبط ببيع المكملات والترويج لتحاليل خاصة، يلتزم الطب التكاملي الحقيقي بالشفافية ويتجنب أي تعارض مالي قد يضر بثقة المريض. الطبيب الملتزم لا يبيع مكملات غذائية ولا يربط ربحه بتحاليل معينة. الطب الحقيقي يقوم على الشفافية وخدمة المريض، لا على تحويل المرضى إلى زبائن.

هذا هو الطب التكاملي القائم على الأدلة: إنساني في مضمونه، علمي في منهجه، وأخلاقي في ممارساته. إنه يرفض الثنائية الزائفة بين الرحمة والعقل، ويرى أن الطب قادر أن يكون الاثنين معا. هذا النموذج لا يَعِد بعجائب أو رحلات شفاء للجسم من الداخل او ما شابه من الترهات، بل يقدّم تحسناً واقعياً مبنياً على العلم، ترافقه التعاطف والدقّة واحترام تعقيد الجسد الإنساني.

في زمنٍ باتت فيه الرعاية الصحية ممزّقة بين خوارزميات باردة وصيحات علاجية مبنية على الوهم، يقدم الطب التكاملي القائم على الأدلة طريقاً وسطاً متوازناً: علماً بروحٍ إنسانية.

الطريق إلى الأمام

الطب لا يحتاج إلى مذهب جديد، بل إلى توازن جديد: علم يحافظ على إنسانيته، وإنسانية لا تنفصل عن العلم. إن دمج التعاطف والوقاية مع دقة المنهج العلمي الذي يميز الطب الحديث، يصنع مستقبلاً أكثر أملاً وأماناً. فالناس يستحقون رعاية تجمع الدفء بالصدق، والفعالية بالرحمة. العلم حين يقترن بالتفهم ليس بارداً، بل هو الأمل وقد صيغ بطريقة صادقة وإنسانية.

-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة

إقرأ الخبر من مصدره